شرح حديث عمران الصابي
من مصنفات السيد الاجل الاوحد المرحوم
السيد كاظم بن السيد قاسم الحسيني الرشتي اعلي الله مقامه
[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي خير خلقه محمد و آله الطيبين الطاهرين .
اما بعد فيقول العبد الجاني و الاسير الفاني المقيد بوثائق الآمال و الاماني كاظم بن قاسم الحسيني الرشتي ان جناب الاكرم الامجد الانجد اللوذعي الالمعي طالب البصيرة العليا في الدين الآميرزا زينالعابدين بلغه الله اقصي مدارج العلم و اليقين بمحمد و آله الطاهرين عليه و عليهم سلام الله ابد الآبدين قد التمس مني ان اكتب كلمات في شرح حديث عمران الصابي و حل رموزه و فتح مقفله و ايضاح مشكله و اظهار الاسرار المودعة فيه و اني مع قصور باعي و قلة اطلاعي قد كنت مشغولا باشغال تمنعني عن التفرغ لما اراد كما اراد مع ما فيه من كشف الاسرار التي لاينبغي اظهارها لاهل هذا الزمان لقوله عليه السلام لاتتكلم بما تسارع العقول في انكاره و ان كان عندك اعتذاره و ليس كلما تسمعه نكرا اوسعته عذرا و قال اميرالمؤمنين عليه السلام ما كلما يعلم العالم يقدر ان يفسره فان من العلم ما يحتمل و من العلم ما لايحتمل و من الناس من يتحمل و منهم من لايتحمل [ص 3] و لكني لما الزمت علي نفسي رعايته و اوجبت علي ما استطعت حمايته ماامكنني الا اجابته و سارعت الي نهج ( نجح خ ) طلبته سالكا الطريقة الوسطي و مازجا بين التصريح في العبارة و التلويح بلطائف الاشارة فان في هذا الحديث الشريف من الاسرار و الاحوال ما لاتسعه العبارة و لاتحويه الاشارة و اختصر في المقال لضيق المجال و تبلبل البال و تعارض الاحوال و اقتصر في شرح الحديث ما يكون متعلقا بمسائل عمران الصابي دون غيره من باقي الحديث لاستلزامه التطويل و ادائه الي كثرة القال و القيل فاقول مستعينا بالرب الجليل بعد قطع الاباطيل و دحض الاضاليل :
قال مولينا و سيدنا علي بن موسي الرضا عليه السلام يا قوم ان كان فيكم احد يخالف الاسلام و اراد ان يسأل فليسأل غير محتشم فقام اليه عمران الصابي و كان واحدا في المتكلمين فقال يا عالم الناس لولا انك دعوت الي مسألتك لماقدم عليك بالمسائل فقد دخلت الكوفة و البصرة و الشام و الجزيرة و لقيت المتكلمين فلماقع علي احد يثبت لي واحدا ليس غيره قائما بوحدانيته افتأذن ان اسألك قال الرضا عليه السلام ان كان في الجماعة عمران الصابي فانت هو قال انا هو قال سل يا عمران و عليك بالنصفة و اياك و الختل و الجور قال والله يا سيدي مااريد الا ان يثبت ( تثبت خ ) لي شيئا اتعلق به فلااجوزه .
اقول اعلم ان السافل ليس الا محض افاضة العالي و لما دلت الادلة القطعية من العقلية و النقلية ان الافاضة لاتكون بالجبر و الاضطرار و انما تكون بالقبول و الاختيار فالعطاء علي نهج الاختيار يستدعي افاضة من يريد بما [ص 4] يريد كما يريد لا ما يريد للفيض ( المفيض خ ) كما يريد و ان كان ذلك ما يريد كما يريد بما يريد فوجب في الحكمة علي المفيض المعطي حينئذ السؤال من المستفيض للقبول و لذا جري الخطاب التكويني في الشرع الوجودي بلفظ الامر المنبئ عن التكليف المنبئ عن الاختيار و الارادة فقال سبحانه كن و ضمير الفاعل فيه انت ( الضمير خ ) الراجع الي المفعول المستفيض فكان المفعول هو فاعل فعل الفاعل الآمر فسأله الآمر الفاعل التكون و قبول ما يعطيه من الوجود فقبل ثم قال تعالي فيكون بارجاع الضمير الي القابل المفعول و هذه القابلية للسؤال انما تحققت و وجدت بالسؤال حين الخطاب لا قبله و لا بعده و لذا كان المخاطب بالكسر و المخاطب بالفتح مشتقين من الخطاب فلما وجد المفعول بالوجداني ( بالوجدان خ ) الصلوحي الاقتضائي سألوا ربهم بفقر قابليتهم ان يسألهم ما به يمتازون و يختلفون و يأتلفون فسألهم تقريرا للسؤال الاول و اجابة للسؤال الثاني الست بربكم و محمد صلي الله عليه و آله نبيكم و علي و الائمة الاحدعشر و فاطمة الصديقة عليهم و عليها السلام اولياؤكم فاجابوا فمنهم علي جهة المحبة و الموافقة لمراد الله سبحانه و منهم علي جهة المخالفة و الانكار فسعد من سعد و شقي من شقي هو الذي خلقكم فمنكم كافر و منكم مؤمن ثم لما التقي الماءان و اختلط البحران بحر عليين و بحر سجين صار عند اهل سجين قشر و رشح من عليين و بالعكس و ذلك بتوارد القطرة النازلة من عليين من المزن تحت العرش الخارقة للسموات الواصلة الي الارض و البخار الصاعد من سجين الي الارض فالعرضيات [ص 5] اختلفت بالقوة و الضعف و الزيادة و النقصان فعرضية اولئك فيهم تستدعي ظهور الايمان ظاهرا و ( او خ ) فعل بعض لبعض الطاعات و عرضيتهم في اولئك يقتضي ( تقتضي خ ) الكفر ظاهرا او فعل بعض المعاصي و هذا هو المراد بالخلط و اللطخ ثم لما كان الامام عليه السلام جابر الكسير و متمم النقصان و ولي التدبير فاللازم عليه ان يصفي اهل اللطخ و الخلط من كدورة الظلمات و يخرجهم من الظلمات الي نور الهدايات و ذلك الاخراج يجب ان يكون من دون الاكراه و الاجبار اذ لا اكراه في الدين فلذلك جري ( اجري خ ) عليه السلام كلامه اثباتا لهذا الغرض و المدعي مجري السؤال الاختياري و لان ما من المبدأ الافاضة علي نهج السؤال و ليمكن قابليات الحاضرين لطلب الحق و قبوله اذ بدون السؤال ربما يحتشمون عن السؤال و لايسألونه فيبقون علي الضلال و ربما ييئسون لما شاهدوا من ابطال حجج اهل المقالات و الملل فيحقرون انفسهم عن سؤاله فيبقي علي ضلاله و مطلوبه عليه السلام الهداية و شأنه اخراجهم عن الضلالة ان قبلوا و لذا سألهم ( عليه السلام خ ) و قال يا قوم ان كان فيكم من ( احد خ ) يخالف الاسلام و اراد ان يسأل فليسأل غير محتشم الخ ، و انما عمم سؤاله اتماما للحجة علي الكفار و المعاندين الذين انكروا و استكبروا و لميقروا و اعانة للطيبين الذين غرتهم عوارض الخلط و اللطخ العرضي فاظهروا الانكار ذاهلين عما في ذواتهم من الانوار و اكمالا للنعمة بزيادة التبصرة و الهداية بعد الهداية و النور علي النور علي المؤمنين المقرين و دفعا لشبهة المشبهين المموهين الذين يموهون علي عامة الناس بانهم سلام الله [ص 6] عليهم غير عالمين كما قال ابوحنيفة و مايعرف جعفر بن محمد و انما هو رجل صحفي الي غير ذلك من كلمات المموهين و عند التخصيص لاتعم هذه المطالب و المقاصد و هذا في التكوين و التشريع في كل مقام بحسبه الا ان بيان