و بالجملة فبعد وفاته اعلي الله مقامه و انار برهانه ظنت الجماعة انه تضمحل آثاره و تبلي اخباره و تخمد ناره و يطفئ نوره سكتوا عن الكلام برهة من الزمان تقرب من مدة سنتين او اقل فرأوا ان نوره لم‌يزل في ازدياد و نجم سعد علومه و آثاره لم‌يبرح في علو و ارتفاع رجعوا الي ما كانوا بصدده و تعرضوا لهذا العبد المسكين الحقير الفقير فطالت السنتهم علي من غير حجة و لا موجب الا اني اذكر مناقبه و انشر فضائله و ادرس في تصنيفاته و ابين للناس غرر درر فوائد تأليفاته فبعثوا الي ان [ص 86] اترك ما انت عليه قلت في جوابهم ان الذي انا عليه معرفة الله و اسمائه و صفاته و افعاله و آثاره و معرفة انبيائه و رسله و اصناف خلقه و معرفة حججه و امنائه و معرفة النبوة المطلقة و الولاية المطلقة و معرفة التوحيد و مراتبه و رفع الشكوك و الشبهات الواردة عليه فان كان البحث عن هذه الامور موجب اضلال الناس و تضليلهم فعلي الاسلام السلام فالخلق لماذا خلقوا و الانبياء لماذا بعثوا و قد قال اميرالمؤمنين عليه السلام اول الدين معرفة الله و كمال معرفته توحيده و كمال توحيده نفي الصفات عنه لشهادة كل صفة علي انها غير الموصوف و شهادة كل موصوف علي انه غير الصفة و شهادة الصفة و الموصوف بالاقتران و شهادة الاقتران بالحدث الممتنع من الازل الممتنع من الحدث فمن وصفه فقد قرنه و من قرنه فقد ثناه و من ثناه فقد جزاه و من جزاه فقد الحد فيه .

و اجابوا ان الذي تباحث فيه علم الحكمة و الحكماء ضالون مضلون قلت لهم و ما تنقمون من الحكمة هل في لفظ الحكمة او في معناها فان كان لفظ الحكمة فقد مدحها الله سبحانه في كتابه و ذكر انه مابعث الرسل [ص 87] الا ليعلم الخلق الحكمة و قال عز من قائل هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته و يزكيهم و يعلمهم الكتاب و الحكمة و قال تعالي في داود و لقد آتيناه الحكمة و فصل الخطاب و قال تعالي و لقد آتينا لقمان الحكمة و قال تعالي و من يؤت الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا و امثالها من الآيات الكثيرة و الروايات الغير العديدة التي يطول الكلام بذكرها و بيانها و ان كان تنقمون علي الحكمة لاجل معناها فالحكمة عبارة عن معرفة الله و توحيده و ما يتعلق بمعرفته من اسمائه و صفاته و افعاله و آثار افعاله التي هي كينونات الخلائق و الذوات و الحقايق و معرفة النفس من حيث تحليها بالفضائل و تخليتها عن الرذائل و معرفة السياسة الالهية و الحدود الشرعية من العبادات و المعاملات و العقود و الايقاعات و الاحكام . و يدل علي ان المراد من الحكمة ما ذكرناه قوله تعالي و لاتجعل مع الله الها آخر فتقعد مذموما مخذولا و هو اشارة الي التوحيد في مراتبه الاربعة و ما يتعلق به من الاسماء و الصفات و الافعال و الآثار فان لم‌تصفه سبحانه [ص 88] بما يليق بجلال عظمته و كبريائه في اسمائه و افعاله و آثاره فقد اتخذت معه الها غيره ناقص في صفة كينونته ثم قال سبحانه و قضي ربك الاتعبدوا الا اياه اشار الي توحيد العبادة لانه اظهر مراتب التوحيد ثم قال و بالوالدين احسانا و الوالدان اللذان قرنهما الله سبحانه بتوحيده و عبادته و وصفهما بانهما المربيان ليس الا النبي و الولي لقوله صلي الله عليه و آله انا و علي ابوا هذه الامة فاشار الي النبوة و الولاية و ما يتعلق بهما من صفاتهما و احكامهما و مضافاتهما و منسوباتهما ثم قال سبحانه اما يبلغن عندك الكبر احدهما او كلاهما الي قوله تعالي و لاتمش في الارض مرحا انك لن‌تخرق الارض و لن‌تبلغ الجبال طولا كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها و جميع هذه الآيات منها في علم الاخلاق و تهذيب النفس و منها في الاحكام الشرعية كما يظهر بادني تأمل و شرحها يوجب التطويل الممل ، ثم قال سبحانه بعد ان ذكر معرفة الله و صفاته و آثاره و افعاله و اسمائه و نبيه و وليه و تهذيب النفس و عبادة الله سبحانه كما شرعها قال ذلك مما اوحي [ص 89] اليك ربك من الحكمة و قد تطلق الحكمة و يراد بها الاصول الخمسة من التوحيد و العدل و النبوة و الامامة و المعاد كما قال تعالي و لقد آتينا لقمن الحكمة ان اشكر لي و لوالديك الي المصير فاشار سبحانه بالشكر له الي علم التوحيد و العدل و بالوالدين الي النبوة و الولاية و بقوله الي المصير الي المعاد . و هل يكون البحث عن هذه الوجوه التي خلق العالم لاجلها موضع نقمة و ماتنقمون منا الا ان آمنا بآيات ربنا لما جائتنا ربنا افرغ علينا صبرا و توفنا مسلمين . فان كان بعض الناس قد توغلوا في الحكمة علي غير الجادة المستقيمة و ذلك يوجب الاعراض عنها و لزوم عدم التشاغل بها فيجب الاعراض عن العلوم جلها بل كلها لان ما من علم الا و تكلم اهل الباطل فيه لاسيما علم الفقه العلم بالاحكام الشرعية الفرعية فان اهل الباطل قد اكثروا فيها من البدع و الامور القبيحة مثل القول بالقياس و الرأي و الاستحسان و سائر الامور المخترعة و الاهواء المبتدعة و مااريكم قد اعرضتم عنها و ضربتم صفحا دونها فان كان البحث و التشاغل لاجل التمييز اي تمييز غثها عن سمينها [ص 90] و حقها عن باطلها و شرابها عن سرابها فكذلك القول بعينه في الحكمة فوجب الخوض فيها و التشاغل بها و الترادد في مباحثها لتمييز الحق من الباطل و الشراب من السراب و الغث من السمين فلماذا ماانكرتم الخوض و التشاغل في غيرها و انكرتم فيها فما لكم كيف تحكمون افلاتبصرون .

