[ص 529] فصل - اعلم ان كل مركب في هذه الدنيا مركب من ثلثة كيان من روح و نفس و جسد و قد لحقه اعراض نسميها رمادا فحقيقة المركب كيانه الثلثة و ارمدته ليست منه و لا اليه بل هي غرايب موافقة او مخالفة الا انها طراطير مانعة من خلود تركيب الشئ و اذا ورد البدن يفرق المميزة بينها و بين الاجزاء الاصلية فاذا ميز الانسان بينها و بينها خارجا رفع كلا عن طبيعة بدن الانسان البتة و اقل شربته و سهل تناوله بلا شك و لايخفي ما في ذلك من اللزوم في بعض الموارد و الاولوية في بعض آخر الاتري انك اذا اخذت عشرة امنان من تراب دكان الصائغ تحمل ثقل عشرة امنان و لاتسوي الا دينارا و اذا غسلتها و اخرجت ما فيها من الذهب و الفضة لاتحمل الا مثقالا او مثقالين و قيمتها سواء البتة الا ان الاعراض موجودة في الاول دون الثاني مثال آخر انك اذا اخرجت جوهر النعناع تخرج من منّ قطرتين فان اكلت منا من النعناع نفعك نفع قطرتين من جوهره و عليك مع ذلك ثقل المن و كله فان انصف منصف عرف مقدار كلامي هذا و حسن عملي و صحة علمي و من البين ان خواص الاشياء بجواهرها لا بارمدتها و طراطيرها الاتري انك اذا اخذت جوهر الدارصيني بالكلية يبقي رماد لا طعم له و لا رائحة و لا اثر و لو اكلت منه منا لميسخن و لايؤثر فيك الا بالكمية فمن عرف استخراج الجواهر استراح من حمل الاثقال و اكل الاثفال و اضعاف الطبع و غير ذلك من المفاسد و وصل الي خواص كل عقار علي ما ثبت فيه .
[ص 530] فاقول ان لكل عقار ثلثة جواهر اصلية روح و نفس و جسد فالروح و النفس تستخرجان مرة بآلات التقطير و مرة بالحل و التعفين و مرة بهما معا و اما الجسد فيحصل بالحرق و اخذ الملح او بالتصفية او بالتصعيد او غير ذلك و جميع الاقسام معمولة كل في محله و جميع اعمال هذه الصناعة يدور علي قطبين تفريق المجتمع و جمع المتفرق فالتفريق يحصل بامور بالحل و السحق و الحرق و التكليس و التقطير و التعفين و التخمير و النقع و الطبخ الطبيعي و غير الطبيعي و التصعيد و التصفية و اما الجمع فبالعقد و التغيير و التكميل و الخلط و المزج و الطبخ الطبيعي و التشوية و لا بد من الاشارة الي كل واحد منها في هذه الرسالة ليكون العامل علي بصيرة و ان كنا قد ذكرناها مفصلا في كتابنا مرآة الحكمة .
اما الحل فهو تسييل المنعقد و الجامد فان كان الجامد قد جمدت رطوبته بالبرد و اليبس كالمعادن و الشحوم و العلوك فتسييله بالنار بالضد سواء كانت بالفعل او بالقوة و ما جمد بالحر و اليبس فتسييله بالبرد و الرطوبة كالنوشادر و الاملاح و الشبوب و الزاجات و الصموغ و قد يحل هذا النوع بالهواء الرطب و الغاية المطلوبة من الحل تنقية المحلول و تصفيته عن الارمدة و تسهيل المزج .
و اما السحق فهو تصغير الاجزاء الي غاية ما يمكن و غايته سهولة الحل او المزج و من العقاقير ما ينبغي سحقه الي الغاية و النهاية كالمعادن لانها لاتظهر قواها الا به و منها ما يضعف بالسحق البليغ كالسقمونيا و الراوند و العصارات اللطيفة و يجب سحق ما يستعمل من [ص 531] الخارج ازيد من غيره و لايبالغ في سحق ما يراد بقاؤه كثيرا في المعدة كالحبوب ليؤثر بالتدريج و لاتسحق لينا كالكندر و رطبا كالفستق و لصوقا كالاشق و حامضا كالسماق فيما يزنجر كالنحاس و اسحق الهش مع اللدن و الصلب وحده و اللين مع مفرق كالمصطكي مع الشادنج و ان كان احد العقاقير اصلب اوصله بالسحق الي حد الثاني كالاهليلج مع السقمونيا و لايصلح سحق بزر الا وحده و كذا المعادن و لا برّيّ مع بحري و لاتجمع الاهليلج و الغاريقون و لاتسحق صبرا بلا مصطكي و لا شيحا مع شئ و لا الداري بلا فلفل و لا الشادنج و اللازورد و الحجر الارمني بلا غسل و ترويق و البادزهر بلا ورد و لا المحلب مع السنا و لا الانيسون بلا خولنجان و لا حب الملوك بلا كثيرا و لا الزعفران بلا كبابة و اجد سحق الاكحال بعد غسل الاثمد و اجد سحق الاكال كالزنجار و استقص شحم الحنظل و دقه مع الانيسون و لاتنعم ادوية الدماغ و بالغ في دواء المعدة و لاتخرج شحم الحنظل و لا لب حب الملوك الا عند الاستعمال كذا قاله العلماء في الفن و من السحق البرد بالمبرد و قد يطلق علي الحل السحق في الرموز و من العقاقير ما لايقبل السحق الا بالبرد او الاحراق .
و اما الحرق و القلي و التشوية فهي بالنار و غايتها تجفيف رطوبة المحروق و المقلي و المشوي اما الحرق فهو بالنار القوية و اما القلي فبالنار المعتدلة علي طاجن او غيره كالحمص او نار الحمص اضعف و اما التشوية فبالنار الضعيفة اما الحرق فقد يطلق عليه التكليس فهو قد يكون وحده او مع شئ آخر و قد يكون بالنار بالفعل و قد يكون بالنار بالقوة [ص 532] كالمياه الحادة كما ياتي في الاعمال و امر الحرق عجيب في نقل الطبع فان كان العقار لايفارق اعراضه يبقي علي ما كان كالملح و ان كان يفارق فان كان سخيفا برد و كذا الصقيل او يفارق حدته كالزاج و ان كان صلبا انتقل من البرد الي الحر او اكتسب حدة كالنورة و الحرق اما لذهاب الحدة كالزاج او لاكتساب الحدة كالحجر او للتلطيف كالملح او لذهاب السمية كالافاعي او لذهاب الغريبة كالنطرون او لاستعماله في عضو سخيف كالشنج و البسد في الاكحال او يقوي علي سد المنافذ كوبر الارانب و العقيق في قطع الدم و لاتجمع بين معدنين في الحرق الا ان يدخلا تحت جنس كالملح و البورق و استقص في حرق الاحجار و خفف في النبات و الحيوان و بالغ في الخفة في الحرير و الصموغ .
و اما التقطير فهو معروف و هو تصعيد لطايف العقار من روحه و نفسه بالآلات المعدة لذلك كالتقطير بالقرع و الانبيق او مائل الرقبة او القدر و الغطاء ذي الانبوب و غيره فمن العقاقير ما يحتاج الي نار ضعيفة و منها ما يحتاج الي نار قوية و من التقطير ما يكون بالتنكيس كما هو معروف في محله .
و اما التعفين و التخمير فهما وضع الشئ في محل ذي الحرارة و الرطوبة الي ان يتغير فاول مرتبته التخمير و آخرها التعفين و غايتهما تسهيل استخراج اللطايف من الكثايف و يكون ذلك في بطن الفرس و حمام مارية كما هو معروف .
و اما النقع فهو معروف و هو وضع العقار في بعض المياه بقدر ما يعلوه ليخرج قواه في ذلك الماء و هو دون التخمير و التعفين .
