[ص 1]

كتاب دقايق العلاج

من مؤلفات العالم الرباني و الحكيم الصمداني

مولانا المرحوم الحاج محمدكريم خان الكرماني اعلي الله مقامه

[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين و رهطه المخلصين و لعنة الله علي اعدائهم اجمعين .

اما بعد فيقول العبد الاثيم كريم بن ابراهيم اني بعد ما كتبت كتاب حقايق الطب علي رسم لم‌اسبق بمثله لاني قد اوضحت فيه كليات علم الطب و اصوله و موصوله و مفصوله علي وجه يطابق العالم الكبير و الوسيط و يوافق اخبار آل‌محمد عليهم السلم من كل جهة و يتضح لكل ناقد خبير و عاقل بصير خطأ كل من تخلف عنه او تنحي عن واضح سبيله او اقتفي غير دليله احببت ان الحق به كتابا آخر يكون كالجلد الثاني له في العمل يوافق القوانين التي قدمناها في ذلك الكتاب لانا سلكنا في ذلك الكتاب غير سبيل الاطباء من اتباع جالينوس و الكتب المشهورة و المعالجات المعروفة جرت علي منوالهم و كانوا يزعمونها مما لايتطرق اليها الخطاء و نحن قد اوضحنا في ذلك الكتاب من اصول علم الطب ما لم‌يجر في خطاب و لم‌يكتب في كتاب و لم‌يقع في خلد طبيب يوناني او غيره الي الآن و انما ذلك لاجل ان عملياتهم توافق نظرياتهم فاذا تغير النظري يتغير العملي البتة فان العمل فرع العلم و يتغير الفرع بتغير الاصل فكتبت هذا الكتاب في الاعمال لكن علي نحو الايجاز و الاختصار تكلانا علي كتابنا حقايق الطب و مرآة الحكمة و غيرها و انما غرضنا هنا صرف العمل و بعض الاشارات الي الادلة حتي لايزعم احد انه محض ادعاء و لا برهان لنا به و لايعيّر احد من الاطباء علي كتابي [ص 3] هذا حيث لم‌استقص جميع انحاء المعالجات مع ذكر العلل و الاسباب فاني لم‌اقصد قصد المؤلفين في النقل عن الكتب و لو كان قصدي ذلك لفعلت مثل ما فعلوا و لكن اردت ذكر بعض ما وقع لي من التجربة فيه او اخذته عن مجرّب او رايته في كتاب معتبر عن مجرب معتبر و لم‌افتح فيه باب القياس و الخرص كما فتحوا فلاجل ذلك خرج كتابي هذا مشتملا علي بعض المعالجات و بعض المفردات و المركبات و القليل المجرب الصحيح احسن و اولي بالضبط من الكثير الغير المعتبر و من اراد غير ذلك فعليه بكتب القوم فانها وافية بمراده و قد رتبنا هذا الكتاب علي مقدمة و خمس مقالات و سميته بدقايق العلاج .

المقدمة

في ذكر بعض الكليات العلمية و العملية التي يجب تقديمها و فيها فصول :

فصل - اعلم ان من البين ان قوام كل شئ بما به هو هو و فناؤه بتغير ما به هو هو عما كان عليه الاتري ان التسعة تسعة ما دامت علي ما هي عليه من الافراد فاذا نقص عنها واحد فهي ثمانية او زيد عليها واحد فهي عشرة فتبين ان كل شئ يدوم علي ما كان اذا دام له ما به هو هو و لما كان المركب في هذا العالم مورد الاضداد و كل شئ يقوي ما هو من جنسه و يضعف ما هو بخلافه فكلما ورد علي المركب وارد قوي قوي ما فيه من جنسه و ضعف ما فيه بخلافه فيتغير المركب عما كان عليه بورود الوارد و ينقلب عما كان عليه و لم‌يتات عنه ما خلق لاجله بل صدر عنه ما هو بخلاف ما اريد منه و هذا هو المرض و ذلك الوارد هو سبب المرض و علته و الاثر الصادر عنه علي خلاف ما اريد منه هو [ص 4] العرض مثلا خلق العين للنظر و قوامها بما هي عليه مما وضعها الله عليه فاذا وقع فيها قذي و نكأها فتلك النكأة هي المرض و ذلك القذي هو السبب فيعرض لها حمرة او دمعة او غير ذلك فتلك عرض لها و اثر لتلك النكأة فاذا ربما يكون عرض سبب ● مرض آخر او مرض ● عرض مرض آخر او مرض سبب مرض آخر الي ما شاء الله فبالاعراض يستدل علي الامراض و بالامراض يتوصل الي معرفة الاسباب فالمرض اثر للسبب و العرض اثر للمرض فما دام المؤثر باقيا يلزمه الاثر في الظاهر المعتاد فالواجب اولا لمن يروم المعالجات قطع اسباب الامراض الاسباب الاولية ثم ان كانت الطبيعة قوية تدفع بنفسها المرض و لايحتاج الي علاج فاذا قطعت المرض يندفع العرض لانه اثره و لاينبغي التبادر الي العلاج حينئذ و هذا علة ما روي في اخبار عديدة من النهي عن المسارعة الي التداوي منها ما روي عن ابي‌عبدالله عليه السلام اجتنب الدواء ما احتمل بدنك و عن موسي بن جعفر عليه السلام ادفعوا معالجة الاطباء ما اندفع الداء عنكم فانه بمنزلة البناء قليله يجر الي كثيره و عن علي عليه السلام امش بدائك ما مشي بك انتهي هذا و كل دواء وارد من الواردات و سبب من الاسباب فان ضعف جهة قوي اخري و ان ناسب من وجه نافي من آخر فان كان يدفع مرضا يهيج بالانسان جهة اخري و يصير سبب مرض آخر فان الدواء لو كان موافقا للانسان من كل جهة لكان انسانا فاذ [ص 5] لم‌يكن بانسان فهو مخالف من جهة او جهات فاذا كل دواء يهيج داء آخر البتة و ان ركب معه المصلحات فانها ايضا لاتكون انسانا فافهم و لذا روي عن ابي‌الحسن عليه السلام انه قال ليس من دواء الا و يهيج داء و ليس شئ انفع في البدن من امساك اليد الا عما يحتاج اليه و هو معني ما قال انه بمنزلة البناء يجر قليله الي كثيره فالواجب في هذا القسم قطع السبب و تخلية الطبع و شانه فانه بنفسه كافل لدفع المرض بحول الله و قوته و ان كان المرض و الطبع متكافئين او المرض غالبا في الجملة فانه حينئذ وقت الحاجة الي المعالجة و الطبيب و لايجوز التاخير و المسامحة في ذلك و هذا موضع ما روي عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال كان المسيح عليه السلام يقول ان تارك شفاء المجروح من جرحه شريك جارحه لا محالة و في الفصول عن المكارم تجنب الدواء ما احتمل بدنك الداء فاذ لم‌تحتمل الداء فالدواء و في القدسي لااشفيك حتي تتداوي فان الشفاء مني و سئل ابوجعفر عليه السلام هل نعالج فقال نعم ان الله جعل في الدواء بركة و شفاء و خيرا كثيرا و ما علي الرجل ان يتداوي فلا بأس به الي غير ذلك من الاخبار و لانعني بغلبة المرض ان يلقي الانسان في فراشه بل اذا دام العرض و اذي الانسان و ضعف الطبع عن دفعه مع الصبر زمانا فقد غلب المرض فان دوام العرض ينكاء البدن و يضعفه و ينبغي المسارعة الي العلاج حينئذ قبل ان يبلغ ضعف البدن مبلغا لايقدر علي التصرف في الدواء و لايقبل اصلاح الدواء اياه و لايجوز رفع اليد عن العلاج الا بعد الياس و قد يحتاج الانسان الي تقوية [ص 6] البدن لئلاينفعل عن السبب اذا كان السبب مما لايمكن رفعه كالاهوية الوبية و غيرها مما يشاكلها ثم يشرع في دفع المرض مع وجود السبب و ذلك اعسر المعالجات و يجب حينئذ المبالغة في تقوية البدن بما يقابل الاسباب الثابتة و قد يحتاج في العلاج بعد قطع السبب الي صرف العرض قبل المرض اذا كان العضو شريفا فانه يصرف عنه العرض الي عضو وضيع آخر صونا علي الشريف و خوفا من نكايته ثم يشرع في العلاج او يكون العرض الظاهر من ذلك العضو سبب مرض آخر فيصرفه الي حيث لايكون كذلك ثم يتوجه الي العلاج و قد يحتاج بعد قطع السبب الي تخدير العضو و تقليل حسه لئلايحس بالوجع فيهلك من عدم الطاقة عليه ثم يبادر الي قطع المرض اعلم انه لما كان التداوي امرا اضطراريا يجب ان يكون كاكل الميتة لاينال منه الا عند الضرورة و بقدر الضرورة فما امكن الاكتفاء بالغذاء الدوائي يكتفي به و الا فالدواء الغذائي و الا فالدواء المفرد و الا فقليل الاجزاء و الا فكثير الاجزاء و ما امكن الاكتفاء بضعيف القوي لايصار الي قويها و ما امكن الاكتفاء بالملين لايصار الي المسهل و ما امكن المسهلات الضعيفة لايصار الي القوية و لايستعمل المُسهل من غير منضج الا عند عدم الفرصة او كثرة الامتلاء و لايعدل عن المجرب الي غير المجرب و لا عن سهل المؤنة الي عسيرها و لا عن المحلل و الملطف عند الامكان الي المسهل .