احوالهما و كيفية سؤاله (ع) مما لاينبغي اظهاره في هذا الزمان الذي قد مد الجور باعه و اسفر الظلم قناعه و دعي الغي اتباعه فكثر مجيبوه و ملبوه الا ان الاسلام الذي هو شهادة ان لا اله الا الله و ان محمدا رسول الله ( صلي الله عليه و آله خ ) و ان عليا عليه السلام ولي الله اذا تجسد في التكوين و تشخص في التعيين ظهرت الصورة الانسانية علي اليقين كما قال ( مولينا خ ) اميرالمؤمنين عليه السلام ان الصورة صورة ( الصورة الانسانية خ ) الانسانية هي اكبر حجة الله علي خلقه و هي الكتاب الذي كتبه بيده و الهيكل الذي بناه بحكمته و هي مجمع صور العالمين و هي الشاهد علي كل غائب و الحجة علي كل جاحد و هي الصراط المستقيم و هي الصراط الممدود بين الجنة و النار فالصورة الانسانية الظاهرة جسد و صورة للصورة الباطنية التي هي الاعمال و الاعتقادات فتصاغ البواطن علي تلك الحدود و الهيئات فكمال الاخلاص يقتضي كمال الصورة و جمالها و قلة الاخلاص تقتضي اعوجاجها و عدم استقامتها و الانكار يقتضي الصورة الخبيثة البهيمية من الكلبية و الخنزيرية من الظاهرية و الباطنية كما ان الاسلام الظاهري انما كان بقول الامام عليه السلام و كذلك الاسلام التكويني الحقيقي انما كان بنور الامام و بقوله التكويني لان امر الله واحد في الوجود و التكوين كذلك الكفر الظاهري كان بمخالفة الامام (ع) و انكاره كذلك الكفر التكويني [ص 7] بمخالفة القول التكويني قال تعالي فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة و ظاهره من قبله العذاب لان الامام ( عليه السلام خ ) نعمة الله علي الابرار و نقمته علي الفجار و قوله عليه السلام و اراد ان يسأل فليسأل ، تنبيه لما الامر عليه في الواقع الوجودي من الافاضة و الاعطاء علي مستحقيها فان من لميرد السؤال لميقبل الجواب فالقابلية سؤال و اجابة كما ان سؤال المفيض اجابة و سؤال و هو سر الامر بين الامرين الذي قام عليه العالم في النشأتين و قوله عليه السلام غير محتشم ، لبيان تمكين القابلية لان السؤال يستدعي سائلا و مسؤلا و تمكين القابلية للاجابة و ذلك برفع الموانع و تخلية السرب و اعطاء الامر و الاحتشام يمنع قابلية المطلوب عن السؤال فيحرم عن الجواب فيحرم عن الخير فيبطل غرض ايجاد العالم و نقض الغرض من الحكيم محال ، فقام اليه عمران الصابي و قد كان رجلا من الصابئة فاختلف اقوال العلماء فيهم و في مذهبهم فقيل انهم جنس من اهل الكتاب و عن ابنالجنيد انهم قوم من النصاري و نقل العلامة انهم مبتدعة النصاري كما ان السامرية مبتدعة اليهود و قيل انهم ليسوا من النصاري و هو قول الشيخ في المبسوط و انما هم عبدة الكواكب و يقال ان الصابئين فرقتان فرقة توافق النصاري في اصول الدين و فرقة تخالفونهم فتعبد الكواكب السيارة و تضيف الآثار اليها و تنفي الصانع المختار و عن علي بن ابرهيم القمي صاحب التفسير الصابئون قوم لا مجوس و لا يهود و لا نصاري و لا مسلمون و لكنهم يعبدون الكواكب و النجوم و قال شيخنا و استادنا اطال الله بقاه و جعلني ( في كل محذور خ ) فداه [ص 8] الذين شاهدناهم قبلتهم من مهب الشمال و اما ما ينتسبون اليه من الانبياء فبعضهم يدعي ان نبيهم يحيي (ع) و سمعنا من بعضهم ان نبيهم ابرهيم عليه السلام و من بعضهم ممن يظهر منه آثار المعرفة ان نبيهم آدم عليه السلام فقلت له هل كان بعد آدم عليه السلام انبياء ام لا فقال قد كان فقلت له لم لمتتبعوهم و قد كان منهم من له شريعة نسخت شريعة آدم (ع) فقال ان آدم عليه السلام عهد الينا ان لانتبع احدا من الانبياء بعده و قال بعضهم ان المعبود الحق هو ماري و زوجته شيماشي ( شيمايتي خ ) و له اولاد اربعة كبيرهم هييلزيوا و قضماهي و مندارهيي و ششلامربه فلما ذكرت ذلك لذلك العارف انكر الاولاد و الزوجة و قال ان هييلزيوا هو جبرئيل و مندارهيي ( مندادهي خ ) معناه رب الارض و هو اسم ماري و الحاصل انهم ليسوا من اهل الكتاب و اخبرني ذلك الرجل الذي اسلم منهم و ظاهره الديانة و الصدق ان لهم قرائة علي الذبيحة لاتحل الذبيحة عندهم الا بها و هي ميدهيي شمندادهييي ( ميدهي شمندادهي خ ) قمطر خوالخ ثياهي ( ثباهي خ ) هي القريخ هييل زيوا منسي ( متسني خ ) متغيي قمطر خوالخ بوقضمايا قال و لهم اسماء يحلفون بها و لايكذبون اذا حلفوا بها و هي نخست اپيرزلار ( اپيرزلاو خ ) هللت اپيرزنا انانخاسا ماري هياسا هوبي هطاتي شفاشاقي تكلاتي انتهي كلامه جعلني الله فداه و قال صاحب الملل و النحل ان الصابئة ظهرت في اول سنة من ملك طهمورث ثالث ملوك الدنيا و ان الفرق في زمان الخليل صلوات الله عليه كانت راجعا ( راجعة خ ) الي صنفين الصابئة و الحنفاء فالصابئة تقول انا نحتاج في معرفة الله سبحانه [ص 9] و معرفة طاعته و اوامره و احكامه الي متوسط لكن ذلك المتوسط يجب ان يكون روحانيا لا جسمانيا و ذلك لذكاء الروحانيات و طهارتها و قربها من رب الارباب و الجسماني بشر مثلنا يأكل مما نأكل و يشرب مما نشرب يماثلنا ( مماثلنا خ ) في المادة و الصورة و الحنفاء كانت تقول انا في المعرفة نحتاج الي متوسط من جنس البشر يكون درجته في الطهارة و العصمة و التأييد و الحكمة فوق الروحانيات يماثلنا من حيث البشرية و يمايزنا من حيث الروحانية و يلقي الي نوع الانسان بطرف البشرية ثم لما لميتطرق للصابئة الافضاء الي الروحانيات البحتة و التقرب اليها باعيانها و التلقي منها بذواتها فزعت جماعة الي هياكلها و هي السيارات السبع و بعض الثوابت و ربما تنزلوا عن الهياكل الي الاشخاص التي لاتسمع و لاتبصر و لاتغني عن الانسان شيئا و الفرقة الاولي هم عبدة الكواكب و الثانية عبدة الاصنام و قال ايضا ان الصابئة الاولي كانت تقول بنبوة غازيمون و هرمس و هما شيث و ادريس ( عليهما السلام خ ) عندهم و تنكر بنبوة من بعدهما من الانبياء ثم عادوا الي انكار النبوة رأسا و زعموا انهما كانا حكيمين لا نبيين الخ ، و الحاصل انهم ليسوا من اهل الكتاب و لا من اهل الذمة و انما هم حربيون كما قال الصادق عليه السلام علي ما رواه صاحب مجمع البحرين قال سمي الصابئون لانهم صبئوا الي تعطيل الانبياء و الرسل و الشرايع و قال ( قالوا خ ) كل ما جاؤا به باطل فجحدوا توحيد الله تعالي و نبوة الانبياء و رسالة المرسلين و وصية الاوصياء فهم بلا شريعة و لا كتاب و لا رسول انتهي الحديث ، [ص 10] و قوله