فاجابوا بان الخطر في الخوض في الحكمة و التشاغل فيها عظيم لان الخطأ فيها يوجب الخلود في النار بخلاف التشاغل في غيرها فان خطره هين و الخطأ فيه لايوجب الخلود في النار و الدوام في دار البوار قلت يا سبحان الله اذا مااشتغلتم فيها من اين تعرفون حقها من باطلها و الاعتقاد الردي من الاعتقاد الحسن و لعل الشخص في كفر و زندقة و يتخيل انه التوحيد و معذلك تضعف القلوب و تميل الي كل شبهة و تكون مصداق قول اميرالمؤمنين عليه السلام همج رعاع اتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح و هو قوله تعالي و اذا رأيتهم تعجبك اجسامهم و ان يقولوا تسمع لقولهم كانهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم [ص 91] قاتلهم الله اني يؤفكون .

فالقلب اذا لم‌يكن علي بصيرة و لم‌يكن علي بينة واضحة و نور ساطع و سراج زاهر لامع لم‌يتمكن من دفع الشبهات الواردة و الشكوك الحاصلة و لم‌تزل تتوارد الشبهات حتي تخرج الانسان عن الاعتقاد الحق و لذا لما سئل ذلك العالم ( الرجل خ‌ل ) عن وجه التناقض بين قوله عليه السلام في الدعاء يا من هو قبل كل شيئ يا من هو بعد كل شيئ و ما علم من ضرورة المذهب و الدين ان الجنة و النار باقيتان ابد الآبدين لا نفاد لهما و لا اضمحلال بل باقيتان مدة دوام ملك الله فاذا كانتا لاتفنيان فكيف يكون الله سبحانه و تعالي بعدهما فاجاب بان من المعلوم من القواعد اللغوية ( العربية خ‌ل ) انه ما من عام الا و قد خص فالله سبحانه بعد كل شيئ الا الجنة و النار فانهما لاتنقطعان . انظر الي هذا الجواب الباطل و القول الهايل فلو انه خاض في معرفة الله كما امره الله سبحانه و كلفه من معرفة توحيده و اسرار تفريده و تجريده عرف ان الله سبحانه لايتفاوت له الحال و لاتتغير نسبته و لاتكون [ص 92] فيه سبحانه جهة و جهة فقبليته عين بعديته و هو قبل في عين كونه بعدا و بعد في عين كونه قبلا اولا ( اول ظ ) في عين كونه آخرا آخر في عين كونه اولا قريب في عين كونه بعيدا و بعيد في عين كونه قريبا لم‌تجر عليه النسب و الاضافات و لم‌تختلف عليه الحالات و لم‌تعتوره الصفات المختلفات و لاتتفاوت نسبته قبل خلقه و بعد خلقه و لا ذكر للامكان في القديم سبحانه و تعالي عما يقولون و عما يصفون علوا كبيرا . فلو انه تعمق و نظر و تفكر و استبصر عثر علي قول مولانا الصادق عليه السلام علي ما رواه ثقة‌الاسلام ان الله خلو من خلقه و خلقه خلو منه و ما رواه الصدوق (ره) في التوحيد من خطبة مولانا الرضا عليه السلام في مجلس المأمون و فيها كلما في المخلوق يمتنع في خالقه .

فبالجملة و التهاون و عدم التشاغل في معرفة الله سبحانه يوجب الوقوع في امثال هذه الورطات و الهلكات و قد قيل لعالم ممن يدعي العلم و الرياسة ان رسول الله صلي الله عليه و آله قد عرج الي السماء بالليل فكيف صلي صلوة الظهر و صلوة الظهر لاتكون الا عند كون الشمس في دائرة نصف النهار اين النهار من الليل [ص 93] اين نصف النهار من نصف الليل و كيف كانت هذه الصلوة فبهت و تحير ثم نظر و تفكر فقال انه صلي صلوة القضاء ثم قيل له كيف يترك رسول الله الصلوة و كيف تقضي صلوته قال انه صلي صلوة النيابة . انظر الي هذا الرجل من عدم التشاغل بمعرفة الله و بكيفية آثار خلق الله و عدم الرضاء بان يقول اني مااعلم كيف اوقع نفسه في هذه الورطة المهلكة . و قد ذكر بعض العلماء في بعض تصانيفه ان الله ليس له مكان و الا لمازج القاذورات . و هذا صريح في الجسمية لان الامتزاج صفة الاجسام و لو كان له سبحانه مكانا لايجوز ان يخلو منه مكان فيجب ان يكون في القاذورات و النجاسات و الا لخلا منه مكان و لما كان هذا الامتزاج محال يجب ان لايكون له مكان .

و بالجملة امثال هذه الامور كثيرة و مثل هذه الهفوات غير عزيزة كل ذلك انما جري لعدم التشاغل في معرفة الله و القول بان ذلك ليس تكليفنا و وقعوا فيما وقعوا و بهتوا و تحيروا فيما تعتريهم من هذه الشبهات و ترد عليهم الاشكالات فاجابوا بان معرفة العوام كافية لنا [ص 94] و المعرفة الاجمالية مجزية و الخوض في تفاصيلها و البحث عن مسائلها غير واجب و لا لازم قلت نعم المعرفة الاجمالية اذا صحت بحيث اذا فصلت لم‌يضطرب ( لم‌يضطرب صاحبها خ‌ل ) و لم‌يختلف و لم‌يتحير كافية في كونه مسلما من المسلمين و موقنا من الموقنين و لكن العلماء و الفقهاء من اصحابنا و من جميع فقهاء الاسلام متفقون علي انه يجب كفاية ان يكون شخص عالما بتفاصيل علم الحكمة و الكلام و معرفة حقايق الاشياء و دقايقها و تفاصيلها و جهات الشبهات الواردات عليها حتي يكون حاضرا يدفع عن الاسلام ما يرد عليه من الشبهات و ما يرد علي الايمان من الشكوك و الخيالات و يعرف مكائد ابليس و مواقع شبهه و لا شك ان ابليس لاترد شبهته ( شبهه خ‌ل ) من جهة واحدة بل من جهات شتي و علوم شتي قد تكون شبهته من باب النجوم و قد تكون من باب (خ) علم الهندسة و قد تكون من باب علم الطلسمات و النيرنجات و قد تكون من باب علم الحروف و هكذا جهات شبهاته مختلفة و مواقع مكائده متشتتة فلا بد ان يكون عالما حكيما كاملا يعرف تلك [ص 95] الجهات و يكون له نور التوسم حتي يدفع الشبهات و يدفع حجة المتنبي و شكوك اهل التصوف فانها اعظم داء لهذا الدين القويم و اعظم حجاب لهذا المذهب المستقيم و الواجب الكفائي هو الذي يكلف به جميع المكلفين فاذا قام واحد به سقط عن الباقين فعلي هذا يجب علي المكلفين ان يبذلوا مجهودهم في تحصيل الحكمة و الكلام و المعارف الالهية مقدار ما تقوم به الكفاية و هذا لايكون الا بان يشتغل فيها خلق كثير حتي يكمل منهم اثنان او ثلاثة او اربعة حتي لاتخلو الارض ممن يقوم بحجج الله ظاهرا مشهورا من نواب الامام عليه السلام و هذا علم الفقه فانكم تزعمون انه واجب كفائي و ابطلتم قول الحلبيين ( حنبليين خ‌ل ) القائلين بالوجوب العيني و اكتفيتم بالتقليد فما بالكم توجبون البحث و الخوض و اجتماع الناس لتحصيل واجب كفائي و تمنعونهم عن البحث و الخوض في تحصيل واجب كفائي آخر و انتم متفقون بانهما واجبان كفائيان كما تكفي المعرفة الاجمالية في اصول الدين يكفي التقليد في الفروع فلماذا الزمتم علي الناس البحث و الخوض في علم الفروع حتي تحصل له ملكة الاستنباط [ص 96] لاجل تحصيل الواجب الكفائي و منعتم الناس عن البحث و الخوض في تحصيل المعارف الالهية و العقايد الاصولية و هل يجب الخوض في الفروع و لايجوز في الاصول ان هي الا قسمة ضيزي . و هنا صح المثل المشهور زيادة الفرع علي الاصل اذا لم‌يحصل الاصل الثابت فكيف تتفرع الفروع ثبت العرش ثم انقش .

