فائدة و اعلم ان كل موجود فاعل و فعل و مفعول و المراد من الفاعل هو الذات المسمي الدال الذي اشتق من المصدر المشتق من الفعل و المراد من الاشتقاق هو اقتطاع فرع من اصل يدور علي حروف اصوله الفروع و اما انه فعل فبملاحظة وساطته بين الفاعل و المفعول و اما انه مفعول فبملاحظة هويته و انيته و الفعل هو ما دل علي معني كائن في نفسه مقترن باحد الازمنة الثلثة و هو ما انبأ عن حركة المسمي انما هو حركة يعني انه ليس بساكن لايستمد بل هو لازال مستمد من ربه و انه متصرم منقطع فاشار بالحركة الي امرين احدهما الاستمداد [ص 30] و الآخر الانقطاع و التصرم و الفناء و الزمان مطلق الوقت و هو لم‌يكن جزءا لمهية الفعل و انما هو امر خارج عن حقيقة الفعل لكن لما كان الفعل لايوجد في الخارج و لايتعلق بمتعلق الا في زمان من الازمنة الثلثة قال مقترنا بها و ان الفعل لا كيف له كما ان الله تعالي لا كيف له و هو المأثور فلما اراد الله تعالي ان لايتوهم في حق الفعل الاستقلال قال مقترنا بالزمان بلسانه علي عليه السلام لانه تعالي هو الواضع كما حققناه في محله و النحاة انما اخذوا تعريفهم منه عليه السلام .

فائدة كلما كان فيه الاضمحلال اكثر في الامكان كان الكمال له اكثر بخلاف الاستقلال لانه نقص للامكان و كمال للواجب و لذا قال الرضا عليه السلام الفعل خلق ساكن لايدرك بالسكون ، يعني لايدرك بالاستقلال في احد المعاني فلما عرفت ان الكمال في الحدوث الاضمحلال كالفعل دون الاستقلال كالاسم و علمت ان الخضوع و العبودية هو الاصل في الامكان عرفت ان الفعل اشرف من الاسم لانه دال علي الاستقلال فالفعل هو الائمة عليهم السلام و الاسم هو الرعية لانيتهم و المشتقات هم الانبياء (ع) و الحرف هو الملك اذ هو جهة الرب بين الاشياء و الربط لا تذوت له الا تذوتا حرفيا ثم اعلم ان الفعل هو المجعول الاول الذي لايلحقه لاحق و لايسبقه سابق و لايطمع في ادراكه طامع و هو اي الفعل النبوة و الولاية و الفعل هو احداثه تعالي لا من شئ لا غير لانه سبحانه لايهم و لايروي و لايفكر فاذا اراد شيئا يقول له كن فيكون من دون لفظ و لا كيف لفعله كما انه لا كيف له و هو الاسم الذي خلقه بالحروف غير متصوت و بالشخص غير [ص 31] مجسد الي ان قال منفي عنه الامكنة و الحدود مبعد عنه الاقطار بل هذا الاسم اثر للفعل فكيف الفعل نفسه في انه لا حد له و لا قطر ، قولنا ان الفعل مقترن بالزمان باعتبار المتعلق معناه ان الزمان ليس جزء لازما للفعل و لا انه صفة ذاتيه له و انما هو حاصل بالاقتران عند الاقتران في هذا العالم و القرينة في ذلك قولهم مقترنا باحد الازمنة الثلثة اي الحال و الماضي و الاستقبال و هذه الازمنة كلها باعتبار الافلاك و الاجسام عند القشريين و هي جزء مقوم للشئ عندنا ثم ان الزمان عندنا استمرار الشئ و هو غير الشئ فهو امر زايد علي الحقيقة نفسها و الفعل هو الحقيقة المحمدية و هو الاصل لانه اما انه سبق الحقيقة او لحقها او هو هي فان قلت انه سبقها فقد خالفت ضرورة المسلمين لانهم قالوا انه صلي الله عليه و آله اول خلق الله قال لايسبقهم سابق الي ان قال و لايطمع في ادراكهم طامع مع ان الخلق طمعوا في الربوبية فان قلت انه بعد الحقيقة فهو ثابت له اذا بطريق الاولي و ان قلت انه هي و هي هو فقد اتيت بالمراد و شربت من بحر الصاد ثم ان اول ما صدر عن الفعل هو المفعول المطلق فلما تعين المفعول المطلق صار المفعول به و له و فيه و معه و اما انه اي الفعل اشرف من الاسم فلانه مشتق من الفعل فما هو في ظاهر اللفظ مشتق من الشئ فهو مشتق في المعني منه ضرورة ثبوت المناسبة الذاتية بين اللفظ و المعني لما برهنا في محله بان الواضع للالفاظ هو الله تعالي و انه سبحانه حكيم و قلنا ان المناسبة الملحوظة بين اللفظ و المعني اولي من عدمها و الا لزم النقص و ترك [ص 32] الاولي في الصنع و ذلك ينادي علي نقص الصانع تبارك و تعالي ثم انا قد قلنا مرارا ان الاستدلال علي ما هناك اي عالم المعني و الروح لايعلم الا بما هيهنا اي عالم اللفظ و الجسد فعلي هذا كل شئ تراه فرعا في اللفظ فهو فرع في المعني و كل شئ اصل في اللفظ فهو اصل في المعني الا ما خرج باعتبار اللطخ و العارض فاذا علمت ذلك اجريته في قولك ضربت ضربا لان ضرب هو الفعل و التاء من ضربت هو الفاعل المشتق من الفعل و ضربا هو المفعول الاول المطلق الذي بتبعيته حصل المفعولات كلها فجميع ما دون الفعل به كان و منه صدر كما قال (ع) ثم خلق الاشياء بالمشية ، كما ان المنويات كلها بالنية و الحاصل الفعل هو الامام و الاسم المشتق هو النبي و الحرف هو الملك و الجوامد من الاسماء هي سائر الموجودات فان قلت علي ما ذكرت كان الانسب ان يقال فيهم (ع) انهم (ع) هم الافعال الحسني دون الاسماء الحسني قلت الاسم له اطلاقات فمرة نطلقه و نريد به ما دل علي المسمي فعلي هذا يشمل الاسم الاسم و الفعل و الحرف ضرورة ان كل واحد منها دال علي الله فيكون الكل اسما و مرة نطلقه و نريد به الاسم في قبال الفعل و الحرف هذا هو المراد هنا ثم ان الحقيقة المحمدية صلي الله عليه و آله واحدة انقسمت علي قسمين و ذلك في التقسيم الاولي قسمت الي نبي و ولي قال تعالي للنصف كن محمدا و للآخر كن عليا كما في الخبر فصار احدهما مبدء الاجمال كله كالعرش للاجسام و الآخر مبدء التفصيل كله و هو اذا محل الكثرة و الاختلاف كالكرسي و هو علي (ع) قال (ص) مااختلفوا في الله [ص 33] و لا في و انما الاختلاف فيك يا علي ، و لاجل هذا تري الاختلافات في الفعل المضارع دون الماضي علي ما بينا في محله بان الماضي هو رسول الله (ص) و المضارع هو علي (ع) لانه مع النبي (ص) ارتضعا من حقيقة واحدة و اما الافعال الستة الاخر الباقية التي غير الماضي فهي مشتقة من المضارع فاذا ثنيتها كانت اثنتي‌عشر و التثني انما هو باعتبار ملاحظة الغيب و الشهادة و من اللطائف و الاسرار هو ان اسم علي (ع) بصورته هذا اي بتقديم العين علي اللام ثم اللام علي الياء يقرأ علي انواع اربعة : علي حرف جر و علي فعل و علي اسم علي و علي صفة مشبهة فعلي كونه حرف جر يعمل و لايعمل و علي كونه صيغة المبالغة يعمل و يعمل هذا انما هو في رتبة بابيته و علي كونه علما يعمل و لايعمل هذا انما هو في رتبة بشريته قال النحاة ان الكلمة اما ان تعمل و لاتعمل او لاتعمل و تعمل او تعمل و تعمل او لاتعمل و لاتعمل هذه الكلمة هي هذه الحقيقة المقدسة الجامعة لجميع المراتب و المقامات و هذا الاسم الشريف (ظ) يجر كل اسم و يعمل فيه الا اسم احمد لفظا و اسم عمر للعدل التقديري الفرضي و قولنا نسبة النبي الي الولي نسبة الماضي الي المضارع او نسبة العرش الي الكرسي لان الكثرات و التفاصيل انما هي في المضارع و الكرسي و سر ذلك هو انه شأن الولاية بخلاف العرش و لذا خوطب النبي كما في التنزيل ليس لك من الامر شئ ثم قال في حقه (ص) و لو تقول علينا بعض الاقاويل لاخذنا منه باليمين مع انه (ص) مطاع للانبياء اجمعين حيث قال تعالي في حقه (ص) و حقهم (ع) عباد مكرمون [ص 34] لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون اي الانبياء لايسبقونه اي لايسبقون محمدا (ص) بالقول و هم اي الانبياء بامره اي بامر محمد (ص) يعملون و ذلك لاجل انهم (ع) رعية محمد (ص) فمن يقل منهم اي من الانبياء اني اله اي اني مستقل في التلقي بدون النبي محمد (ص) فذلك نجزيه جهنم و لا استغراب في ذلك لانه (ع) قال من اصغي الي ناطق فقد عبده فان كان الناطق من الله فقد عبد الله و ان كان الناطق من الشيطان فقد عبد الشيطان مع هذا كله فقد قال في حقه صلي الله عليه و آله ليس لك من الامر شئ فافهم ، و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين .

[ص 35]
الليلة التاسعة من شهر رمضان من شهور سنة

١٢٥٧

بسم الله الرحمن الرحيم

قال علي عليه السلام كما في نهج البلاغة : الحمد لله الذي لايبلغ مدحته القائلون و لايحصي نعمائه العادون و لايؤدي حقه المجتهدون الخطبة .

قال عليه السلام : الحمد لله الذي لايبلغ مدحته القائلون ، قلنا ان الحمد عبارة عن الحقيقة المحمدية و قلنا انها واحدة في مقام و سبعة في مقام و اربعة‌عشر في مقام بيان ذلك هو ان الله تعالي لما كان كاملا يكون فعله كاملا علي كمال ما ينبغي لان الكامل لايصدر منه الا الكامل و الا لزم اما جبر او عجز او بخل او ارتكاب قبيح و اللوازم كلها باطلة بالعقل القاطع و النقل الساطع فكذلك الملزومات فعلي هذا كان صنعه كاملا ليدل كمال الصنع علي كمال الصانع و لا ريب ان الوحدة اشرف من الكثرة لانه كمال فيجب ان يكون خلقه تعالي في اول ما يتعلق به الجعل واحدا اذ الواحد لايصدر عنه الا الواحد هذا بالنسبة الي الامكان لا انه ليس بقادر علي اصدار اكثر من الواحد لانه كفر عندنا ضرورة ( ان ظ ) ربنا لايوصف بالعجز بل انه علي كل شئ قدير و اما قولهم انه لايصدر عنه تعالي الا الواحد فله ملاحظتان احديهما انه لايجوز صدور اكثر من الواحد منه تعالي ذلك ينافي قدرته تعالي الكاملة و لقد قال عليه السلام في دعاء شهر رمضان الي ان قال و لايشغله علم شئ عن علم شئ و لايشغله خلق شئ عن خلق شئ و لا حفظ شئ عن حفظ شئ و لايساويه شئ الدعاء ، فثبت صدور الكثرات عن بارئ النسمات و لما كان الامكان من شأنه الكثرة و كان المجعول الاول في غاية الشرافة و الكمال لا بد ان يكون كثرته اشرف الكثرات و اكملها لان الضرورات تتقدر بقدرها فما يقدر من الكثرات في المجعول الاول لا بد و ان يكون في المفردات الثلثة و في [ص 36] المزدوجات الاربعة لانه (ظ) لا اقل في المزدوجات الا الاربعة كما انه ليس في المفردات اقل من الثلثة اذ اقل العدد الذي ينتهي الاعداد المزدوجة الاربعة و اما الاثنان فهو ليس الا اربعة باعتبار النسبة الملحوظة من الطرفين و لاجل ذلك يقال للرجل زوج و للمرأة زوجة باعتبار ملاحظة النسبة بينهما لان كل واحد منهما مركب من ذات و نسبة فلما ثبت ان الواحد الحقيقي ليس الا الله سبحانه ثبت ان الواحد الامكاني ثلثة الا انه اي الواحد غلبت فيه جهة الوحدة كما ان يقال فلان صفراوي مثلا مع انه مركب من الاخلاط الاربعة و كون الواحد ثلثة بملاحظة جهة الرب و جهة النفس و الجامع بينهما لانه غيرهما كما ان السكنجبين غير الحلاوة و الحموضة و انما هو عبارة عن المجموع من حيث المجموع فعلي هذا مبدء الاعداد ثلثة لا واحد كما ذهب اليه فيثاغورث الحكيم و اما من عداه من العلماء فعلي ان مبدأ الاعداد اثنان لحدهم الذي حددوه به و هو ان العدد نصف مجموع حاشيتيه و لكن الحق هو الذي ذهبنا اليه من انه هو الثلثة فلما ثبت المبدءان و ثبت ان المجعول الاول كامل ثبت ان الجمع بين المبدئين اكمل من عدمه فثبت ان تلك الحقيقة المقدسة الجامعة في مقام الكثرة سبعة و لما كان صنع الكامل لايكون الا كاملا و ثبت ان الكمال لايتحقق الا بالاجمال و التفصيل بالغيب و الشهادة ثنينا السبعة فصارت اربعة‌عشر فيكون تلك الحقيقة المقدسة الاولية واحدة في مقام الكمال و سبعة في مقام الكثرة و الاجمال و هي اربعة‌عشر في مقام التفصيل . تكرير مفيد قال عليه السلام الحمد لله و اعلم ان لا كل من حضر سمع و لا [ص 37] كل من سمع وعي و لا كل من وعي فهم و لا كل من فهم عرف المقصود و ايضا ليس كل من فهم و عرف المقصود له قوة البيان و قدرة التفهيم اذ فهم المسألة شئ و تفهيمها شئ آخر ثم ان كلما نقول نحن ليس الا و له دليل من الكتاب و السنة فللناظر السامع طلب الدليل من مظانه و لايخرج شئ من كل شئ الا و له اصل في الكتاب و السنة لان الاشياء كلها و الالفاظ باسرها و المقاصد بتمامها موجودة فيهما اذ فيهما تبيان كل شئ ، معروف ان السيد شريف لما صنف كبري في المنطق بني ان يدرسه ابنه فلما درسه و تم الكتاب قال السيد شريف لابنه يا بني اخرج الي السوق انظر الي ما يقوله الناس فلما خرج اليه و رجع الي ابيه فقال لابيه يا ابتاه ان الناس منهم من يبيع و منهم من يشتري و منهم من يقول كذا و كذا من القصص و الحكايات فقال له ابوه بعد ما سمع مقالة ابنه يا بني ماعرفت انت من الكتاب حرفا فدرسه ثانيا فلما فرغ من المرة الثانية امره بالخروج الي الناس كالاول فلما ذهب و رجع الي ابيه قال مثل ما قال في الاولي فقال له ابوه يا بني انك ماعرفت من الكتاب شيئا فرده ثالثا الي الدرس فلما تم الكتاب امره ابوه بالخروج و النظر فاذا هو يسمع منهم ما سمع رجع الي ابيه فقال له يا اب ان الناس لايتقولون الا في التصور و التصديق و القياسات و الاشكال و سائر المسائل المنطقية فقال له ابوه اذا يا بني قد عرفت الكتاب كبري فاذا علمت ( عرفت خ‌ل ) المثال علمت مقصودنا و ادركت مطلوبنا لانا مانذكر مما نذكره الا و له دليل في الخارج من الآيات