[ص 533] و اما الطبخ فهو بالنار المعتدلة حتي يخرج قوي العقار في الماء و من الادوية ما يحتاج الي النقع اولا ثم الطبخ لصلابته و منها ما يكفي فيه النقع وحده او الطبخ وحده و الطبخ الطبيعي يحصل في التعفين و غير الطبيعي بالنار ثم من العقاقير ما كان لطيفا في جوهره لايستقصي في طبخه كالازهار و منها ما يتوسط في طبخه كالحشايش و منها ما يستقصي كالاصول و الاخشاب و منها ما لايحتاج الي طبخ كالعصارات و استثني منها السقمونيا و لايمس بنار الغاريقون و ما يسقط قوته كالخيارشنبر و لايستقصي في طبخ ما يضر جرمه كالسنا و قد شرح جميع ذلك في مواضعه في كتب القوم فان شئت فراجع .
و اما التصعيد فكأنه تقطير يابس فانه تصعيد الاجزاء اليابسة بقوة النار و غايته تفريق اللطيف عن الكثيف او اكتساب حدة كما تحصل بالتكليس و تختلف الآلة في الطول و القصر بثقل لطائف العقار و خفته و منه ما يصعد بكله لتروحه و منه ما يصعد بعضه لمخالطة روحه مع اجزاء كثيفة ارضية و منه ما يصعد بنار قوية و منها ما يصعد بنار ضعيفة .
و اما التصفية فهو تخليص الجسم عن الغرايب فهو قد يكون بالطبخ و رش رغوة بياض البيض و قد يكون بجر العلقة و قد يكون بالعصر و قد يكون بالمصفاة ● و قد يكون بالمناخل و قد يكون بالغسل و هو [ص 534] للادران الظاهرة او المخلوطة ببعض المياه حادة او غير حادة و قد يغسل الدواء للتبريد كالشادنج و قد يغسل لازالة الاوساخ كبعض الحشايش او لازالة الحدة كالعرطنيثا او لازالة الغثيان كاللازورد و اياك و غسل ما جوهره الحار في ظاهره كالهندبا و عليك بغسل القصب السكري و الفواكه من غبار الهواء خصوصا العنب و ما علي الارض كالبطيخ و بادر الي غسل البيض المسلوق بالماء البارد و لاتنس مكلسا من الغسل و اغسل المحلول بالمياه الحادة بعد اخذه و الزيبق المصعد و الاملاح المتخذة بالحادة و اغسل كل دواء بما سمي له في موضعه .
و اما العقد فهو جمع اجزاء السائلات بالنار او بالهواء البارد و ذلك بتجفيف الرطوبة و تنشيفها او بتجميد الرطوبة و الفرق بينهما ظاهر فان التجفيف افناء الرطوبة و التجميد جعلها متعلكة و هي باقية كالثلج و قد يراد به التغليظ كالربوب فان عقدها تغليظها .
و اما التغيير و التكميل فيحصل بالتعريق و هو وضع الشئ مغطاء علي نار لينة و فيه رطوبة قليلة حتي يعرق ثم رفعه و تبريده ثم تكرار العمل الي ان يتغير ذلك الشئ عن حال الي حال و يتكمل بطبع تلك الرطوبة الداخلة عليه و ذلك امر عسير صعب و قد يفعل ذلك لسرعة الانحلال او الذوب او غير ذلك .
[ص 535] و اما الخلط فهو قرن جاف بجاف كاجزاء السفوف او رطب برطب كالخل و الماء او جاف برطب كالادوية اليابسة مع العسل او لعاب او غيرها .
و اما المزج فهو تخلية المختلطات المحلولة مدة حتي يحصل التفاعل بينها او طبخها بالطبخ الطبيعي او غير الطبيعي او تشويتها او تعريقها فهذه هي بيان هذه الاعمال علي نحو الاختصار و تفصيلها مذكور في كتابنا مرآة الحكمة و ساير كتب القوم و ياتي ايضا في تلو الاعمال انشاء الله .
فصل - في استخراج ارواح الحشايش و الازهار و البزور . تقطع صغارا و تنقع في الماء الحار مع قليل من الخمير او الملح يوما و ليلة ثم يقطر و كلما رد المقطر علي ارض جديدة كان اقوي فعلا و ملاك الامر في هذه التقاطير تخفيف النار فليس فيها سر و لا حكمة الا تخفيف النار اللهم الا في الادهان فانه ينبغي زيادة النار بقليل قليل فاذا بلغ المنتهي يكرر تقطير ذلك المقطر بنار معتدلة فان الروح تصعد قبل الماء فيكرر التقطير حتي يتخلف جميع الماء الذي معه و علامة تخلف الماء بالكلية احتراقه بالنار و اشتعاله فهذا هو طريق استخراج ارواح الحشايش و البزور و الازهار و يوضع لكل رطل من البزور اوقية من الملح و ان خرج دهن مع الماء يعزل عنه و كذلك الافاويه و الاخشاب و كن حكيما و زد في مدة التخمير و قصر الي ان تعلم انه قد خرج قوي الادوية في الماء و تغير الرايحة و اختمرت فهنالك قطر .
[ص 536] فصل - و اما الصموغ فمثل علك البطم و المصطكي و الكندر و ما يشاكلها فتوضع في قرعة و تغمر بثلثة امثالها ماء و يوضع فيها قبضات من الرمل المغسول و يقطر فالخارج الاول روح ثم يشد النار ليخرج الدهن .
فصل - في استخراج روح العسل يؤخذ من العسل رطل و من الملح ثلث اواق و يقطر في حمام مارية بنار معتدلة فالاول هو الماء ثم يقطر الروح و الدهن ثم تعزل كل واحد جانبا .
صفة استخراج روح الملح يؤخذ الملح المحلول المعقود مرارا مع مثله طين الفاخور و يعجن بذلك الملح المحلول و يقرص كاللوز و يجفف و يقطر في مائل الرقبة يخرج في الاول رطوبة مائية يرمي بها ثم يشد النار يقطر الروح و منهم من يضع مع الملح الطين الارمني ثلثة امثاله و قد جربت العملين .
صفة روح الزاج قيل يُحرق الزاج حتي يحمر و فيه كلفة فان غير المحرق يقطر اسهل البتة ثم يسحق و ينخل و يضاف عليه بقدر نصفه آجر مسحوق و يقطر في قابلة وسيعة و يزيد في النار تدريجا فتخرج الرطوبة بعد ثلث ساعات ثم تشد النار يقطر الروح بعد سبع و توقد يوما او اكثر ثم يقطر بنار معتدلة حتي يخرج الماء عنه و يبدأ في الحامض الشديد الحموضة فهنالك علم انه لميبق فيه مائية و منهم من يضعه بعد ذلك في مائل الرقبة علي الرماد فما خرج ابيض فهو روح و ما بقي احمر حادا فهو الدهن و منهم من يعدل هذا الروح بان يغمر فيه زهر البنفسج و يضع حتي ينحل فيصير لونه احمر و تطيب رائحته .