ثم انا مانتكلم في كل ما نتكلم من المعارف الالهية و الحقايق الربانية و معرفة الافعال و الآثار و الاسماء و الصفات و معرفة النبوة و الولاية بمحض دلالة العقل و ان كانت عندكم كافية كما هو شأن غيرنا من المتسمين بالحكماء فانهم يتكلمون بمحض العقل في المعارف الالهية طابق الشرع ام لا و نحن بعون الله لم‌نسلك هذا المسلك و لم‌ننهج هذا المنهج بل نراعي دلالة العقل اولا ، ثم ننظر دلالة الآيات المحكمة علي ما دل عليه العقل ثانيا ، ثم ننظر دلالة السنة من الاحاديث المسلمة المشهورة الغير المتشابهة علي ما دل عليه الكتاب الذي دل عليه العقل ثالثا ، ثم [ص 97] ننظر الي المذهب و مطابقة الثلاثة معه فان خالف تركناها لان المذهب اثبت و اقوي رابعا ، ثم ننظر الي الآيات المرئية في الآفاق و الانفس من قوله تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق خامسا ، ثم نحكم بحقية تلك المسئلة و قطعيتها اذ لا سبيل جعلها الله سبحانه لنا في الحق غير هذه الوجوه فاذا تطابقت وجب ان يكون حقا او يكون الله سبحانه مغريا بالباطل و حاشاه ثم حاشاه .

فاذا باحثنا في علم المعارف و العقايد علي هذه الوجوه فاي ضلال يلزمنا و اي محذور نخشاه فلماذا نترك الحق الواضح و الطريق اللايح فماذا بعد الحق الا الضلال اتأمرنا ان نترك الحق ؟ اجابوا بان لانريد منك ترك البحث و الدرس في هذه المعارف الا انك سلكت مسلك الشيخ و نهجت منهجه و قلت بقوله .

قلت و اي عيب في مسلكه و اي قصور في منهجه اليس علماؤكم و علماء الاسلام الذين عليهم المدار في النقض و الابرام كلهم (خ) شهدوا له بالوثاقة و الجلالة و العلم الغزير و الفضل الواسع و النور الساطع و قد قام الاجماع و انعقد من جميع علماء الشيعة علي جلالة [ص 98] شأنه و نبالة مكانه و اي محذور يلزمني اذا اتبعته و قبلت شهادة هؤلاء الاعلام مع ما بذلت مجهودي في التجسس و التفحص عن حاله طلبا للهداية و تجنبا عن الغواية قربة الي الله طالبا رضا الله و غير طالب لدنياه اذ ماانتفعت منه اعلي الله مقامه من الامور الدنيوية شيئا و صحبته في السفر و الحضر و عاشرته في الليل و النهار فلم‌اجد منه الا اشرف الخبر في العلم و العمل مع ما ظهرت لي من الدلائل الواضحات و البراهين اللائحات من الائمة السادات عليهم سلام الله من رب البريات علي حقيته و وثاقته ، فما الذي يوجب العدول عنه و عدم قبول شهادة اولئك الاعلام و الفحول من العلماء الفخام و السادة من الفضلاء الكرام ؟ فان كنت مقلدا تابعا فتبعية جميع علماء الاسلام مع غزارة علمهم و جلالة شأنهم و عموم رياستهم و شمول سلطنتهم الحقيقية اولي و احري بمتابعة شخص واحد غير مطلع علي هذه العلوم و المعارف غير سالك سبيلها غير ناهج منهجها و غير عارف بمصطلحاتها و اي حجة في قوله علي اذا كان لايعرف شيئا من هذه العلوم و ان كان بصيرا في الفقه و الاصول . [ص 99] و لا شك ان اباه تغمده الله برحمته و اسكنه غرفات جنته ابصر منه و اعلم و اورع و اعرف بمواقع الاحتياطات و هو رحمه الله قد اعترف بالعجز عن معرفة كلام هذا العالم العلم الرباني ، فتقليد اولئك الاعلام اولي من تقليد شخص واحد كما وصفته و جماعة من العوام كالانعام اشباه البهائم ، و ان كنت محققا ناظرا بصيرا مكلفا بالذي افهمه فها انا قد اخبرتكم باني ذخرت محبته و متابعتي له ليوم فقري و فاقتي الي الله و ارجو من الله ان يحشرني محشره و يرزقني شفاعة نبيه صلي الله عليه و آله بكرامته فان كان عندكم برهان غير ما ذكرت و دليل غير ما بينت يوجب العدول عنه هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين .

فاجابوا بان اولئك العلماء لم‌يعثروا علي ما عثرنا و لم‌يتبين لهم ما تبين لنا فلانكلف باقوالهم قلت هذا بعينه قول السلف الاول لما قال لهم بريدة الاسلمي ان رسول الله صلي الله عليه و آله نصب اميرالمؤمنين عليه السلام للخلافة فما الذي عدل بكم عنه الي ابن ابي‌قحافة قالوا له حضرنا و غبت و الشاهد يري ما لايريه الغايب . و لعمري ان هذه العبارات التي يدعونها و يزخرفون في معانيها [ص 100] في رسائل كتبها اعلي الله مقامه قبل ان يخرج من الاحساء و قبل ان يتوجه الي العجم و كتبه بحمد الله كانت مشتهرة و هذه العبارات و امثالها مرت علي انظارهم .

ثم نقول مع قطع النظر عما ذكرناه من ان العلماء عثروا علي تلك العبارات و لن‌يجدوا فيها دلالة علي ما يدعونه من تلك المزخرفات نقول ان علماء الاسلام و علماء الفرقة المحقة قبل جناب السيد السيد مهدي كانت متفقة الكلمة متطابقة المقالة علي وثاقته و جلالته و لم‌يكن عليه نكير و قال صلي الله عليه و آله لاتزال طائفة من امتي علي الحق حتي تقوم الساعة ، فاذا اتفقوا وجب ان يكونوا علي الحق فتكون جلالته حقا ثم ان الله سبحانه يجب ان يبين لهم فساد حاله و فساد اعتقاده حتي لاتتفق كلمتهم في ذلك العصر علي باطل . ح ثم علي فرض التسليم لما ذكروا مع انه محال ان يكون اتفاق جميع العلماء من الفرقة المحقة التي يدور الحق فيهم علي الباطل قلنا لهم ما الذي تبين لكم و عثرتم عليه من فساد عقايده و بطلان ما في ضميره من غير المزخرفات من [ص 101] الافتراءات ؟ قالوا اربع عباير في اربع مطالب :

منها عبارة في المعراج تدل علي ان النبي صلي الله عليه و آله قد القي كل عنصر من عناصر وجوده في مكان ذلك العنصر فالقي النار في كرتها و الهواء في كرته كالماء و التراب ● مع ان المعروف من المذهب و المعلوم من الدين صعوده بجسمه .