عليه السلام جحدوا توحيد الله ، يعني علي التحقيق و الواقع لانهم اثبتوا له الاولاد و البنين و وصفوه بصفات لايليق لعز جلاله و عظم شأنه كما سمعت و عمران قبل اسلامه و ايمانه كان من تلك الطائفة المخذولة و لذا سمي بعمران الصابي و كان واحدا من ( في خ ) المتكلمين الباحثين عن كلام الله و صفاته و افعاله و آثاره و لما كان مسألة كلام الله مما طال التشاجر و النزاع فيها بين الاشاعرة و المعتزلة و غيرهم من ساير الفرق و الملل من كونه قديما او حادثا عين الذات او غيرها او لا عينها و لا غيرها او هو عينها في المصداق و غيرها في المفهوم و غير ذلك مما وقع الكلام و البحث و الاختلاف فيه فلما كثر البحث في ذلك ( فبذلك خ ) سموا الباحثين في ذلك متكلمين ثم سري بحثهم و جري في غير الكلام من ساير الصفات و الافعال و المبادي فجعلوه علما برأسه و سموه علم الكلام لانه هو الاصل في هذا المرام و جعلوا موضوع علمهم ذلك ذات الله سبحانه حيث ان بحثهم في ذلك العلم انما كان عن احوال الله سبحانه و صفاته الثبوتية و السلبية فتكون الذات هو الموضوع و لميتفطنوا ان الموضوع هو الذي يبحث عن عوارضه الذاتية و العوارض ما يعرض الشئ لذاته اي بغير واسطة كالتعجب العارض للانسان او لامر يساويه كالضحك العارض للانسان بواسطة التعجب او لجزئه كالحركة العارضة للانسان بواسطة الحيوان الذي هو احد جزئيه كما قالوا و العرض ايضا اما ان يكون لازما او مفارقا و اللازم اما ان يكون للماهية كالزوجية للاربعة او للوجود الخارجي الشخصي كالاحراق للنار او للنوعي كالكلية للانسان فاذا كان المبحوث عنه في العلم هو العوارض الذاتية [ص 11] و كان المعروض الموضوع هو ذات الله سبحانه القديمة فهذه العوارض لاتخلو اما ان تكون حادثة او قديمة و علي الثاني لاتخلو اما ان تكون هي الله سبحانه لا غير ام غيرها ( ام لا خ ) و علي الاول بطل الموضوع و العوارض لضرورة ان العوارض خارجة عن ذات المعروض و الا لمتكن عارضة فلا بد من الاختلاف و ان كان بالاعتبار و التعدد الاعتباري موجب لتكثر الذات ان كان اعتبارا صوابا و صدقا و الا فكذب و باطل و علي الثاني تعددت القدماء و نفته ادلة التوحيد و علي الاول كانت ذات الله سبحانه محلا للحوادث ضرورة ان الموضوع هو محل الاعراض كما نصوا عليه في الفرق بين الموضوع و المحل بان الموضوع هو محل العرض فقط و المحل يكون محلا للجوهر كالهيولي للصورة الجوهرية و قد دلت الادلة القطعية من العقلية و النقلية بامتناع كونه تعالي محلا للحوادث و امتناع كونه تعالي معروضا لعارض او ملزوما للازم او مشروطا بشرط سبحانه و تعالي عما يقوله الملحدون علوا كبيرا فالله سبحانه ليس موضوعا لعرض و لا محلا لجوهر و قد ذكر بعضهم في الفرق بين علم الكلام و علم الحكمة ان الكلام هو ما يبحث فيه عن احوال المبدأ و المعاد علي نهج قانون الاسلام و الحكمة هي ما يبحث فيه عن احوال المبدأ و المعاد لا من جهة قانون الاسلام بل بمقتضي العقل طابق قواعد الاسلام ام خالف لا انهم يتعمدون المخالفة و اذا اردنا تصحيح هذا الفرق يجب ان نقيد الاسلام الذي يجري علم الكلام المتداول علي قوانينه و قواعده ما عليه العامة من المخالفين و اما علي قواعد اهل بيت العصمة و الطهارة عليهم السلام فلايطابق شيئا من ذلك و انما [ص 12] يخالفها و يضادها كقولهم ان موضوع علم الكلام ذات الله و كقولهم ان المفهوم ينقسم الي واجب لذاته و واجب لغيره و ممتنع لذاته و ممتنع لغيره و ممكن لذاته و كقولهم ان مفهوم الوجوب و القدم و الحدوث امور اعتبارية و كقولهم ان الواجب مفهوم كلي منحصر في الفرد و كقولهم ان المشية و الارادة من صفات الذات و هكذا من ساير اقوالهم الباطلة و عقائدهم الفاسدة المخالفة لما عليه اصحاب العصمة و الطهارة صلي الله علي محمد و عليهم اجمعين كما فصلنا و شرحنا في كثير من مباحثاتنا و اجوبتنا للمسائل و نشير الي نبذة فيما بعد ان شاء الله و كذلك يجب تقييد العقل الذي عليه مدار قواعد علم الحكمة و قوانينه بما يعم الجهل و النكراء و الشيطنة حتي يمكن القول بمخالفته للشرع فحينئذ يقال ان الحكمة قد تخالف الشرع و اما اذا فسرنا العقل بما فسره به الائمة الهداة عليهم السلام من انه ما عبد به الرحمن و اكتسب به الجنان و انه النور الالهي المحبوب عند الله تعالي حين قال الله تعالي له اقبل فاقبل و قال له ادبر فادبر ثم قال له عند كمال الامتثال ماخلقت خلقا هو احب الي منك و انه النبي الباطني و انه النعمة التي انعم الله بها عبده كما ورد في تفسير قوله تعالي و اسبغ عليكم نعمه ظاهرة و باطنة عن الكاظم عليه السلام ان النعم الظاهرة هي الانبياء و النعم الباطنة هي العقول و امثال ذلك مما ورد في العقل فلايعقل كون العقل حينئذ مخالفا لقانون الاسلام و قواعده بل العقل طبق الشرع و الشرع طبقه لايتخلف احدهما عن صاحبه فصاحب العقل المستقيم الباحث عن معرفة الاشياء كما هي علي [ص 13] ما خلقه الله سبحانه هو الحكيم الذي شهد له الشرع و الكتاب و السنة بصحته و هو الذي اوتي خيرا كثيرا و اما ما سوي ذلك فليس بصاحب عقل سليم و انما هو صاحب النكراء و الشيطنة و علي طبق العقل بالمعني الاعم جرت حكمة الملاحدة و الصوفية و الزنادقة و علي طبق العقل الشرعي جرت حكمة الحكماء من علماء اهل البيت سلام الله عليهم و الحمد لله وحده و عمران كان اوحديا في علم الكلام ( الكتاب خ ) و الدقة و النقض و الابرام و في تعمق الفكر و دقة النظر و كان يجري مجري المتكلمين و لايحصل له من تلك الطريقة البصيرة و اليقين و كان ضيق الصدر كدر القلب مما تراكم عليه من الشبهات و عظم ما يشاهد في اقوال المتكلمين و اعتقاداتهم من الاضطرابات و الاختلافات و مقتضي تلك الاقوال و الاعتقادات الاقرار برب له اولاد و شركاء و انكار نبوة ( بنبوة خ ) الانبياء و وصاية الاوصياء كما هو مقتضي دين الصابئة و شرح هذه الكلمات طويل و الاجمال جميل و لذا لما دعاه الامام عليه السلام بلفظ العموم و ارادة الخصوص اجابه و لباه لما فيه من النورانية المعنوية فقال يا عالم الناس لولا انك دعوتني ( دعوت خ ) الي مسئلتك الخ ، اما انه عليه السلام عالم الناس فاوضح من ان يخفي و اشهر من ان ينكر في الظاهر و اما في الحقيقة فكلما دخل حيطة الوجود يصدق عليه انه انسان حقيقة او حقيقة بعد حقيقة اذ الاشياء كلها بدت عن فعل