[ص 537] صفة استخراج روح الكبريت يؤخذ من الكبريت ما شئت و يوضع في فنجان من الحديد موضوع في صحن كبير مزجج و يعلق فوقه قنديل مزجج بحيث لايصل لهيب الكبريت الي قبته ثم يشعل بالنار في وسط الكبريت يقطر من اطراف القبة فليحفظه عن الهواء و ان كان العمل في ايام الشتاء او مكان رطب حصل اكثر و ان اردت تبييضه فمنهم من يضع عليه قطرات ماء و يدفنه في الرماد الحار الي ان يرسب الدخان و يبيض الماء و منهم من يقطره بنار خفيفة و ان شئت ان تبيضه للاستعمال من الداخل فقطره عن كف من السكر و كف من الفحم المدقوق ● و ليكن كل واحد منهما نصف الماء فانه يبيض و ان قطرته حتي يبلغ الاشتعال فهو الروح و له خواص شتي منها انه مجفف قوي سريع النفوذ محرق مقرح جال مسخن يرفع الرطوبات و اللزوجات و يزيل اللثة الفاسدة سنونا و يرفع النكهة و يقطع البلغم و ربما ياتي ساير منافعه في المعالجات و قد يقطر بنار معتدلة فيقطر المائية و يبقي ما هو شديد الحموضة و ذلك لاجل حجر النيران و غيره و ان خلطته مع ضعفه البارود و قطرته في الافلاطوني يخرج حادا جدا و هو صالح لحجر النيران جدا .
[ص 538] صفة روح النوشادر يؤخذ ما شاء و يخلط مع اربعة امثاله من الجير او الرماد و يقطر .
صفة روح الخل يقطر الخل الحار فاول ما يقطر يقطر المائية يرمي بها فاذا بدا القاطر الحامض الشديد الحموضة يقطره الي ان يتم ثم يعيد تقطيره و يكرر الي ان يبلغ و ان ضممت الي رطل من الخل الزاج و الطرطير من كل اوقية و قطرته يسمي خل الاصل و قد يقطر الخل مع ثلثيه علك البطم لحل الاحجار و الاجسام الصلبة .
صفة روح الملحين يسحق الملح و البارود مع ثلثة امثاله من الطين المجفف و يقطر لحل جميع المعدنيات .
صفة ماء الفاروق و هو اقسام فمنها مركب من الشب و البارود اجزاء سواء لحل الفضة و تكليس الزيبق و منها مقطر من الشب و الزاج من كل واحد و من النوشادر اثنان لحل الذهب و منها مقطر من جزئين من الزاج و جزء من البارود لحل القمر و الانتيمون و منها مقطر من رطل من الزاج و نصف رطل من البارود و ربع رطل من الشب و هو قوي جدا و منها مقطر من الشب و البارود و العقاب و الزاج سواء و سميناه بماء الياقوت يحل الذهب و الزيبق و الحديد و النحاس و منها يقطر من البارود و الزاج الاخضر سواء و العلم عشر جزء يحل الزيبق و يكلس الفضة و يزعفر الحديد و يزنجر النحاس و يكلس القصدير و الرصاص و منها يقطر من جزئين من الشب و جزء من البارود لتكليس الزيبق و الفضة و المرداسنج و هذا هو الفاروق [ص 539] المستعمل في المعالجات فاذا قطر جرب بادخال ابرة فيه و هو حار فان حله فهو و الا يدخل في اربعة منه واحدا من روح الملح و يقطر و ان لميكن حادا من غلظته ياخذ شيئا منه و يحل فيه شيئا من الفضة و يصبه علي الباقي يرسب لزوجاته و يؤخذ الصافي و قد يطعم الفاروق بشئ من الزيبق طعاما له و هو الفاروق المدبر و ان اراد الفاروق اللين فليمزجه باربعة امثاله ماء او ازيد و انما ذلك للضمادات و ان حل فيه الحلتيث او بعض الصموغ و الاحجار المناسبة كان بالغا و منها يقطر من الزاج المصفي اثنيعشر و الشب ستة و البارود عشرين و يصفي و يطعم كما مر و يعدل عند الحاجة بالماء و منها يقطر من الشب و البارود و الملح و الزاج كل عدد حروفه لحل الذهب و يزعفر الحديد و يزنجر النحاس و يكلس الرصاص و منها يقطر من واحد من الشب و اثنين من البارود و ثلثة من الزاج و سميته بماء الكريم لحل الزيبق و الفضة و الانتيمون كالذهب مع القاطون و الاحسن ان تجعل مع مسحوق هذه الادوية مقدار نصفها او ربعها من الرمل او الطين المجفف و يترك للقابلة منفذ صغير و يكبر القابلة و اما الكواريس فهو ان يلقي في الفاروق نوشادرا و يقطر ليحل الذهب و الاحسن ان لايكون في الكواريس زاج فانه يسود الذهب عند الاسترساب فاحفظه .
المقصد الثاني - في تحصيل الادهان .
اما الحشايش و البزور فيخرج دهنها بتكرار التقطير علي الارض المخمرة و يكون القابلة طويلة العنق دقيقها و عماد الامر تعديل النار بحيث يصعد البخار دائما عن الارض و لايشد [ص 540] و لايمل من طول العمل و يرد كل ماء علي ارضه حتي لايبقي فيه شئ ثم علي ارض جديدة و هذا هو سر العمل اولا و آخرا و يعزل الدهن عن الماء بان يضع يده علي فم القابلة و ينكسها و يحرف يده قليلا حتي يحصل منفذ لما في القابلة فان كان الدهن نازلا يخرج الدهن الي ان يصل الي الماء و ان كان الدهن صاعدا يخرج الماء الي ان يصل الي الدهن ثم يشمسه في قارورة مسدود الفم اياما الي ان يصفو و يرفع او يضعها في مكان حار اياما او يدفنها في بطن الفرس و اما الافاويه فيدقها جريشا و يضع في اربعة ارطال منها اوقية و نصفا ملحا و يضع عليه الماء الحار و يضعه في مكان بارد خمسة ايام ثم يقطر و حين التقطير يزيد قبضتين من الملح ثم يقطر بذات الانبوب بنار لينة فيعزل الدهن و يخرج من اربعة ارطال سبع اواق من الدهن و في قاعدة جديدة اخري يؤخذ منه ستة و يدق و ينقع في ثلثين ماء اربعة ايام و يضع معه ثلثه ملحا و يقطر في القرع و يعزل الدهن عن الماء و في قاعدة يؤخذ لون الدواء بروح خل او غيره ثم يقطر اللون فيبقي الدهن اسفل و عماد الامر و سره و سناده كله تعديل النار بحيث يرفع البخار عن الارض و يقطر و لايغلي الا قليلا قليلا فانه يصبغه و يحرقه فاذا حصل الدهن يشمسه اياما حتي يرسب و يصفو ثم يرفع و احسن الآلات لاستخراج ادهان الحشايش و البزور و الافاويه و الاخشاب القدر ذو الانبوب فانه معه اسهل و اضبط و آمن فافهم و منهم من يدق الافاويه ثم يلزق علي راس كاس قرطاسا ثخينا و يشبكه بالابرة ثم يجعل علي فم الكاس حلقة من العجين ثم يضع عليه صحنة نحاس او طابقة حديد و يوقد عليها فيقطر الدهن نازلا عن الشبكة في الكاس .
[ص 541] صفة استخراج دهن الصموغ يغمر ما كان بالخل و يقطر ثم يعزل الدهن و منهم من يدق الكندر و السندروس و ما يشاكله جريشا ثم يقطره ماء فدهنا و منهم من يضع علك البطم او المصطكي مع ثلثة امثاله من الماء و قبضات من الرمل و يقطر روحا فدهنا بتشديد النار و ليكن القرع من نحاس البتة .
صفة دهن الانتيمون السكري يؤخذ الانتيمون و السكر سواء و يسحقان و يقطر بالافلاطوني ايضا يؤخذ لون الانتيمون في الخل ثم يقطر الخل و يبقي الدهن ثم يدفن في بطن الفرس اربعين يوما ثم يصفي و يرفع .
صفة استخراج دهن الملح يحل الملح في الخل المقطر ثم يقطر المقطر بلينة ليخرج المائية و يبقي الدهن في اسفل القرعة و اما الساذج فلايتقطر الا في قرعة من احجار سناباد الرضوية علي مشرفها السلام فتحشي به جريشا مقدار ثلثها و يقطر و يدرج النار الي ان يقطر ماء ثم دهنا اصفر حامضا و قد ذكروا للمعدنيات قواعد في استخراج دهن الفلزات و لا طائل تحتها فان مؤنتها و مهنتها كثيرة و فايدتها قليلة فاعرضنا عنها .