و منها عبارة في المعاد تدل علي ان عناصر البدن كل عنصر يلحق بمركزه ثم لايعود مع ان ضرورة الاسلام قامت علي عود البدن الجسماني .

و منها عبارة في العلم تدل علي ان لله تعالي علمين علم قديم و علم حادث و لا ريب ان الحادث لم‌يكن ثم كان و يلزم منه ان يكون علم الله متجددا حادثا كان في وقت لايعلم .

و منها عبارة تدل علي ان الامام علة فاعلية و يلزم منه ان يكون اما مستقلا في الاحداث و الفعل او يكون مفوضا اليه و كلاهما باطلان لضرورة الاسلام فخالف ضرورة الاسلام في هذه المسائل الاربع فلايصح الرجوع اليه و التعويل [ص 102] عليه و المتابعة له و من هذه الجهة نهيناك عن اتباعه و عن نشر مطالبه .

فلما سمعت هذا منهم قلت اليست هذه المسائل هي التي انكرتم عليه فيها في حيوته اليس هو انكر التزام صحة هذه المسائل علي ما ذكرتم أماعرض عليكم ان تحضروا العبارة لدي حتي افهمكم و افسر لكم حكم المراد منها الستم ابيتم عن ذلك و هل بقي لكم حجة بعد ذلك و هل يعارض الظاهر النص أماتدرون ان العلماء لهم اصطلاحات لاتعرف الا من جهتها و ان لا مشاحة في الاصطلاح و ان الكلام يجري علي وجوه من انحاء التجوزات و الاستعارات و التشبيهات و الكنايات و انحاء الاصطلاحات و اجراء الكلام من قبيل اياك اعني و اسمعي يا جارة و قد قال مولينا الصادق عليه السلام اني لاتكلم بكلمة ( بكلمة واحدة خ‌ل ) و اريد منها احد سبعين وجها لي لكل منها المخرج و لو شاء انسان صرف كلامه حيث شاء و لايكذب فان ابراهيم نظر نظرة في النجوم و قال اني سقيم و ماكان سقيما و لم‌يكذب و قال بل فعله كبيرهم و لم‌يفعل كبيرهم [ص 103] و لم‌يكذب ابراهيم . فاذا كانت هذه الوجوه تحتمل من الكلام فما ظنك بالعبارة مع اجماع المسلمين و ضرورة المذهب و الدين و نص الكتاب المبين ان لا عبرة بالكتاب و لا بالعبارة و انما العبرة بصريح المقال الظاهر في المراد بما لايحتمل خلافه في العرف و اما اذا كان المتكلم يحتمل في حقه ان يريد خلاف الظاهر و ادعي ذلك يجب التصديق له و عدم مخالفته لانه ابصر بمراده و اعرف بمقصوده و ضميره فكيف بالعبارة و قد ذكرنا مرارا ان اجماع المسلمين منعقد علي عدم اعتبار الكتابة اذا نص الكاتب بخلافها و مخالفته مخالفة الضرورة فباي بيان عندكم و اي برهان لديكم و اي شيئ يقطع ذلك الاجماع هل بهذا تحتجون اذا سئلكم الله يوم العرض الاكبر و بهذا تستدلون اذا سئلكم رسول الله صلي الله عليه و آله عند المخاصمة يوم المحشر ،

ماذا تقولون اذ قال النبي لكم ماذا صنعتم انتم آخر الامم

و ما تقولون في جواب اميرالمؤمنين اذا قال لكم و هو حامل اللواء علي منبر ( المنبر خ‌ل ) الوسيلة آلله اذن لكم ام علي الله تفترون يا قوم اتقوا الله و قدموا من قدمه الله خذوا عمن علمه الله و لاتبخسوا الناس [ص 104] اشيائهم و لاتعثوا في الارض مفسدين بقية الله خير لكم ان كنتم مؤمنين و لاتقعدوا بكل صراط توعدون و تصدون عن السبيل ( سبيل الله خ‌ل ) و تحسبون انكم مهتدون . فماافادهم هذا الكلام و لا نفعهم هذا الزجر التام و اصروا علي ما كانوا عليه من الانكار و الاصرار بلا علم و لا هدي و لا كتاب منير ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله و يتبع كل شيطان مريد .

ثم جمعوا و اجتمعوا و جلسوا مجلسا يوم الجمعة اول جمعة من شهر رجب و اجتمع فيه خلق كثير تبلغ عددهم الوف و لا واحد منهم ● يصدقني و احضروني في ذلك المجلس الشديد و انه ليوم عصيب و جاء القوم يهرعون من كل جانب و لهم من رؤسائهم جواذب و انا اذ ذاك بينهم وحيد فريد فقال لي واحد منهم في ذلك المجلس ان الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج اني لك من الناصحين و اني لي و الخروج و قد حف القوم بي من كل جانب و مكان شاكين باسلحتهم مشتملين بارديتهم كانهم اتوا للجهاد بين يدي المبعوث من رب العباد فلما استقر [ص 105] بنا و بهم الجلوس سألتهم لماذا هذا الاجتماع و ما الموجب لهذه الغوغاء هل سمعتم و رأيتم مني خلافا للشرع او العرف او الدين او المذهب اجتمعتم لتثبتوه علي و تقيمون الحد قالوا لا قلت فاي شيئ اذن اجتماعكم و غوغائكم و ضوضائكم قالوا نريد ان نسألك عن عبارات الشيخ و نبين انها كفر قلت فهلاسئلتم منه في اليوم الاول لما طلب منكم ذلك حتي يفسرها لكم و بعد ما ابديتم الفضيحة و اظهرتم الشناعة و املأتم الامكنة و الاصقاع من القول الباطل و المذهب العاطل آلآن و قد عصيتم قبل ثم ان الرجل قد انتقل من دار الدنيا الي الدار الآخرة ليس له حضور حتي يبين لكم مكنون ضميره ، عليكم انفسكم لايضركم من ضل اذا اهتديتم ، قالوا لا بد من ان ننظر الي كلماته بعد مماته و نسئلك عنها قلت ان اهل الباطل من الاموات كثيرين فهل صنعتم في عبارة احد من الاموات مثل صنيعكم هذا قالوا ان له تبعة يعتقدون معتقده فيضلون قلت و كذلك اموات من اهل الباطل لهم تبعة و مريدون يتبعون اعتقادهم و يتجاهرون بها و هم قبل الشيخ فهلا احضرتموهم و اتباعهم حتي تثبتوا [ص 106] عليهم فساد معتقد شيخهم ليرتدعوا و يرجعوا الي الحق و ان لم‌تعرفوهم فاني اعرفكم باسمائهم و كتبهم و مقالاتهم و عباراتهم ثم ثنوا بالشيخ و اتباعه قالوا ما لك الي ذلك من سبيل بل لا بد من بيان هذه العبارات قلت انا لله و انا اليه راجعون هاتوا ما عندكم ، فاظهروا تلك العبارات التي قد سبق مضمونها و كنت قبل ذلك شارحا لتلك العبارات و مفسرا لها و موضحا لمعانيها و ان تلك العبارات مطابقة لما عليه ضرورة الاسلام و هي مدلولات الكتاب و السنة و سميت تلك الرسالة بكشف الحق و لم‌اترك هناك لذي مقال مقالا و لا لذي حجة برهانا و استدلالا و تلك الرسالة مشهورة معروفة اشتهرت اشتهار الشمس في رابعة النهار و لااظن بلدة خالية منها فمانفعتهم تلك الرسالة بذلك البيان التام الوافي و الشرح العام الشافي .