فصل - قد ذكرنا في كتابنا حقايق الطب ان تركيب بدن الانسان من الاركان الثلثة الماء و الدهن و الملح و هذه الاركان مركبة من الاخلاط الاربعة [ص 7] الصفراء و الدم و البلغم و السوداء فلما تركبت الاخلاط و امتزجت حصل منها مركب له ثلث طبقات فلطائفها الرقيقة هي ركن الماء و الروح و الزيبق و البخار و متوسطاتها هي ركن الدهن و النفس و الكبريت و الدخان و غلايظها هي ركن الملح و الجسد و اكليل الغلبة و التراب و كل مركب في العالم مثلث الكيان مربع الكيفية علي ما عرفت الا ان المركبات لم‌تبق علي صرافتها و في كل واحد منها اعراض غريبة ليست من جوهريته و لايمكن اخراج تلك الغرائب عنها الا بعلم الحكمة الفلسفية المطابقة لصنعة الخالق جل شانه و غرايب كل صنف من اصناف المركبات تشاكلها البتة فغرايب الجمادات جمادية و غرايب النباتات نباتية و غرايب الحيوانات حيوانية و يختلف تدبير اخراج غرايب كل صنف مع تدبير اخراج غرايب الاخر كما هو مبرهن في محله و لما كان الانسان جوهر هذه البسائط و الطفها و اشرفها ليس يصلح شئ من مركبات هذا العالم لان يصير غذاء الانسان الا بعد التصفية عن تلك الاعراض الغريبة و قد بني الله سبحانه بدن الانسان تام الاسباب كامل الادوات واجدا لجميع ما ينبغي له في قوامه و اغتذائه فاذا دخل الغذاء الفم يطحنه باسنانه و يحله بلعابه ليستعد للحل في تعفين هاضمته فاذا ورد المعدة يعفن بحرارتها و رطوبتها التي جعل الله فيها فيصير كالكشك المحلول الغليظ القوام فيتصرف فيه المميزة فتفرق بين الاعراض الجمادية و بين جواهرها ثم يدفع الاعراض من طريق الامعاء بدافعة المعدة و جاذبة الامعاء فتخرجها الطبيعة برازا و هو مركب من الكيان [ص 8] الثلثة العرضية ماء و دهن و ملح و يتبين ذلك في الصناعة الفلسفية عند الوضع في آلة التفريق ثم تدفع المعدة بدافعتها الجوهر الصافي الكيلوسي الي الكبد و يجذبه الكبد فيتصرف فيه هاضمة الكبد و تحله كيموسا بحرارة و رطوبة غير ما في المعدة و هو من التدبير النباتي ثم يفرق المميزة بين الجوهر الصافي النباتي منه و بين اعراضه فتدفع الكبد العرض المائي منه من طريق الكلية و المثانة و الاحليل و العرض الدهني منه الي المرارة و العرض الملحي الي الطحال ثم تبعث الجوهر الصافي الياقوتي الخالص المركب من الاخلاط الاربعة الي العروق و الاعضاء فينهضم في الاعضاء هضما آخر و ليس ذلك الدم الخالص كما يزعمون فان الدم الخالص اصفر و هذا مركب من الالوان الاربعة و يفرق عنه الاخلاط الاربعة في آلة التفريق الصناعية فيفرق مميزة كل عضو بين الاعراض و بين الجواهر فيدفع العرض المائي منه علي نحو العرق و العرض الدهني شعرا و العرض الملحي وسخا و الجوهر الباقي مشاكل للعضو فيغيره المغيرة علي هيئة المغتذي فيكون طبع العضو له كالخميرة فيحيله الي نحو جوهره و يصعد الي الدماغ و ما يتبعه روحانية هذا الغذاء و يصل الي القلب و ما يتبعه دهنيته و الي الكبد و ما يتبعها ملحيته فاذا حصل في مميزة كل عضو خلل او في دافعته بقيت تلك الاعراض فيه و انكأته و احدثت فيه مرضا علي حسبها و هذه الاعراض تسمي عندنا بطرطير الجوهر فتبين ان اصل جميع الامراض من الطراطير و ان كانت هذه الطراطير ايضا مركبة من [ص 9] الاخلاط الاربعة كالجواهر الا ان الاخلاط بسائطها و هي بعد التركيب تكون مرضا فلا بد لمن يريد مزاولة المرضي و علاجهم ان يعرف هذه الطراطير و يعرف مراتبها و مواضعها و يعمد الي اخراجها كما سنبينه انشاء الله .

فصل - انا لما عرفنا ان بدن الانسان اشرف الجواهر و الطفها و خلاصتها و اطهرها عن الاعراض قلنا ان الاكمل في العلاج ان يلطف العقاقير التي تستعمل في المعالجات و تطهر عن الطراطير و الاوساخ و الاعراض ما امكن فان من البين ان الدواء المطهر عن الاعراض اسهل علي الطبيعة من الدواء الكثير الاعراض الذي يحتاج الطبع الي الحل و التمييز و التصفية فيه و لربما يكون الدواء الكثير الفضول كَلّاً علي الطبيعة لاسيما اذا ضعفت الهاضمة او المميزة او الدافعة فان الاعراض تبقي في البدن و تحدث امراضا اخر و هذا معني ما روي عن ابي‌الحسن عليه السلام انه ما من دواء الا و يهيج داء و الانسان اذا كان قوي القوي لايمرض فاذا مرض عرف ضعف قواه فاذا ضعفت قواه يكون الدواء الغير المطهر كلا عليه البتة فيزيد في ضعفه فانه لم‌يضعف الا بغلبة الطراطير عليه هذا و الدواء الغير المطهر يكون كثير الفضول قليل المحصول و لذا يحتاج الي مقدار كثير منه و كثرة الكميّة كَلّ آخر علي الطبع و تزيد في ضعفه البتة فالواجب اولا تطهير الدواء خارجا ثم استعماله في البدن و لايعرف الاطباء كيفية تطهير الادوية عن الاعراض الا قليلا فانه من شأن الفلاسفة و نحن اردنا ان نذكر في هذا الكتاب ابتغاء لوجه الله كيفية تطهير الادوية عن الاوساخ علي وجه شريف يمكن لغالب الناس العمل به [ص 10] و ان رايت الائمة عليهم السلام عالجوا بعض المرضي بالعقاقير الغير المطهرة فانهم راعوا قلة علم الناس بالفلسفة و عدم قدرتهم علي التطهير و التسهيل عليهم و عدم تنبههم بالفلسفة و الا فقد علموا جابر كيفية التطهير باكمل وجه و نحن اذا قدرنا علي ذلك و قوي الزمان و ترقي الافهام و امكن لكثير منهم التطهير ليس ينبغي لنا ترك ذلك و العدول الي غير الاكمل البتة هذا و لكل اهل و انما غرضنا تعليم ابناء الحكمة لا العوام الضعفاء .