صفة استخراج دهن الشمع المحلل للاورام الملين للصلابات السوداوية و البلغمية و هو سريع النفوذ الي اعماق البدن و يلحم الجراحات الحديثة و العتيقة و ان طلي به كل يوم مرتين ينفع من حرق النار و [ص 542] الكلف و النمش و الخطوط التي تحدث في الثدي صفته يؤخذ الشمع و يذاب علي النار و ينزع رغوته ثم يخلط معه مثليه الملح الكلس و يصنع فتايل و يحشي بها الافلاطونية و يقطر علي الرمل و ليحذر من شدة النار فانه يحترق و يسود الدهن و قد يقطر عن نصفه عظم البقر المحرق فيحلل الاورام و الرياح و يلحم الجراحات و منهم من يقطره عن آجر مسحوق عتيق او الطين الاصفر و منهم من يقطره عن غضار الصيني المدقوقة فيخرج علي لون شمعه و هو للشرب انسب و عن الملح للتحليل انسب و عن العظم للالحام انسب و من شاء ازالة رايحته يقطره ثلث مرات عن خل و كافور فيجعل الخل مثليه و الكافور ربع عشره ثم يعزله و يقطره عن ماء الورد مرات حتي يطيب و كذلك يزال رايحة النفط و يصلح للخلط مع الادهان المعطرة .
فصل - في املاح الحشايش و البزور و الطرطير و الافاويه ، فتحرق حتي تصير رمادا ابيض و ان لميبيض خارجا يجعل في كوز و في اتون الفخار حتي يبيض ثم يغلي في الماء و يغلي الي ان ينتصف الماء او اقل و يصفي و يوضع في مكان بارد حتي ينعقد عليه الملح و هو الارضية الصالحة المقدسة اللطيفة ثم يغلي باقي الماء و يضع في محل بارد و هكذا يكرر العمل الي ان لايبقي ملح و منها ما لاينعقد علي الماء فيغلي الي ان ينعقد ملحا و لا بد من تصفية الماء ببياض البيض اولا فافهم .
فصل - في املاح المعادن . يكلس ما يراد منها ثم يحل في الخل المقطر ثم يوضع في مكان بارد حتي ينعقد ملحا و هذا هو القاعدة الكلية .
[ص 543] صفة استخراج ملح القلي تاتي مفصلا في المقالة الرابعة في حرف الميم انشاء الله .
صفة استخراج ملح الخبث و ملح الرصاص و امثالهما يتخذ كلها علي نهج واحد بالحل في روح الخل و الاسترساب او التطيير و تاتي في المقالة الرابعة في حرف الميم انشاء الله .
صفة سكر زحل يؤخذ سيلقون و اسفيداج و يرطب بخل ثم يجفف ثم يسحق و يغمر بالخل بقدر ما يعلوه اربع اصابع و يوضع في مكان حار اربعة ايام و لايمكث هو هناك فان بخاره يضر بالاسنان حتي يخرج اللون ثم يصفي و يكرر العمل حتي لايبقي لون ثم يطير عنه الخل ثم يغسل بالماء مرارا الي ان يذهب الحموضة ثم يطبخ بالماء و يستخرج ملحه طريق آخر يدق المرداسنج ناعما و يغلي في الخل المقطر الي ان يحلو ثم يصفي و يعيد خلا و هكذا يكرر العمل الي غاية ما يريد ثم يغلي الخلول الي ان ينعقد ملحا و قد اخترعت نوعا منه اسهل و جربته عملا و منفعة فجاء بالغا بردت الرصاص الاسود و كلسته في الفاروق و استرسبته و غسلته و جففته و رفعته فكان كالثلج و نافعا جدا .
صفة ملح اللؤلؤ و المرجان يسحقان و يغمران بالخل المقطر الي ان يحلو الخل و يصفي و يعيد الي ان ينحلا ثم يطير الخل و يطير عنهما الماء مرات حتي يبقي ملحا صافيا .
و اما ساير الاملاح المعدنية فلا طائل لها بقدر مهنتها فنتركها .
[ص 544] المقصد الرابع - في اتخاذ الربوب ، و هو احسن التدابير بعد اخذ الارواح و النفوس و الاملاح في تسويغ الادوية النباتية و تقليل شربتها و اخراج الاجزاء العرضية التي لا حاجة اليها و هي كل علي الطبيعة و لا بد لها ان تخرجها من طريق الامعاء فيصفيها الحكيم خارجا و يرفع كلها عن الطبيعة و من عرف مقدار ذلك لميستعمل دواء الا بعد اتخاذ ربها فان الدواء الذي شربته الي عشرة دراهم ربما يعود الي دانق او دانقين او نصف درهم مثلا و فيه من الحسن ما لايخفي و لنمثل هنا امثالا .
صفة اتخاذ رب الاهليلج و ما يشاكله من الادوية اليابسة . يؤخذ منه ما يشاء و يرض و يجعل في زجاجة و يصب عليه ما يغمره من الماء و يضعه في الشمس او علي لينة كالرماد الحار و يحركه كل يوم الي ان يخرج فيه اللون و الطعم ما يخرج و يصفيه ثم يصب عليه ماء آخر و هكذا الي ان لايخرج فيه طعم ثم يغلظ الماء في الشمس او لينة كالشمس ثم يصبه في صحنه و يجففه في الشمس .
صفة اتخاذ رب الازهار و الاوراد و الاعشاب و الاصول فان كانت رطبة تعصر بعد الدق و تصفي ثم تجفف في الظل او علي لينة كالرماد الحار و ان كانت يابسة يصب عليها الماء و توضع علي لينة حتي يخرج لونها ثم يجفف كما مر و كذلك الاعشاب و الاصول فجميعها يستخرج ربوبها كذلك و يكفي قليل منها عن كثير و يكون اسرع عملا و احسن و اخف علي الطبع .
و قد يتخذ رب المعاجين قبل تركيبها او بعد تركيبها فيؤخذ [ص 545] منها ما يشاء و يصب عليها الماء و يؤخذ لونها كما مر الي ان لايبقي في الثفل طعم فان غلظ اللون بعد ذلك يسمي ربا و ان ضبط علي رقته يسمي الكسيرا و لا بد و ان يحفظ عن الهواء حتي لايفسد و دوامه اقل من الرب و قد يترك الرب غليظا كالعسل و قد يجفف لسهولة الضبط و قد يخلط في الرب شئ من السكر ليكون اكثر بقاء و قد يتخذ الرب ببعض المياه كالمياه المقوية للقلب او المعدة او الكبد او ساير الاعضاء و قد يحرق الثفل الباقي و يؤخذ ملحه و يخلط في الرب و الذي يتخذ ربه ان كان روحانيا لايجوز تغليظه بالتغلية و النار القوية كالافاويه و الازهار فان روحانيتها كثيرة و الذي يكون روحانيته قليلة يجوز فيه النار المتوسطة و الاولي تليين النار مهما امكن فانها تطير الارواح البتة و لو كانت قليلة و الاولي اتخاذ ملح الاثفال و مزجها به حتي يكون الرب جامعا للروح و النفس و الجسد فاحفظ عني ذلك فانه اهنأ شربا و اخف علي الطبع و اسرع عملا و اقل شربة و اشد امتزاجا و اقرب الي المزاج الوحداني و الاثر الواحد في الطبع و لاتعدل عنه في كل تركيب ما امكنك و نحن و ان نكن نذكر التراكيب علي الرسم و نقتصر بمحض ذكر الاجزاء لكن العمل علي اتخاذ الربوب .