ثم ابرزوا عبارة عن ذلك الشيخ القمقام و علم الاعلام و النور التام ما صورتها ان الجسد العنصري لايعود قالوا لي قل ان هذه العبارة كفر ام لا قلت علي الذي افهمها و [ص 107] ادين الله بها ليس فيها كفر و لا زندقة و لكنكم اخبروني عن الجسد بحسب اللغة علي ما ذكره في القاموس و الصحاح و مجمع البحرين دون ما اصطلح عليه الحكماء كم معني ذكروا له قالوا مانعرف قلت يا سبحان الله اذا لم‌تعرفوا معاني الجسد و اطلاقاته علي ما عند اهل اللغة فكيف ( كيف خ‌ل ) تنكرون علي هذه العبارة لعل الجسد له معني لو قلتم بعوده كفرتم قالوا نحن نريد فهم العوام قلت هل اللغة الا فهم العوام فكرروا ثانيا انا نريد فهم العوام و جميع من حضر و لا واحد منهم صدقني او ساعدني و قال ( و قلت خ‌ل ) ان فهم العوام اي مدخلية له في المقام و كلما لم‌يفهمه العوام لو كان باطلا للزم بطلان كتب العلماء و لا شك ان الحطاب و البقال لايعرفون عبارات شرح اللمعة و لايعرفون مسئلة الامر بين الامرين و لايعرفون ان الامر بالشيئ ينهي عن ضده الخاص او العام هل يسوغ لهم ان يحكموا ببطلانها فهذا خرق اتسع علي الراقع . فلما رأيت قلة انصافهم و غلظة جورهم و اعتسافهم قلت لهم ماذا تريدون قالوا نريد ان تكتب ان هذه العبارة [ص 108] كفر فكتبت لهم ان هذه العبارة اذا لم‌يكن لها بيان مقدما و مؤخرا اذا ( و خ‌ل ) لم‌يحذف منها شيئ من اولها او وسطها او آخرها كفر بحسب فهم العوام كقوله تعالي يد الله مغلولة و قوله تعالي وجوه يومئذ ناضرة الي ربها ناظرة و لا ريب انه كفر بحسب متفاهم العوام اذ ليس لله يد و لا وجه من الجوارح . و ابرزوا بعض العبارات منها محرفة و منها لم‌يعرفوا ان يقرؤها فارادوا مني ان اكتب علي ما هي عليه فكتبت هذه الصورة و مرجع القول انه كلام متشابه نسئل تفسيرها من قائلها كالآيات القرآنية و الاحاديث النبوية و الولوية و بالجملة لا اعتبار بالقرطاس .

فلما لم‌يبلغوا مني مرادهم و لم‌يقدروا ان يتشبثوا بي بشيئ من زخاريفهم و عجزوا و الحمد لله ماقدروا ان يثبتوا علي شيئا من الباطل الذي يزخرفونه قالوا نريد ان تثبت اجتهادك عندنا . فلما بلغ كلامهم الي هذا المقام قال صاحب المجلس قد تبين الرشد من الغي ، انتم قبل ذلك تحتجون عليه بفساد في العقيدة لمخالفته للضرورة فالآن تبين عندنا انه علي صفاء الاعتقاد و انتم تطلبون منه الآن ان يثبت اجتهاده ها انتم [ص 109] تدعون الاجتهاد فاذا وجب ثبوت الاجتهاد بالاجلاس باحضار الناس فمتي ما احضرتم و اجتمعتم و اثبتم اجتهادكم فنحضر فلانا ان يجلس معكم مجلسا آخر لاثبات اجتهاده فبان ان قصدكم غير الله و في هذا الاثناء اذن المؤذن لصلوة الظهر قمنا للصلوة و تفرق المجلس فغلبوا هنالك و انقلبوا صاغرين و ظهر الحق و الحمد لله رب العالمين . و من قلة انصاف الحضار في ذلك المجلس ابادهم صروف الدهر و لم‌يبق منهم اي من اهل الحل و العقد احد الا واحد من حاضري ذلك المجلس لكنه كان من الاتباع و الاذناب و لم‌يكن له قابلية السؤال و الجواب . ثم ماكفاهم ذلك بقوا يثيرون الفتنة و يهيجون للفساد نائرة و يدفعها الله سبحانه كلما اوقدوا نارا للحرب اطفأها الله و يسعون في الارض فسادا و الله لايحب المفسدين .

ثم مرة اخري صاحوا بالناس و جمعوهم في حضرة العباس و نشروا الالوية و الاعلام و اجتمعت عليهم الطغام و اللئام لاخراجي من البلد بغير جرم اجترمت و لا ذنب اذنبت الي ان رد الله كيدهم في نحورهم و [ص 110] ماتوا بغيظهم و ردهم الله خائبين عن نيل مقصودهم و مرادهم و افعالهم من ذلك القبيل كثيرة و اعمالهم من هذا النمط عديدة و اذياتهم لي شديدة يتكرم الانسان عن ذكرها فالاولي و الاحري طيها عن نشرها فان الاوقات اشرف من صرفها في تسطير هذه المزخرفات و بيان الترهات و الله المستعان و عليه التكلان .