فصل - ان طبيعة الانسان اثر مشية الله سبحانه و قد خلقت علي اكمل وجه و جبلت علي الجري علي نهج الحكمة و الصواب و كل علاج و تدبير يخالف نهج الطبيعة فهو خطاء فكما ان الطبيعة لاتفعل الا الاولي و لاترتكب الا السبيل الاقرب و لاتعمل الا الاسهل وجب علي المعالج ان يتابعها في ذلك فيختار الاقل ابدا علي الاكثر و الاقرب علي الابعد و الاسهل علي الاعسر و هكذا و لايحمل الطبيعة علي خلاف ما جبلها الله عليه فيضعفها و ينقض عليها ما بنيت عليه فالطراطير المعائية طريقها الاقرب المعاء يجب دفعها منه اما بالحقن و الفتايل او بالمشروبات المحدرة المفتحة او بهما جميعا و اما الطراطير المعدية فطريقها الاقرب الفم فينبغي استعمال المقيّيٰات لاسيما اذا كانت في فمها و لا استحسن تحديرها من المعاء خوفا من نكايتها فانها اذا كانت حادة تنكأ الامعاء البتة هذا و يشاهد ان الطبع يميل الي التقيؤ اذا حدث في المعدة ما يؤذيها اللهم الا ان يكون طبع غير معتاد بالقيئ و يكون الانسان [ص 11] طويل العنق ضيق الصدر ناتي الحنجرة فلايجوز حمله علي ما لايعتاد و لايميل اليه طبعه فحينئذ ينبغي استعمال المسهلات الضعيفة الغير الجاذبة من اعماق البدن بعد ما تيقن بانفتاح طريق الامعاء و عدم سدد فيها فان كان سدد او يكون علي شك منها فليستعمل اولا من الحقن و المفتحات بقدر حصول اليقين ثم يستعمل المُسهلات و قد يحصل اليقين بعدم السدد ببلع نواة التمر الهندي او ما يشاكلها فان خرج علم بعدم سدة و الا فليبدء اولا بعلاجها و هذا امتحان حسن جيد و اما الطراطير الكبدية و ما يتبعها فان كان المرض في محدّبها فطريقها الاقرب طريق البول فليستعمل المدرات حينئذ و قد يخرج بالادرار لطايف الطرطير الدهني و الملحي ايضا و ليستعمل اولا المرققات و الملطفات و المفتحات ثم يستعمل المدرات و ان كان المرض في مقعرها فاستعمل المُسهلات المتوسطة ان لم‌يكن سدد في الماساريقا بعد استعمال المرققات للطراطير لا قبله لخوف حصول السدد في الماساريقا و ان كان سدد فيها او في الامعاء فليبدء بالمفتحات سددها ثم ليستعمل المسهلات و ليحذر حينئذ عن المبادرة الي استعمال المسهلات قبل تفتيح السدد و يجوز في امراض الكبد مطلقا استعمال المسهلات المتوسطة و اما الطراطير التي في العروق و اعماق البدن فعلاجها المسهلات القوية و لا بد منها و لكن بعد تفتيح سدد فوهات العروق و ماساريقا و الامعاء و استعمال المنضجات و المرققات اياما حتي يحصل العلم باستعدادها للخروج و لايجوز استعمال المسهلات القوية قبل التفتيح و [ص 12] النضج التام و كذلك لايجوز استعمال المسهلات القوية لمن في كبده اورام و قرح و خراج او اذية و يجب الحذر قبل شربها و بعدها بايام من الفصد و من الاغذية الغليظة المسددة و يجتنب عن شربها يابس المزاج البتة الا بعد رفع الموانع المذكورة و ساير الشروط التي تاتي و الاعداد و الانضاج التام و اما الطراطير التي في الاعضاء فعلاجها القوي المعرقات فهي ايضا اصل من الاصول كلي و قد قيل ثلث الامراض يعالج بالتعريق و التعريق طريق طبيعي كالادرار بخلاف المسهل فانه علي خلاف حركة الطبيعة فالتعريق اولي من المسهل الا ان التعريق يناسب الامراض البلغمية و المسهل يناسب الامراض السوداوية و الصفراوية و الادرار يوافق الثلثة و اما الفصد فخاص بالدم و مايخرج به من الدم الصالح اكثر من الطراطير البتة فلايتعرض له الا عند الحاجة الشديدة و اما الطراطير الدماغية فاقرب طرقها الانف و الفم و علاجها النشوقات و السعوطات و العطوسات و المشمومات و الغراغر و السنونات و مفتحات سدد الدماغ و اما اذا زاد كمية الدم فاقرب طرقه الفصد و الحجامة فلايعدل عنه الي غيره و اما اذا اختص الطرطير بعضو خاص و ليس بجار في كل البدن فليس يحتاج الي استعمال المسهلات لانها تجذب عن كل البدن فالعلاج الخاص بذلك الضمادات و النطولات و الكمادات حتي يتحلل طرطير ذلك العضو الخاص و لايتعدي الي غيره و يشهد بذلك القانون السديد الذي ذكرناه اخبار عديدة عن اهل الحكمة الالهية صلوات الله عليهم فعن ابي‌عبدالله عليه السلام الدواء اربعة [ص 13] السعوط و الحجامة و النورة و الحقنة ه‍ ، و قد عرفت ان السعوط للدماغ و الحجامة للدم و النورة من باب الضمادات فانها تزيل الشعر و تفتح المسامات فتخرج طراطير الاعضاء منها و الحقنة تفتح سدد الامعاء و تخرج اخلاط فضائها و عن النبي صلي الله عليه و آله الداء ثلثة و الدواء ثلثة فاما الداء الدم و المرة و البلغم فدواء الدم الحجامة و دواء البلغم الحمام و دواء المرة المشي ه‍ ، و قد عرفت ان غلبة الدم لايعالجها الا الفصد و الحجامة و اما البلغم فعلاجه الحمام لانه يفتح المسامات و يخرج الطراطير المائية بالتعريق و يمصها كالمحجمة و المراد بالحمام حقيقة التعريق الا انه احد اسبابه المشهور بين الناس فعدّوه و يظهر من الخبر ان التعريق علاج مستقل في جميع الامراض البلغمية و اما المسهلات فينبغي استعمالها في المرتين لانهما لاتخرجان من المسامات فتحمل الطبيعة ضرورة الي القهقري و المشي هو المسهل و عن ابي‌عبدالله عليه السلام الدواء اربعة الحجامة و السعوط و الحقنة و القيئ و روي الحجامة و الطلاء و القيئ و الحقنة ه‍ ، اما الحجامة فقد عرفت خصوصيتها بالدم و اما السعوط فبالدماغ و اما الحقنة فقد عرفت وجه خصوصيتها لما في الامعاء و اما الطلاء فهو من باب الضمادات لطراطير الاعضاء كما عرفت و اما القيئ فقد عرفت وجه اختصاصه بما في المعدة و عن ابي‌جعفر عليه السلام قال من تقيّأ قبل ان يتقيّأ كان افضل من سبعين دواء و يخرج القيئ بهذا السبيل كل داء و علة ه‍ ، فقد تبين من هذا الخبر فضل استعمال المقييات للامراض المعدية و اخراجه كل داء و [ص 14] علة من باب ان المعدة بيت كل داء و عن ابي‌الحسن عليه السلام ماتداوي الناس بشئ خير من مصة دم او مُزُعَة ● عسل و الحصر الذي في هذه الاخبار حصر الخير و الاختيار و ليس المراد نفي ما سواه كما يقال العالم فلان او الصانع اليوم فلان و يراد به خير العلماء و خير الصُنّاع كأن غيره بالنسبة اليه ليس بشئ فحصر في كل خبر لجهة و يشهد بذلك ما روي عن ابي‌عبدالله عليه السلام خير ما تداويتم به الحجامة و السعوط و الحمام و الحقنة و عن ابي‌جعفر عليه السلام طب العرب في سبع شرطة الحجامة و الحقنة و الحمام و السعوط و القيئ و شربة عسل و آخر الدواء الكي و ربما يزاد فيه النورة الي غير ذلك من الاخبار و حاصل الكي هو مسهل العضو الذي نحن ذاكروه فانه كي بالنار بالقوة و انما يكوي ليحصل في الجلد حرقة و يبس و ياتي الطبيعة بماء تريد ترطيبها و اطفائها و تلك المياه التي تاتي بها هي الاخلاط العضوية او يكوي لانزال المواد الي العضو الضعيف بالكي و اخراجها منه و كل هذا تحصيل مسهل العضو فانه كي بالنار بالقوة فتبين ان الطرق التي اخترناها هي طرق آل‌محمد عليهم السلام الا انهم عليهم السلام اجملوا كما روي علينا ان نلقي اليكم الاصول و عليكم ان تفرعوا و نحن وضعنا كل خبر موضعه و ان كان كتابنا هذا من المجملات التي تحتاج الي تفصيل .

