[ص 1]

رسالة في تقليد الميت

من مصنفات العالم الرباني و الحكيم الصمداني

مولانا المرحوم الحاج محمد خان الكرماني اعلي الله مقامه

[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين و لعنة الله علي اعدائهم اجمعين ابد الآبدين .

اما بعد فيقول العبد الاثيم و الفاني الرميم ابن محمدكريم محمد انه لما تغيرت البلاد و فسدت العباد بغياب النور الساطع و الضياء اللامع اعجوبة الايام و واحد الانام و السيد القمقام اعلم العلماء و افضل الفضلاء صاحب الصفات العلية و منبع الاسماء الحسني الجميلة الاستاد السناد و الكهف للعباد رأيت مسألة التقليد عنه من بعده اعلي الله مقامه و رفع في الخلد اعلامه من المسائل التي اختلفت فيها الآراء و تشتت الاهواء و ربما يفتي احد بعدم جواز الاخذ بحكمه و متابعة امره مع ان فتياه اعلي الله مقامه كان علي الجواز و ربما قيل ان الاخذ بتلك الفتياء مستلزم الدور فاحببت ان اكتب في ذلك رسالة خاصة مبرهنة مفصلة لكي يهدي من هدي عن بينة و لا بد لي من نقل الاقوال و ذكر الاخبار و اتيان [ص 3] الادلة المأخوذة من الآثار حتي يصير سبب اطمينان القلوب و العمل ساكن القلب ثلج الفؤاد بفتاويه اعلي الله مقامه و روحي فداه و يستدعي ذلك رسم مقدمة يذكر فيها منشأ هذا الاختلاف و اصله حتي نكون علي بصيرة انا و من اتبعني و ذكر فصول ينطوي كل فصل علي ما يناسبه .

المقدمة - اعلم ان الله سبحانه بعث نبيه صلي الله عليه و آله في غفلة من الامم و طول هجعة منهم علي حين الهاهم الامور عن ذكر الله لطول عدم بعثة الانبياء و غيبة الاصفياء فاختار كل لنفسه ما اختار و فرح كل حزب بما لديه ما بين كافر بالله غير مقر بربوبيته او مشرك يعد معه آلهة و عبدة الاوثان و يهود حرفوا دين الله و ضلوا و اضلوا و نصاري نسوا حظا مما ذكروا به و جهال لايعرفون من الله اسما و لا من العبودية رسما و كان منتهي حظ العرب علمائهم الاشعار و القصايد و امثال ذلك فبعث الله اليهم النبي مبشرا و نذيرا و سراجا منيرا فجاء اليهم معلنا باعلي صوته بالتوحيد و سر التفريد و بلغ ما انزل به فدعاهم الله به اليه من الضلالة و انقذهم بمكانه من الجهالة و انزل اليه آيات بينات و شرع شرايع و حكم باحكام و نهاهم عن اشياء و امرهم باشياء و سكت عن اشياء فدخلوا في دين الله افواجا و كان صلي الله عليه و آله حافظا لهم ساترا عليهم و لم‌يكونوا يتخلفون عنه في شئ حتي اكرمه الله و قبضه اليه [ص 4] كريما فودع الشريعة عند وليه صلي الله عليه و علمه الكتاب و الحكمة و امر بالرجوع اليه و الاخذ عنه و التمسك بحبله فخالفوه و عادوه و نصبوا عليه و غصبوا حقه مع انه كان من دأبهم طاعته في القل و الجل و لم‌يكونوا يتخلفون عنه في مورد من الموارد و حكم من الاحكام بل كان وجه بعثته صلي الله عليه و آله و سرها عدم العمل بالرأي و الهوي و لو رضي الله جل و عز بذلك عن العباد لمابعث الرسل و ماانزل الكتب و افهام الخلايق في كل عصر و زمان موافقة و عقولهم مساوية مماثلة و كانوا يقدرون علي القياس و الاستحسان و غير ذلك و مع ذلك بعث الله الرسول اليهم و امرهم بطاعته مطلقا و قال اطيعوا الله و اطيعوا الرسول و اولي الامر منكم و قال تعالي قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله و جعل طاعته في طاعة نبيه و قال من يطع الرسول فقد اطاع الله فقام صلي الله عليه و آله مناديا باعلي صوته و بلغ ما انزل اليه و لما توفي صلي الله عليه و آله حصر المتابعة في قرباه و امر بالرجوع اليهم و بذلك اكمل الدين و اتم الشرع المبين علي ما قال تعالي اليوم اكملت لكم دينكم و اتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الاسلام دينا بالجملة فالامر بعده صلي الله عليه و آله آل الي خليفته فصار طاعته مقرونة بطاعة النبي صلي الله عليه و آله و لذا قرنهم الله في كتابه بنبيه حيث قال و اولي الامر و هم اولوا الامر كما ينطق بذلك اخبار لاتحصي و قرنهم بكتابه باجماع المسلمين فلما توفي صلي الله عليه و آله تولوا عنه و اجمعوا علي ابي‌بكر و عمر و عثمان [ص 5] و اطاعوهم و تمسكوا بهم مع جهلهم بالواقع لان العلم كان محجوبا عنهم و عدم اطلاعهم علي ما ذكره النبي صلي الله عليه و آله فان الحال كان علي هذا التفصيل ان النبي صلي الله عليه و آله كان مع قريش ما كان في مكة حتي هاجر الي المدينة فكانت الصحابة رضي الله عنهم حوله يجتمعون اليه في كل وقت مع ما كانوا فيه من ضنك المعيشة و قلة القوت فمنهم من كان يحترف في الاسواق و منهم من كان يقوم علي نخله و يحضر رسول الله صلي الله عليه و آله في كل وقت منهم طائفة حين ما يجدون فراغا مما هم عليه فاذا سئل صلي الله عليه و آله عن مسألة او حكم او امر بشئ او فعل شيئا وعاه من حضر عنده من الصحابة و فات من غاب عنه علم ذلك الاتري ان عمر بن الخطاب قد خفي عليه ما علمه جبل بن مالك بن النابغة مع انه رجل من الاعراب من هذيل في دية الجنين و قيل انه كان يفتي في زمن النبي صلي الله عليه و آله و سلم من الصحابة علي عليه السلام و سلمان رضي الله عنه و ابوبكر و عمر و عثمان و عبدالرحمن بن عوف و عبدالله بن مسعود و ابي بن كعب و معاذ بن جبل و عمار بن ياسر و حذيفة بن اليمان و زيد بن ثابت و ابوالدرداء و ابوموسي الاشعري و لما مات رسول الله صلي الله عليه و آله و استخلف ابوبكر تفرق الصحابة فمنهم من خرج لقتال اهل العراق و بقي من الصحابة بالمدينة مع ابي‌بكر عدة و كانت القضية اذا نزلت بابي‌بكر