التدوينية القرآنية و الآيات التكوينية الخلقية فاذا [ص 38] تمهدت هذه المقدمة نقول ان مرادنا في اثبات النبوة الخاصة بان نبينا (ص) هو محمد بن عبدالله (ص) بالعقل وحده و هذه المسألة مناسبة لتفسير الحمد حيث ان الحمد اشارة الي الحقيقة المحمدية كما اشرنا اليه سابقا فنقول و اعلم انه لا شك و لا ريب ان الكامل المطلق من جميع الجهات لايكون كذلك الا باحداث اثر كامل دال علي كماله المطلق و غناه التام و ذلك انا لما تتبعنا في العالم و نظرنا الي الآفاق و الانفس وجدنا ان كل صانع لايأتي بما يأتي من صنعه الا علي اكمل ما ينبغي في حقه ما لم‌يمنعه مانع من الامور الخارجية و لا ريب انه تعالي كامل ذاته و صفاته و انه لا مانع لاحداثه كاملا اذ لا ساد لقضائه و لا راد لامره فكيف يتصور المانع و هو تعالي قادر لا عجز فيه و كيف لا و هو كريم لا بخل له و كيف لا و هو عالم لا جهل فيه ثم كيف لا و هو لايرتكب القبيح بحال من الاحوال اذ هو مستغن لم‌يزل و لايزال فلما ثبت كمال الواجب تعالي بطل صدور الاثر الناقص عنه لان الاثر الناقص دليل علي نقص صانعه فلما بطل النقص ثبت الكمال اذ لا واسطة بينهما بحال و ايضا انه تعالي لما اراد خلق الخلق علي ما يمكن من جميع الوجوه و كان قادرا عليه كيف و انه امر ممكن و العقول السليمة متفقة علي وقوع اثر كذلك وقع ما اراد كيف اراد لما اراد فعلي هذا نقول لا ريب في ان المجعول الاول لا بد و ان يكون كاملا علي كمال ما ينبغي بحيث لايقال في صنعه تعالي لو كان كذا لكان احسن و الا لزم تقدم الاخس علي الاشرف و ذلك قبيح في الحكمة علي الله المنيع المتعال لايقال بناء علي ما اصلت من عموم الدليل لا بد و ان يكون جميع الخلق [ص 39] انبياء معصومون لانه اولي و اكمل و هو تعالي قادر علي ذلك لانا نقول انه سبحانه لو خلق الناس كلهم انبياء للزم النقص في خلقه تبارك و تعالي و نقصان الخلق دليل علي نقصان الخالق و قد علمت فساده مرارا اذ لو كان الخلق اجمعون هم الانبياء يلزم ان لايكون لهم رعية فاذا لم‌يكن لهم رعية لزم نقصهم و نقصهم يستلزم نقص الواجب تعالي كما اذا فرض انه تعالي اوجد شمسا لا نور لها فلما ثبت كمال الصنع ثبت و تحقق ان يكون لصنعه صنعا و اثرا و لصنع صنعه صنعا و اثرا و هكذا كما عرفت في السلسلة الثمانية الطولية و ستعرفه عن قريب ان شاء الله و بالجملة ان الكامل لايكون الكامل الا و ان يكون له نور و شعاع و الا يكون ناقصا هذا بالنسبة الي الحكمة و اما بالنسبة الي القدرة فهو تعالي علي كل شئ قدير و لهذا قلنا نحن نعلم كل شئ في الحكمة و لانعلم شيئا باعتبار القدرة و اليه ناظر قوله تعالي و لئن شئنا لنذهبن بالذي اوحينا اليك فلما ثبت ان يكون للاثر نورا و شعاعا ثبت فقر النور الي المنير ابد الآبدين كالنور من السراج و الا لكان النور سراجا فلو كان النور سراجا لزم نقصان السراج لانك فرضته انه لا نور له فنقصانه راجع الي نقصانه و التالي باطل و المقدم مثله ثم نقول لايكون الخلق الا مختارا لانه اشرف من المضطر و هو تعالي قادر علي احداثه و الاختيار انما يتحقق بحصول مبدء ميلين متضادين من الخير و الشر و النور و الظلمة و الاقبال و الادبار و الملك و الشيطان حتي قال النبي صلي الله عليه و آله لكل نفس شيطان قيل حتي لك يا رسول الله قال نعم و لكنه اسلم و في اخري اعانني الله عليه [ص 40] ورد انه (ص) قال لابنته فاطمة لايغرنك قول الناس انك ابنة رسول الله والله لو عصيت لهويت ه‍ ، فلما ثبت شرافة المجعول الاول مطلقا ثبت شرافته مطلقا في جميع المراتب و المقامات حتي في العدد و لا شك ان كلما قرب الي المبدء اشرف مما ليس كذلك و لا شك ان اشرف الاعداد و اقربها الي المبدء الواحد و لا شك ان الكثرة كلما تكون الكثرة فيها اقل كان اشرف و اولي كما ان العشرة اشرف من الاثني‌عشر و الثمانية من العشرة و الستة من الثمانية و الاربعة من الستة ضرورة كلما قرب الي الكامل يزيد في كماله فكلما قرب الي الوحدة من الكثرات كان اشرف مما بعد فاذا تمهد هذا نقول لا شك ان الواحد الحقيقي من جميع الجهات ليس الا الله سبحانه و اما الواحد الامكاني فهو ثلثة في الحقيقة جهة الي المبدء و جهة الي نفسه ثم الجامع بينهما و هذا هو اقل الكثرات و الثلثة هو مبدء الاعداد كما ذهب اليه فيثاغورث الحكيم و انه لمن المدققين من حكماء الاوائل هذا في الاعداد المفردة و اما مبدء الاعداد المزدوجة فهو الاربعة حيث ان الاثنين لايتم الا بالنسبة بينهما فيكون اربعة فاذا لوحظ جمع الثلثة و الاربعة يكون سبعة و ذلك اذ المجعول الاول مبدء للكمالات الفردية و الزوجية و جامع لما في الاعداد من الكمال و لما كان لكل شئ غيب و شهادة ظاهر و باطن اجمال و تفصيل حيث قلنا ان الجامعية اشرف و اكمل وجب ان تظهر السبعة في العالمين فيكون اربعة‌عشر و الحاصل هذه الحقيقة واحدة في مقام و سبعة في مقام و اربعة‌عشر في مقام ، و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين .

[ص 41]
الليلة الاحدي‌عشر من شهر رمضان

١٢٥٧

بسم الله الرحمن الرحيم

قال علي عليه السلام كما في نهج البلاغة : الحمد لله الذي لايبلغ مدحته القائلون و لايحصي نعمائه العادون و لايؤدي حقه المجتهدون الخطبة .

قد ذكرنا البارحة ان الحقيقة المحمدية صلي الله عليه و آله واحدة و هو اول المجعولات و اصل المفعولات و ذكرنا انها كاملة لقربها الي مبدئها و قلنا ان الكامل لايصدر عنه الا كاملا و قلنا ان مقتضي الكمال ان تكون تلك الحقيقة المقدسة واحدة في مقام و اثنان في مقام و انها ثلثة و انها اربعة و انها سبعة و انها اثنتاعشر و انها اربعة‌عشر فلما ذكرنا هذا اردنا ان نبرهن ان تلك الحقيقة خليفة الله و رسوله و حافظ سره و عيبة علمه و باب حكمته و انه هو النبي الخاتم و انه سيد الانبياء و المرسلين و انه اشرف الخلق اجمعين و ان اسمه و اسم ابويه و اسم اولاده و اسم صهره و وصيه و عدد اوصيائه و كل ما يتعلق به كذا و كذا اثبت ذلك كله بالعقل الخالص الصريح من دون استناد الي نقل من الكتاب و السنة و لا اعتماد علي قول احد من الناس فنقول انه لما كانت تلك الحقيقة المقدسة اول الحوادث و اصلها يجب ان يكون واحدا لانه كمال و ذلك الكمال ثابت للمبدء المتعال فيكون اثره متصفا به لانه (ظ) دليله و آيته ثم نقول انه لما كان من شأن الخلق و الامكان الكثرة ظهرت تلك الحقيقة علي كثرة هي اشرف الكثرات لان الضرورات تتقدر بقدرها فصار عددهم اشرف الاعداد و اشرف العدد العدد التام ثم الكامل لانه قد قرر في محله بان العدد علي اربعة اقسام تام و زائد و ناقص و كامل فاما العدد الناقص فليس لهم (ع) و اما الثلاثة الباقية التي هي التام كالستة و الزائد كاثناعشر الحاصل من تكرار الستة بملاحظة عالمي الغيب و الشهادة كما سيأتي [ص 42] و الكامل كالسبعة لانها جامعة بين مبدئي الزوج و الفرد لايقال ان الاربعة‌عشر عدد ناقص فجمعت فيهم مراتب الاعداد كلها و ذلك لكمال جامعيتهم (ع) لانا نقول ان الاربعة‌عشر في الحقيقة كمال فوق كمال لان السبعة الاخري تكرار للسبعة الاولي فلما كان الخلق الاول كاملا ساريا في جميع الاطوار حتي في العدد ثم لما تمت تلك الحقيقة الاولية العليا و تم قلبها و صدرها و دماغها و جسدها ظهرت منها انوار و برزت عنها آثار حيث اسلفنا ان الكامل لا بد له من اثر و نور و الا لم‌يكن كاملا فلما كملت و تمت اشرقت من اخس مراتبها و آخر مقامها و هو رتبة الجسم بيان ذلك هو ان ذلك الخلق المعظم المكرم (ص) هو رسول الله (ص) و اما صدره فهو علي (ع) و اما دماغه فهو الائمة الاحدعشر من ولده و اما جسد ذلك الخلق الكامل فهو فاطمة . تنبيه و اعلم ان الآثار كلها من الجسد الذي هو آخر المراتب لما برهنا ان الاثر لايبرز الا من جهة اسفل الشئ و آخر مرتبته بعد تمامية ذلك الشئ فلما ظهر نور تلك الحقيقة المقدسة يجب ان يكون ملحوظا في نورها امور ثلث حيث انه رتبة ثانية من الخلق لا ان الخلق الاول اول لهذا الخلق الثاني حاشاه و انما هو اول و هذا ثان تعبيرا و تفهيما كما ستعرفه عن قريب احدها يجب ان يعلم ان هذا النور المتشعشع من تلك الحقيقة الاولية الذي هو علة و منشأ لحقيقة اخري رتبة هذا النور و مقامه دون مقام الخلق الاول و ثانيها ان الكثرات المضمحلة المغمورة الفانية الغير الظاهرة في الخلق الاول تلك الكثرات ظاهرة في هذه الرتبة الثانية و ثالثها انه اي هذا المقام الثاني هو منسوب [ص 43] الي الله تعالي و مقبل اليه سبحانه و انه من امره و بامره ثم بيده تعالي و ان مقام هذه الحقيقة الثانية التي عبرنا عنها بالنور من الاول مقام العشرات من الآحاد اذ الاول رتبة ( رتبته خ‌ل ) رتبة الآحاد و لا ريب في ان اول رتبة الثانية هو العشرات كما ان آخر رتبة الآحاد التسعة و التسعة حرفها حرف ط و هو اسم لسيدتنا فاطمة الزهراء (ع) و التسعة آخر مرتبة الآحاد منها نشأت و عنها صدرت هذه الحقيقة الثانية كما برهن في محله و لعل نذكره فيما بعد ان شاء الله تعالي فلما كانت العشرة من شأنها الكثرة و لكن من حيث قربها الي المبدأ يجب ان يكون كثرتها اقل ما يفرض في حقها لان الضرورات تتقدر بقدرها و لا ريب في ان اقل مرتبة الكثرة في العشرة نسبة بعضها الي بعض يعني بضرب العشرة في العشرة فيكون حاصل الضرب منها في نفسها المائة هذا بيان مرتبة هذا الخلق و مقامه حيث كان في المرتبة الثانية و اما بيان ان الكثرات و الظلمات المضمحلة في الخلق الاول تلك الكثرات انما ظهرت في هذه المرتبة فهو ان الشئ مركب من الوجود و المهية فاما الوجود فهو جهة من ربه من الشئ و هو نور الله و هو الفؤاد و هو واحد لا كثرة فيه و اما المهية فهي منشأ الكثرات و اصل التفاصيل و الظلمات و هي عبارة عن الاركان الستة و هي حدود الشئ و هي الكم و الكيف و الجهة و الرتبة و الزمان و المكان فلما لوحظ في كل واحد من الستة الطبايع الاربعة التي لا بد لكل شئ كما برهن في محله فصار الحاصل من ضرب (ظ) الستة في الاربعة ملاحظة الاربعة في كل واحد من الستة اربعة و عشرين و اما بيان ان هذه [ص 44] الحقيقة التي هي منسوبة الي الله الي امره فصار كل مرتبة من مائة و اربعة و عشرين الفا لان الواحد عنده تعالي الف و اليه الاشارة بقوله تعالي و ان يوما عند ربك كالف سنة مما تعدون فصار عدد هذا الخلق الثاني مائة الف و اربعة و عشرون الفا اما المائة فلبيان مقام هذا الخلق مائة من المرتبة الثانية و اما الاربعة و العشرون فلبيان ان هذا الخلق الثاني ظهرت الكثرات الفانية المضمحلة في الخلق الاول فيهم و لبيان ان مبدأ الكثرات هو الستة الملحوظة فيها اي في كل واحد منها الطبايع الاربع و اما الالف فلاجل نسبة هذا الخلق الي الله سبحانه حيث انهم انبياء الله و رسله الي خلقه و النبي لايكون نبيا الا ان يكون مطاعا و ماارسلنا من رسول الا ليطاع باذن الله ظهر فيه مطاعية الله تعالي لان المطاع هو الله وحده و لكن كل من توجه اليه تعالي و نظر الي فيضه و كرمه يجعله تعالي مطاعا لما عداه فلما تمت هذه الحقيقة الثانية و كملت برز منه نور ذلك النور منشأ لحقيقة اخري فلما كانت هذه الحقيقة حقيقة ثالثة بعيدة عن المبدأ ظهرت فيها جهات الكثرات كلها بحيث لا عد لها و لا حصر الا لبارئها و صانعها و لمن علمه اياه ربها فلما بعدت هذه الحقيقة الثالثة وجب ان لايدرك عددها و وجب ان يغلب عليها ظلمة الانية و وجب ان يظهر منها المعاصي و السيئات بخلاف الحقيقة الثانية لانها حيث كانت قريبة من المبدأ و كان اول بدو ظهور الكثرة و اول نشو ظلمات المهية و حدودها ماصدر عنها الا ترك الاولي و اما الحقيقة الاولي المتشعبة باربعة‌عشر شعبة فتلك الحقيقة لما كانت واقعة في بحبوحة النور بل هم [ص 45] اصل النور و اصل الخير فلما كانت تلك الحقيقة المقدسة عين النور و اصله لم‌يصدر عنهم ترك الاولي و لا مكروه من المكروهات بل المباحات ثم لما كانت هذه الحقايق الثلثة كل واحد منها قريبا من الاخري صار كل واحد منها علي صورة الحقيقة الاولي لان حقيقة الانبياء لما كانت حكاية عن الحقيقة المحمدية و حقيقة الانسان من الرعايا لما كانت حكاية عن حقيقة الانبياء عليهم السلام صارت صورتهم علي صورة الانسان اذ صورة الانسان اشرف الصور و اكملها بخلاف المراتب الاخري من السلاسل الثمانية الطولية من حقيقة الجن و حقيقة الملك و حقيقة الحيوان و حقيقة النبات و حقيقة الجماد لبعد تلك الحقايق و المراتب عن الكمال الذي هو المبدء المتعال و لتمكن الظلمة و استيلائها في تلك الحقائق البعيدة لغلبة شهواتها و انياتها و ظهور خلاف الاستقامة فلما تمت حقيقة الرعايا و كملت ظهر منها نور هو منشأ لحقيقة اخري و كذلك الحقيقة الرابعة لما تمت و كملت ظهر منها اثر ثم الحقيقة الخامسة بالنسبة الي السادسة و السادسة الي السابعة ثم هي الي الثامنة و بالجملة كلما بعدت الحقائق من السلسلة الطولية عن الحقيقة الاولية الاولي العليا ظهرت فيها جهات انيات المهية و كثافات ظلمة الاعراض و برزت منها آثار جهة الادبار الي ان آل الامر في الادبار و الاعراض الي مقام لايري فيه نور ابدا كما ان الجمادات الغاسقة لا نور فيها بوجه من الوجوه هذا الذي قلنا من المطالب في اثبات المراتب و اعدادها و نورانيتها و ظلمتها كلها بدليل العقل المحض كما تري ان العقل هو الحاكم بان كل ما كان اقرب الي المبدأ كانت الكثرات فيه اقل كما فصلنا اجمالا من [ص 46] ان البعيد بواسطة يكون متشعبا بمائة الف و اربعة و عشرين الفا و من ان البعيد بواسطتين وجب ان لايكون له حصر في عدده لبعده عن المبدء و هكذا الي ان وصلت النوبة الي الجمادات التي ظهرت فيها جميع جهات الكثرات في الوانها و اعراضها و كمها و كيفها و زمانها و مكانها و رتبتها و جهتها و اختلاف انواعها و اجناسها و اصنافها و اقسامها و اوضاعها و تشعبها اكثر مما كان لما قبلها من الحقايق من النباتات و الحيوانات و الملك و الجن و الانس و الامام و النبي (ع) الاتري ان المرآة المقابلة للشاخص تنطبع فيها صورة واحدة ثم اذا قابلت تلك المرآة بمرآة اخري تنطبع فيها صورتان و مرآة ثم هكذا في الثالثة المتقابلة للثانية تظهر فيها ثلث صور و مرآتان و هكذا في المرآة الرابعة و الخامسة الي ما لا نهاية فافهم كيفية تكثرات مراتب الموجودات الامكانية و تطورات نشأة الحدوث بامر من الله العزيز الحكيم ، و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين .

[ص 47]
ليلة الخميس ١٢ من شهر رمضان المبارك من سنة

١٢٥٧

بسم الله الرحمن الرحيم

قال علي عليه السلام كما في نهج البلاغة : الحمد لله الذي لايبلغ مدحته القائلون و لايحصي نعمائه العادون و لايؤدي حقه المجتهدون الخطبة .

قلنا ان الحقيقة المحمدية كاملة لها اشعة و انوار و لها شؤن و اطوار و قلنا ان السلسلة ظاهرا ثمانية و لكنها في الحقيقة لا حصر لها فالثمانية و ماعداها بتمامها الي ما لا نهاية اطوار لتلك الحقيقة المقدسة و هي واحدة قال تعالي يا احمد خلقتك لاجلي و خلقت الاشياء لاجلك ، و ما امرنا الا واحدة فبهم ملأت سماءك و ارضك يعني بنورهم و ظهورهم لا بجسمهم في خطبة يوم الغدير ملأ الدهر قدسه ورد انه تعالي لما خلق النبي محمد بن عبدالله عليه صلوات الله خر مغشيا عليه الف سنة فلما افاق من غشوته اوحي الله اليه فقال له يا احمد انت المراد و انت المريد و انت الحبيب و انت المحبوب ، اشارة الي ان الخلق منحصر بذلك الخلق الشريف و هو (ص) لما كان كاملا اذ هو الذي خلقه الله فعرف به اجمالا بيان ذلك ان الله تعالي قال في جواب داود النبي (ع) حيث سأله لم خلقت الخلق قال تعالي كنت كنزا مخفيا فاحببت ان اعرف فخلقت الخلق لكي اعرف ، فحيث خلق محمدا قبل العالمين جميعا عرف به لكنه معرفة اجمالية لا التفصيلية ثم اراد ان يظهر تلك الكمالات المكنونة الغيبية في حقيقته قال له تعالي ادبر فادبر اذ المراتب من العقل الي الجسم ماحصلت الا بالادبار عن الحق الذي هو نفس الاقبال فلولا الادبار كانت الحقيقة فاقدة لاحكام الجسم و احواله و اوضاعه فلما تنزلت في المراتب التي نعبر عنها بالابحر العشرين و الحجب الاثني‌عشر من مراتب العقل و الروح و النفس و الطبيعة و المادة و المثال و الجسم و المشاعر فلما [ص 48] تنزلت الحقيقة و وصلت الي التراب ماتت فيها مع انها حصلت مراتب و المقامات ( مقامات ظ ) و حصلت لها البسة و مراتب الباطن و باطن الباطن الي السبعة او اكثر و مراتب الظاهر و ظاهر الظاهر الي السبعة او اكثر فكلما تنزلت الي عالم غير الاول اختفي اثرها الذي كان قبل ذلك في المرتبة الاولي العليا و هكذا الاسفل فالاسفل الي ان مات في التراب و هذا الموت كما تري لا بد ان يسبقه حيوة لبطلان الطفرة و لقوله تعالي كيف تكفرون بالله و كنتم امواتا فاحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم اليه ترجعون و لا شك ان الحيوة اشرف فهي مقدمة علي الموت فلما اراد هو سبحانه ( و ظ ) تعالي رجوعها الي ما منه بدئت و عودها الي بدوها خاطب الله اليه ان يا ايها العقل اقبل فاخذ في الاقبال فاول ذلك الاقبال من مرتبة الجماد الي المعدن و النبات ثم الي الحيوان ثم الي الجن ثم الي الانسان كما ان آدم ابوالبشر (ع) قبله جن و قبل الجن حيوانات و قبلها نباتات و قبلها جمادات ورد ان اسم نبي الجن يوسف بن يانان فلما اراد الله خلق هذا الآدم جامعا مملكا خلقه حقيقة كاملة صالحة لكل شئ فقال لها ادبري الي جميع المراتب و المقامات فلما تمت المراتب و المقامات قال تعالي لها اقبلي فاقبلت و كان حينئذ الاخس مقدما علي الاشرف كما ان في النزول كان الامر بالعكس فاخذ في الصعود من الجماد الي النبات ثم منه الي الحيوان ثم منه الي الانسان و هكذا الي الاعلي فالاعلي الي ان وصل الي المحل الذي نزل منه و نحن الآن لسنا بصدد بيان كيفية النزول و الصعود و بيان المنازل و الاطوار و الشؤن و الادوار لانها بحث آخر و الحاصل [ص 49] لما كان العالم غلبت عليه البرودة و عدم النضج و الاعتدال الحاصل بالادبار عن المبدأ المتعال احتيج الي واسطة من اولئك الاكابر من الانبياء الذين قلنا انهم ثاني رتبة الحقيقة و قلنا انهم يجب ان يكون عددهم مائة الف و اربعة و عشرون الفا لما ذكرنا لكن هذه الواسطة يجب ان يكون من اواسطهم لا من اعاليهم و لا من اسافلهم اما من غير اعاليهم فلان بنية العالم كانت ضعيفة فلو ظهر احد من الاقوياء منهم لكان يحرق نوره اياهم فلم‌ينتفعوا منه و لا من اسافلهم لان شدة البرودة تقتضي حرارة قوية تدفعها فلذا امده الله تعالي باربعة و عشرين من الاسماء العظام ليكون متمكنا من دفع البرودات و الجهالات و اظهار الكمالات و العلوم و الاسرار و هذا الخلق الاول يجب ان يكون مخلوقا من خمس و اربعين الحاصل من جمع الآحاد اي من الواحد الي التسعة و بعبارة اخري من جمع بيوتات المثلث و اضلاعه لان المثلث ابو الاشكال و اشرفها و كل شئ مثلث و اما الدائرة فهي وجه من المثلث ثم ان هذه الخمس و الاربعون يجب ان يستنطق منها احرف ثلثة حرف منها ما يدل علي انه واحد و حرف منها ما يدل علي انه مخلوق من العناصر الاربعة و حرف منها ما يدل علي انه مخلوق من عشر قبضات و انه مخمرة طينته بيد الله اربعين صباحا و ذلك بملاحظة الاربعة في العشرة فصار حرف الاول الالف و الثاني الدال و الثالث الميم فقدمت الالف لانها اول الاجمال و انها هو حرف الوحدة ثم الدال لانها اول التفصيل ثم الميم لانها تفصيل التفصيل اذ الالف اصل للدال و الميم و هما تفصيلها فقيل آدم [ص 50] بالالف اللينية و لم‌يقل ادم من غير الف اللينية اذ الالف المتحركة من اولادها و ان الالف اللينية هي اصل الحروف و مادتها و انه (ع) حيث كان مستمدا من الله و متوجها اليه تعالي كان الانسب الالف اللينية دون المتحركة ثم يجب ان يكون زوجته التي هي من سنخه التي تكون الفروع و النتايج كلها بنكاحه اياها من ضلع ذلك المثلث اذ الرجل خلقه الله من جزئين من العقل و جزء من النفس و المرأة خلقها الله تعالي من جزئين من النفس و جزء من العقل و ان ضلعا واحدا (ظ) من المثلث خمسة‌عشر يجب ان يكون اسمها حواء ثم هذا آدم و حواء بهما حصل هذه الفروع كلها و منها تشعبت بل نقول كل اصل منه تتشعب الفروع و كل اول منه تفرع الاطوار و الشؤن هو اسمه آدم و ذلك الاصل مسمي بآدم فنقول ان الاصل الذي تشعبت الفروع الطينية منه هو هذا آدم ابوالبشر المعروف و الذي تشعبت منه العقول هو آدم العقلي و الذي تشعبت منه الحقايق هو آدم الافئدة و هو اصل لها و هكذا و لذا قال (ع) انا آدم الاول الاكبر الاعلي ، و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين .

[ص 51]
ليلة السبت ١٤ من شهر رمضان

١٢٥٧

بسم الله الرحمن الرحيم

قال علي عليه السلام كما في نهج البلاغة : الحمد لله الذي لايبلغ مدحته القائلون و لايحصي نعمائه العادون و لايؤدي حقه المجتهدون الخطبة .

بعد ما ذكرنا وجوب بعثة واحد من اواسط الانبياء دون اعاليهم و اكابرهم و دون ان يكون من اسافلهم و ذكرنا انه لا بد ان يكون من اول الخلق الانساني و ذكرنا انه لا بد ان يعطيه الله اربعة و عشرين اسما من اسمائه تعالي لمؤنة العالم لينتضجوا و ليصلح فسادهم فلما فرغنا عن هذا البيان اردنا ان نقول حيث اقتضت بنية العالم وجود آدم النبي اولا للاصلاح و الاهلية و انه لم‌يبق ابد الآبدين و ان الخلق لايكملون في زمانه لزيادة البرودة الحاصلة من الادبار عن الله سبحانه احتجنا الي بدله بعد رحلته من هذه الدار و خروجه الي دار القرار و هكذا الي ان تستأهل البنية و تتقوي بتكرار هؤلاء الاكابر فلاجل ذلك صارت الشرايع ستة و بيان الستة يمر عليك فيما بعد في طي الكلام في انسب المقام و ان كان الامر بمعونة ما قال تعالي و ما امرنا الا واحدة واضحا الا ان الاشارة الي الدليل يوجب النور فنقول الوحدة كمال في صنع الكامل دون الكثرة و قد عرفت بان كمال الصانع بكمال صنعه فوجب ان يكون صنعه واحدا و معني وحدة الصنع ان يكون امره في جميع خلقه متسعا منظما يعني ان يكون سلوكه و ايجاده بالنسبة الي جميع المخلوقات علي نهج واحد فماتري حينئذ في خلق الرحمن من تفاوت و معني ان امره تعالي واحدة هو ان كلما يقتضي ايجاد السموات و الارض يقتضي تلك الذرة حرفا بحرف و كلما يقتضي الكل يقتضي البعض فاذا عرفت هذا نقول ان الله جعل لهذا البدن اي لتحققه و تربيته و حصوله محلا مناسبا له و ذلك المحل هو الرحم من الام [ص 52] و لا ريب ان هذا الجسم من اول وقوع النطفة في الرحم الي اوان بلوغه و صلاحيته لولوج الروح انما هو باطوار ستة اذ النطفة لما استقرت في الرحم يأتيها الملائكة الخلاقين المدبرات فيدبرونها بالحرارة الغريزية التي هي يد للملائكة فيربونها يوما فيوما الي تمام الاربعين حتي يجعلونها اي تلك النطفة صالحة لان يفاض عليها صورة اخري و هي صورة العلقة فلما استأهلت لصورة اخري و لبستها يذهب حينئذ حكم النطفة و جاء حكم العلقة ثم يربيها الملائكة كالاول الا ان هؤلاء الملائكة الذين كانوا يدبرون النطفة غير هؤلاء اذ المدبرون للعلقة اقوي من المدبرين للنطفة و هكذا الي ان استأهلت العلقة لافاضة صورة اخري و هي صورة المضغة فلما جاءت المضغة ذهبت العلقة و تغير حكمها لتغير الموضوع الي ان تكتسي العظام لحما ثم ربتها الطبيعة بقوة الملائكة المدبرات و اصل الطبيعة هي الحرارة الغريزية التي محلها الدم الاصفر الذي في تجاويف القلب الصنوبري و ذلك الدم الاصفر محل الطبايع الاربع بما تقومت به من الاجزاء البخارية فانها اي الاجزاء البخارية الحاملة للطبايع الاربع اربعة اقسام جزء ناري حار يابس و جزء هوائي حار رطب و جزءان مائيان باردان رطبان و جزء ترابي بارد يابس فبحركة فلك القمر و طبعه ثم بما لحقته من طبايع الكواكب تلطفت الاجزاء و تكلست تكليسا صالحا حتي ساوت في اللطافة مع جوزهر فلك القمر فلما ساوته تعلقت بها الروح الحيوانية المودوعة هناك من مجاورتها له و مشاركتها اياه في نوع التركيب و المقام و مساواتها له في النضج و الاعتدال المقتضي [ص 53] لتعلق الحيوة الحيوانية الحسية و بالجملة تدبير الملائكة بالطبيعة و بالملك ليس هذا هو نفس الطبيعة و لا نفس القوي و انما الملائكة هم ذوات متأصلة و انهم حملة الفيوضات بين المشية و هذا الشئ المستفيض فلايتوهم متوهم ان الملائكة المدبرات للنطفة هي بعينها الملائكة المدبرات للعلقة و هكذا الي تمام الاطوار الستة لان الملائكة ذوات ناقصة لاتقبل الكمال و لا ريب ان الملائكة الذين جعلهم الله لتربية العلقة اقوي من الملائكة الذين هم لتربية النطفة بناء علي هذا يكون لكل طور ملك خاص بذلك الطور لا غير و هذه الروح الحيوانية هي المقصودة من هذه التطورات و لا ريب ان النطفة بنفسها وحدها لاتتمكن من ظهور الروح و كيفية اتصال الروح و ولوجها في هذا البدن بعد ما اكتست العظام لحما و حصلت لها عروق و اعصاب و شريانات و اوردة مثل الجمرة المجعولة قريبا من الحطب كي يشتعل بتكليس النار اياه شيئا فشيئا فاذا عرفت ذلك علمت كيفية تعلق الروح الحيوانية في هذا البدن و هذا الروح هي المقصودة من هذه المقدمات الخمسة بحيث لولا الروح لماكان للبدن فائدة و لا غاية فلما تمت الخلقة و ولجت الروح يغذيه الله تعالي مما اعده في الرحم من دم الحيض كما كان ذلك غذاؤه من يوم النطفة فلاجل ذلك لاتحيض المرأة بعد ما حبلت ورد ان رجلا مات فجاء رجل فقص رأس الذي مات و قد وقعت في زمن المنصور الدوانيقي تحيرت العلماء في حكم المسألة فالتجؤا الي ان جاؤا عند مولينا الصادق (ع) فطلبوا منه الحكم قال (ع) فاسألوها عن علمائكم قالوا انا قد سألناهم [ص 54] انهم لم‌يعرفوها قال (ع) حكمه ان القاتل عليه لاولياء المقتول مائة دينار تصرف كلها للميت فلما افتي الامام بها قالوا يا ايها الامام من اين له هذا الحكم قال (ع) يا قوم أليس اذا اسقط رجل نطفة آخر كان عليه لصاحب النطفة عشرون دينارا ثم أليس اذا اسقط علقته عليه اربعون دينارا أليس اذا اسقط مضغته عليه ستون دينارا أليس اذا اسقط عظامه عليه ثمانون أليس اذا اسقط العظام المكساة لحما عليه مائة دينار كل ذلك حكم لمن لم‌تلجه الروح فهذا الميت الذي قص رأسه حكمه حكم الجنين قبل الايلاج ، و اما قوله (ع) تصرف المائة للميت لا للورثة فانهم ليس لهم حق بوجه من الوجوه لاجل ان الارث انما ينتقل الي الورثة بعد خروج الروح لا مطلقا فحيث لم‌يكن المقصوص رأسه حيا لم‌يكن للورثة فيها استحقاق و ما يدل عليه تأييدا هو ان الولد اذا خرج من بطن امها حيا و لو في آن ما ثم مات فكان الارث من جهة الروح ولوجا و خروجا فاذا عرفت هذا البيان في معرفة تربية هذا البدن في الاطوار لولوج الروح الحيوانية التي هي المقصودة من تلك المقدمات فاعلم ان الروح الانسانية ايضا يحتاج الي اطوار و مقدمات و اغذية كما احتاج البدن الي الاغذية في التربية و لا ريب ان الغذاء للروح الانساني ليس من هذا الاكل و الشرب الذي كان للبدن و انما غذاؤه العلوم و الاعمال و لا ريب ان تربية البدن لايلاج الروح كان محتاجا الي محل و هو الرحم كما زبرنا كذلك الروح الانساني يحتاج الي محل و ذلك المحل هو هذه الدنيا و هي بطن الام لظهور الروح الانسانية و كما ان الروح الحيوانية كانت مسبوقة بتطورات [ص 55] خمسة كذلك الروح الانسانية لانه ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و كما ان البدن كان محتاجا الي مدبر كذلك هذا البدن الانساني و هذا المدبر هو النبي (ص) و ولوج الروح الانساني هو المقصود لانه ليس (ظ) كل من علي صورة انسان هو انسان في الحقيقة كما اخبر عنه تعالي فقال ثم قست قلوبكم فهي كالحجارة او اشد قسوة و المشبه في الكتاب و السنة عين المشبه به كما برهنا عليه غير عديدة (كذا) و ليس كل من علي صورة انسان هو انسان في الواقع لانه قد يكون نباتا قال عليه السلام نحن الناس و شيعتنا و باقي الناس غثاء ، و كذلك قال تعالي و اذا رأيتهم تعجبك اجسامهم و ان يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله اني يؤفكون و قد تكون الصورة صورة انسان و هو في الواقع بهيمة من البهائم ثم قال تعالي و لقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن و الانس لهم قلوب لايفقهون بها و لهم اعين لايبصرون بها و لهم آذان لايسمعون بها اولئك كالانعام بل هم اضل اولئك هم الغافلون فلا كل من علي صورة الانسان انسان بل للانسان علامات و آداب و امارات في علمه و عمله و سلوكه و فهمه و هم قليلون قال عليه السلام الناس كلهم بهائم الا المؤمن و المؤمن قليل و المؤمن قليل و في رواية المؤمنة اعز من المؤمن و المؤمن اعز من الكبريت الاحمر و هل رأي احد منكم الكبريت الاحمر ه‍ ، قال تعالي و قليل ما هم و قليل من عبادي الشكور و الحاصل ظهور الروح الانساني يحتاج الي مقدمات و اطوار كالروح الحيواني فالروح الحيواني بمنزلة النطفة يدبره المدبرون و هم آدم [ص 56] و نوح و ابرهيم و موسي و عيسي و محمد (ص) فهؤلاء الخمسة كلهم مقدمات لايلاج الروح اي الشريعة السادسة و كلهم لاستيهال الروح الحيواني لان يفاض عليها الروح الانساني فيصير انسانا دون ان يكون حيوانا كما عن مولينا علي (ع) في معني الفلسفة في جواب اليهودي حيث قال : من اعتدل طباعه صفا مزاجه و من صفا مزاجه قوي اثر النفس فيه و من قوي اثر النفس فيه سما الي ما يرتقيه و من سما الي ما يرتقيه فقد تخلق بالاخلاق النفسانية و من تخلق بالاخلاق النفسانية فقد صار موجودا بما هو انسان دون ان يكون موجودا بما هو حيوان فقد دخل في باب الملكي الصوري و ليس له عن هذا الغاية مغير ، و بالجملة صارت غاية الغايات و نهاية النهايات ولوج الروح الحيوانية القدسية اي الروح الانساني ، و صلي الله علي محمد و آله .