فصل - اعلم ان الامراض اما خلقية او حادثة فالخلقية ما حدث له من اول تولده من قبل الاوضاع الفلكية او حالات الوالدين او عدم اعتدال النطفة او انحراف الدم الجاري اليها او انحراف مزاج الام و الرحم و اما الحادثة [ص 15] فهي اما موروثة او مستفادة فالموروثة ما هي من قبل الطراطير الكامنة في النطفة الحادثة في بدن الوالدين و بدن الولد ابد الوجود الخميرة الموروثة و هذان القسمان عسر البرء لايكادان يبرءان الا بمعجز او ما يشاكله و اما المستفادة فهي اما مستفادة من المتممات الخارجية او من النائبات الواردة او من الاسباب الداخلة فهذه الاقسام الثلثة مما تقبل العلاج ان لم‌تستحكم و لم‌يضعف الطبع كل الضعف فالمستفادة من المتممات الخارجية فكالامراض التي تاتي من قبل الهواء و الاكل و الشرب و النوم و اليقظة و الحركة و السكون و الاستفراغ و الاحتباس و الاعراض الواصلة و اما المستفادة من النائبات فكالحادثة بالسقطة و الضربة و الجراحة و غيرها و اما ما يستفاد من الداخل فمن قبل الطراطير التي شرحناها و قدمناها فهذه الامراض المستفادة من الداخل فاكثرها من الاسباب المعدية و لذا ورد عن النبي صلي الله عليه و آله المعدة بيت كل داء و الحمية راس كل دواء فاعط نفسك ما عودتها و هذا العام للمبالغة لكونه مخصصا بداهة فينبغي للمعالج ان يبدء بتنقية الامعاء اولا ثم تنقية المعدة ثانيا فانها سبب الاسباب و علة العلل ثم تنقية الكبد ثالثا ثم تنقية البدن رابعا بعد تمكين قابلية الخارج فانه ما لم‌يمكن لم‌يطاوع فان مثل بدن الانسان كمثل القناة فما لم‌تنق مجاريها الدانية لايجوز حفر آبارها العالية فانك لو ارسلت ماء مع انسداد المجاري لعور القناة و افسدها بالكلية فالواجب اولا تنقية المجاري ثم ارسال الماء فلما كان الانسان المعالج غير مطلع علي البواطن لزمه الاستظهار بالبدء بما [ص 16] ذكرنا حتي يكون علي بصيرة و يقين فمن خالف ما ذكرت فقد اجتري علي ازهاق الانفس نعوذ بالله اللهم الا ان يكون العلاج بالاضمدة و امثالها فانه لا بأس بها قبل التنقية .