الله سبحانه علي تلك الصورة الطيبة فمنها ما بقي علي ما هو عليه فسمي انسانا ظاهرا و منها ما خفيت فيه تلك الحقيقة فقدرت الانسانية و ظهرت الحيوانية فسمي بهيمة و حيوانا علي [ص 14] مقتضي تلك الصورة الظاهرة و بقيت الحقيقة مخفية تحت الحجب و الاستار و هذا معني ما نعبر عنه كثيرا ما بالفطرة الاولي و الفطرة الثانية فكلما في العوالم الالفالف انسان و الامام عليه السلام عالمهم و سيدهم لان الله سبحانه آتاه ما لميؤت احدا من العالمين طأطأ كل شريف لشرفه و بخع كل متكبر لطاعته و خضع كل جبار لفضله و ذل كل شئ له و لآبائه و ابنائه و جدته الصديقة صلي الله عليه و عليهم و عليها اجمعين و لاتكون الفضيلة و الشرافة الا بالعلم بالله سبحانه كما برهن في محله فهو عليه السلام اذا العالم في الناس علي جهة الاطلاق و هنا وجوه اخر من تصاريف ظاهر الظاهر و ان لميرد عمران الصابي لكنه امر واقعي بذكره يطول الكلام مع انه مخفي عن الافهام و مستور عن الاحلام قوله لولا انك دعوتني الخ ، يحتمل معنيين احدهما انه من جهة غروره و اعجابه بنفسه و بعلمه و انه بحيث لميطق لكلامه متكلموا الدهر و علماء العصر لميبتدأ بالكلام تعظيما لشأنه و اثباتا لرفعة مكانه و انه مما لاينبغي ان يسأل احدا اذ ليس احد في زعمه اعلم منه حتي ينتفع منه بالسؤال او من جهة ان تلك المسألة المستصعبة عليه مما لايقدر احد علي الجواب عنه حيث مالاقي احدا من العلماء الكاملين قام له بحقيقة الجواب فقاس الامام عليه السلام بغيره جهلا منه بمقامه من انه الذي اشهده الله خلق السموات و الارض و خلق انفسهم فزعم انه حينئذ لا فائدة في السؤال و تكثير المقال لكنه لما دعاه الي السؤال اجاب و تحمل المشقة بلا فائدة او انه اذا قطع الامام عليه السلام عن الكلام و غلب عليه بالجدال فينقص مقامه [ص 15] عند الناس فلايلوم حينئذ الا نفسه لانه هو الذي دعاني اليه و ابتدئني و استنطقني و ثانيهما انه لما رآه عليه السلام قد قطع حجج جميع اهل الملل و الاديان و ابطل مقالاتهم و شبهاتهم علي مقتضي كلماتهم و قرأ علي اهل كل ملة كتابه الذي بعثه الله لهم علي نهج احسن منهم و ابان جهلهم بكتابهم و بكلام نبيهم و عرف بصافي الطوية و خالص السريرة ان هذا العلم مما لايحصل من معلم و لايؤخذ من كتاب و لايكتسب بسؤال و لا جواب اذ لايمكن للمكتسب هذه الاحاطة العظيمة التي تبهر عندها العقول و الاحلام فعلم ان ذلك من تأييد الهي و فيض رباني قد ظهرت عليه العظمة و الكبرياء و الجلال و البهاء فاضمحلت نفسه عند ظهور تلك الكبرياء و استحقرت عند ذلك النور و البهاء و لميعد نفسه ممن يتكلم عند ذلك النير الاعظم و الطود الاشم و كان احب ان يهتدي بهداه و يستنير بنوره و لكن حقارة نفسه و دنائة ذاته عنده عليه السلام و ظهور العظمة سلب عن يده عنان التمالك فلميجسر للكلام و لميقدر علي نيل منتهي المرام و لما كان الامام عليه السلام لايخفي عليه احوال الكائنات في كل النشئات اراد استجلابه و اسكان ما فيه من الاضطراب و الاختلال حتي يتمكن للخطاب و يقدر علي المقابلة ( مقابلة خ ) السؤال بالجواب و لذا ابتدأ عليه السلام بالدعوة و قال فليسأل غير محتشم و قيد الاخير لهذه الدقيقة و لذا دعا في هذا المقام عند مخاطبته ( مخاطبة خ ) عمران دون غيره لما ذكرنا من معرفة حاله و مشاهدة اضطراب باله فمن هذه الجهة قال عمران [ص 16] لولا انك دعوتني الي مسألتك لماقدم اذ لماقدر لما شاهدت من كمال عظمتك و حقارة نفسي فلما خاطبتني سكن روعي و ذهب خوفي و تمكنت للسؤال و ارجو منك عظيم الاحسان و النوال و لعله لهذا خاطبه عليه السلام بعالم الناس حيث عرف ذلك منه و عرف مطلوبه و ضعفه فتداركه بما يتقوي به لنيل مطلوبه فخاطبه بالعالم حيث علمت ما في قلبي و ابنت ما في مكنون ضميري فانت مطلوبي ( لمطلوبي خ ) و حاجتي لاني سافرت كثيرا و دخلت الكوفة و البصرة و الجزيرة الظاهر انها البحرين او ما بين النهرين الدجلة و الفرات كما اشتهر علي السنة الناس الآن و لقيت المتكلمين فلماقع علي احد يثبت لي واحدا ليس غيره قائما بوحدانيته و هذا يدل علي كمال دقة نظره و غور فكره لان كل من حاول ان يعرف الله سبحانه من غير جهة اهل البيت عليهم السلام فقد هوي و غوي لان الله سبحانه لايعرف الا بهم كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام نحن الاعراف الذين لايعرف الله الا بسبيل معرفتنا و قال عليه السلام في الزيارة الجامعة من اراد الله بدأ بكم و من وحده قبل عنكم و من قصده توجه بكم و قال عليه السلام فيها بموالاتكم علمنا الله معالم ديننا و قال ايضا فيها ان ذكر الخير كنتم اوله و اصله و فرعه و معدنه و مأويه و منتهاه و قال ايضا ( عليه السلام خ ) بنا عرف الله و بنا عبد الله و لولانا ماعرف الله و ماعبد الله و امثالها من الروايات كثيرة لاتحصي فاذا كان الحق منحصرا فيهم و عندهم و كلما عند مخالفيهم ليس الا كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتي اذا جاءه لميجده شيئا فكل من نظر في كلام المخالفين [ص 17] بعين صافية و بصيرة صادقة لايجد ثباتا ابدا في كل المسائل خصوصا في معرفة الله سبحانه تراه يخبط خبط عشواء لانه مادخل البيت عن بابه و لذا قال لماقع علي احد يثبت لي واحدا ليس غيره قائما بوحدانيته يعني ثبت ( يثبت خ ) لي ان الصانع واحد ليس معه غيره فالكفار و عبدة الاصنام يجعلون مع الواحد في العبادة غيره من الاصنام و كذا كل من نظر الي غيره تعالي بنظر الاستقلال و التذوت و الثنوية يجعلون معه غيره من يزدان و اهرمن و الاشاعرة يجعلون معه غيره و هي الصفات الزائدة علي ذاته تعالي المقترنة بها و المعتزلة يجعلون معه غيره حيث قالوا ان الخلق مفوضون و الله معزول عنهم فصار مع الله مستقلا آخر له فعل و تأثير بدونه تعالي عما يقوله الملحدون علوا كبيرا و الصوفية يجعلون معه تعالي غيره حيث قالوا بوحدة الوجود فصار الحق سبحانه و تعالي مقترنا بالاشياء فكانت الماهيات و الكثرات معه مقترنة بذاته تعالي و اصحاب المفاهيم جعلوا معه غيره تعالي حيث قالوا ان مفهوم الوجود مشترك معنوي بين الله و بين خلقه فجعل الواجب سبحانه فردا و الممكن فردا آخر فقد جعلوا الممكن ضده و قسيمه و مقترنا به و دعوي ان المفهوم يخالف المصداق باطلة كما تكلمنا عليه كثيرا و اصحاب الكليات جعلوا معه غيره تعالي