ثم الخطب الافضع و الامر الاعجب الاشنع قصة اهل النجف فانهم بعد ما كانوا ينقمون علي السيد مهدي و اتباعه بانه الي الآن ماجري في الشريعة الاحمدية و لا ذكر في الطريقة المحمدية علي الصادع بها آلاف سلام و تحية ان يوقعوا هذه الفتنة الصماء و الداهية الدهماء لاجل عبارات ينادي صاحبها بعدم ارادته ما يترائي من ظاهرها و لا شك ان كل متكلم مصدق في ارادة مراده من كلامه و العبارة و الكتابة ليس لها تأثير الا بقراين كاشفة عن ان مراد قائلها هو الظاهر منها و الا فلايصح التعويل عليها لاسيما اذا كان قائلها ينص علي مراده و ينفي الذي يفهمه غيره لاسيما اذا كان الغير ممن ليس له اهلية لفهم المراد و لايزالون يلهجون [ص 111] بهذه الكلمات نصرة للحق و ينقمون علي مخالفينا بل ينسبون بعض الاوقات جناب السيد مهدي الي هيجان المرة السوداء و لم‌يزل ذلك دأبهم و شأنهم الي ان صار ما صار مما لست اذكره فظن شرا و لاتسئل عن الخبر عثروا ( حتي عثروا خ‌ل ) علي عبارة في الرسالة التي صنفتها في علم الاخلاق و تهذيب النفس و ما يكون العبد المؤمن عليه في افعاله و اقواله و حركاته و سكناته و لحظاته و جلساته و سائر احواله و عثر فيها علي عبارة هذه صورتها : و اعرض عن كتب القوم لاسيما العامة العمياء . فلما رآها و نظر اليها صاح و ناح و عرف من هذه العبارة اني انكر الاجتهاد و التقليد و انكر طريقة المجتهدين و انكر الكتاب و السنة و اني قد اخترعت مذهبا آخر فشيعه في الناس و ادخل في قلوبهم الوسواس و اوقعهم في شبهة و التباس حتي ان الناس قد تشوشت قلوبهم و زاغت و مالت الي الباطل مع انا قبل هذا الكلام بشهر اجتمعنا في مشهد الحسين عليه السلام مع كمال المودة و المحبة و الانس ثم لما رجع الي المشهد عمل هذا العمل في موسم زيارة المولود . [ص 112] ثم اني كتبت اليه خطا و ذكرته ما كان ينقم علي من كان قبله و قد كر الي ما فر منه ثم مااتاني الجواب و حصل منه الاعراض من كل باب ثم اني شرحت تلك الكلمات مع كلمات قبلها و كلمات بعدها و بينت له المراد و ذكرت له ما كان غير خاف عليه في مستجنات الفؤاد و بينت له حقيقة العبارة و شرحتها بصريح الالفاظ دون الاشارة فلم‌يلتفت اليها و لم‌ينظر اليها و لا اجابني عن شيئ من ذلك و لست‌ادري اي قاعدة اجريها و باي شريعة عمل بها فان كنت مبطلا وجب عليه ارشاد الضال و اهداء المستبصر و كان يعلم من حالي ماكنت بممتنع عليه لو ارادني اينما كنت و اينما كان ، هلاصبر حتي يواجهني و اواجهه و يخاطبني و اخاطبه و يبين لي فساد ما قلت ثم ينظر هل لي عذر مقبول فيقبل و ان لم‌يكن لي عذر موجه فيردد معي الكلام كما يفعل بسائر تلاميذه حتي يعرف مني العناد بعدم الانصاف و سلوك مسلك الجور و الاعتساف فاذا تكلم بعد ذلك فمعذور و لكنه مااجري ما ذكرنا فاول ما نظر العبارة اظهر الاعراض و ادخل في القلوب الامراض و هيج نائرة لصدور المرض و لم‌يتكلم [ص 113] معي بشيئ . ثم لما ابتدئته بالكتاب ماكتب لي الجواب مع قوله عليه السلام ان رد الكتاب واجب كوجوب رد السلام ثم اني كنت مستنصحه و مسترشده و مطالب له بحجة و بينة في فعله هذا و تشييعه الفاحشة في الذين آمنوا و الايمان الثابت باعترافه كرة بعد اخري و مرة بعد اولي كيف يزول بمجرد هذه العبارة التي لاتدل علي شيئ مما قال باحدي الدلالات الثلاث فان كان فعل ما فعل عن بينة شرعية و حجة الهية فلماذا ماابداها لي و انا قد طلبتها منه و ان كان بلا حجة شرعية و بينة الهية فعل ( فلماذا فعل خ‌ل ) ما فعل فهذا الذي قلنا لك مما لم‌نوضح اكثر من هذا . ثم اني اوضحت العبارة و فسرتها و بينتها و ازحت اشكالها و فصلت اجمالها و بينت اعضالها و ذكرت اعتقادي فيما نسب الي من انكاري للاجتهاد و التقليد و الكتاب و السنة و انكاري علي العلماء من الفرقة المحقة و بعثتها اليه و استدعيت منه النظر اليها و مطالعتها و اعطاء التأمل حقه فيها فاري لم‌يكتب لي جوابا و لم‌يخاطبني بخطاب و هو مصر علي ما هو عليه مما دعيه الداع اليه فان [ص 114] لم‌ينظر الي الرسالة و لم‌يطالعها و جعل الناس في شبهة و حيرة و فتنة وقع بعضها في بعض و انكر بعضها علي بعض و سب بعضها بعضا و انه ( فانه ظ ) والله لظلم عظيم و حوبة وخيمة عاقبتها وعرة مسالكها و ان نظر اليها و تبين اني محق لست بمبطل فلماذا لم‌يبينها و لم‌يظهر للناس انه كان مشتبها و لم‌يكن ذلك بنقص له لانه ليس بمعصوم و كم من امور تشتبه علي فحول العلماء ثم يتبين له الصواب فيعدل عنها و يقول بالحق كما كان ذلك دأب والده العلامة ● اعلي الله في الفردوس الاعلي مقامه لقد كان ممن لايخاف في الله لومة لائم و كم من امر حصل له الاشتباه ثم تبين انه مشتبه ابان للناس بمحضر العوام و الخواص و قضاياه رحمه الله في هذا المعني مشهورة و لدي اهل النجف و غيرهم معروفة هلااقتدي بابيه و من يشابه ابه فماظلم ، و ان كان تبين له فساد ما ذكرناه في تلك الرسالة الشارحة ( لما قلنا خ‌ل ) فوجدها باطلة و معانيها فاسدة فهلابين وجه فسادها و شرح خطائها من [ص 115] صوابها و ذكر ان الشبهة دخلت عليك في المقام الفلاني ما هذا السكوت و الاعراض عن الجواب و تأخير البيان عن وقت الحاجة هلاسكت اولا لو كان لا بد له من السكوت حتي يريح و يستريح . ثم اني رأيته قد سكت عني وحدي و لم‌يتكلم معي و اري خطوطه صاعدة نازلة الي من يسئله و الذي لم‌يسئله و لقد وقع بيدي احد الخطوط التي ارسلها الي البصرة باني لم‌اجوز لاحد ان يرجع الي السيد كاظم في امر من امور الدين من الاصول و الفروع ، هل امره الله بهذه الافعال المتناقضة فاطاعه ام نهيه عنها فعصيه ام رأي مذهبا لم‌يره الله و رسوله فاسسه ام لم‌ير حرمة لاولاد رسول الله صلي الله عليه و آله فيراعيها اهكذا اوصي رسول الله صلي الله عليه و آله بذريته ؟ ماادري ما اقول السكوت اولي و المشتكي الي الله و لا حول و لا قوة الا بالله ثم لم‌تزل خطوطهم في الاطراف تتري و اصحابهم لم‌يزالوا متعمدين الاذية و الايذاء لآل الله و هو يطلع عليه و يسكت عنهم .