فصل - ينبغي لمن قصد المعالجة علي وجه صحيح ان يعين اول ما يري المريض الجنس الاعلي من المرض بالعلامات العامة ثم يعين نوعا اعلي فالاعلي الي ان يبلغ ادني الانواع بالعلامات النوعية و الدلالات الخاصة ثم ما يخص الشخص مثلا اذا راي من به الحمي الغب الخالصة فاذا راي منه علامات الحرارة عرف انه مرض حار و لما كان علاجه بالضد عرف جنسا ان علاجه بالبارد ثم يفحص عن الدلالات النوعية فيستدل علي انه عفني فيعرف انه يحتاج الي تطفية الحرارة الغريبة التي هي فاعلة العفونة و استفراغ المادة لانها قد فسدت ثم يفحص من العلامات فيستعلم انه من المرة الصفراء فيعرف انه يحتاج الي ما يسهل الصفراء ثم يفحص عن العلامات فيستعلم انها لطيفة و في اعماق البدن فيعرف انه يحتاج الي مسهل قوي و تبريد قوي ثم الوقوف علي خصوصية ما يعالج به و مقداره و كيفيته فموقوف بالحدس الصائب و التجربة و المزاولة الكاملة و الاشكال كل الاشكال في تشخيص المرض اولا ثم معرفة ما يدفعه بالخاصية و لكن العلامات الكلية علي الاجناس العليا لاتكاد تخفي علي النبيه الا قليلا و المعالجات الكلية النافعة لجميع الامراض ما كانت من نوع واحد او من جنس واحد فمعلومة فيعالج بتلك المعالجات كما سياتي ثم يعين سبب المرض هل هو من اسباب داخلة [ص 17] ساذجة او مادية ام من اسباب خارجة ثم يفحص عن قوة المريض و ضعفه ليعالج القوي بالقوية و الضعيف بالضعيفة و يسعي في تقويته ثم يفحص عن مزاج المريض في الصحة ليعلم كثرة عدوله عن حال الصحة و قلته فالمرض البارد في الحار المزاج يحتاج الي تسخين قوي و قس عليه سواه ثم ينظر في ذكورته و انوثته فالمرض البارد في الذكر من برد كثير و قس عليه الآخر ثم يفحص عن السن فالمرض البارد في الشاب من برد قوي و قس عليه الباقي ثم يفحص عن عادة المريض بالاغذية و الادوية فالمعتاد بالافيون يكون الغالب عليه البرودة و اليبوسة و المرض الحار الرطب عنه بعيد و ان مرض به فمن سبب قوي و قس عليه غيره و يحصل من ترك العادة امراض كثيرة و تعالج بالرد اليها و يغذي كل طائفة بما نشوا عليه و يحمل علي المرض المعتاد اذا اشتبه الامر فيه و في غيره و من كان من عادته الخاصة الهذيان باقل حمي فلايحمله علي السرسام و قس علي ذلك و من يتغير باقل مرض تغيرا كثيرا لايحمل علي صعوبة المرض ثم يفحص عن صناعته فلكل صنعة مزاج فيقيسه علي ما تقدم من المزاج و السن ثم يفحص عن مسكنه فان لكل مكان مزاجا و لينظر فيه كما مر ثم ليفحص عن الفصل فان في كل فصل يغلب خلط و حدوث المناسب مترقب و الضد شديد و ليعلم كيفية المعالجة لان البارد بالفعل يناسب الصيف و الحار بالفعل الشتاء و لايقيئ و لايسهل في الصيف و لايغفل عن الاهوية الوبية و مقتضاها ثم ليراع حالات المرض من ابتداء الظهور و حال التزايد و [ص 18] الانتهاء و الانحطاط و ليعالج فيها كما يأتي و ليغلظ الغذاء في الاولي و ليلطف في الثانية و الثالثة و ليغلظ برفق في الرابعة و كذا يفتح في الاولي و يكسر الحدة في الثانية و يستفرغ في الثالثة و يتدارك الضعف في الرابعة ثم يتدبر في حد المرض فان كان في غاية الحدة و لايتجاوز عن ثلثة ايام او اربعة فليلطف الغذاء كثيرا حتي انه يكتفي بالماء و الجلّاب او السكنجبين و امثالها و ان كان اقل و يمتد الي سبعة ايام فليكتف بماء الشعير مثلا و شراب البنفسج و امثالهما و ان كان يمتد الي تسعة ايام او اربعة‌عشر فليكتف بالشورباجات و العدس المقشر و القرع او الاسفاناج و امثالها و ان كان من الامراض المزمنة فليغلظ لابقاء القوة ثم ليفحص عن مقارنات المرض فان يعالج مرضا فلايغفل عن المرض الآخر المقارن فليعالج بالحد المشترك و ان امتنع فليقدم الاهم ثم ليفحص عن ما تقدم من امراضه فان من ابتلي بالقوفت سابقا مثلا لايمكن شدة تبريده و ان كان مرضه اللاحق حارا و لايخاف من العلامات الردية فيه فانه يعود الي الصحة غالبا ثم يسعي بغاية جهده في تمييز الامراض المتشابهة كالسكتة و الغشي و السكتة و الموت و الخيالات في العين من الماء و البخار و امثال ذلك كما هو محرر في محله ثم بعد ذلك يبدء بعون الله في العلاج فان ميز المرض بحيث لا شك فيه بشخصيته يعالجه بما ياتي و بما يعلم و ان لم‌يميز شخصه و علم النوع فليعالج النوع بالمعالجات الكلية و ان لم‌يميز مطلقا فليتركه و مدبره و خالقه .

[ص 19] فصل - في بعض كلمات الحكماء الجامعة الحقة فعن جالينوس العفونة الداخلة ينبغي ان يستفرغ ما عفن منها بالوجه الاصلح اسهالا كان او قيئا او تعريقا او تبويلا و يصلح ما لايمكن استفراغه بالتبريد و التبريد بكل ضرب كالاغذية و الاشربة و الترويح و التنفيس و قال اختر من المستفرغات ما لايزيد في الحمي و اجعل طريقه اقرب الي موضع المادة و اسهلها علي الطبيعة و هذا الكلام شاهد لما ذكرنا آنفا و قال جمهور علاج الحميات اذا لم‌يكن معها عفونة و لا مادة ردية و لا ورم الغذاء الرطب السريع النفوذ كالاحساء و كشك الشعير و مختصر من وصايا ذكره بهاءالدولة الرازي صاحب خلاصة التجارب قال ما ملخصه يجب علي الطبيب بعد التدين ان يشخص المرض اولا ثم يعالج و من الادلة النبض و البول و السحنة ثم يشخص المرض و العرض و المرض هو الاصل و العرض ما نشاء منه و ليبادر الي علاج المرض لا العرض الا ان يكون العرض قويا و ليبدء برفع السبب و ليراع السن و الفصل و البلد و القوة و مقدار المرض ثم ليسئل عن عادات المريض فيما به قوامه و عن حالاته الظاهرة و الباطنة و ليمنّي المريض بالعافية و لايخوفه من مرضه و ليوص الممرضين بذلك و ليكن ذكيا في نفع الدواء و ضره فان نفع فليلازمه و الا فينتقل عنه و لايستصغر العلة الصغيرة فانها ربما تؤدي الي الكبيرة و لايخف من مرض قوي اذا كان المريض قويا و لايعالج الضعيفة بالقوية و لا القوية بالضعيفة و ما يكفي استعمال الادوية من الخارج لايستعملها من الداخل و ما يمكن العلاج بالغذاء و ساير الحيل [ص 20] لايبادر الي الدواء و ما يمكن العلاج بالمفرد لايعالج بالمركب و ما يمكن الضعيف لايؤثر عليه القوي و ماينتفع بقليل المقدار لايستعمل كثير المقدار و ما يمكن الانتفاع بالخواص لايتوصل الي الكيفيات و ما يمكن الانتفاع بالادعية و غير الادوية لايتوسل الي الادوية و لايعنف و ليشغل المريض عن المرض في غير البحران و يتركه و مرضه في البحران و لايمنع الاطفال من الغذاء و لايغذي الضعفاء دفعة و لايدبر في الحر الشديد و البرد الشديد بالتدبير القوي و كذا في يوم البحران و لايجترء علي المهزولين بالاستفراغ و ان وجد دواء يستفرغ و يصلح المزاج و يقوي العضو و البدن لايعدل عنه الي غيره و ليعالج بما جرب او شاهد تجربته و ليعالج المزمنة بدفعات و فترات حتي لايعتاد الدواء و ليبدل الدواء و لايعالج الموروثة و ليكن همه في حفظ البنية و القوة دائما و ان خاف من شدة الوجع فليستعمل المخدرات و لاينقل المريض دفعة من غذاء كثير الي القليل و لا العكس و لا من المعتاد الي غير المعتاد و لا العكس و لايعدل عن المعتاد ما امكن و لايحمل المريض علي غذاء و دواء يتنفر عنه و ليراع حين تزايد المرض التسكين و تقليل السبب و عند الانحطاط القوة و ان تعددت الامراض فليقدم الاضر و لايغفل عن الباقي انتهي ملخصه ، و هو كلام حكيم صدر عن عليم و عن ابقراط الجسد يعالج جملة علي خمسة اضرب ما في الراس بالغرغرة و ما في المعدة بالقيئ و ما في البدن باسهال البطن و ما بين الجلدين بالعرق و ما في العمق و داخل العروق بارسال [ص 21] الدم و قد ذهب الي ماذكرنا و قد احسن و اجاد و عن ظاهر السنجري ينبغي ان يعالج بالاغذية دون الادوية ما قدرت عليه و للعالم بطبايع الاغذية متسع و ان تعالج بالادوية فبالادوية المفردة دون المركبة ما قدرت علي ذلك و للعالم بطبايع الادوية فيها مندوحة و اياك ان تلتفت الي الادوية الغريبة و المجهولة و التي لها اسام معجبة الا ان يصح لها عندك فعل قوي بالتجربة و القياس و قال اعسر الامراض علاجا الامراض المتضادة للمزاج كالحمي المحرقة في المشايخ و الفالج في الشبان و لايكاد يحدث ذلك و عن ابقراط ما كان من الامراض يحدث من الامتلاء فشفاؤه يكون بالاستفراغ و ما كان منها يحدث من الاستفراغ فشفاؤه يكون بالامتلاء و شفاء ساير الامراض يكون بالمضادة و عن السنجري ما ملخصه اما ما تجاهده الطبيعة من الامراض فعلي ثلثة اوجه اما ان لايكون بالمرض كثير قوة فتكون الطبيعة وافية تدفع غائلته من غير معاونة الطبيب اياها و اما ان يكونا متعادلين و حينئذ يحتاج الي الطبيب و الحاجة الي الطب في هذا الموضع شديدة و غناؤه كثير و قلما يموت المريض و اما ان يكون العلة قاهرة فالحاجة الي معونة الطبيب اياها اضطرارية و اشد ما يكون و الموت واقع في مثل هذا في الاكثر و يكون غناء الطبيب فيه اقل و ربما يغني و احذر معالجة من به مرض مهلك او من وجدت به من العلامات الردية شيئا قال نورالدين اذا افتصد الشيخ او المبرود او المعتاد بالادوية المخدرة مثل الافيون و نحوه و راي الدم اسود كمدا غليظا فلايكثر اخراج الدم طمعا في تغيره فانه كثيرا ما يكون ذلك بسبب جمود الدم و تكاثفه و لايتغير و ان خرج اضعاف ما ينبغي ان يخرج .