حيث قالوا بعموم مفهوم الواجب و كونه تعالي فردا من افراده و لا شك ان الفرد مركب من الكلي و الخصوصية و كذا من قال بان الصفات كلية تشتمل الله و غيره كالمشتقات كالعالم و القادر و الحي و غير ذلك و كذا من قال بان بسيط الحقيقة كل الاشياء حيث جعل [ص 18] معه غير ( غيره خ ) لئلايلزم التركيب فوقع في التركيب من حيث لايشعر لان جهة الذات المجردة غير جهة اجتماعها كل الاشياء اذ لا شك ان المعنيين لايفهم بلحاظ واحد و اصحاب الاعيان الثابتة يجعلون ( جعلوا خ ) معه غيره صريحا في الازل حيث قالوا ان الاعيان الثابتة مستجنة في غيب الذات استجنان الشجرة في النواة و مندرجة فيها اندراج اللوازم في ملزوماتها و كذا من يقول بان الفاعل المقترن بالفعل المتعلق بالمفعولات هو عين الذات لانه جعل معه غيره تعالي و الغلاة القائلين بان الفاعل هو الفعل او محله باعتزال الذات فقد جعلوا معه غيره مستقلا سواه و لميجعلوه قيوما قائما بوحدانيته و صغروا عظمة الله سبحانه اذ اخرجوه من سلطانه و قيوميته و كذا القائلون بان الخالق الفاعل هو الفعل و محله باذن الذات كالوكيل و كالسيد اذا امر لعبده ان يفعل شيئا فانهما حينئذ معزولان عن الموكل و السيد تعالي ربي و تقدس عما يقوله الملحدون علوا كبيرا و الحاصل قوله هذا يثبت كل اعتقاد حق و يمحو كل اعتقاد باطل و لايتحصل بيان هذا الكلام علي الامر الواقعي الا في بيت نزل فيه الوحي علي المعاني كلها و هو البيت الذي وسع احكام الربوبية كما قال عز و جل في الحديث القدسي ماوسعني ارضي و لا سمائي و وسعني قلب عبدي المؤمن فهو بيت الله اول بيت وضع للناس لان الله تعالي لايعرف من سنخ ذاته كما يأتي ان شاء الله تعالي و انما يعرف ببيان منه حيث كان هو المجهول المطلق بالنسبة الي غيره تعالي و قد دلت الادلة القطعية من العقلية و النقلية ان آلمحمد صلي الله عليهم هم باب الله [ص 19] و تراجمة وحيه و السنة ارادته فاين يوجد الحق من عند غيرهم اذ كان الحق لله و هو قول النبي صلي الله عليه و آله ما معناه يا ابنعباس لنتجد حقا بيد احد من الخلق الا بتعليمي و تعليم علي عليه السلام فمن رام ان يعرف الحق لا عنهم فقد ضل ضلالا بعيدا و خسر خسرانا مبينا فلايجوز لاحد ان يعتمد علي عقله في المسائل النظرية الخلافية الا بعد الوزن علي ميزان كلماتهم فان وافقها فحق و الا فباطل و لما كان الشئ لايجري عليه حكم القضاء الا بعد الوقوف علي باب الاذن و صدور الامر بالاذن و ان اقترنت الاسباب بمسبباتها و كذا كل فعل مضارع اشتق منه فعل الاستفهام فقال اتأذن لي ان اسألك فقال الرضا عليه السلام ان كان في الجماعة عمران الصابي فانت هو فقال انا هو ، اقول و كيف لايعلمه و لايعرفه عليه السلام و قد قالوا في حقهم كما في الزيارة الرجبية و عندكم ما تزداد الارحام و ما تغيض و ماانعقدت نطفة في رحم امه الا بمحضر و مرئي منه عليه السلام لان الله سبحانه جعلهم اشهادا علي خلقه و اشهدهم خلق السموات و الارض و خلق انفسهم ( و خ ) ماسمي باسمه الا بتعليمهم عليهم السلام فان الامام جعفر بن محمد ( عليهما السلام خ ) في زيارة الشهيد ابيعبدالله الحسين عليه السلام و روحي له الفداء يقول ارادة الرب في مقادير اموره تهبط اليكم و يصدر من بيوتكم الصادر لما فصل عما هو من احكام العباد فجميع ارادة الرب عز و جل في جميع مقادير جميع الامور ترد و تقع علي قلوبهم و يصدر من قلوبهم التي هي بيوتهم جميع تفاصيل جميع احكام جميع العباد كما [ص 20] تشهد له عبارة الزيارة فمن مقادير احكام عمران كونه ذرا في الهباء و منها كونه رطوبة قطرة في الماء و منها كونه غذاء للشجرة ( للشجر خ ) و منها كونه غيبا في الثمر و منها كونه غذاء للاب و منها تخلصه عن ثفل الكيلوس و الكيموس و صيرورته نطفة من مني يمني و منها انتقاله الي رحم المرأة و منها تطوره الي اطوار النطفة و العلقة و المضغة و العظام و اكتساء اللحم و منها ظهور النفس الحسية الفلكية و منها الولادة الدنياوية و منها تغذيته و تنميته و تسميته و جميع احواله اذ كل ذلك بعين الله التي لاترام و حفظه الذي لايضام و الامام عليه السلام هو عين الله الناظرة و يده الباسطة و رحمته الواسعة و نعمته الشاملة فلنقبض العنان فللحيطان آذان ثم لما ان عمران راعي الادب و استأذن للسؤال و الامام عليه السلام هو الكريم الذي لايخيب من قصده و لاييأس من امله اذن له فقال سل يا عمران ، ثم بين ( عليه السلام خ ) له الطريقة التي من سلكها يصل القاصد الي مقصوده و الطالب الي مطلوبه خصوصا من كان قصده العلم و مطلوبه المعرفة فان محض الامر بالاتيان و عدم الهداية الي الطريقة الموصلة مما لايناسب شأن الحكيم فقال عليه السلام و عليك بالنصفة و اياك و الختل و الجور ، الانصاف ان ينصف خصمه بالاحتراز عن الختل و الجور و العناد و التعصب ليكون غرضه محض اثبات مطلوبه و ان ظهر له في نفسه انه مخطئ و خصمه علي الحق فان من كان علي هذا الصفة لايكاد ( يصيب و ان خ ) ينصف نفسه بان لايجعلها تابعة لجماعة و مأنوسة بهم بحيث لايسهل عليها مفارقتهم و تميل اليهم و ان كانوا علي الخطاء [ص 21] فيتكلف متابعتهم لان حبك للشئ يعمي و يصم فيكون خطاؤه اكثر من صوابه لان الذي مالت نفسه اليه و الي قوله لايلزم ان يكون مصيبا و بان لايتقيد بقاعدة مأخوذة من غير اهل العصمة ( عليهم السلام خ ) و يكون منجمدا عليها بحيث يقبل ما وافقها و يترك ما خالفها و يؤوله اليها و هذا ايضا لايكاد يصيب و ان ينصف ربه بالتوجه اليه سبحانه بصافي الطوية و خالص السريرة و يكون نظره اليه تعالي قاصدا الحق من عنده ليتوصل بذلك الي رضاه و قربه و قاصرا نظره الي كلامه تعالي و كلام اوليائه الذين جعلهم الله سبحانه ابوابه و حججه و ادلاء الي سبيل رشده و ينظر اليهما نظر المتعلم الجاهل بان يكون كلام الله امامه و دليله لا العالم الذي يجعل نفسه امام كلام الله فكلما يوافق فهمه من كلام الله قبل و كلما يخالفه انكر و اول الي ما فهمه فان هذا ليس بمنصف ربه و لا نبيه و لا اوليائه فلايصيب ابدا فبين له الامام عليه السلام طريقة لو عرفها و سلك بها يصل الي المطلوب البتة فقبل عمران نصيحته عليه السلام و عمل بمقتضاها فقال والله يا سيدي مااريد الا ان تثبت لي شيئا اتعلق به فلااجوزه ، فبلغه الله المقصود و هداه به عليه السلام الي سواء الطريق .