المقصد الخامس - في كيفية تركيب المركبات نوعا . فاعلم انا قد ذكرنا سابقا ان تراكيب القوم ناقصة غالبا مع ان فيها اعراضا كثيرة تثقل علي الطبع و لذا يكون شربتها كثيرة و ذكرنا ان اقرب التراكيب الي التركيب الخالد الشربات و الربوب و لكن علي ما نصنع فلنبين في هذا المقصد كيفية تركيب [ص 546] المركبات النافعة الخالية عن الاعراض اللطيفة الممازجة المتفاعلة القليلة الشربة فنقول ان اجزاء المركب اما حشايش او اخشاب او اصول او ازهار او صموغ او عصارات او بزور او معادن او اجزاء حيوان اما الحشايش فتهشم هشما و اما الاخشاب فتبرد بردا او تورق بالسكين او بغيره و كذا الاصول فتنقع في الماء الي ان تنتقع حسنا فتغلي و يصفي عنه الماء و يكرر العمل الي ان لايبقي طعم و لا رايحة في الارضية و اما الازهار فيكتفي فيها بالنقع و غليات قليلة و اما الصموغ و العصارات اليابسة فتحل في الماء الحار و بعد المزج لايوقد عليها نارا قوية و لايغلي كثيرا مهما امكن و كذا ما يسقط قوته بالطبع كالخيارشنبر و ان كان في المركب ماء مخصوص تحل فيه الصموغ و يمكن حلها في ساير الالوان الماخوذة و اما البزور فتدق جريشا و تغلي في الماء غليات ما فيها لون او طعم و اما المعادن فتحل في المياه الحارة و يؤخذ عنها الماء و تغسل لتطيب و اما اجزاء الحيوان فتطبخ في الماء حتي تتهرا او يبقي ما لا طعم له فيرمي به فاذا اجتمع جميع الاجزاء مياها صافية عن الاعراض يمزج بينها و يوضع في اناء نظيف و يغلي بنار ضعيفة الي ان يغلظ و يبلغ قوام المعجون او التحبب او ما شاء فانه احسن ما يمكن و اصدقه تركيبا و يقل شربته بقدر الاثفال الخارجة فان خرج نصف وزن الادوية يصير الشربة نصف الشربة او ثلثة فثلثيها و هكذا و يكون اقل كلا علي الطبيعة و انفذ في العروق و اعماق البدن و اصدق تاثيرا فان شئت ان تعتبر من اعراض تركيب القوم و ما يثقل علي البدن فاعتبر من [ص 547] الفضول التي تخرج من الادوية و اعلم ان كلها كان يرد البدن و كان يصير كلا عليه ثم ان من الادوية ما لاينبغي المبالغة في غليه و منها ما ينبغي و ذلك مذكور في كتب القوم فلانطيل الكلام بذكره و فيما ذكرنا كفاية و اعلم ان ما فيه صبر و مر و فيه مرارة زائدة فيحبب و الا فيجعل ربا غليظا كالمعجون و قد يجعل فيه العسل لئلايتحجر و قد يجعل فيه السكر و يجعل شربة و قد يحفظ نفس تلك المياه محفوظة عن الهواء في اناء مسدود الفم الي زمان كما يأتي عند سرد المركبات و قد نكتفي نحن بالجوارشنات من غير تربيب بل نعجن اليوابس لكن اذا كانت الاجزاء جواهر لطيفة فنعجنها او نحببها و هي مركبة من اليوابس فهي و ان كانت ملاطية الا ان كون اجزائها جواهر اقل الحاجة الي التربيب و اخذ اللون .
ثم اعلم انا نداوي الحار بالبارد و البارد بالحار و الرطب باليابس و اليابس بالرطب لقول الصادق عليه السلام فان كان المرض واحدا يكفيه دواء واحد مكافئ له و ان كان امراض عديدة او لميكافئ الدواء المرض يحتاج الي ادوية عديدة موافقة لتكافؤ او مختلفة لمقابلة كل دواء لمرض و ربما يكون للدواء ضرر فيدخل فيه المصلح او المانع لضرره و الواجب الاكتفاء باقل ما يكافئ و يقابل ثم المطلوب من التركيب اما المزاج الخارج او غيره فالاول اما للخارج لعضو معين كالكحل الممتزج او مطلقا كالمراهم و اما للداخل للمعدة كالجوارشن او للقلب كالمفرح او للتنقية كالمسهل و المدر او مطلقا كالحميات و اما للداخل و الخارج كالادهان و الثاني فان كان للخارج فكالسعوطات و الكحل [ص 548] الغير الممتزج او من داخل فكالسفوفات .
و ذكر بعضهم للمركب قوانين نذكرها علي نحو التلخص الاول اذا كان المرض من بلغم في الثالثة و سوداء في الاولي مثلا فيكون الحاصل البرد في الرابعة و الرطوبة في الثانية فينبغي ان يركب المركب علي ضده بما يقابله سواء ركبه من متخالفين او متجانسين الثاني اذا كانت المادة مختلفة لايفي المفرد بدفعها و لا بد من اجزاء تقابلها الثالث من كان مرضه باردا في الصيف يحتاج له الي مركب فيه جزء حار لدفع المرض و الي بارد لتعديل الفصل الرابع اذا كان العضو بعيدا فيجب ان يكون في الدواء ما ينفذ الاجزاء في تلك المسالك الخامس اذا كان المؤف شريفا كالقلب مثلا يجب اشتمال الدواء علي ما يحفظه و يصير قادرا علي احتمال الدواء بل ينبغي ادخال ما يحفظ الرئيسة و يقويها مطلقا السادس اذا كان الدواء كريها يجب خلطه بما يصلح طعمه او ريحه السابع اذا كان الدواء نافعا من جهة ضارا من اخري يجب ان يمزج به المصلح لجهته الضارة او كان مناسبا بخاصته مخالفا للمرض بطبعه فيجب تعديل طبعه فان الخواص و ان كانت قاهرة يكون الطبايع مؤثرة ايضا الثامن ان كان الدواء ناقص العمل يحتاج الي مكمل او زائد العمل فيحتاج الي مضعف لعمله التاسع التدبير لبقاء الدواء زمانا طويلا و ذلك بخلط العسل و حفظه عن الهواء و تناسب الاناء و المكان العاشر ان تدعو الحاجة الي افعال متعددة كالادمال و اكل اللحم الزايد و انبات اللحم الجيد مثلا و يحتاج حينئذ الي ادوية متعددة تفعل ذلك انتهي ، و قد ذكرنا نحن قانون [ص 549] الخلط و المزج و اتخاذ المفردات علي نحو كلي و ياتي انشاء الله في كل نوع ما يليق به خاصة و ينبغي ان يعمل فيه . و اعلم انه لاينبغي حذف قطب المركب الذي يدور عليه رحاه او اجزاؤه المقصودة بالذات و لايدخل فيه ما يفسده و ان احتاج الي ادوية تضاد آثارها من جهة آثارها من جهة فلايسوي بينها في الوزن الطبيعي لئلايمنع بعضها بعضا عن العمل و ليلاحظ في التركيب طبايع العلل و طبايع المعلولة و طبايع الادوية و خواصها و خصوصياتها بالاعضاء و الاخلاط و الفصول و الامكنة و اذا ركب تركيبا فلايطمئن به انه يؤثر ما قصده فان تاثير الادوية بعد المزج و التركيب يتغير و يحصل مزاج خارج ربما يوافق المقصود و ربما لايوافق فلا بد من تجربته في امزجة مختلفة و ليسق اولا منه قليلا و ليزد قليلا قليلا