[ص 22] فصل - ان الانسان مركب من الاسطقسات و يحتاج الي المتممات في بقائه و دوامه فيتغير الحالات بحسب تغير المتممات تغيرا فاحشا و يتغير الانسان المركب بحسب تغير الاسطقسات و يتغير الاسطقسات بحسب تغير اوضاع الافلاك و قراناتها و دوراتها سواء كان في عصر او اعصار كما هو مشاهد محسوس و لايزيد تطويل الكلام بذكر الشواهد و الامثال و من ذلك ياتي اختلاف الهيئات و الاخلاق و الاعمار و الافهام و غير ذلك و لا غاية لهذا الاختلاف و لا نهاية و افراد الانسان مشتركة في النوع مختلفة في الخصوصيات الشخصية التي تعينها من الوقت و المكان و الكم و الكيف و الجهة و الرتبة و الوضع و غير ذلك و لا احد يحيط بما لايتناهي غير اوائل جواهر العلل فضلا عن ان يكتب ذلك في كتاب او يبين في خطاب فلاتغتر بما ذكره الاطباء في كتبهم من وجوه المعالجات و خواص العقاقير و فعلها في الابدان و لاتتكل عليها و لاتعمل بها الا ان تثق بها بالتجارب فان العقاقير و الابدان كما سمعت تختلف بحسب اختلاف الازمان و الادوار و الامكنة و الاعصار اختلافا فاحشا و لذا يجد الانسان اغلب ما ذكره الاستاد الكامل الذي لايظن بمثله الكذب مجربا بالتاكيد التام غير نافع في هذه الازمان بتة و ينسبهم الجاهل الي الكذب او عدم المبالات بالذكر و ليس كذلك فانه لا كل احد يثبت ما لم‌يتقنه و حاشا الاساتيد ان يفعلوا ذلك و لكن يتغير الزمان فيتغير بتغيره الاكوان [ص 23] بل ربما يختلف بحسب اختلاف البلدان بل القري فضلا عن الزمان فتبين و ظهر انه لا عبرة بالمعالجات المذكورة في الكتب مطلقا الا العلوم و القواعد الكلية و النظريات فان حقايقها لاتختلف باختلاف الازمان و اما العمليات فالواجب المتحتم التجربة الخاصة في كل بلد و كل اقليم و كل زمان و ليس يخلي الله الارض من هذا اللطف بقدر الضرورة فلا بد و ان يكون من يعالج و يعاون الطبيعة حتي يبلغ الكتاب اجله فلاتغتر بمعالجة الصحفيين و النقلة الذين سندهم في اعمالهم قال فلان كذا و قال فلان كذا و اعتمد علي المجربين الذين هم في عصرك و بلدك و علي ما جربت من نفسك فاني لك من الناصحين فانه ربما يكون شئ نافعا في شخص ضارا في آخر فكن طبيب نفسك و جرب ما تستعمله في نفسك و استعمل المنافع و اجتنب المضار فمن بلغ حد الاختبار و لم‌يعرف ما ينفع بدنه من الضار فليس به اعتبار و من عرف ذلك و لم‌يعمل به عن اختيار فهو كالحمار و كن ذكيا و احفظ ما تسمعه و تراه من التجارب فاستعمله و جربه ثم اثبته بعد و ليس معني التجربة التامة ان تري الاثر في مادة بل ينبغي التجربة في المواد المتعددة و المختلفة حتي يحكم لك بالتجربة و اياك ان تغتر بما ذكره غيرك حيا كان او ميتا انه مجرب فانك لاتدري متي و اين و فيمن جرب اللهم الا ان يكون معاصرا معتمدا عليه ذكيا صدوقا تثق به كل الثقة فانه لا بأس بالاعتماد عليه و الاخذ عنه .