قال عليه السلام سل عما بدا لك فازدحم الناس و انضم بعضهم الي بعض فقال عمران الصابي اخبرني عن الكائن الاول و عما خلق .
قوله عليه السلام سل عما بدا لك ، كلمة لايقولها الا مؤيد من عند الله [ص 22] تعالي بروح منه الذي اشهده الله خلق السموات و الارض و خلق نفسه ليكون عالما لايجهل ذاكرا لايغفل بصيرا لايخطي و عالما بانه تعالي يمده و لايكذب قوله لانه خليفته و حجته اذ العلوم كلها بيد الله سبحانه و في خزانة ملكه فالذي لميشهده الله ملكوت السموات و الارض لايقدر ان يقول سل عما بدا لك علي جهة العموم لعله يسأله عن شئ ليس عنده علمه لانه لميطلع علي مكنون سره و لميحصر ( لميحضره خل ) مسئلته و ما في وسعه ان يسأل و لو علمه ايضا و لميكن مقبلا بوجهه الي الله تعالي لعله تعالي لايكشف عنه سر تلك المسئلة و يحجبه بحجب الغفلات و الموانع و بالجملة فهذه كلمة لايقولها صادق حقيقيا الا المعصوم المطلع علي اسرار الوجود و اطوار الكائنات و ازدحام الناس و ضم بعضهم ببعض لعظم شأن عمران في اعينهم و عظم مسائله لديهم سيما في مقابلة قوله عليه السلام سل عما بدا لك فقال اخبرني عن الكاين الاول و عما خلق ، فالكاين الاول يريد به هو الله سبحانه بقرينة قوله و عما خلق و انما سماه تعالي كائنا لانه الثابت الذي لايزول و لايحول و لايتبدل و لايتغير و لايزيد و لاينقص و هذا الاول ليس له ثان كما قال عليه السلام في الصحيفة السجادية و انت الاول في اوليتك و علي ذلك دائم انت ( انت دائم خل ) لاتزول فالاولية ثابتة له تعالي بلا نهاية في عين اثبات الآخرية له كذلك اذ ليس فيه سبحانه جهة حتي يكون بها اولا و جهة اخري ليكون بها آخرا لان مختلف الجهات حادث و ليست هناك اضافة و اقتران بشئ حتي يكون بالاضافة الي شئ اولا و بالاضافة الي الآخر آخرا فانقطعت الاولية و الآخرية [ص 23] في عين كون الاولية عين الآخرية و الآخرية عين الاولية في عين اللااولية و اللاآخرية كما قال عليه السلام لميسبق له حال حالا ليكون اولا قبل ان يكون آخرا و يكون ظاهرا قبل ان يكون باطنا الخ ( ه خ ) ، و اما اثبات الاولية و الآخرية له تعالي فباعتبار الظهورات الفعلية كما في قوله تعالي هو الاول و الآخر فان الهاء هو الاول و الآخر و الواو هو الآخر و الاول و الهاء هو الباطن و الظاهر و الواو هو الظاهر و الباطن او يراد بالكائن الاول هو الصادر الكائن اولا قبل تكوين الكائنات و ابداع المبدعات و هذا الاول ايضا لا ثاني له لكونه هو المبدأ الاول و اول ظاهر باول ظهور الذي هو نفسه قد ملأ الاكوان و الامكان و الاصقاع و الازمان بنوره و ظهوره و كلما عداه اشعة انواره و عكوسات آثاره فلايوجد في السوا ما يعادل ذاته حتي يكون هو الثاني له لان الثاني هو بدل الواحد و انبساطه و تكريره و اما في الآثار و الصفات فلايعقل ذلك ارأيت احدا يقول السراج هو الاول و الشعاع هو الثاني و ( او خ ) ان زيدا اول و قيامه الثاني و الاستقامة ثالث فان الاشعة و الآثار لاتذكر مع الذات حتي تعد معها لان الاثر معدوم عند المؤثر فكيف يكون هو الاول و هذا الثاني و كذا الاولية الانبساطية اي الحقيقة الوحدانية السارية في اطوار التعينات كالوجود المقيد الذي هو الفؤاد فانها ايضا اول لا ثاني له لانها في الحقيقة المتعينة المتعددة في العرض لا في الطول اول واحد و التعينات لاتكون ثانية لها و مرادي بالتعينات هي الافراد المتعينة من الحقيقة الواحدة لا نفس التعين كالانسان مثلا عند التعين و التشخص في الافراد لايقال ان الانسان هو الاول و زيد هو الثاني [ص 24] و عمرو هو الثالث لان الحقيقة ماتكثرت حتي تتعدد و انما تكثرت العوارض فلحقتها بالعرض فالكثرة في الافراد لا في الحقيقة و لذا تراهم يقولون ان الوحدة النوعية لاينافي الكثرة الشخصية لان الانسان ماانقطع عن زيد حتي يكون ثانية ( ثانيه خ ) بل زيد ايضا انسان و كذا عمرو و بكر و هكذا فظهر لك من هذا البيان ان الاول الذي لا ثاني له علي ثلثة اوجه فراجع تفهم و هذا الكائن الاول الذي هو الصادر الاول الذي هو التعين الاول اي اول ما برز من ظهور الحق سبحانه بالخلق الذي هو غير ذاته اختلف آراء العلماء و الحكماء في بيانه و تعيينه فمن قائل بان الوجود المطلق و الحق المخلوق به و هو الوجود المنبسط و جهة الربط بين الحادث و القديم الذي هو مع الحادث حادث و مع القديم قديم و مع الشئ شئ و مع اللاشئ لاشئ و مع الواجب واجب و مع الممكن ممكن و هؤلاء هم الصوفية الملاحدة و من قائل بانه المشية و الارادة و الابداع و الرحمة الكلية و من قائل بانه الحقيقة المحمدية صلي الله عليه و آله و من قائل بانه العقل الكلي و العقل الاول و الاخبار و الروايات في تعيين ذلك مختلفة الورود ففي بعض الاخبار ان اول ما خلق الله و الكائن الاول المشية و الارادة و الابداع كما قال الصادق عليه السلام خلق الله الاشياء بالمشية و خلق المشية بنفسها و في قول مولينا الرضا عليه السلام كما في هذا الحديث الذي نحن بصدد شرحه ان اول ما خلق الله الاختراع و الابتداع ثم خلق الحروف فجعلها فعلا منه يقول للشئ كن فيكون و في رواية اول ما خلق الله الهواء و في رواية اول ما خلق الله الماء و في رواية [ص 25] اول ما خلق الله نور نبيك يا جابر و قال اميرالمؤمنين عليه السلام في خطبة له علي ما رواه المفضل عن الصادق عليه السلام عنه عليه السلام الي ان قال الذي كنا بكينونته قبل الخلق و قبل مواقع صفات تمكين التكوين كائنين غير مكونين موجودين ازليين منه بدئنا و اليه نعود لان الدهر فينا قسمت حدوده و لنا اخذت عهوده و الينا برزت شهوده الخطبة ، قال الصادق عليه السلام في معناه كنا بكينونته في القدم و هو المكون و نحن المكان و هو المشيء و نحن الشئ و هو الخالق و نحن المخلوقون و هو الرب و نحن المربوبون و هو المعني و نحن اسماءه و هو المحتجب و نحن حجبه كائنين غير مكونين نسبحه و نمجده و نقدسه في ستة اكوان كل كون منها ما شاء الله من المدا الحديث ، و في رواية اول ما خلق الله القلم و اخري اول ما خلق الله العقل و في اخري اول ما خلق الله عقلي و اخري روحي و امثال ذلك من الاخبار و قد ذكرت المراد الجامع لهذه الاخبار كلها في اللوامع الحسينية فلانطول الكلام بذكره هنا و قوله و عما خلق ، علي الوجه الاول بان يراد منه هو الله سبحانه ظاهر لانه علي مذهب الصابئة يسأل عن الله و عن خلقه و عن كيفية احداثه هل هي علي جهة التوليد كما هو المعروف من مذهبهم او غيره كما هو مذهب الغير من خلقه الاشياء لا من شئ بلا نسبة و ارتباط او من شئ او من العدم اللاشئ مع النسبة و الارتباط ام لا كما سيأتي الكلام فيه ان شاء الله مشروحا و علي الوجه الثاني بان يراد من الكائن الاول اول الصادر مبدأ المبادي و نور الانوار فالمراد بقوله عما خلق هو ما حصل و تحقق من الكائنات باشراقه و