[ص 57]
الليلة الخامس‌عشر من شهر رمضان من سنة

١٢٥٧

بسم الله الرحمن الرحيم

قال علي عليه السلام كما في نهج البلاغة : الحمد لله الذي لايبلغ مدحته القائلون و لايحصي نعمائه العادون و لايؤدي حقه المجتهدون الخطبة .

قلنا ان الشرايع ستة خمسة منها مقدمات للسادسة بل للسابعة اذ الشئ لايتم الا باطوار ستة اما في الانسان الكبير فالشرايع الستة من آدم الي نبينا خاتم محمد بن عبدالله (ص) و اما في الانسان الصغير فالنطفة و العلقة و المضغة و العظام ثم اكتسائها لحما ثم انشاء خلق آخر و هذه الستة في الانسان الوسيط هي الماء الرقيق ذو الوجهين و الماء الابيض الغليظ و الماء الابيض الرقيق و الماء الاصفر و الماء الاحمر و الانفحة و هذه الستة في الايام يوم الاحد ثم الاثنين ثم الثلثا ثم الاربعاء ثم الخميس ثم الجمعة و اما يوم السبت فهو يوم الكمال و يوم ظهور الآثار فلما كانت الكينونات غير ناضجة من حيث برودة الادبار و القوس انما كان قوس الصعود ظهر الاخس قبل الاشرف مع ان الاصل للعالم هو الحقيقة المحمدية ثم الحقيقة العلوية اذ هما اصلا كل اجمال و تفصيل اذ هما اصل الوجود من الغيب و الشهود بل و اصل كل شئ و الحقيقة المحمدية لها اطلاقان احدهما نطلقها فنريد منها الحقيقة الجامعة السارية الصادقة علي الكل اي علي الاربعة‌عشر قال (ع) اولنا محمد و آخرنا محمد و اوسطنا محمد و كلنا محمد ، و ثانيهما نطلقها فنريد بها احد الاربعة‌عشر و كذلك الحقيقة الولوية فانه لها اطلاقان تارة نريد بها الحقيقة الثانية في الاثني‌عشر الصادقة علي الكل اذ كل واحد منهم ولي فتلك الحقيقة اي الولاية سارية في كلهم كالحقيقة المحمدية و اخري نطلقها فنريد بها الاصل لاحدعشر (ع) و لكن لما كان الخلق في قوس الادبار بعد ان ضعفت الكينونات [ص 58] و خرجت الحقايق عن النضج التام و الاعتدال العام القابل لها بحيث لم‌تتحمل الفيوضات من المبدأ الاول من غير واسطة و الا لانعدمت الاتري في التجلي الذي تجلي سبحانه لموسي بن عمران (ع) مات بنواسرائيل من عدم الاعتدال و عدم القابلية للنور الاعظم فلما لم‌يكن لهم تحمل وجب وجود الواسطة كنون الوقاية الداخل في الافعال كي تحفظها عن الاشتباه و عن دخول الكسر فيها فكذلك هنا لانه لما كان ذلك النير الاعظم صلي الله عليه و آله و سلم في غاية التقدس و التنزه و الاشياء كانت في غاية الخساسة و التدنس جاءت نون الوقاية لحفظ السافل عن الدثور و الانعدام ثم بهذا ينحفظ العالي عن المباشرة من دون واسطة فحكمه حكم المتعلق اذا كما قلنا ان الاصل في عالم الاجسام هو العرش و الكرسي لانهما بابان للفيوضات الاجمالية و التفصيلية لسائر الاجسام الواقعة بعدهما و اعلم ان العروش كثيرة منها العرش الجسماني و منها كما قال (ع) من زار الحسين (ع) بكربلا كمن زار الله في عرشه لان الحسين (ع) عرش الله و ان شئت قل ان هذه الارض التي هي مصرعه (ع) عرش الله لتجلي تلك الحقيقة المقدسة عليه فلما كانا (ع) هما اصلان للامدادات الجسمانية و كانت الجسمانيات السفلية في غاية التدنس و البعد بحيث لم‌يكن لها قابلية الاستفاضة من دون واسطة جعل هو تعالي السموات السبعة بين العرش و الكرسي و بين الكائنات السفلية التي هي تحت فلك القمر واسطة كنون الوقاية ذلك حكمة من الله و رأفة لعباده فاذا عرفت ما قلنا من القاعدة الكلية الشريفة السارية نقول ان [ص 59] الشرايع ستة كلها مقدمات للسابعة و تلك الشرايع نون الوقاية لظهور هذه الشريعة الباقية الغير الفانية قال (ع) انما خلقتم للبقاء لا للفناء و قال انكم لاتموتون و انما تنتقلون من دار الي دار و انما صار حرف الوقاية النون دون حرف آخر من الحروف اذ هي نون كن و هي وحدتها فعلية و كثرتها ذكرية و حيث كان الفعل في الظاهر واحدا ناسبت وحدتها وحدة الفعل ثم ناسبت بكثرتها الذكرية الظاهرة في المتعلق بعد التعلق به اختيرت النون دون غيرها من الحروف فان قلت ان اللام هي ايضا من حروف الكثرة فلماذا اخذوها للوقاية قلنا ان اللام هي النون مع الالف في كتابة و هي كثرتها فعلية و وحدتها ذكرية بعكس النون و ان كان حرف اللام حرف الوقاية ايضا لكنها للالف التي هي حرف من الحروف دون ان يكون وقاية للفعل لان الفعل وحدتها فعلية يناسب ما كانت وحدتها كذلك فذلك لايكون الا النون ثم ان الفعل كلمة انزجر لها العمق الاكبر و العمق الاكبر هو الامكان و الامكان هو الكثرة نفسها و الحاصل النون كثرتها امكانية صلوحية كالصورة النوعية للصور الشخصية و اللام كثرتها كونية تفصيلية شخصية فافهم و اما قول النحاة بان النون للوقاية كما قالوا فهم لايفقهون سر تخصيصها بها و ان كانوا قالوا فيها وجوهات لكنها غير موجهة و ذلك انهم لم‌يحصلوا ما حصلوا من العلم من معدنه فلذا قال شيخنا اعلي الله مقامه و هو شيخ الكلام خذ ما رووا دع ما رأوا اذ ما يروونها رووها كما سمعوا و اما ما رأوا من المفاهيم و المعاني فكلها من ميولات خيالاتهم و مشتهيات اوهامهم و هي غير مطابقة للمرادات الالهية كما يظهر للمتتبع فيها لان عجائب امورهم في العلوم [ص 60] و في تصرفاتهم كثيرة غير محدودة فليس هيهنا محل ذكرها و ان كان الذكي الفطن يعرف اغاليطهم و خرابيشهم (ظ) من انحرافهم عن