فصل - ما ذكره الاطباء في كتبهم من حفظ الصحة اكثره غلط و خطاء لان الله سبحانه خلق الانسان للعبادة و الخدمة و امتحنه بالمهنة و الصناعات و [ص 24] التجارات و الزراعات و من البين ان الحكيم اذا صنع شيئا لاجل شئ يتاتي منه ذلك الشئ مع بقاء صحته و اعتداله لاسيما اذا عرفنا ان الله سبحانه ماجعل علي الخلق في الدين من حرج و يسره السبيل و اراد به اليسر و القواعد التي ذكروها في حفظ الصحة تمنع الانسان عن كل خير و تجعله عبد بدنه و تجعله خادما لبطنه و فرجه و اعضائه و لا شك ان الانسان اذا اشتغل بما ذكروه خرج عما اراد الله منه و لم‌يرد الله منه الا ما فيه صلاح دينه و دنياه هذا و قد نري الذين لايعرفون شيئا مما ذكروه اقوي بدنا و اتم صحة و اقوي قوي و الذين يعملون بوصاياهم اكثر مرضا و اضعف بدنا و قوة و ليس ذلك الا من جهة اشتباههم في القواعد و القياسات و ذلك معلوم بالتجارب و لاتقاومها الادلة و الاقيسة فنذكر شرذمة من قواعد حفظ الصحة لتكون دستورا للمؤمنين و يبلغ به ما اريد منهم انشاء الله اعلم ان بنية الانسان بنية بناها الله سبحانه علي وفق حكمته و مقتضي مشيته فجعل له طبيعة و جعلها سنة في خلقه و آلة لاجراء مشيته و كمّاً لارادته يفعل بها ما يشاء من المصالح و ما به قوامه و نشوه و نماؤه و جعلها شاهية لما هو صالح لها و هي محتاجة اليه كارهة لما يضر بها و يغيرها عما خلق لاجله فهي لو كانت غير متغيرة عما خلقها الله عليه لاتريد الا ما فيه صلاحها في الدنيا و الآخرة و ما فيه رضا الله سبحانه و ما عليه بناء حكمته لانها اثر مشيته و ارادته سبحانه و لكن لما شيبت بالاعراض حصل لها اعراض غيرتها عما جبلت عليه و هو قوله سبحانه لامرنهم فليغيرن خلق الله فصارت لها شهوات منكرة و ميول مخالفة لما فيه صلاحها و قوامها كالانسان المبتلي بالقطا يشتهي التراب و يشتاق [ص 25] اليه و فيه موته و مرضه و ان الله سبحانه لم‌يجعل الانسان في خلقه شاهيا ما يفنيه و ذلك نقص في حكمة الحكيم و انما يلحقه اعراض تحدث امراضا تحدث شهوات باطلة فمن اجل ذلك احتاج الي ارسال الرسل و انزال الكتب و التنبيه و التعليم حتي يعود الي فطرته الاولي المستقيمة التي هي نجاته و دوامه و خلوده في الصحة و العافية و الراحة الابدية و من استقام نجا في الدنيا و الآخرة قال الله سبحانه الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا و قال و استقيموا اليه فالرسل جاؤا لرد الناس عن الانحراف الي الاستقامة و الاطباء الغافلون عن الاستقامة الحقيقية زعموا الانحراف الموجود صحة و ارادوا حفظ الانحراف علي ما هو عليه و لذا نافي قواعدهم الانسانية و التعبد فحفظ الصحة فيما ورد عن الشارع سلام الله عليه و امتثال امره و اجتناب نهيه في الدقيق و الجليل البتة و لما كان غرضنا في هذا الكتاب ما يناسب الطب الظاهر و طب ظواهر الابدان نذكر شطرا منها اعلم ان جل مرض الابدان علي ما جربت من الفضول و ما لايحتاج البدن في بقائه اليه و جل صحة الابدان من ترك الفضول و الاقتصار علي ما يلزم البقاء و تلك كلمة في الرسم قليلة و في المقدار جليلة و قل من يقدر علي العمل به فان اردت البقاء و لا بقاء فعليك بترك الفضول و الاقتصار علي الاصول الا ان تحتاج الي امر فاضل احتياجا بينا فاقتصر ايضا علي قدر الكفاية فهذه كلمة وافية فاحفظها و ذلك قول ابي‌الحسن عليه السلام ليس شئ انفع في البدن من امساك اليد الا عما يحتاج اليه و كلمة اخري اجملها لك من اراد الاعتدال فليترك الاكثار في جميع الاحوال فان الاكثار مما يرد علي الانسان يحرف البدن [ص 26] عن الميزان الاتري ما يعرضك من كثرة الاكل و كثرة الجوع و كثرة النوم و كثرة السهر و كثرة الحركة و كثرة السكون و كثرة الفكر و كثرة الغفلة و كثرة النظر و كثرة الغمض فاعتبر من ذلك و اجعل بدنك في جميع الاحوال بين بين تجد فيه قرة عين و تلك ايضا كلمة صدرت من عين الحكمة و هي معني قوله تعالي لاتسرفوا انه لايحب المسرفين و العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص المحل و كلمة اخري اياك و استعمال المتممات الا عند يقين الحاجة اليها و انتزع عنها و انت تظن بقاء الحاجة اليها و المراد بالمتممات الستة الضرورية المعروفة و هي الاكل و الشرب و النوم و اليقظة و الحركة و السكون و الاستفراغ و الاحتباس و الاعراض الواصلة و الهواء المحيط بالابدان فافهم ذلك و هي راجعة الي الاولي و الثانية و كلمة اخري حكمية اياك و تعويد البدن باستعمال الادوية و الاقدام الي العلاج من غير ضرورة ماسة فان الله سبحانه جعل الطبيعة دفاعة لما يضر بها جلابة لما ينفعها و هي اطب الاطباء و اشفق شئ علي حفظ نفسها فان بادرت الي العلاج من الخارج تركت ما جبلت عليه من اصلاح نفسها ثم لم‌تكن عالما بمضارها و منافعها مثلها فيكون افسادك لها اكثر من اصلاحك لها :