تجليه في اقباله و ادباره [ص 26] لان الطفرة لما ثبت امتناعها صار الكائن الاول مبدأ الفيض و اصل النور و الخير و ما سواه بعده رشحة من رشحات انواره و لمعة من لمعات آثاره اذ لو فرض وصول الفيض الي السوي بغير وساطة الكائن الاول بطل كونه هو الاول لتساوي الكل حينئذ في الرتبة و لو فرض تساوي الكلي ( الكل خ ) في الرتبة و التلقي من المبدأ نقص فيض الجبار و صغرت عظمة القهار اذ لميكن لجماله ( بجماله خ ) جمال و لجلاله جلال و لنوره نور فلايكون كاملا مطلقا و لا حكيما فاذا فرض الاولية و الآخرية و التقدم و التأخر كان لما ( ما خ ) سواه هو الواسطة و الباب في ايصال الفيض اليه كالسراج للاشعة او كالقلب للاعضاء و الجوارح و ساير القوي فيكون معني قوله عما خلق هو ما يكون سببا لخلقه و ايجاده و وصول الفيض اليه من الله سبحانه و اطلاق الخلق و الخالق علي هذا المعني غير عزيز في الآيات و الروايات كقوله تعالي تبارك الله احسن الخالقين و قوله تعالي و اذ تخلق من الطين كهيئة الطير فتنفخ فيها فيكون طيرا باذني و قوله تعالي و تخلقون افكا و قوله عليه السلام كما في الفقيه ان الله سبحانه يبعث ملكين خلاقين يقتحمان رحم المرأة من فمها و يقولون ( يقولان خ ) يا ربنا كيف نخلقه ذكرا او انثي شقيا او سعيدا الحديث ، و قول الباقر عليه السلام كما في البحار ان الله سبحانه خلق ملكا و فوض اليه امر سموات و ارضين فخلق سموات و ارضين ثم قال من مثلي فارسل الله اليه نويرة من نار قيل ما النويرة قال عليه السلام نار بقدر الانملة فاستقبلها بجميع ما خلق فتخللها الي ان وصلت اليه ما ( لما خ ) ان دخله العجب الخ ( ه خ ) ، و اطلاق الخالق علي غير الله مما لا شك فيه عند من [ص 27] له ادني انس بالقرآن و احاديث اهل البيت عليهم السلام و لكنه لايجوز ان يطلق عليه بمعني الاستقلال فان هذا كفر و زندقة و اخراج لله تعالي عن السلطنة و القيومية و تكذيب لقوله تعالي قل الله خالق كل شئ و قوله تعالي هل من خالق غير الله و قوله تعالي اروني ماذا خلقوا من الارض ام لهم شرك في السموات و امثالها من الآيات و كذلك الروايات المتكثرة عن سادة البريات الواردة في اللعن و الطعن علي من ينسب اليهم سلام الله عليهم الخلق و الرزق و علم الغيب و غيرها من الامور التي تفرد الله سبحانه بها و هو لايزال متفردا في كل شئ و لايجوز ان يطلق و يراد به ان الغير خالق و رازق و محيي و مميت باذن الله تعالي و امره علي ما تفهمه العامة مثل ما يأمر المولي عبده بان يأخذ الدراهم و يشتري له الشئ الفلاني و مثل ما يأمر موكل ( الموكل خ ) وكيله بان يمضي الامر الفلاني فان هذا ايضا يلزم منه التفويض و اعتزال الحق تعالي و تعطيله و استقلال الخلق بنفسه و لو بوجه ما فان الوكيل و ان كان يده يد الموكل الا انه حين يفعل معزول عنه خارج عن يده و كذلك العبد بالنسبة الي سيده و لذا ورد في الصحيح عن الصادق عليه السلام ما معناه من قال نحن خالقون بامر الله فقد كفر الخ ( ه خ ) ، و هذا الامر يراد به ما هو المعروف عند الناس حين اطلاق الامر و الاذن و اما اذا كان المراد ان الخالق في الحقيقة هو الله سبحانه بفعله لا بذاته فالاسم ليس في الذات و للذات لصحة السلب في بعض الموارد و وجود الذات كما تقول لميخلق الله ولدا لزيد و ليس الله بفاعل للقبيح فاذا كانت هذه الاسماء و [ص 28] الصفات هي عين الذات لميجز ان تكون مغايرة معها لما ثبت عند الشيعة الفرقة المحقة الناجية من ان صفاته ( تعالي خ ) الذاتية عين ذاته بلا فرض مغايرة و لو فرضا و وجودا و تجويزا فوجودها يستلزم وجود الذات و عدمها عدمها و الا تعددت القدماء ان كانت قديمة و تكون الذات محلا للحوادث ان كانت حادثة و كل اسم و صفة يصح سلبها و اثباتها فهي صفات الفعل لا الذات الا ان الفعل لما كان مضمحلا فانيا عند ظهور الذات اذا اطلق الاسم الفعلي ايضا لايتبادر الذهن و لايسبق الا الي الذات لا لانه موضوع للذات و لا ان الصفة ثابتة لها عندها في رتبتها بل لان الصفة لها عند ظهورها بفعلها فهي تدور مع الفعل حيثما دار و لا شك ان الفعل لاتظهر آثاره الا بمحل و متعلق و لا شك ان الصادر الاول الذي هو الكائن الاول اول ما تعلق به الفعل اما بنفسه او بفعل الله فيكون تلك الحقيقة هي الحاملة لفعل الله الذي هو امر الله الذي هو قول كن الذي هي الكلمة التي انزجر لها العمق الاكبر و هو قوله تعالي انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون و هذا الامر هو الامر الذي قام به السموات و الارض كما في قوله تعالي و من آياته ان تقوم السماء و الارض بامره ، و قال الصادق عليه السلام في الدعاء كل شئ سواك قام بامرك و قوله تعالي ينزل الملائكة بالروح من امره علي من يشاء من عباده و هذا الامر هو الذي تتقوم الاشياء به في كل حال و في كل آن لو فقدته آنا انعدمت و بطلت و به تفعل الموجودات و الكائنات من المكلفين افعالها و به تحقق سر الامر بين الامرين و هو الامر في قوله تعالي عباد مكرمون لايسبقونه [ص 29] بالقول و هم بامره يعملون فالذي نهاه الامام الصادق عليه السلام هو الامر بالمعني الاول مما هو المعروف في متفاهم العوام و الامر الذي اثبته الله تعالي هو الامر في قوله تعالي انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون فالفاعل و الخالق هو الله بفعله لا بذاته و الصادر الاول هو الفعل او محل الفعل و هو اسم الفاعل لا ذات الفاعل و الاسم يشتق عند ظهور الاثر لا عند حقيقة الذات الاتري القائم فانه مشتق من القيام عنده لا قبله و كذا القاعد و غيره و لا تحقق و لا تذوت لهذه الصفة الا بالذات فعلي هذا المعني يصح نسبة الخلق الي غيره تعالي حين كونه محفوظا بيده و في قدرته او يكون يده يد المحفوظة بذي اليد بمعني ان المخلوق ( الخلق خ ) سواه مخلوقون من اشعة انوار الكائن الاول و الصادر الاول و لا شك ان الشعاع اثر للمنير و فعل له و قد روي عن النبي صلي الله عليه و آله في الكتب المعتبرة ان الله سبحانه خلق من نوره ( صلي الله عليه و آله خ ) العرش و الكرسي و خلق من نور علي عليه السلام الملائكة و خلق من نور فاطمة ( عليها السلام خ ) السموات و الارض و خلق من نور الحسن عليه السلام الشمس و القمر و خلق من نور الحسين عليه السلام الجنة و الحور العين قال الصادق عليه السلام في زيارة الحسين عليه السلام ارادة الرب في مقادير اموره تهبط اليكم و يصدر من بيوتكم الصادر لما فصل من احكام العباد و قد شرحت هذا المطلب باكمل بيان في شرح الخطبة و لايصح البيان ازيد ( بازيد خ ) من هذا لما في قلوب الناس من الامراض و الاغراض فقول عمران اخبرني عن الكائن الاول و عما خلق ، يريد السؤال عن حقيقة [ص 30] الصادر الاول و آثاره و اشعة انواره و ما خلقه الله سبحانه به و كيفية خلقه تعالي للاشياء به و انخلاقها منه .