الحق اذ لو كانت علومهم مأخوذة من معدنها لماكانت تخالف اصلها حيث ان العلوم كلها صفة للحقيقة كما ان القرآن كله في النقطة و النقطة هو مولينا علي عليه السلام حيث قال و انا النقطة تحت الباء ، نعم كذلك قال تعالي و الذين لايؤمنون بالآخرة جعلنا علي قلوبهم اكنة ان يفقهوه و في آذانهم وقرا و بالجملة كان كلامنا في الشرايع الستة في انها مقدمة و وقاية للشريعة السابعة لان شريعة نبينا محمد (ص) اصل الشرائع و سرها و لبها نسبة شريعته (ص) الي تلك الشرايع نسبة الروح الي البدن فلولا الروح لا فائدة للبدن و هي شريعة لا نسخ لها ابدا قال (ع) انما خلقتم للبقاء لا للفناء ، و هي اشرف الشرايع ظهرت في آخر الشرايع لما قلنا من ان القوس قوس الصعود فان قلت علي هذا كان الموافق ان يظهر فاطمة (ع) اولا ثم الائمة الثمانية ثم القائم ثم الحسين ثم الحسن ثم علي (ع) ثم رسول الله (ص) يعني يظهر الانزل فالانزل الي آخرهم قلت كذلك الا اذا جاء المانع الذي يكون اقوي من المقتضي لانا قد علمنا ان شريعته (ص) لا نسخ لها و علمنا انه مطاع و علمنا ان الذي بعد الاول يكون تابعا و علمنا ان الاوصياء لايكونوا اوصياء لمن هو اقدم منهم و لايضر تقديم النبي الذي هو الاصل في قولنا ان القوس قوس الصعود لان مرادنا بالصعود بالنسبة الي النوع لا بالنسبة الي الافراد الاتري ان نوع الانس اشرف من الجن و انه قد ظهر بعد الجن كآدم (ع) و اما هذا النوع [ص 61] اي نوع الانسان من الانبياء لا بد ان يتقدم افراده الاخس علي الاشرف فليس مشروطا و لا مقصودا و انما المقصود تقديم نوع الاخس علي نوع الاشرف و ان كان من كمال المطابقة ملاحظة تقديم الافراد ايضا الا انه خولف هذا الكمال لاجل المصالح كما عرفت في نبينا محمد بن عبدالله صلي الله عليه و آله من كون المانع اقوي من المقتضي ثم انا قد بينا مرارا ان السلسلة علي ثلثة اقسام سلسلة صعودية و سلسلة نزولية و سلسلة ظهورية فهذا الذي نحن بصدده كما اشرنا هي الثالثة يعني ان نسبة ترتب افراد النوع بعضها مع بعض ظهورية و اما نفس النوع بالنسبة الي نوع آخر فصعودية و المراد بالصعودية تقدم الاخس علي الاشرف اي السافل علي العالي كما ان المراد بالنزولية تقدم الاشرف العالي علي الاخس السافل و بالجملة هذه الشريعة لما كانت احسن الشرايع و اكملها ظهرت في آخرها قال تعالي اليوم اكملت لكم دينكم و هذه اشارة الي هذه النكتة الشريفة الخفية علي اغلب الناس بناء علي هذا صارت الانبياء و شرايعهم واسطة لها و اليه ناظر تأويل قوله تعالي و جعلنا بينهم و بين القري التي باركنا فيها قري ظاهرة و قدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي و اياما آمنين قال الباقر عليه السلام نحن القري المباركة و شيعتنا و حملة علومنا القري الظاهرة ، و لا ريب ان اول من كان من شيعتهم هم الانبياء و اما نحن فشيعة الشيعة فلما كان بين الاصل و الفرع واسطة ستة و هي الشرايع الستة المذكورة و كان كل شريعة بعضها منها بل كان كل منها يوما و كان كل يوم عند ربك كالف سنة مما تعدون ظهر ذلك النور الاعظم (ص) [ص 62] في تمام آخر الالف السادس و اول ظهوره في ابتداء اول ظهور الالف السابع و هذا الظاهر لما كان اصلا لكل شئ و كان قطبا للوجود من الغيب و الشهود وجب ان يكون له اسمان اسم في السماء و اسم في الارض ليربي بكل اسم مربي ذلك الاسم سواء كان سماويا او ارضيا و هذان الاسمان كنايتان عن الموجودات كلها اذ السماء اشارة الي جهة المقبولات و القابليات المجردة ام المادية المركبة فكان اسمه في السماء احمد و في الارض محمد و وجه التخصيص قد ذكرنا سابقا فلانعيد و لما كان ظهوره في هذا العالم بالعبودية التي هي اصل الرسالة و ابوها و تلك العبودية لله سبحانه وجب ان يكون اسم ابيه عبدالله و لما كانت المرءة مخلوقة من جزئين من النفس و كمال النفس النفس الكاملة تكون امه آمنة اي آمنة من المعاصي و السيئات كلها بناء علي هذا وجب ان يكون اسم امه آمنة و لما كان هو صلي الله عليه و آله اصلا لكل شئ من الموجودات و واسطة لكل الكائنات من الكليات و الجزئيات مجرداتها و مادياتها غيبياتها و شهودياتها حتي ابوه و امه وجب موت ابيه و امه ليكون هو (ص) يتيما مستقلا لايتكل علي احد و لايتبع احدا و لما كان هو (ص) اصل النبوة و سر حملة الفيوضات باسرها و كان حامل النبوة اي عليه اعباء النبوة العامة التامة الشاملة الكاملة الجامعة علي كاهله الشريف وجب ان يكون في الكاهل علامة منه و تلك العلامة هي المعروفة بخاتم النبوة الذي كان نقشه في الحقيقة لا اله الا الله محمد رسول الله (ص) و لما كان توجهه (ص) دائما الي الله ناظرا اليه بجهته الاعلي الاولي وجب [ص 63] ان يكون خاتم النبوة علي كتفه الايمن لانه الجهة الاقوي من جهتي الشئ و ذلك الخاتم علامة النبوة و ان كانت العلامات غير محصورة اذ النبوة كانت ظاهرة من لسانه و يده و بيانه و تقريراته و احواله و اوضاعه و مشيه و قيامه و قعوده و ركوعه و سجوده و كلامه و من كلما له و منه و به و عنه الا ان خاتم النبوة له شأن آخر و ثبات دون ما هو لسائر الجوارح و الاعضاء فافهم ، و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين .

[ص 64]