كن عن امورك معرضا و كل الامور الي القضا

فلرب امر متعب لك في عواقبه رضا

و لربما اتسع المضيق و ربما ضاق الفضا

الله عودك الجميل فقس علي ما قد مضي

الله يفعل ما يشاء فلاتكن متعرضا

و اعتبر بالامم الساكنة في البوادي و الجبال الذين لايعرفون العلاج و ليس لهم اطباء معالجون تجدهم اكثر امة عمرا و ادوم قوم عافية و اقوي طوايف ابدانا [ص 27] و ليس ذلك الا لتخلية الطبيعة و شأنها و قد عرفت شواهدها من الاخبار و كلمة اخري عود بدنك ما اعتاد و ما نشأ عليه و ربي فانه اوفق شئ بصلاح بدنك و العادة طبيعة ثانية و حمل البدن علي غير العادة مُخرج له عن طبعه الثاني ممرض له البتة و هي مضمون الخبر كما مر و يأتي فلو لازمت كل ما ذكرت لك او بعضها لزمك الصحة انشاء الله ثم ما ورد من القضاء و القدر فمما لا محيص عنه و عالجه بما قدره الله فان كتب عليك الرد الي العافية رددت و الا جري عليك القضاء و لنذكر هنا بعض الاخبار الواردة في هذا المضمار فعن اميرالمؤمنين عليه السلام انه قال للحسن عليه السلام الااعلمك اربع خصال تستغني بها عن الطب قال بلي قال لاتجلس علي الطعام الا و انت جايع و لاتقم عن الطعام الا و انت تشتهيه و جود المضغ و اذا نمت فاعرض نفسك علي الخلاء فاذا استعملت هذا استغنيت عن الطب و عن ابي‌الحسن الماضي عليه السلام اقل شرب الماء فانه يمد كل داء و اجتنب الدواء مااحتمل بدنك الداء و عنه عليه السلام لو ان الناس اقلوا شرب الماء لاستقامت ابدانهم و عن الصادق عليه السلام في حديث اعود البدن ما اعتاد و عن ابي‌الحسن عليه السلام ليس من دواء الا و يهيج داءا و ليس شئ في البدن انفع من امساك اليد الا عما يحتاج اليه و عن الصادق عليه السلام من ظهرت صحته علي سقمه فعالج نفسه بشئ فمات فانا الي الله منه بريء و عن ابي‌الحسن عليه السلام ادفعوا معالجة الاطباء ما اندفع الداء منكم فانه بمنزلة البناء قليله يجر الي كثيره و روي لايتداوي المسلم حتي يغلب مرضه صحته و عن الصادق عليه السلام ان المعدة بيت الداء و ان الحمية هي الدواء و عنه [ص 28] عليه السلام كل داء من التخمة و عن ابي‌الحسن عليه السلام ليس الحمية ان تدع الشئ اصلا و لكن الحمية ان تاكل من الشئ و تخفف و عن ابي‌عبدالله عليه السلام لاتنفع الحمية للمريض بعد سبعة ايام و روي الحمية احدعشر صباحا و عنه عليه السلام اداوي الحار بالبارد و البارد بالحار و الرطب باليابس و اليابس بالرطب و ارد الامر كله الي الله عز و جل و روي قيام الليل مصحة للبدن و روي مطردة الداء عن اجسادكم و روي سافروا تصحوا و في قواعد الطب عن اميرالمؤمنين عليه السلام انه قال من اراد البقاء و لا بقاء فليجود الحذاء و لياكل علي نقاء و ليشرب علي ظماء و ليقل من شرب الماء و يتمدد بعد الغداء و يتمشي بعد العشاء و لايبيت حتي يعرض نفسه علي الخلاء و دخول الحمام علي البطنة من شر الداء و دخلة في الحمام في الصيف خير من عشرة في الشتاء و اكل القديد اليابس معين علي الفناء و مجامعة العجوز تهدم اعمار الاحياء و عن تياذوق الطبيب لاتاكل طعاما و في معدتك طعام و لاتاكل ما يضعف اسنانك عن مضغه فتضعف معدتك عن هضمه و لاتشرب الماء علي الطعام حتي يمضي ساعتان فان اصل الداء التخمة و اصل التخمة الماء علي الطعام و عليك بدخول الحمام في كل يومين مرة واحدة فانه يخرج من جسدك ما لايصل اليه الدواء و اكثر الدم في بدنك تحرس به نفسك و عليك في كل فصل قيئة و مسهلة و لاتحبس البول و ان كنت راكبا و اعرض نفسك علي الخلاء قبل نومك و لاتكثر الجماع فانه يقتبس من نار الحيات و لاتجامع العجوز فانه يورث [ص 29] الموت الفجأة انتهي ، اقول كلها موافقة للحكمة الا كلمتين منه و هما اكثار الدم و القي و الاسهال في كل فصل فان اكثار الدم ممرض و القي و الاسهال من غير حاجة اليهما تعويد علي خلاف الحكمة و الوضع الالهي كما قدمنا و قال ايضا لاتشربن دواء حتي تحتاج اليه و لاتاكلن طعاما و في جوفك طعام فاذا اكلت فامش اربعين خطوة و اذا امتلأت من الطعام فنم علي جنبك الايسر و لاتاكلن الفاكهة و هي مولية و لاتاكلن من اللحم الا قيناً و لاتنكحن عجوزا و عليك بالسواك و لاتتبعن اللحم اللحم فان ادخال اللحم علي اللحم يقتل الاسود في الفلوات و عن بعضهم من اجتنب النتن و الدخان و الغبار و لم‌يمتل من الطعام و لم‌ياكل عند المنام و نقي الفضول في معتدلات الفصول كان حريا بان لايطرقه المرض الا اذا حل الاجل اقول اما قوله نقي الفضول الي آخر ليس بصحيح ان اراد التنقية بالدواء فان القانون المتخذ من الوحي ان يجتنب الانسان الدواء ما قدر فبمحض وجدان فضول لاينبغي المبادرة الي التنقية بالدواء فان الدواء بمنزلة الصابون فهو و ان كان ينقي الثوب لكنه يبليه عن وشيك فلاينبغي المبادرة الي الدواء ما احتمل بدنك الداء الا ان يكون داء يظن الانسان سوء عاقبته و يخاف علي نفسه من تركه فان هناك يجب المبادرة فان الداء ما كان قليلا يمكن دفعه فاذا قوي و ضعف الطبع لايمكن او يصعب فتبين ان مدار المسارعة الي المداواة الخوف علي النفس او علي العضو او خوف الازمان و العسر و الانسان علي نفسه بصيرة و عن جالينوس من اقل مضاجعة النساء و اجتنب الاكل عند المساء [ص 30] و لم‌يقرب ما بات من الطعام امن من مطلق الاسقام اقول ان كان المراد اجتناب الاكل بالمساء من جهة انه اكل بالمساء فغير سديد لما روي بخلاف ذلك عن الصادق عليه السلام اول خراب البدن ترك العشاء و عنه عليه السلام ترك العشاء مهرم و كان ابوالحسن عليه السلام لايدع العشاء و لو بكعكة و قال عليه السلام من ترك العشاء ليلة السبت و يوم الاحد متواليين ذهب منه قوة لاترجع اليه اربعين يوما و عنه صلي الله عليه و آله لاتدعوا العشاء و لو علي حشفة اني اخشي علي امتي من ترك العشاء الهرم فان العشاء قوة الشيخ و الشاب و قال من ترك العشاء نقصت منه قوة لاتعود اليه و قال عليه السلام طعام الليل انفع من طعام النهار الي غير ذلك من الاخبار و كلها بينة ظاهرة في ان التمسي بالطعام صلاح البدن و طعام المساء انفع من طعام النهار البتة لان الحرارة بالليل في الجوف و تحسن هضم الطعام بخلاف النهار فان البرودة في الجوف و لاينهضم الطعام حسنا بل لايجوز ترك العشاء فان الحرارة محقونة في الجوف و متي لم‌تجد ما تتعلق به من رطوبة زائدة تتعلق بالرطوبة الاصلية و تجفف البدن و تهزله و لذا يقل النوم مع الخوي و ليس هاهنا موضع بسط الكلام و قد شرحنا بعض ذلك في كتابنا حقايق الطب .

فصل - في ذكر المنذرات بالامراض و دلائلها علي سبيل الاجمال و تفصيلها موكول الي الكتب المفصلة و ذلك علم لازم لكل احد و من اتقن ذلك امن و لا قوة الا بالله من الامراض الا ان تكون في قضاء الله حتما وقوعها فذلك مما لايرد و لكن اذا كان المرض مقدرا غير محتوم يمكن دفعه و الدواء من القدر فهذا هو الذي اوجب علينا ذكرها فلنذكر ما يتيسر لنا من المنذرات العامة و الخاصة في تلو مقامات .

[ص 31] المقام الاول - في ذكر الدلائل علي غلبة اخلاط البدن . اعلم ان اسباب الامراض الخلطية اما كمية الخلط او كيفيته فاذا كان السبب الكمية فعلامته ان يزيد الخلط الصالح في البدن حتي يجد الانسان ثقلا و امتلاء في العروق و غلظة و انتفاخا و تمددا في البدن و حرارة في الملمس من غير سبب ظاهر و يجد كسلا و استرخاء و تمطيا و تثاوبا و كثرة النوم و ثقلا في الراس و صداعا و كدرا في الحواس و تبلدا في الفكر و ربما كثر الرعاف و لانت الطبيعة و ان يكون قد تقدم منه كثرة الطعام و الشراب في كثرة الدعة و قلة الرياضة و الاستحمام و قد يجد الانسان الثقل و اكثر العلايم لضعف قوته لا لكثرة كمية الخلط فليتنبه و لايشتبهن عليه و علامة ذلك الكسل و الفتور و قلة الشهوة و ربما يري في المنام انه يحمل ثقيلا و يكون بوله غير منصبغ و عرقه في النوم كثيرا و ليس له انتفاخ و لاتمدد فعلاج الاول الاستفراغ و الثاني التقوية و تلطيف الغذاء و الرياضة اللائقة تدريجا و اما الكيفية فهي ردائة الاخلاط و لكل علامات .

اما علامات غلبة الدم ● و فساده خاصة فحمرة العين و الوجه و اللسان و ثقل الراس و ضربان العروق كثيرا و كثرة النوم و امتلاء العروق و حمرة البول و غلظه و سيلان الدم من اللثة او المقعد لذي البواسير و حكة البدن [ص 32] و مواضع الفصد و الحجامة و حلاوة طعم الفم عند عدم خلط آخر و ظهور الحمرة في المرائي و رؤية الحمرة في المنام و كثرة البثور الحمر و تقديم التدبير بالحرارة و الرطوبة و يؤكد ذلك سن الفتوة و الربيع و البلد الجنوبي و كثرة الرياح الجنوبية فاذا ظهرت هذه العلامات فانها تنذر بامراض دموية كالحميات المطبقة و سونوخس و الورم الفلغموني و الجدري و الحصبة و الطواعين و الماشرا و الخوانيق و نفث الدم و الرعاف المفرط و الرمد و انتفاخ عروق المقعد و امثال ذلك و ينبغي المبادرة الي الفصد و الحجامة و غيرهما الي ان يزول الاعراض و يناسب ذلك فصد الاكحل فان كان قويا ففي دفعة و الا ففي دفعات و يكون الفصد بين الدفعات بقدر السن من عشرين سنة الي فوق يحسب لكل سنة يوما ان كان له فرصة و ياتي شروط اخراج الدم و كيفيته فان لم‌يمكنه الفصد لمانع فعليه بالصوم و النوم و مطفيات الدم و مصفياته و ملطفاته و التقليل من مولداته .