قضي فيها بما عنده بكتاب الله و السنة فان لم‌يكن عنده شئ سأل من بحضرته [ص 6] من الصحابة عن ذلك فان وجد عندهم علما من ذلك رجع اليه و الا اجتهد في الحكم فلما مات ابوبكر و ولي الامر بعده عمر فتحت الامصار و زاد تفرق الصحابة فيما افتتحوه من الاقطار و كانت الحكومة تنزل في المدينة او في غيرها من البلاد فان كان عند الصحابة الحاضرين بها في ذلك اثر عن رسول الله صلي الله عليه و آله حكم به و الا اجتهد امير تلك المدينة في ذلك و قد يكون في تلك القضية حكم عن النبي صلي الله عليه و آله موجود عند صاحب آخر في بلد آخر و قد حضر المدني ما لم‌يحضر البصري و حضر المصري ما لم‌يحضر الشامي و حضر الشامي ما لم‌يحضر البصري و حضر البصري ما لم‌يحضر الكوفي قيل كل هذا موجود في الآثار و في ما علم من مغيب بعض الصحابة عن مجلس النبي (ص) في بعض الاوقات و حضور غيره فمضي الصحابة علي ما ذكرنا ثم خلف بعدهم التابعون الآخذون عنهم و كل طبقة تفقهوا مع من كان عندهم من الصحابة و كانوا لايتعدون عن فتاويهم الا اليسير مما بلغهم عن غير من كان في بلادهم من الصحابة كاتباع اهل المدينة اكثر فتاوي عبدالله بن عمر و اتباع اهل الكوفة في الاكثر فتاوي عبدالله بن مسعود و اتباع اهل مكة فتاوي عبدالله بن عباس و اتباع اهل مصر في الاكثر فتاوي عبدالله بن عمرو بن العاص و كان القضاة يحكمون بآرائهم في موارد و ربما كان تختلف احكامهم في مورد واحد و كان عمر يصوب رأي الجميع و دار الامر هكذا الي ان مضي الي سبيله و تبع التابعون غيرهم و [ص 7] كثر اجتهادهم حتي وصل الامر الي فقهاء الامصار كابي‌حنيفة و سفيان و ابن ابي‌ليلي بالكوفة و ابن‌جريح بمكة و مالك و ابن‌الماجشون بالمدينة و عثمان البتي و سوار بالبصرة و الاوزاعي بالشام و الليث بن سعد بمصر فجروا علي ذلك من اخذ كل واحد منهم من التابعين من اهل بلده فيما كان عندهم و اجتهادهم في ما لم‌يجدوا عندهم و ذكر ابوعمر الكندي علي ما حكي عنه في الفوائد المدنية ان اباسعيد عثمان بن عتيق مولي عافق اول من رحل من ارض مصر الي العراق في طلب الحديث توفي سنة اربع و ثمانين و مائة و كان حال الاسلام من اهل مصر و غيرها من الامصار في احكام الشريعة علي ما تقدم ذكره ثم كثر الترحل الي الآفاق و تداخل الناس و التقوا و انتدب اقوام لجمع الحديث النبوي و تقييده فكان اول من دون العلم محمد بن شهاب الزهري و كان ممن صنف و بوّب سعيد بن ابي‌عروبة و الربيع بن صبيح بالبصرة و معمر بن راشد باليمن و ابن‌جريح بمكة ثم سفيان الثوري بالكوفة و حماد بن سلمة و الوليد بن مسلم بالشام و جرير بن عبدالحميد بالري و عبدالله بن مبارك بمرو و خراسان و هيثم بن بشير بواسط و تفرد بالكوفة ابوبكر بن ابي‌شيبة بتكثير الابواب و جودة التصنيف و حسن التأليف فوصلت احاديث رسول الله صلي الله عليه و آله من البلاد البعيدة الي من لم‌تكن عنده و قامت الحجة علي من بلغه شئ منها و جمعت الاحاديث و عرف الصحيح من السقيم و زيف الاجتهاد المؤدي الي خلاف كلام رسول الله صلي الله عليه و آله و الي ترك عمله و سقط العذر عمن خالف ما بلغه من [ص 8] السنن ببلوغه اليه و قيام الحجة عليه و علي هذا الطريق كان الصحابة و كثير من التابعين كانوا يرحلون في طلب الحديث الواحد الايام الكثيرة يعرف ذلك من نظر في كتب الحديث و عرف سير الصحابة و التابعين فلما قام هارون الرشيد في الخلافة ولي القضاء ابايوسف يعقوب بن ابرهيم احد اصحاب ابي‌حنيفة بعد سنة سبعين و مائة فلم‌يقلد ببلاد العراق و خراسان و الشام و مصر الا من اشار القاضي ابويوسف و اعتني به و كذلك لما قام بالاندلس الحكم المرتضي بن هشام بن عبدالرحمن بن معاوية بن هشام بن عبدالملك بن مروان بن الحكم بعد ابيه و تلقب بالمنتصر في سنة ثمانين و مائة اختص بيحيي بن يحيي بن كثير الاندلسي و كان قد حج و سمع الموطأ ● من مالك الا ابوابا و حمل عن ابن وهب و عن ابي‌القسم و غيره علما كثيرا و عاد الي الاندلس فنال من الرياسة و الحرمة ما لم‌ينله غيره و عادت الفتيا اليه و انتهي السلطان و العامة الي بابه فلم‌يقلد في ساير اعمال الاندلس قاض الا باشارته و اعتنائه فصاروا علي رأي مالك بعد ما كانوا علي رأي الاوزاعي و لم‌يزل مذهب مالك مشتهرا بمصر حتي قدم الشافعي محمد بن ادريس الي مصر مع عبدالله بن عباس بن موسي بن عيسي بن موسي بن محمد بن علي بن عبدالله بن عباس في سنة ثمان و تسعين و مائة فصحبه من اهل مصر جماعة من اعيانها و كتبوا من الشافعي ما الفه و عملوا بما ذهب اليه و لم‌يزل امر مذهبه يقوي بمصر و ينتشر و لم‌يكن في الدولة الايوبية بمصر كثير ذكر [ص 9] لمذهب ابي‌حنيفة و احمد بن حنبل ثم اشتهر مذهب ابي‌حنيفة و احمد في آخرها فلما كان سلطنة الظاهر بي‌برس البُيْذُقْدارِي ولّي بالقاهرة و مصر اربع قضاة شافعي و مالكي و حنبلي و حنفي فاستمر ذلك من سنة خمس و ستين و ستمائة حتي لم‌يبق في مجموع امصار الاسلام مذهب يعرف من مذاهب اهل الاسلام سوي هذه الاربعة و عقيدة الاشعري و عملت لاهلها المدارس و الخوانك و الزوايا و الربط في ساير ممالك الاسلام و عودي من يذهب بغيرها و انكر عليه و لم‌يول قاض و لاقبلت شهادة احد و لاقدم للخطابة و الامامة و التدريس احد ما لم‌يكن متقلدا احد هذه المذاهب و افتي فقهاء هذه الامصار في طول هذه المدة بوجوب اتباع هذه المذاهب و تحريم ما عداها و العمل علي هذا الي اليوم و كان جميع فتاويهم و اقوالهم و اعمالهم علي الرأي و كان ذلك مختصا بهم .