فقال عليه السلام : سألت فافهم اما الواحد فلميزل واحدا كائنا لا شئ معه بلا حدود و لا اعراض و لايزال كذلك .
المراد بالواحد هنا ذات الله سبحانه اي الاحد اذ قد يطلق احدهما و يراد به الآخر و اما الوضع الحقيقي فالواحد موضوع للصفة الفعلية و فيه وحدة ظاهرية و كثرة اجمالية و لذا لاينفي بنفيه القليل و الكثير كما ينفي بنفي الاحد فلو كان للذات البسيطة المحضة من حيث هي بلا حدود و اعراض كان لايبقي بنفيه شئ فظهر انه للصفة التي هي الوجه الواحد من الذات فالاحد موضوع لوحدة صرف الذات البحت مجردة و معراة عن جميع السوي و الغير و الواحد موضوع للوحدة الوصفية في مقام القيومية و الوضع في كلا المقامين يقع علي العنوان و ذلك ان ذات الله سبحانه لايدرك ( تدرك خ ) و لاتنال و لاتتغير عن حال الي حال و انما ظهوره بصنعه و معرفته باثر فعله و هو سبحانه تجلي بخلقه لخلقه و عرفهم نفسه بنفسهم فلما وجدوا غابوا عن وجدانهم و شهودهم فعرفوا ربهم بما نقش في لوح ذاتهم و حقيقة سرهم و دخل المدينة علي حين غفلة من اهلها فماعرفوه الا من انفسهم لكن مصون السر عن النظر اليها و مرفوع الهمة عن الاعتماد عليها فكان ظاهرهم هياكل بشرية و باطنهم اسرار الهية و نشآت قدسية و مظاهر احدية ( الاحدية خ ) و لما كان بين الاسم و المسمي و اللفظ و المعني لا بد من المناسبة الذاتية فوجب ان تكون الاسماء الالهية الدالة علي التوحيد مستنطقة و مستخرجة من الحروف الخلقية و لما كان حدود [ص 31] الخلق ستة و هي الايام الستة التي خلق الله فيها الشئ فكانت الواو هي الاصل في الدلالة علي نفس الخلق من حيث هم و اذا كشفت عن باطن الواو التي ( الذي خ ) هو باطن الحدود الخلقية و نظرت الي سرها بزبرها و بيناتها استنطق منها الاحد لكونه ثلثةعشر فدل ظاهر الخلق علي حقيقة التوحيد الصرف و الي هذا المعني وقعت الاشارة في الانجيل بقوله تعالي يا انسان اعرف نفسك تعرف ربك ظاهرك للفناء و باطنك انا ه ، اي ظهور توحيدي لا سر ذاتي كما يقوله الملحدون من الصوفية فمن سر الواو ظهر الاحد فاذا اضفت الواو الي الاحد و نسبت الخلق اليه بكونه اليه و به و عنه علي جهة الاضمحلال و الزوال باظهار سر القيومية ظهر الواحد فالواحد فيه ذكر الغير علي جهة الاضمحلال و الاحد لا ذكر فيه للغير لانه ظهور بعد القاء الواو ظاهر نفسه فلا ذكر للغير فيه فالاحد هو الربوبية اذلامربوب لا ذكرا و لا عينا و لا كونا و الواحد هو الربوبية اذلامربوب كونا و عينا و الربوبية اذمربوب ذكرا و الاحد رتبة الذات و الواحد رتبة الاسماء و الصفات فهو ينبوع الاسماء و حقيقة المسمي من حيث هو كذلك و الواحد الذي ليس من الاعداد هو الاحد و هو الذي اختص به القديم سبحانه و اما الواحد الذي هو مبدأ الاعداد و مقابل الاثنين ( للاثنين خ ) و الثلاثة فهو من الاعداد لكنه ثلثة لان الممكن لايخلو عن جهات ثلثة الا ان الوحدة لما غلبت عليها اضمحل حكم التثليث و بقي حكم الوحدة من قبيل اطعني اجعلك مثلي و كما تقول للشخص انه صفراوي المزاج و ان كان لايخلو من ساير الاخلاط فكان اول الاعداد بل اول الاشياء و مبدئها الثلثة [ص 32] فاول الفرد ثلثة و اول الزوج اربعة و الاثنان اجمال الاربعة و الواحد اجمال الثلثة و لذا كان المثلث ابا الاشكال و اصلها و هو شكل ابينا آدم عليه السلام في العوالم الالفالف فنفي الوحدة العددية عن القديم سبحانه لكونه ثلثة و هي تستلزم الكثرات كلها و جملتها و لما كان الواحد فيه ما ذكرنا من عدم التمحض في الوحدة الكاملة البالغة قال عليه السلام في تفسيره اما الواحد ، انما عبر عنه بهذا اشارة و رعاية لقول عمران فيما تقدم مالقيت من يثبت لي واحدا قائما بوحدانيته فاراد عليه السلام اثبات الواحد له كما اراد بما اراد لما اراد فقيد الواحد بقوله فلميزل واحدا فنفي عنه تعالي الاضداد و الشركاء لان الذي لميزل كائنا ثابتا لايزول و لايحول و لايتغير و لايتبدل و لايحس و لايمس امتنع ان يكون له مثل اذ لو فرض وجب ان يكون قديما و موجودا فاشتركا في القدمية و اختلفا بالمميز فتركبا فتغيرا اذ حالتهما قبل الفصل و التميز غير حالتهما بعد الفصل و التميز و القبل و البعد هنا ذاتيان لا زمانيان فلميكونا ازليين اذ حدث فيهما ما لميكن قبل فكانا حادثين لعدم كون الوجود ذاتيا و الا لميفقدا شيئا و حالا لميكن فالذي وجوده ذاته امتنع تعدده و تكثره لحصول التركيب و التغيير المنافيين لغيبة ( لعينية خ ) الوجود كما اثبتنا مفصلا في رسالة منفردة و قوله عليه السلام و لا شئ معه ، رد و ابطال لقول من زعم استجنان الاعيان الثابتة في القدم و الازل و انها قديمة اذ القديم ما لميتعلق به جعل جاعل و الاعيان عندهم كذلك سواء قلنا ان الشئ اعم من الوجود ام مساوق له و كذا القول بزيادة الصفات عن [ص 33] الذات كما هو مذهب الاشاعرة و كذا القول بان بسيط الحقيقة كل الاشياء و ان الوجودات كلها في ذات الله بنحو اشرف و امثالها من الاقوال لان الذي ازلي غير مستند الي شئ وجوده ذاته بذاته فلو فرض ان لغيره ايضا وجود و تحقق فان كان وجود الغير عين ذاته بكل اعتبار ارتفعت الاثنينية و ان لميكن عين ذاته كان فاقدا لذلك الوجود فلميكن الوجود ذاتيا ( له خ ) لان الذاتي لايتخلف هذا خلف فالذي هكذا لايكون معه شئ ابدا له ذكر في ذاته و صفاته الذاتية التي هي عين ذاته .