حتي يقف حيث ينبغي فان راه وافيا في المقصود فهو و الا فليغير شيئا بعد شئ و ليتصرف فيه حتي يقف فاذا اطمئن به فليثبته و التركيب امر عسير لايمكن الوصول اليه الا بالوحي او بالتجارب و ليس للقياس مدخل فيه الاتري ان العسل مفتح و شفاء و البطيخ مفتح و شفاء فاذا اجتمعا صار المركب قتالا مسددا فليس كل من عرف مزاج المفردات و قانون التركيب امكنه ذلك الا بالوحي او بالتجارب فتدبر فلاتجسر علي التركيب ما امكنك و اقتصر بتراكيب القدماء المجربة الا ان تكون استادا عالما بالتجربة و كيفيتها و اعلم ان احسن التراكيب ما قلت بسائطه و تكون معروفة مشهورة لا اشتباه في ماهيتها و تكون كثيرة الوجود ليسهل تحصيل جيدها و جديدها و [ص 550] تكون معروفة الاثر مجربة قليلة القيمة تصل اليها ايدي الغني و الفقير فلا عبرة بتراكيب فيها عقاقير نفيسة نادرة عزيزة تجلب من اقاصي البلاد فانها لاتصل الينا الا بعد عتقها و فسادها و لايعرف رديها من جيدها او لاتحصل الا بقيمة ثقيلة كالاحجار و منافع الدواء ليس بقلته و كثرته و رخصه و غلاه و انما هو بطبعه او يعسر صنعته لطول المهنة و الخدمة و الحل و العقد الكثير في اشهر و سنين بل ما يكون سريع الحصول فان عمر الدنيا لايفي بهذه المهن و طول الامل مع قلة الطائل و ان الحكماء ركبوا ذلك اما لان عقاقيرها موجودة في بلادهم او من محض العلم بمنافعها سواء امكن تركيبها ام لميمكن او للسلاطين و كانوا لايبالون بمؤنتها عليهم و لذلك اخترنا نحن في كتابنا هذا التراكيب التي عقاقيرها قليلة العدد معروفة مشهورة كثيرة الوجود ممكنة الجيدة و الجديدة قليلة القيمة و المهنة سريعة الحصول غالبا و لو انصفت لعلمت عسر تحصيل عقاقير اكثر تراكيب القوم او عسر تحصيل جديدها او جيدها لاسيما المعاجين الكبار كالترياق الفاروق و المثري و اكثر المفرحات مع ما فيها من سوء التركيب كما عرفت و ينبغي مع ذلك كله ان يكون المركب صادق التاثير مامون الخطر مجربا قويا فيما يراد منه قليل الشربة سهل التناول خفيفا علي الطبع هنيئا له خالصا عن الفضول شديد التركيب كما وصفنا و شرحنا و لايخفي علي ذي مسكة حسن ما ذكرنا و اولويته و اعلم ان لكل علم قشرا و حقايق و اسرارا و في كل علم علماء قشريون و علماء باطنيون و كذا في علم الطب قشر و [ص 551] باطن و لكل واحد علماء و اتباع جالينوس من اهل قشر الطب بريئون من الفلسفة التي هي باطن العلم الطبيعي و لذلك مبني علمهم علي قشر الطب الظاهر و نحن قد سلكنا في هذا الكتاب الحقيقة الباطنة علي نهج الفلسفة كما سلكنا في حقايق الطب هذا المسلك و ان انكر علينا القشريون فمن جهة ان المرء عدو لما جهله البتة و هؤلاء جهال بطرق الفلسفة و لذلك لايرضون بهذه الطريقة و انت تعلم ان هذه التراكيب بعد ما ظهرت عن الفلاسفة قد وقع التجارب الكثيرة عليها و جري عليها عمل اتباع الفلاسفة بالكلية و تركوا معالجات القشريين بالكلية و وقع التجارب الكثيرة في هذه التراكيب هذا و ان الافهام تترقي و الاحلام تتزايد يوما فيوما و الامزجة تتغير و الازمنة تختلف حينا بعد حين و التجارب اللاحقة اولي بالاتباع من الاقوال السالفة فانها ان كانت حقة مجربة كانت مخصوصة بازمنتهم و لذا تتخلف اكثر معالجاتهم في هذا الزمان المتسمع ان امة موسي عليه السلام مثلا كان من شريعتهم انه اذا نجس ابدانهم بالبول قرضوها بالمقراض فلا بد و ان يكون لابدانهم كثافة تتحمل القرض فاذا كان البدن مثلا كذلك تتحمل البتة سبعة مثاقيل من سقمونيا مثلا و اليوم الابدان لاتتحمل اذي الشوك و علي هذه فقس ما سويها و اغلب حكماء اليونان من سابق زمان عيسي و كتبهم من قبل ذلك فكيف ينفع اقوالهم و تجاربهم في مثل اليوم فلرب شئ ليس بمسهل لهم و اليوم مسهل و لرب شئ ليس بسم لهم و اليوم سم هذا و نشاهد كل ذلك في المعالجات بل قد اختلف طباع الناس من اوايل عمرنا [ص 552] الي الآن هذا و قد يكون تجاربهم لبلادهم و اقليمهم و احكام الاقاليم تختلف اختلافا فاحشا فلا بد من التجربة في كل اقليم و ان قلت حكماء هذه البلاد ايضا قد كتبوا و صنفوا و نحن نقتفي اثرهم فاقول ان الازمان تختلف و من لميجرب اختلاف الازمان فليس من ابناء الحكمة و ليس كلامي معه و ان اردت الشاهد علي ذلك من كلمات السلف فاسمع لما ذكره في قواعد الطب عن بعض العلماء :
قال ما ذكره الاطباء في كتبهم ان يعملوا في حفظ الصحة من الاكل كذا و من الشرب كذا و اي ثياب يلبسون و كيف يتعودون الطيب و الجماع و شرب الشراب و ما عينوا من المقادير و الامزجة و الاحوال فهي غير مثبوت في العقل الكامل لان الانسان تبع الزمان و المكان و الامكنة مختلفة بحسب اختلاف الزمان و الازمنة مختلفة بحسب حركات الفلك و حركات الفلك مختلفة بحسب اختلاف القرانات و نظر الكواكب و قوتها و لايمكن حصرها و حدها بل هي امر خارج عن التناهي و التحديد و القياس فربما يكون شئ نافعا في وقت ضارا في وقت آخر و ربما يصلح تقليل الغذاء للبعض دون البعض و ربما تضر مرة واحدة من المباشرة لواحد و لاتضر عشر مرات لآخر مثل مضرة الواحدة لذلك الواحد فباي عقل يدرك كنه الطباع حتي يحكمه في الكميات علي الاشياء المعينة لحفظ صحة الطباع المختلفة بل يجب علي طبيب الوقت في كل زمان ان ينظر في عصره كيفية اختلاف الاركان و تولد الاشياء عنها و كيفية اقتضاء الهواء و الجو و كيفية حدوث فصول الزمان و جهات المكان و غلبة الطالع علي الوقت و استيلاء [ص 553] الكواكب علي ابناء الزمان ثم يتصرف في طباعهم و يتامل ثم ينظر الي الخلط الاغلب علي الباقي و كيفية استقامة الامزجة و اعتياد الاغذية في ذلك الوقت ثم يحكم بين الناس و يامرهم باستعمال ما يعينهم علي حفظ صحتهم و يحفظ صحة اهل عصره بحسن تدبيره و لايتيسر ان يقوم واحد بهذا المهم العام في جميع العمران بل في كل بلد يحتاج اهل البلد الي مثل هذا الطبيب ليعتمدوا علي حكمه و معالجته ، الخ ما قال .