و اما اصحاب الائمة عليهم السلام الذين آمنوا بربهم و صدقوا نبيه صلي الله عليه و آله لم‌يخالفوا امر الائمة عليهم السلام و اتبعوهم في القليل و الجليل و امرهم الله بذلك و رضي به عنهم و لم‌يكن من دأبهم الاجتهاد في شئ من الاشياء و كان شأنهم الطاعة حتي غاب الامام عليه السلام فتمسكوا باخبارهم حتي غلب الجور علي العالم و انتشر امر العامة في البلاد بحيث تابعهم الشيعة في قولهم شيئا فشيئا الي زمان الناس هذا و قد انتشر في بلادنا من زمان آغا باقر و ملا شريف فصار العلم منحصرا في الرأي و الهوي و انكروا كتاب الله [ص 10] و سنة نبيه صلي الله عليه و آله و قالوا انها ظنية حتي انهم ادعوا كونهم من شيعة آل‌محمد عليهم السلام و قال قائلهم انا نعمل بالاخبار لا من حيث انها اخبار بل من حيث حصول الظن بها و قالوا ما قالوا و رجع امرهم الي انهم اتخذوا احبارهم و رهبانهم اربابا من دون الله و الزموا طاعة مجتهديهم و الاخذ بقولهم و رأيهم و آل الامر الي ان قسموا الناس المساكين الي قسمين مجتهد و مقلد و جعلوا لذلك بيانات في اصولهم و قالوا ما قالوا ثم فرعوا علي ذلك تفريعات منها انه اذا مات المجتهد هل يجوز تقليده ام لا و لما كان بناؤنا في تلك الرسالة علي بيان مر الحق في تلك المسئلة بالدليل لا بد لنا من بسط المسألة في الجملة فلنعنون له فصلا خاصا لتعلم اني لم‌اخنه بالغيب و الله علي ما نقول وكيل و لا بد لي من بيان غض طري قل ما سمعه الآذان و وعاه القلوب ليكون القلوب مايلة الي فهمها .

فصل - اعلم ان الظاهر سبيل الباطن و البدن طريق الروح بل هو روح متغلظ و ذلك و ان كان بيانا حكميا لايناسب المقام و لكن بنائي في تلك الرسالة ليس علي صرف الاصول بالجملة فالروح له فسحة وجود اعلاه في غاية اللطافة و النعامة و اسفله في الكثافة المشهودة و لا فصل بينهما فاذا اردت الوصول الي الروح لا بد لك من السلوك من سبيل الجسم و اذا اردت اصلاحه لا بد لك من اصلاح جميع مراتبه [ص 11] حتي يستكمل الصلاح فلا بد من معالجة كل مرتبة بما يناسبه البتة كما هو المعمول في اصلاح مولود هرمس فلا بد من معرفة صلاح كل و فساده و ما يصلحه و ما يفسده و لايطلع علي ذلك الا من كان خارجا من العرض و العلة فان العليل لايعرف الصلاح و الفساد و ان كان طبيبا لان مشعره لايعرفه الا ما يحبه و لايحب الا ما يجانسه و لايجانسه الا الفاسد المفسد البتة فلا بد من طبيب سالم يعالج المريض او لايعالج حتي يموت و هكذا الامر في الانسان لا بد من اصلاح روحه حتي يخرج من قوته ما خلق لاجله من ظهور الربوبية المستجنة في العبودية التي لايمكن بروزها الا بعد تنقية الروح بمراتبه فلا بد من ظهور عالم بذلك واصل الي المطلوب فان من هو مبتلي بالتيه حيران حاير عن قصد السبيل كيف يقدر علي ايصال غيره الي المطلوب ما هذا الا صرف قول او خيال ناشئ من عدم الشعور و الجهل بالله فلا بد من وجود نبي واصل فاذا جاء النبي لا بد له من اصلاح كل مرتبة بما يناسبه و يجانسه و فعل فاصلح اعلي مدارج الخلق بعلم الحقيقة و العمل بها و اسفل مدارجهم بالشريعة و اوسطها بالطريقة و جميع احكامها مربوطة بعضها ببعض فالشريعة لاصلاح الابدان و الطريقة لاصلاح النفوس و الحقيقة لاصلاح الحقايق و طريقه صلي الله عليه و آله هو الطريق الاقرب و سبيله هو السبيل الاقصر فاذا اردت يا مسلم الحيوة و البقاء تمسك بحبله و خذ بشرعه من دون عمل برأيك و هواك و اما غيره صلي الله [ص 12] عليه و آله فهو عليل مريض و قد اعماه المرض و اصمه و في اذنه وقر و هو في ضلال و خطاء فكيف يقدر علي تشخيص المرض و تداويه هيهات هيهات و ما حالهم و ما بالهم ما مرضهم و ما دوائهم هل يدعون الوصول الي مقامات الربوبية و ارادوا اصلاح غيرهم او ادعوا ما ليس لهم فان وصلوا ما بالهم لايعرفون شيئا و قد تحيرت في ان الله سمي متابعة النبي اسلاما و ايمانا و شرعه دينا فما بال اقوام يتبعون اهواءهم او احبارهم سموا مسلمين مع انهم ليسوا بانبياء و ان كانوا مسلمين باتباع المخلوقين فما بال اتباع عيسي و موسي لايسمون مسلمين و لااعرف الفرق بالجملة فالعامة ليسوا باتباع محمد صلي الله عليه و آله بل اشركوا به و ان الشرك لظلم عظيم فافهم فليس للشيعة من الامر شئ و يجب عليه متابعة امامه و الاخذ بقوله ما دام كونه بحضرته و اذا غاب عنه يأخذ بروايات الامناء كما كان دأبهم بالضرورة و صدقهم الامام مسلما و بعد الغيبة الامر كذلك لامرهم بالرجوع الي الروايات لا غير و لانعرف من الظن شيئا بل يحصل لنا العلم و لانعرف فرقا بين يومنا و قبل زماننا فان امامنا مطلع علينا و يرانا باجماع الشيعة و يقدر علي الاصلاح و لو رضي بخلاف ذلك عنا لقال و يكفيك هذا الدليل و ساصنف بحول الله و قوته انشاء الله في تلك المسألة رسالة خاصة لما رأيت من كثرة ميل ابي الاستاد اعلي الله مقامه و روحي فداه في نشرها و بسطها و كتبت فيها رسالة اخري في زمانه روحي فداه و سميتها بالبرهان القاطع [ص 13] بالجملة فتلك الشريعة النبوية هي موضوعة لظهور كنه العبودية و خرق الانية و انت تريد الوصول الي ذلك بعين الانية و متابعة الهوي و كل احد حتي الجوكية وصلوا الي ما وصلوا بخلاف النفس فما بالنا عين وصولنا و درجتنا العمل بالهوي و الرأي فيا مسلم صحح اسلامك بمخالفة هواك و اتباع مولاك و لااعرف المجتهد و المقلد حتي اري الحكم و الشرط نعم