و اعجب منه ان عديله و مثيله يقول باني لم‌يتبين لي شيئ لكنه عالم تكلم و حكم فامضيت حكومته . [ص 116] انظر الي هذا الكلام المتدافع و القول المتناقض و اي حكومة في البين و هو الي ان مات كان يدعي الاشتباه و متي جرت قواعد الحكومة من حضور الخصمين و الترافع من الجانبين و اقامة الشهود حتي يحكم و يمضي الشيخ الآخر حكومته فان كان الحكم من جهة ان الحاكم يحكم بعلمه و هو ( فهو خ‌ل ) لايدعي العلم بل يدعي الشبهة و الاشتباه و مازالت تلك دعويه حتي خمدت انفاسه و سكنت حواسه و بطل احساسه و انهدم اساسه و بطل قياسه و لم‌يبلغ التماسه ثم اذا تبين خطأ الحاكم وجب نقض حكمه بالاجماع و اي خطأ اعظم و افحش من هذا الحكم علي ما بيناه فان الذي ذكرت بمرأي و مسمع من الكل و اطلع عليه الجل و القل فان انكروا و كتموا يصدق عليهم قوله تعالي يعرفونه كما يعرفون ابناءهم و ان فريقا منهم ليكتمون الحق و هم يعلمون .

ثم لما طالت عليهم الالسن و عابهم علي فعلهم ( الحر خ ) و القن الوضيع و الشريف و العالي و الداني و المحب و المبغض و المخالف و المؤالف بانكم تتكلمون علي رجل هو بين [ص 117] اظهركم و تكتبون الي البلاد البعيدة مساوي تنسبونها اليه و انتم ماسئلتم منه مسئلة و لا خاطبتموه بكلمة لعل له عذر مقبول او لعله يوافقكم و يرتدع فاذا عرفتم منه عدم الارتداع شأنكم و ما تفعلون و هكذا كلام الناس و هم لايصغون اليهم لعلمهم بانهم اذا شافهوني تدحض حجتهم و تفسد حيلتهم فكثرت عليهم الالسن بهذا و نحوه .

ثم بعد سنتين بعد ما ملئوا الاصقاع و اطراف البلاد بخطوطهم و رسلهم ( رسائلهم خ‌ل ) حتي الي الهند و السند و قد بعث الي بعض رؤساء الهند صورة كتابتهم و ذكر اني كنت احب ان اموت و لااسمع و لااري هذا الكتاب و مضمونه ان السيد كاظم الرشتي خرج من الدين و عن مذهب المسلمين و قد اعرض عنه جميع العلماء و عدل عن تقليده جميع المؤمنين الاذكياء فوجب علينا اعلامكم بانه لايجوز تقليده و لا اخذ مسئلة من المسائل الدينية عنه فمن فعل ذلك لن‌يغفر الله له ابدا و لن‌تقبل له توبة و قد رشم عالمهم بخاتمه و بعثوه الي الهند الي بعض الرؤساء فيها و كتب الي مضمون الكتاب و اراد مني حقيقة الجواب [ص 118] فمااقبلت نفسي الي جوابه و ضربت صفحا عن خطابه و انا والله في شغل عن الناس لاتزيدني كثرة الناس حولي عزة و لاتفرقهم عني وحشة و لو اسلمني الناس لم‌اكن جازعا .

و بالجملة بعد ما كتبوا الي البلاد و نشروا بين العباد و لكن لاجل اسكات الناس لئلاينحرفوا عنهم ارادوا الاجتماع حتي يبينوا للناس انا جلسنا معه و اجتمعنا به و تبين لنا كفره فيجرون ( علي خ ) ذلك الوقت مقتضياته فلما قربت اوان زيارة يوم الغدير امتثلت امر مولانا الرضا عليه السلام و قبلت وصيته لاحمد ابن ابي‌نصر البزنطي و قد قال له عليه السلام يا بن ابي‌نصر اينما كنت فأت قبر اميرالمؤمنين عليه السلام يوم الغدير الحديث ، فقصدت زيارته عليه السلام و اتيت مشهد اميرالمؤمنين روحي له الفداء و قبلت عتبته الشريفة فلما كان اليوم الثاني من دخولي عليه عليه السلام اتاني آت من قبل احد الشيخين و حيث كان في القوس الصعودي الاصغر مقدم علي الاكبر جاء رسول الشيخ [ص 119] الآخر بان الشيخ يحب الاجتماع معك حتي ينظر في امرك و يتبين له حالك فقلت للرسول ما يريد الشيخ من هذا الاجتماع هل يريد قطع الفتنة و رفع الاختلاف و ايقاع الائتلاف او زيادة الفتنة و ايقاع الاختلاف ؟ قال بل رفع الاختلاف و دفع الفتنة . ثم قلت هل نحن متوافقان او مختلفان قال بل مختلفان قلت فاذا جلسنا مختلفين و تكلمنا و لم‌يرتفع الاختلاف من البين فجلسنا مختلفين و قمنا مختلفين فاي فائدة اذن في هذا الاجتماع غير تزايد النزاع و تكثر القيل و القال و الجدال فان ( فلو خ‌ل ) كان في اول الامر قعدت معكم و لكن الآن لاتحدث نفسي بانصافكم و لايأمن خاطري منكم فاجعلوا حكما بيني و بينكم و اضمن انت تصديقه اذا حكم كما انا اضمن ذلك اكتب لي ورقة و ارشمها بخاتمك و اكتب لك ورقة و ارشمها بخاتمي و نجعل الورقتين عند امين مسلط لان كلما حكم هذا الحاكم علي او عليك فهو مقبول حتي نقعد مختلفين و نقوم مؤتلفين و يرتفع النزاع من البين اما انا اتبعكم او انتم تتبعوني و اما الحاكم [ص 120] فلايقبل احد من علماء العراق لاتهامهم بي و ( او خ‌ل ) بكم فلنطلب حاكما من غير اهل العراق و لانضيق عليكم و لانطلب منكم ما لايتيسر حتي تتوهموا ان ذلك عذر او مراوغة و اتفق في تلك السنة زار جماعة كثيرة من علماء البحرين و الاحساء و الجزائر منهم الشيخ العالم الممجد المسدد المؤيد مولانا الشيخ محمد آل عبدالجبار كان عالما فاضلا فقيها مجتهدا حكيما متتبعا متدينا متواضعا منصفا كثير التصانيف و جيد التأليف له كتب و رسائل و اجوبة المسائل و منهم السيد الجليل و العالم النبيل السيد الطاهر السيد حسين بن السيد عبدالقاهر البحراني نزيل البصرة كان سيدا عالما زاهدا ورعا متقنا منصفا مستقلا بالحكم و منهم الشيخ الممجد و المولي المؤيد المسدد الشيخ احمد بن الشيخ خلف آل‌عصفور و امثال هؤلاء من العلماء الاعيان و فضلاء الزمان قد كانوا حاضرين ذلك المشهد المقدس و قادمين الي زيارة ذلك الامام الاقدس ، قلت ان هؤلاء زوار اتوا للزيارة غير متهمين بي و لا بكم علماء [ص 121] مشهورون معروفون ثقات متدينون يقولون حقا و يتكلمون صدقا نسبتي و نسبتكم اليهم متساوية و لو فرضنا و العياذ بالله لهم ميل الي طرف و جهة اكثر يريدون ان يبيعوا دينهم بدنيا غيرهم فلا شك ان الميل يكون اليكم اكثر لانكم معرقون في البلاد راسخون في قلوب العباد و ميل الناس اليكم اكثر و محبتهم لكم اشد و اوفر فعلي كل حال لو لم‌تتساوي نسبتهم ( المحبة خ‌ل ) الي و اليكم فاليكم اكثر و اميل و انا راض بهم فارضوا بهم حكما فاني رضيت بهم حكما ان شئتم مجتمعين او متفرقين فرجع الرسول اليه و اخبره بما قلت له و انا قد بعثت ايضا رسولا من عندي مبلغا لما اخبرت رسوله لئلايقع التغيير و التبديل و الزيادة و النقصان فابوا الحكم و ابوا ان يجعلوا اولئك الاعلام حاكمين و قال ان هؤلاء ليس لهم قابلية الحكومة ، فلما رجع الرسول الي قلت يا سبحان الله انتم تنازعوني باني انكرت ضروري الدين و الضروري هو الذي لايخفي علي احد من اهل الاسلام كبيرهم و صغيرهم رجالهم و نسائهم بالغهم و غير بالغهم اذا كان الامر في الظهور الي هذا الحد و هؤلاء [ص 122] العلماء ليست لهم قابلية ان يعرفوا هذا المقدار فتبين عندي و عند الناس مراد القوم فانهم ماكان مقصودهم احقاق الحق ثم شهروا في البلد بين الزوار الذين اتوا رجالا و علي كل ضامر من كل فج عميق ليشهدوا مرقد اميرالمؤمنين و يزورونه و شهروا عند الناس بانا بعثنا تسعة‌عشر رسولا و اردنا منه الحضور و الاجتماع فابي .