فتبين ان السلف ايضا تنبهوا علي ما قلت الا انهم ذكروا حال عصرهم في حفظ الصحة و دفع المرض و لايجوز تقليدهم للخلف و يجب الاجتهاد لكل خلف و التجارب و ان كانوا ممن يبتغون وجه الله يجب عليهم ان يثبتوا تجاربهم و يبثوها في اخوانهم و لايبخلوا علي عباد الله طمعا في حطام الدنيا و الاستيثار لها حتي يدوم صحة العباد و عمارة البلاد فلاجل ذلك كتبنا نحن هذا الكتاب و ذكرنا فيه ما جربنا او جربه من نثق به و لميبخل علينا ،
فمنهم الينا ما تلونا عليكم و منا اليكم ما تلوتم به عنا
فقد زرع غيرنا و حصدنا فنزرع حتي يحصد غيرنا و السلام فمن شاء فليزد فيه ما احكمه و اتقنه من المعالجات و الادوية و الاعمال ليفوز مع الفائزين .
فصل - اعلم ان الله سبحانه خلق الانسان من طبايع و اخلاط و اركان و جعل ذلك كله في افراد الانسان علي اختلاف بحسب الكمية و الكيفية و يختلف ايضا احوالها بحسب اختلاف الاقاليم و الازمنة و الاحوال و اختلاف ذلك كله بسبب اختلاف تناسب المبادي العالية و تعلقاتها و [ص 554] تدبيراتها و حالاتها فلاجل ذلك كله اختلف افراد الانسان في طبايعها و امزجتها و اذا عرض العوارض الخارجة عليهم يختلف حالاتها بحسب اختلاف طبايعها و امزجتها و كما انك لاتجد انسانين متشاكلين في جميع الصفات الظاهرة لاتجد انسانين متوافقين في الطبايع الباطنة فلاجل ذلك لاتكاد تجد مرضين متشاكلين من كل جهة في انسانين بل و لا في انسان في وقتين فلاجل ذلك كله لا فائدة كثيرة لكل احد في مركب ركبه طبيب لفرد من الافراد في زمان من الازمنة بل يجب لكل مرض في كل مكان و زمان و شخص تركيب دواء خاص به و لذلك تجد ان طبيبا حاذقا يصف دواء بانه مجرب و لايوهم في مثله الكذب فاذا استعملته تجده غير ناجح و انما ذلك لاختلاف مواضع الاستعمال و انه كان ناجحا في موضع ركبه لاجله البتة و غير ناجح في غير موضعه فتبين و ظهر انه لا فائدة في القرابادينات و ذكر المركبات كثيرا اللهم الا ان يكون دستورا لكيفية التركيب ليتنبه المتوسط في العلم و يتذكر البالغ فيه و يتصرف فيه علي حسب نظره و لاجل ان التركيب امر عسير لايكفي فيه صرف المعرفة بمفرداته و اقتضاء القياس بل لا بد فيه من استعمال التجربة فان الهيئة التركيبية و المزاج بعد التركيب علي خلاف امزجة المفردات فلربما يكون المفردات بانفسها شفاء فاذا تركبت حدث فيها سمية و تعلق بها روح سمي و ذلك غير خفي للماهر في العلم فذكر المركبات السابقة لاجل حصول الاطمينان بصلاحية مزاج المركب لوقوع التجارب عليها ثم يزيد فيه و ينقص الطبيب الحاذق علي حسب نظره [ص 555] و تجربته فنقول دستورا للتركيب الخاص ان المرض اما بسيط و اما مركب مخصوص بعضو او يكون في ازيد من عضو و الاعضاء التي ليس فيها مرض اما قوية او ضعيفة و اما يكون المرض موافقا للمكان و الزمان و السن و المزاج كالمحرقة في الصيف و البلاد الحارة و الشباب و الصفراوي بالطبع او يكون مخالفا في الكل او البعض فلا بد للطبيب من ملاحظة جميع ذلك فاذا اخذ دواء لمرض عضو فان كان بالغا في المراد فليقتصر عليه و ان كان ضعيفا فليضف اليه ما يقويه و ان كان له ضرر فليدخل المصلح و ان كان المريض ضعيفا فلياخذ اقل من شربته او متوسطا فشربة تامة او قويا فازيد من شربته و ان كان معه مرض آخر فليضف اليه ما يناسبه ايضا و يدفع ضرره ايضا بمصلح و ان كانت الرتبة ضعيفة فليدخل ما يقويها و يدخل المصلح له ثم ليس ينجح في ذلك كل دواء بل يراعي فيه ما يخص العضو و يفعل ما يريد فلا كل مسهل للصفراء ينفع كل صفراء غالب بل ان كان غلبتها في الراس لا بد و ان يتخذ مسهلا للصفراء مخصوصا بالراس و هكذا الباقي و لايعدل عن خواص الادوية و ليراع مع الخواص الطبايع فان لها ايضا خطاء في التاثير و ان كان ما بالخاصية اقوي و ليراع ما ذكرنا في المقدمة من ترتيب استعمال المركبات فليقدم المفتح ثم المنضج ثم المسهل او المدر او اخراج الدم ثم التلطيف ثم التحليل و لو اردنا تمثيل جميع ذلك لطال بنا المقال و ذلك بحر ضل فيه السوابح و فيما ذكرنا كفاية و بلاغ .
[ص 556] فصل - ينبغي لمركب الادوية المسهلة ان يراعي خمسةعشر شرطا و قد ذكر بعضها آنفا حكاية : الاول ان كان الدواء مضرا بفم المعدة فليضف اليه العطرة المقوية لفم المعدة و القلب الثاني ان لايخلط المدرة و المعرقة مع المسهلة كثيرا فانها اضداد الثالث ان لايضيف اليه حلاوة كثيرة الرابع ان كان المسهل ضعيفا فليضف اليه المعينات لعمله الخامس ان لايقدم العاصر علي المزلق الا للحوامل السادس ان كان المصلح مناسبا فليدخل منه شربة تامة و الا فربعها السابع يزيد في المطبوخ من ذوات الاثفال علي شربتها دون ما يموع الثامن ان لاينقص من الدواء المفرد من شربته شيئا و ان كان معه واحد آخر فلينصفهما او دواءان فليثلثهما او ثلثة فليربعهما و هكذا التاسع ان يطبخ الصلبة اكثر من الرخوة علي حسب درجات الادوية العاشر ان يكون ماء المطبوخ بحيث اذا ربع لايكون اكثر مما يشربه المريض من الماء الحاديعشر ان ينزع الاثفال بعد الطبخ عن الماء حال الفوران ثم ينزل و يصفي لئلاتتشرب قوي خرجت عنها الثانيعشر ان يكون الحبوب اكبر اذا كانت للراس و اصغر اذا كانت لتنقية اقاصي الاعضاء الثالثعشر ان يستعمل سلافة الادوية مهما امكن الرابععشر استعمال الادوية المقوية اقل من شربة اولي من الضعيفة اكثر من شربة كما هو مجرب الخامسعشر ان لايدخل في المركب ما يبطل فعل الدواء الآخر فيكون لغوا و قد مر شروط اخر فراجع و بعد ذلك كله لا عبرة بالمركب الا بعد التجربة فان مزاج المركب غير مزاج الافراد فلربما يركب لمرض فيورث ذلك المرض الاتري ان البطيخ مفتح و العسل مفتح فاذا ركبا صارا [ص 557] مسددا و علي هذه فقس ما سواها فليس التركيب اولا شان كل طبيب و مع ذلك ليس له استعمال مركب الا بعد التجربة بالقليل في القوي ثم يزيد شيئا فشيئا الي ان يعرف الاثر و الشربة و غير ذلك فافهم .