وصل الينا اخبار من ثقات نأخذ بها بارد القلب ثلج الفؤاد و قد وجدنا في تلك الاخبار حرمة الاستبداد بالآراء و ان كانت يقينية فكيف بها ان كانت ظنية و حرمة تقليد غير الامام عليه السلام و اذكر لك طائفة منها تبركا و تيمنا قال ابوعبدالله عليه السلام ان رسول الله صلي الله عليه و آله قال لعلي عليه السلام يا علي انا مدينة العلم و انت بابها فمن اتي من الباب وصل يا علي انت بابي الذي اوتي منه و انا باب الله فمن اتاني من سواك لم‌يصل الي و من اتي الله من سواي لم‌يصل الي الله و قال اميرالمؤمنين عليه السلام احذروا علي دينكم ثلثة و عد منها رجلا آتاه الله سلطانا فزعم ان طاعته طاعة الله و معصيته معصية الله و كذب لانه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق لاينبغي ان يكون المخلوق حبه لمعصية الله فلا طاعة في معصية و لا طاعة لمن عصي الله انما الطاعة لله و لرسوله و لولاة الامر و انما امر الله بطاعة الرسول صلي الله عليه و آله لانه معصوم مطهر لايأمر بمعصية و انما امر بطاعة اولي الامر لانهم معصومون مطهرون لايأمرون بمعصية ، [ص 14] فظهر لك من هذا الخبر الشريف انه لا طاعة للعاصي الا ان يكون معصوما و المعصوم من عصمه الله و هو مخصوص في السادة سلام الله عليهم و قال اميرالمؤمنين عليه السلام من اخذ دينه من افواه الرجال ازالته الرجال و من اخذ دينه من الكتاب و السنة زالت الجبال و لم‌يزل و قال ان المؤمن اخذ دينه عن ربه و لم‌يأخذه عن رأيه و قال قد جعل الله للعلم اهلا و فرض علي العباد طاعتهم بقوله اطيعوا الله و اطيعوا الرسول و اولي الامر منكم و بقوله و لو ردوه الي الرسول و الي اولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم و بقوله اتقوا الله و كونوا مع الصادقين و بقوله و مايعلم تأويله الا الله و الراسخون في العلم و بقوله و أتوا البيوت من ابوابها و البيوت هي بيوت العلم الذي استودعه عند الانبياء و ابوابها اوصياؤهم فكل عمل من اعمال الخير يجري علي يدي غير الاصفياء و عهودهم و شرايعهم و سننهم مردود غير مقبول و اهله بمحل كفر و ان شملهم صفة الايمان و قال ابوعبدالله عليه السلام اياكم و هؤلاء الرؤساء الذين يترأسون فوالله ماخفقت النعال خلف رجل الا هلك و اهلك و قال اياك و الرياسة و اياك ان تطأ اعقاب الرجال قيل جعلت فداك اما الرياسة فقد عرفتها و اما ان اطأ اعقاب الرجال فما ثلثا ما في يدي الا مما وطئت اعقاب الرجال فقال له ليس حيث تذهب اياك ان تنصب رجلا دون الحجة فتصدقه في كل ما قال و قال يا معشر الاحداث اتقوا الله و لاتأتوا الرؤساء دعوهم حتي [ص 15] يصيروا اذنابا لاتتخذوا الرجال ولايج من دون الله انا والله خير لكم منهم ثم ضرب بيده الي صدره و عن اميرالمؤمنين عليه السلام قال يا معشر شيعتنا و المنتحلين مودتنا اياكم و اصحاب الرأي فانهم اعداؤ السنن تفلتت منهم الاحاديث ان يحفظوها و اعيتهم السنة ان يعوها فاتخذوا عباد الله خولا ● و ماله دولا فذلت لهم الرقاب و اطاعهم الخلق اشباه الكلاب و نازعوا الحق اهله و تمثلوا بالائمة الصادقين و سئل ابوجعفر عليه السلام عن قول الله عز و جل و من اضل ممن اتبع هواه بغير هدي من الله قال عني الله بها من اتخذ دينه رأيه من غير امام من ائمة الهدي و قال كلما لم‌يخرج من هذا البيت فهو باطل و قال اما انه ليس عند احد من الناس حق و لا صواب الا شئ اخذوه منا اهل البيت و لا احد من الناس يقضي بحق و عدل و صواب الا مفتاح ذلك القضاء و بابه و اوله و سببه علي بن ابي‌طالب الحديث ، فيا لله ما بالهم و ما داؤهم يتبعون الآراء و يأخذون الاهواء و يتركون الائمة عليهم السلام و هل ذلك الا كاخذ الخليفة بالاجماع فما بالكم تنكرون علي العامة و قد اجتمع الناس كلهم الا ثلثة او اربعة علي خلافة ابي‌بكر و لم‌يحصل لكم دليل هكذا علي شئ من بدو الامر الي يوم الناس هذا و كل ما انظر في الاخبار و الآثار اتحير انهم هل [ص 16] راجعوا تلك الاخبار و تركوها عن عمد او غفلوا عنها فما بالهم لايغفلون عن دقايق القواعد الموضوعة و هم غافلون عن الله بالجملة نظروا في الشريعة و لم‌يكن لهم صنع فيها فضيعوا سنة النبي صلي الله عليه و آله و حكم الائمة عليهم السلام و مشوا بالرأي و الهوي و اوجبوا طاعة العلماء و الاخذ بظنونهم و غاية دليلهم ان طريق العلم مسدود و الشرع ثابت دائم فالعمل بالظن متحتم و اقول لهم ان طريق العلم غير مسدود فان الله اعز و اجل من ان يحكم بشئ و يوجبه و ينهي عن ضده في مائة آية و الف حديث ثم يرفعه عن الامة و يلجأهم من العمل بخلافه هذا و لم‌يحصل لك العلم بانسداد باب العلم فلعله يحصل لطائفة علم و ذلك لازم قولكم و رأيكم ثم ان بقاء التكليف بعد رفع العلم خطاء فان الله كلفنا بالعلم و نهانا عن غيره ثم سد علي قولكم بابه فلسنا مكلفين بعد فان الظن لايكون بدل العلم و قد ورد اخبار في ذلك ايضا انه رفع عن الامة ما لايعلمون و هي مذكورة في محالها فراجع تجدها و ان قلت بالبقاء بعد الرفع فقد اثبتت الجور و العجز علي الله و رسوله صلي الله عليه و آله بالجملة و علي اي حال بطلان قولهم واضح نير لا حاجة الي تكرار القول فيه و اذا كان الامر هكذا فظن المجتهد غير متبع و ساير التفريعات عليه باطل و اذا عرفت ذلك بالاجمال نرجع الي ما كنا بصدد تفصيله فلا بد لنا من ذكر ادلتهم اولا ثم الرجوع الي قولنا .