فلما سمعت مقالتهم و عرفت مراداتهم نصب لي منبر بعد صلوة الظهر في صحن الامام اميرالمؤمنين عليه السلام و الخلق بين قعود و قيام و موافق و مخالف و مبغض و محب فصعدت المنبر و حمدت الله و اثنيت عليه و ذكرت النبي صلي الله عليه و آله و صليت علي آله و عليه و قلت : ايها الناس ان هذا يوم قد اجتمعت فيه حرمتان احديهما الغدير و الاخري الجمعة فازداد شرفا علي شرف و نورا علي نور و الحرمة الثالثة الحضور عند اميرالمؤمنين عليه السلام و هذه حرمات قل ما يتفق اجتماعها و تواصلها فاحمدوا الله و اشكروه و اعرفوا قدر هذه النعمة و افهموا مقام هذه الكرامة و تقربوا الي الله تعالي بالعمل الصالح و اعلموا ان العمل الصالح لايصعد الي درجة القبول الا [ص 123] بالاعتقاد الصحيح و معرفة فضل اميرالمؤمنين عليه السلام و الاعتراف بعلو مقامه و سمو رتبته و اعلموا انه عليه السلام و اخوه ( اخاه ظ ) و اولاده و زوجته عليهم السلام امناء الله و ابواب رحمته و مقاليد مغفرته و سحائب (كذا) رضوانه و مفاتيح جنانه هم مفاتح الغيب هم السر اللاريب هم محال المشية و هم السن الارادة و هم قصبة الياقوت و هم حجاب الملك و الملكوت . ايها الناس نزلوهم في مراتبهم و لاترفعوهم عن الحد الذي جعله الله لهم لاتغلوا في دينكم و لاتقولوا علي الله الا الحق هم ليسوا بارباب من دون الله و لا هم شركاء مع الله و لا فوض اليهم امر الله بل هم عباد مكرمون لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون يعلم ما بين ايديهم و ما خلفهم و لايشفعون الا لمن ارتضي و هم من خشيته مشفقون و من يقل منهم اني اله من دونه فذلك نجزيه جهنم و كذلك نجزي الظالمين . ايها الناس انهم كلمة الله و انهم حملة امر الله و ان رسول الله صلي الله عليه و آله عبد لله شرفه الله و عظمه بحقيقة ما هو اهله و عرج بجسمه الي السماء بل بثيابه و نعله و ان [ص 124] الخلق يوم القيمة يحشرون بابدانهم و اجسادهم الدنيوية المرئية المحسوسة في الدنيا و الله سبحانه هو العالم بالاشياء كلها قبل ايجادها و مع وجودها و بعد وجودها فلاتتفاوت له الاحوال و لايوصف بالانتقال و لايعتريه زوال و لا اضمحلال و هو الحي القيوم القادر المتعال . ايها الناس هذا هو الاعتقاد الصحيح فمن اعتقد بهذا الاعتقاد فميزانه رجيح يستحق ثواب الله و يستوجب عطاء الله بزيارة اميرالمؤمنين عليه السلام في هذا اليوم و من لم‌يعتقد الذي ذكرناه كله او بعضه فقد حبط عمله و ما له في الآخرة من خلاق . ايها الناس هذا اعتقادي و ديني و عليه انعقد ضميري و به ادين الله في سري و علانيتي و ملئت كتبي و مصنفاتي من هذا النوع من الاعتقاد و جميع كلماتي ترجع الي ما ذكرنا و ان كانت بعبارات مختلفة و اري علماء هذا البلد ينازعوني و يخالفوني فان كان نزاعهم و خلافهم في هذه العقايد فاني ادين الله بها و ابرء ( الي الله خ‌ل ) من كل من لم‌يعتقدها و ان كان ينسبون الي ما ينافي هذه [ص 125] العقايد فاني ابرء الي الله منها و ممن يدين بها و ارادوا مني الاجتماع فطلبت منهم الحكم لقطع النزاع و مااستصعبت عليهم في امر الحكومة بل اخترت لهم علماء اتقياء ابرارا زهادا يصلحون للحكم في هذه المسائل لان الحكم في هذا المقام هو الذي يعرف ضروريات المذهب و الدين و حيث ان علماء العراق متهمون بي و بهم اخترت لهم علماء غرباء زوارا اتقياء و انا عندكم من الآن الي غدات غد متي ما شائوا بشرط الحكم فانا حاضر و لاتختلفوا و لاتتقولوا الكذب و الزور و لاتقولوا ان فلانا اردنا منه الاجتماع لقطع النزاع فابي و لا ريب ان قطع النزاع لايكون الا بالحكم المطاع و اما بدونه فيزداد النزاع و الجدال و يحدث ما تمج منه اولوا الابصار و الاسماع و الصلوة علي رسول الله الصادق الامين و السلام علي عباد الله الصالحين و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته . ثم نزلت عن المنبر و بقيت يومي كله ماجاء منهم خبر و لا اثر .