فصل - يناسب هذا المقام ان نذكر من امر امزجة الادوية و درجات طبايعها و خواصها علي سبيل الاختصار ما قد خفي علي جل الاطباء . اعلم انه قد ذكر الاطباء الاولون و الآخرون للعقاقير درجات في امزجتها و رقوها الي اربع درجات ثم جعلوا لكل درجة ثلث مراتب اول و وسط و آخر و قد اتفقوا علي ان لها درجات و ان اختلفوا في بعضها انه في اي درجة ثم لما تصدي محققوهم ان يذكروا سر الدرج قال بعضهم في سر ذلك ان الدواء اذا ورد البدن و عمل فيه الطبيعة فان لميغير البدن فمعتدل و ان غير بقدر الاحساس فهو في الدرجة الاولي و ان غير بما يحس فضل احساس فهو في الثانية و ان امرض فهو في الثالثة و ان اهلك فهو في الرابعة . و لعمري انه تقسيم ليس من التحقيق بمراح و لا مغدي فانا نسالهم ان هذه الآثار لاي مقدار من الدواء فان الذي في الرابعة فلربما اذا اخذ منه قليل كقمحة او ثلث قمحة مثلا لميهلك ابدا بل لميمرض بل لميغير و الذي زعمتموه في الثالثة ربما اذا اكثر منه اهلك و ان اقل منه لميمرض مطلقا بل لميغير و الذي زعمتموه في الثانية اذا اكثر منه امرض و ان اقل منه لميغير مطلقا و الذي في الاولي ان اكثر منه اثر بقدر ان يحس فضل احساس و ان اقل لميغير مطلقا فهذا الحكم في اي شربة و ليست الشربة في حد معين بل كل دواء اذا [ص 558] اكثر منه افرط في التاثير و ان اقل منه فرط و التقسيم الذي ذكرتموه من جهة التاثير غير سديد فان التاثير فرع مقدار التناول و استعداد القابل و هو يتفاوت علي حسب التناول و المتناول و لذلك ذكرتم في السموم قدر شربة لايضر ذلك القدر ان اخذ منها بل ينتفع به . فتبين و ظهر لمن نظر و ابصر و خلع ربقة التقليد عن عنقه ان هذا التقسيم باطل و عن حلية الاعتبار عاطل . و قال بعضهم ان اثّر الدواء في هواء الافضية ثم بطل اثره فمعتدل و ان اثر في الروح المجاور للمجاري ففي الاولي و ان اثر في الروح و الاخلاط ففي الثانية و ان اثر في الروح و الاخلاط و الرطوبات الثانية ففي الثالثة و ان اثر مع ذلك في الاعضاء ايضا ففي الرابعة . و هو ايضا تقسيم لايسمن و لايغني من جوع فان كل دان ان اكثر منه بلغ في التاثير الرتبة العليا و ان اقل منه فرط عن درجته ايضا فهو ايضا كلام خال عن التحقيق و ليس بانيق و لماجد من فهم سر الواقع منهم مع اطباقهم علي ان للادوية و الاغذية درجات و من ذلك يعلم ان مبين امزجة الادوية الانبياء و الاوصياء عليهم السلام و ليس يمكن للذي لايفهم سر الدرج ان يبين الدرج و الذي فيه الاختلاف انما هو لاختلاف الرواية و الشاهد الآخر علي ذلك انهم يعجزون عن استنباط مزاج عقار مستحدث واحد ليس نص عليه من السابقين بل ربما يعجزون عن تمييز حاره من بارده و رطبه من يابسه فضلا عن انه نافع لاي عضو و قوته في اي درجة فكيف يقدر الرعية علي فهم ذلك و نحن نشرح لك انشاء الله معني ما اراد المخبرون من درج الامزجة .
[ص 559] فاعلم ان اصل النبات ليس بمركب من ظواهر العناصر الاربعة كما زعم بل هو من العناصر الطبيعية و العناصر الطبيعية في غيب هذه العناصر و ليست بالتي تحس بهذه الحواس و تلمس بهذه الاخماس و انما هذه العناصر الاربعة اعراضها التي تزول و تفني و ليست بلازمة للعناصر الغيبية فهذه النار الظاهرة مثلا ليست بلازمة للنار الطبيعية فانها عرض طار في عالم الاعراض الاتري ان الفلفل حار يابس و ليس ملمسه حارا بل ربما يكون باردا و لو كان الفلفل حارا بغلبة الاجزاء النارية علي سائر الاجزاء لكان رقيقا لطيفا حارا في الملمس فان النار الظاهرة حارة في الملمس لطيفة في جسمها فتبين ان الفلفل ليس بحار بغلبة اجزاء نارية عليه و ان اردت المثال فانظر في التراكيب التي تركب من هذه العناصر اذا زدت فيه التراب علي الباقي صار اقرب الي اليبس و الصلابة في الملمس و ان زدت فيه الماء علي الباقي يكون ملمسه انعم و هو اقرب الي السيلان من الجمود و ان زدت فيه الهواء علي الباقي صار بخارا صاعدا رقيقا فتبين ان احد هذه العناصر اذا زاد في تركيب اورثه صفته و انا نري ان البنفسج يقال له رطب و هو جامد و الماء الحاد يقال له يابس و هو سيال و الفلفل يقال له حار و هو بارد و الكافور المسخن يقال له بارد و هو حار و كذا الحمرة لون النار المحسوسة و الصفرة لون الهواء المحسوس و البياض لون الماء المحسوس و السواد لون التراب المحسوس و لربما يتخلف الالوان عن المزاج فيكون الفلفل حارا و سواده ترابي و الملح حارا و بياضه مائي و [ص 560] راوند حارا و يابسا و صفرته هوائية و علي هذه فقس ما سواها و اعلم من ذلك ان للعقاقير اعراضا ظاهرة محسوسة و نباتية غيبية فظواهرها من هذه العناصر الظاهرة لكن من الرطوبة و اليبوسة اللتين هما البخار و الدخان فانهما المنفعلة فيها و قد دبرهما فاعلة الحر و البرد و ليسا بممازجين لهما في تكوينهما و انما دبراهما بالتلطيف و التكثيف حتي ابلغا بهما الغاية و قد حققنا ذلك في مرءات الحكمة و حقايق الطب و اما بواطنها فمن العناصر الغيبية التي في غيب هذه العناصر و تجامع كل واحد من هذه العناصر فهي في الباطن ايضا مركب من الرطوبة و اليبوسة اللتين هما البخار و الدخان و قد دبرهما يد الفاعل الحارة و الباردة فهي اي العقاقير المركبة منها في نفسها ذات درجات في مقادير المواد الماخوذ لها تلك المقادير تنتهي الي اربع و انما ذلك لاجل ان للنار اربع درجات نار عبيطة محضة و نار في درجة الهواء و نار في درجة الماء و نار في درجة التراب و هكذا للهواء اربع مراتب هواء في درجة النار و هواء عبيط و هواء في درجة الماء و هواء في درجة التراب و هكذا للماء و التراب و انما ذلك لاجل ان طبايع العناصر الغيبية لطيفة قد سري الكل في الكل و ان اردت مثال ذلك هنا فتدبر في درجات النار هنا فان الدرجة الرابعة للنار مماسة النار نفسها و ادون منها بدرجة مماسة النار بواسطة الهواء الفاصل و هي اضعف من نفس النار بدرجة و ادون منها بدرجتين مماسة النار في الماء فانها اضعف من النار بمضادة الفاعلة و القابلة و ادون من الهواء مماسة النار [ص 561] من وراء حجاب غليظ ليس تنفذ فيه النار بسرعة و يخمد فيه اثرها و لكن بعد الاثر يمسكه و من ذلك اعرف ساير العناصر و ذلك ان اقوي حالات الشئ اذا كان عبيطا ثم يليه في الموافق معه في الفاعلة المخالف له في القابلة ثم يليه في الموافق له في القابلة المخالف له في الفاعلة ثم يليه فيما يضاده بجهتيه .