[ص 17] فصل - آلوا في تقليد الميت الي اقوال فذهب طائفة الي الجواز مطلقا و قال الآخرون بعدم الجواز مطلقا و هو اشهر علي ما قيل بل نسب الي اجماعهم و قال آخر بالجواز ان كان يقلده في حيوته و عدمه ان لم‌يقلده في حيوته و اراد تقليده بعد وفاته و قال آخر بالجواز ان لم‌يجد حيا يقلده ، و استدل كل بدليل خاص به و اذكر دليل كل حزب ثم انظر في الادلة بعين الانصاف و ارجو منك عدم الاعتساف و التدبر في مخ الحق حتي تفوز معنا و تشرب من كأس شربنا منها كان مزاجها كافورا و لا قوة الا بالله العلي العظيم و نذكر كافتها مع ادلتهم في مقامين :

الاول - قال الملا مهدي بن الملا ابوذر النراقي في كتابه المسمي بانيس المجتهدين بعدم الجواز مستدلا بدليلين : الاول ان التقليد خلاف الاصل خرج تقليد الحي بالاجماع و لزوم الحرج بتكليف جميع الناس بالاجتهاد فيبقي الباقي علي اصله ، و اجاب عن الايراد الذي تخيله في نفسه علي دليله او اورد عليه و قال ليس لاحد ان يقول انهما يخرجان تقليد الميت ايضا لان صورة حكاية الاجماع صريحة في الاختصاص بتقليد الاحياء و الحرج يندفع بتقليد الاحياء و القول بانعقاد الاجماع غير مسلم و اكثر اعتضاده بالاجماع دون دفع الحرج فانه يندفع ايضا بتقليد الميت ، و قال و مما يؤكد ذلك ان الآيات و الاخبار التي يمكن ان يستدل بها علي صحة التقليد انما يدل [ص 18] علي صحة تقليد الحي دون الميت لانها محصورة بين ما ورد فيه الامر بالسؤال كقوله تعالي فاسألوا اهل الذكر و هو الحي و ما ورد فيه الامر بالنظر الي عارف الاحكام و استنباطها منه لمشهورة ابي‌خديجة و ما ورد فيه الامر بالاستفتاء او السماع او غير ذلك مما يختص بالاحياء . الثاني ان دلائل الفقه لما كانت ظنية لايكون بينها و بين نتايجها لزوم عقلي كما تقرر في محله فلايكون حجة من حيث هي بل من حيث افادته الظن للمجتهد فالحجة هو ظنه و هو يزول بموته فيبقي حكمه خاليا عن الدليل فكيف يمكن اتباعه ، و اجاب ايضا عن ايراد ورد عليه بانه لايمكن القول ح بلزوم اتباع ظنه للاستصحاب لان شرط الاستصحاب بقاء الموضوع و دعوي كفاية ظنه السابق و عدم لزوم بقائه الي حين عمل المتقلد شطط من القول لان اتباع قول احد بدون دليل علي حجيته في غاية الفساد . منها استدل آخر بان هذه المسألة اجتهادية فالواجب فيها الرجوع الي فتوي المجتهد و ح فان رجع فيها الي فتوي الميت يلزم الدور و ان رجع فيها الي فتوي الحي و في غيرها الي فتاوي الموتي يلزم مخالفة الاجماع و استدل ايضا بما ظهر من اتفاق الاصحاب علي المنع من الرجوع الي فتوي الميت مع وجود الحي لان جماعة نقلوا الاجماع عليه صريحا و رد عليه بانا نختار الشق الثاني و هو صواب غير مخالف للاعتبار و ليس فيه فساد و لا بد في نفيه من دليل و الاجماع لو كان مسلما فهو دليل تام [ص 19] مستقل و لانحتاج بعد الي تطويل ثم هذا الدليل مبني علي عدم تجزي الاجتهاد و يصح تجزيه فيجوز علي هذا ان يجتهد احد في هذه المسألة و يرجع في غيرها الي فتاوي الاموات منها انه اذا تعدد المجتهدون و تفاضلوا يجب الرجوع الي الاعلم و الاورع منهم و الوقوف لامثالنا علي الماضين بعيد صعب و رد بامكانه بالشهرة و الاخبار فان اللازم تحصيل الظن و هو سهل منها انه اذا كان للمجتهد في مسألة قولان يجب علي مقلده الرجوع الي قوله الاخير و كثير من المسائل مما يختلف قول المجتهد الواحد فيه و لايمكن في الميت تمييز قوله الاول عن الاخير منها طائفة من الآيات و الاخبار التي ليس من قولهم بمراح و لا مغدي و اذكرها هنا لانها هي المسك ما كررتها تتضوع و مرادنا في كل حال نشر الاخبار و بثها فمن الكتاب قوله تعالي و لينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون و قوله تعالي فاسألوا اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون و قوله تعالي لعلمه الذين يستنبطونه منهم و ذلك علي فرض ان يكون ضمير يستنبطون راجعا الي اولي الامر و قوله تعالي و جعلنا بينهم و بين القري التي باركنا فيها قري ظاهرة و استدلوا من الاخبار بمقبولة عمر بن حنظلة انظروا الي رجل منكم روي حديثنا و ما روي عن ابي‌بصير قال قلت لابي‌عبدالله عليه السلام الي ان قال عليه السلام رحمك الله يا ابامحمد لو كان اذا نزلت آية علي رجل ثم مات ذلك الرجل ماتت الآية مات الكتاب و لكنه حي يجري [ص 20] فيمن بقي كما جري فيمن مضي يعني ان الرجل العالم بتلك الآية اذا مات و لم‌يقم بعلمه آخر ماتت الآية يعني العلم بها و ما روي عن الحرث بن المغيرة النصري قال سمعت اباعبدالله عليه السلام يقول ان العلم الذي نزل مع آدم عليه السلام لم‌يرفع و مامات عالم الا و قد ورث علمه ان الارض لاتبقي بغير عالم و منها ما روي عن داود بن فرقد قال قال ابوعبدالله عليه السلام ان ابي كان يقول ان الله عز و جل لايقبض العلم بعد ما يهبطه و لكن يموت العالم فيذهب بما يعلم منها انه لو جاز الاخذ عن الميت لكان اذا وجد اربعة اقوال اما ان يعمل بايها شاء او يرجح احدها فان كان يعمل بايها شاء فقد عمل المقلد بخلاف ما يقول صاحب هذا الحكم الذي اخذه لان ذلك العالم الميت مما يحكم به انه لايجوز الاخذ بغير دليل و لا اختيار من لم‌يكن مجتهدا و لا رد حكم العالم و لا ترجيح بغير مرجح و لا العمل بقول الميت و هذا المقلد خالفه في ذلك كله اخذ بغير دليل و اختار و لم‌يكن مجتهدا و رد حكم من لم‌يأخذ حكمه و رجح الحكم الذي اخذه من غير مرجح و عمل بقول الميت فان صح تقليد هذا الميت صح انه لايجوز الاخذ بقوله و الا فلايجوز تقليده منها ان جواز تقليد الميت ليس قولا للشيعة و انما هو قول للعامة و القول به في الشيعة مستحدث منها انه اذا اتفقت الامة علي قولين في مسألة و قد دل الدليل علي انحصار الحق فيهما و انقرضت احدي [ص 21] الطائفتين اجمعوا علي بطلان حكم الطائفة المنقرضة منها ان هذا العالم عالم الغفلة و بعد الموت يحصل الانتباه فبعد الموت يرتفع ظن المجتهد و يحصل له العلم و الحال ان عمل المقلد علي مظنوناته و بعد الموت يحصل الانتباه فلايبقي مظنون فالظن مقطوع الانتفاع فلا استصحاب منها انه اذا مات و انتبه يحصل له العلم بالخلاف في بعض المسائل فيعلم بالمخالفة اجمالا فيصير من باب الشبهة المحصورة فلايجري الاستصحاب و يجب ترك العمل بكل آرائه منها انه بعد موته ينتشر ذهنه الذي هو محل اعتقاداته و يصير ترابا فتذهب اعتقاداته و احتج من قال بجواز العمل بقول الميت مطلقا كل بحجة خاصة احتج الميرزا القمي بان العمل علي الظن و يجب علي المجتهد و المقلد تحصيل الظن علي خلاف من قال ان العمل علي ظن المجتهد فلايكفي ظن المقلد و اما الميرزا ان المقلد ما لم‌يحصل له الظن بالواقع فلايعمل و لايجوز له العمل و اذا ظن انه حكم الله فيعمل به فعمدة المطلب حصول الظن سواءا حصل من قول الميت او الحي هذا مجمل كلامه و اما السيد ابرهيم فاستدل و رد و اجاب حتي تحير و قال في نتايجه ان لي فيه تأمل هذا في البدوي علي اصطلاحه و اما في الاستمراري فقال بالجواز .

الثاني نسب القول بالجواز الي طائفة اما العامة فكلهم قائلون بذلك بل صار ذلك من ديدنهم و لا مرجع لهم سوي الموتي مجبورا علي ذلك و من [ص 22] بيننا هو منسوب الي صاحب الوافية و المفاتيح و فيه نسب المنع الي الاكثر و هو مشعر بوجود القائل بالخلاف و ابن‌بابويه صرح بجواز العمل بما في الفقيه مع انه كثيرا ما ينقل فيه فتاوي ابيه و امر الائمة عليهم السلام بالرجوع الي طايفة من الاصحاب و قال الهادي عليه السلام في كتاب يوم و ليلة ليونس هذا ديني و دين آبائي ، و اذن باخذه بعده و عد السيد السند السيد عبدالله الشهير بشبر في جملة الفرق بين المجتهدين و الاخباريين ان المجتهد يقول ان قول الميت كالميت و الاخباري يقول الحق لايتغير بالحيوة و الموت و نسب ذلك الي القاشاني ايضا بل قيل بميل صاحب المعالم اليه ايضا و لايظهر ذلك من كلامه في الكتاب المزبور و لعل الحاكي عنه عثر علي كلام آخر غيره و نقله الشهيد في الذكري عن بعضهم و لم‌يصرح باسم القائل ، و قال محمد بن يعقوب الكليني رحمه الله صدر الكافي و ارجو ان يكون بحيث توخيت فيهما ، الي ان قال : مع ما رجونا ان نكون مشاركين لكل من اقتبس منه و عمل بما فيه في دهرنا هذا و في غابره الي انقضاء الدنيا اذ الرب عز و جل واحد الخ كلامه زيد مقامه ، و لا شك انه كتاب عمله و كتبه لاجل العمل و كان ذلك ديدن قدماء اصحابنا انهم كانوا يكتبون في فتاويهم متون الاخبار كرسالة الشيخ المسمات بالنهاية و المقنعة و اقرانهما و امثالهما فلايضر كونهما متون الاخبار مع انه صرح بكونه للعمل ، و في الاستبصار في شأن كتابه الكبير انه يصلح ان يكون كتابا مذخورا [ص 23] يلجأ اليه المبتدي في تفقهه و المنتهي في تذكره و المتوسط في تبحره فان كلا منهم ينال مطلبه و يبلغ بغيته ، و كذا قال في حال كتابه الصغير و تري انه اطلق القول بذلك بل اقول ان بناء اصحابنا من يوم بعث النبي صلي الله عليه و آله كان علي ذلك الي يوم الناس هذا فان جميع ديننا وصل الينا بواسطة الموتي نعم المجتهدون قالوا ان المتبع ظن الفقيه و اذا مات يموت ظنه معه فلا بد من وجود ظان آخر و نحن نقول ليس علينا متابعة ظن و لسنا الا مقلدين للامام عليه السلام و الفقهاء روات عنهم فلا فرق بين الفقيه و الراوي فكما انه يجوز الاخذ عن زرارة و محمد بن مسلم كذلك يجوز الاخذ عن الفقيه ايضا بل نقول لعل زرارة روي ايضا بالمعني كما انا نروي بالمعني و بهذا المعني نقول ان بناء الامامية علي تقليد الموتي برمتهم و لايشذ عنها شاذ .

و استدل القائلون بالجواز بادلة كثيرة منها القياس علي الغايب اذ لا فرق بل هذا اولي فانك تجيز علي الغايب المتبدل دون هذا القول الباقي بعد موت صاحبه و منها الاعتبار في اجماع السابقين فلو لم‌يجز الاخذ به لم‌يقدح خروجه الرابع ما جاء في بعض الاخبار من الامر بالكتابة و توريث الكتب فلو لم‌يعتبر بعد الموت لم‌يؤمر بذلك منها لو لم‌يجز الاخذ بمقالته فعلام دونت هذه الكتب و سطرت هذه الاساطير الا ليأخذ بها من بعدهم و منها اذا لم‌يجز الاخذ بما في هذه الكتب فكيف يصنع من ليس فيهم مجتهد و ليس كل بلد بل ربما لم‌يكن [ص 24] في الاقليم هل لهم الا الرجوع الي الكتب و زاد الشريف نعمة‌الله علي ما حكي عنه ان التفقه في آية النفر شامل للرواية و الاجتهاد فاذا رجعوا الي قومهم اخذوا ما جاؤا به و عملوا به و ان هلك النافرون و منها ان قضية المنع صحة احدي صلوتي المقلد و بطلان الاخري بموت المجتهد بين الصلوتين و لازم ذلك ان يكون شريكا للشارع في الاحكام الشرعية و هذا لاينطبق علي اصولنا لان علماءنا يحكون كلام الشارع و يعملون به فلا تفاوت في اتباع اقوالهم بين حيوتهم و موتهم و انما يناسب هذا لو كان صادرا عن رأيه الخ كلامه زيد مقامه ، و منها ما جاء عنهم عليهم السلام من ان للمعلمين مثل اجور المتعلمين في اعمالهم و ان سفلوا و لو بعد الموت فلولا انه يجوز العمل بعلمه بعد موته لم‌يصب العامل فكيف يوجر المعلم من ورائه و سيجيء نقل الاخبار ان شاء الله و احتج صاحب الوافية بما رواه الكشي و سيجيء نقله و بقول ابن‌بابويه و مر نقله و بما روي من الامر بالرجوع الي طائفة من الاصحاب و مما استدلوا به و حكاه في منية المحصلين ان الشاهد اذا مات قبل الحكم لايمنع الحكم فكذلك الحاكم اذا مات لايبطل حكمه و منها ان المذاهب لاتموت بموت اصحابها و ذلك لانه يعتد بها بعدهم في الاجماع و الخلاف و لو لم‌تكن حجة لمااعتد بها في الاجماع و الخلاف و منها ان فتاوي المجتهدين ليست الا بيانات لاقوال الحجج صلوات الله عليهم فالعامل بفتاويهم عامل حقيقة باقوال لهم فيجوز له العمل بها [ص 25] في كل وقت و لا مدخلية لحيوة المبين و موته في ذلك و قول آخر في المقام قالوا ما رواه صريحا يجوز العمل به و ما قال من الاستنباطات و اخذه من جمع الاخبار و اشاراتها فلايجوز الاخذ به و مال اليه التوني صاحب الوافية علي ما قيل و احتج من قال بجواز العمل ان لم‌يكن عالم حي برفع العسر و الحرج مع عدم جواز تقليده و اما مع وجود حي فيرتفع العسر و الحرج بتقليده فلايجوز و اصل القول منسوب الي بعض العامة و نقل الشيخ علي بن عبدالعال في حاشيته علي الشرايع من الشيخ فخرالدين انه نقل عن والده ذلك و استبعده و حمله علي الاستعانة بكتب المتقدمين في معرفة صور المسائل مع انتفاء المرجع اما القول بجواز البقاء علي تقليد الميت دون الابتداء فهو للشيخ جعفر و استقربه السيد صدرالدين و السيد ابرهيم و دليلهم ان اقواله صارت حكم الله في حقه و كان الواجب عليه اتباعه فبحكم الاستصحاب وجب عليه البقاء عليه و اما عدم جواز الابتداء فلاجل الادلة السابقة و قال في منية المحصلين انه نقل الشيخ سليمان البحراني عن الشيخ محمد بن علي الجرجاني في شرح المبادي انه قال الاشبه في هذا المقام ان يقال ان المستفتي ان وجد المجتهد لم‌يجز له الاستفتاء من الحاكي سواءا حكي عن ميت ام حي لانه مكلف بالاخذ باقوي الظنين فيتعبد عليه كالمجتهد فانه يجب عليه العمل باقوي الدليلين فان لم‌يجد المجتهد لايخلو اما ان يجد من يحكي عن الحي او لا فان وجده تعين [ص 26] و ان لم‌يجده وجب الاخذ بكتب المجتهدين الماضين و نقل هذا القول عن الشيخ علي بن هلال و قال السيد نعمة‌الله بعد نقله الاقوال سخافة هذه الاقوال كلها لايخفي علي الناقد البصير ما عدا القول الثاني و هو عدم الجواز مطلقا .

هذه اقوالهم و ادلتهم و رد كل علي الآخر بانواع الزخارف اللهم الا في قليل منها و لسنا بصدد نقل جميع ما قالوا بخلا من تضييع القرطاس و ليس لنا القول الا بما قال آل‌محمد عليهم السلام لانا عبيدهم و العبد لايحكي الا عن مولاه و لكن لما التزمت تفصيل القول فاذكر فصلا خاصا في رد اقوالهم بالطريق القويم و الصراط المستقيم ثم ارجع الي ما انا بصدده .

فصل - اما دليل من قال بعدم الجواز قال ان التقليد خلاف الاصل الي آخر دليله اقول ان هذا باطل باجماع الانبياء و المرسلين و الائمة الطاهرين و شيعتهم المخلصين عليهم صلوات المصلين فان الاصل التقليد و قد خلق الله الخلق لذلك و امرهم بذلك قال تعالي و ماخلقت الجن و الانس الا ليعبدون و العبادة هي العمل بامره و نهيه و ليس ذلك الا لتقليده و التقليد هو بمعني العبودية و جعل قلادة العبودية و الرقية في الاعناق ثم امر تعالي بسؤال اهل الذكر و قال اسألوا اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون و امر بالرجوع الي [ص 27] الراوي عن اهل الذكر و قال فلولانفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين و لينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون فاين الحرية و الاجتهاد المأخوذ من قول عمر حيث قال اجتهدوا و يكفيك انك لاتكاد تجد حديثا واحدا عن آل‌محمد عليهم السلام بلفظ الاجتهاد و الاستبداد بل ورد علي خلافه و قد مضي شطر منها و سانور قلبك هنا بطائفة منها قال اميرالمؤمنين عليه السلام في حديث و الصحيح ان الله سبحانه لم‌يكلف العباد اجتهادا لانه قد نصب لهم ادلة و اقام لهم اعلاما و اثبت عليهم الحجة فمحال ان يضطروا الي ما لايطيقون بعد ارساله اليهم الرسل بتفصيل الحلال و الحرام و لم‌يتركهم سدي مهما عجزوا عنه ردوه الي الرسل و الائمة صلوات الله عليهم كيف و هو يقول مافرطنا في الكتاب من شئ و يقول اليوم اكملت لكم دينكم و اتممت عليكم نعمتي و يقول سبحانه و فيه تبيان كل شئ الحديث ، قال اميرالمؤمنين عليه السلام ان المؤمن اخذ دينه عن ربه و لم‌يأخذه عن رأيه و قال قد جعل الله للعلم اهلا و فرض علي العباد طاعتهم الي ان قال فكل عمل من اعمال الخير يجري علي يدي غير الاصفياء و عهودهم و حدودهم و شرايعهم و سننهم مردود غير مقبول و اهله بمحل كفر و ان شملهم صفة الايمان و قال انما الناس رجلان متبع شرعة و مبتدع بدعة ليس معه من الله برهان سنة و لا ضياء حجة و سئل عن اختلاف الشيعة فقال ان دين الله لايعرف بالرجال [ص 28] بل بآية الحق فاعرف الحق تعرف اهله ان الحق احسن الحديث و الصادع به مجاهد و بالحق اخبرك فأرعني سمعَك ● و قال ابوجعفر عليه السلام لاتتخذوا من دون الله وليجة فلاتكونوا مؤمنين فان كل سبب و نسب و قرابة و وليجة و بدعة و شبهة منقطع الا ما اثبته القرآن و قيل له انا نحدث عنك بالحديث فيقول بعضنا قولنا قولهم قال فما تريد اتريد ان تكون اماما يقتدي بك من رد القول الينا فقد سلم و عن محمد بن عبيدة قال قال لي ابوالحسن عليه السلام يا محمد انتم اشد تقليدا ام المرجئة قال قلت قلدنا و قلدوا فقال لم‌اسألك عن هذا فلم‌يكن عندي اكثر من الجواب الاول فقال ابوالحسن عليه السلام ان المرجئة نصبت رجلا لم‌تفرض طاعته و قلدوه و انكم نصبتم رجلا و فرضتم طاعته ثم لم‌تقلدوه فهم اشد منكم تقليدا و قيل للرضا عليه السلام جعلت فداك ان بعض اصحابنا يقولون نسمع الامر يحكي عنك و عن آبائك فنقيس عليه و نعمل به فقال سبحان الله لا والله ما هذا من دين جعفر هؤلاء قوم لا حاجة بهم الينا قد خرجوا من طاعتنا و صاروا في موضعنا فاين التقليد الذي كانوا يقلدون جعفرا و اباجعفر قال جعفر لاتحملوا علي القياس فليس من شئ يحمله القياس الا و القياس يكسره و عن علي عليه السلام عن النبي صلي الله عليه و آله ايها الناس علي بن ابي‌طالب فيكم بمنزلتي فقلدوه دينكم و اطيعوه في جميع اموركم فان عنده جميع ما علمني الله عز و جل من علمه و حكمه فاسألوه [ص 29] و تعلموا منه و من اوصيائه بعده ، و اما ما قال خرج تكليف الحي بالاجماع ، فحق المقام ان ادعاء الاجماع في المسائل المستحدثة لايخلو من استبعاد و الحال ان بناء جميع العقلاء كان علي العمل بروايات متقدميهم الميتين او الاحياء بل كان غيرهم بناؤهم علي ذلك الي ان انتشر هذا الكلام بينهم بل العمل الي يومنا هذا علي العمل بقول الميت مع غفلتهم عن ذلك فان جميعهم يأخذ رواية الاصحاب معمولة بها بل في كل مسألة يستشهدون بالاجماعات المنقولة و الفتاوي من الماضين و يتقوون بقولهم فلم صار قولهم في المقام معمولا به و في غير المقام غير معمول به او يجوز علي الفقيه في مثل المقام خاصة و لايجوز في غيره و الادلة العقلية لاتخصص و علي اي حال قولهم باطل و ادعاؤهم عن حلية الاعتبار عاطل فلا اجماع في المقام فان كان الاصل علي قولك الاجتهاد فالناس برمتهم عاصون و يأخذهم الله بعدم اجتهادهم و لاادري من اين ذلك فان قلته من الاخبار الحاثة علي طلب العلم فالعلم غير ما عرفته و هو آية محكمة او فريضة عادلة او سنة قائمة و ذلك بالطلب عن معدنه و قد قال عليه السلام ليس العلم الا ما خرج من هاهنا و اشار بيده الي بيته ، و قد ورد اخبار كثيرة في ذلك و لا مجال لي في بسطها و ذكرها هنا و ان اردت التفصيل فراجع كتب شيخي (اع) في الاصول و كتابي الذي كتبته بامره و حكمه و سميته بالحجة الساطعة و قد خرج و الحمد لله كتابا حسنا جميلا مقبولا [ص 30] عنده اعلي الله مقامه و قد كنت دائما كثير الاشتياق الي التصنيف و السؤال و الجواب لميله اعلي الله مقامه اليه و قد كان يقول اكثر الليالي التي كنت بحضرته لا فخر الا بالعلم اكتب كل ما تريد فان العلم كله جميل و كان جل مقصدي نظره الي رسائلي و لذتي من سروره بذلك و اني في يومي فوحقك اضن من اظهار كلمة او قول او مجالسة او مناظرة و قد طاش عقلي و حار لبي بالجملة لست بصدد شكواي و الي الله المشتكي و تلك شقشقة هدرت ثم قرت فاقول ان قلت ان طلب العلم فريضة و العلم ما ذكرنا فقول الامام صدق و يجب علي الناس الرجوع اليهم و الاخذ عنهم و لا بد من التقليد لان الناس لايتولدون من امهاتهم علماء بل هم جاهلون فلا بد من معلم و اذ لم‌يكن للعلم منتهي و طلبه فرض من المهد الي اللحد فالواجب التقليد طول العمر و ان اردت من الاجتهاد الظن فهو قول بالرأي بل تحصيله محرم و الواجب اذا ورد قهرا ان ترده لقوله عليه السلام الظن اكذب الكذب و قال اذا ظننت فلاتقض ، و اذ كان كذبا فهو خلاف السنة اذ النبي صلي الله عليه و آله جاء بالصدق و من جاء بالصدق و صدق به فاولئك هم المفلحون و من خالف السنة رد الي السنة ، و ان اردت من الاجتهاد فهم الاخبار فلا شك في وجوبه لكل احد و لكنه علي ما ذكرنا يجب عليه التقليد و التعليم و قد قال تعالي اسألوا اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون و قال فلولانفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين و [ص 31] لينذروا قومهم الآية ، و ان اردت النظر من الاجتهاد الي الامور و التدبر في الحكم من قبل نفسك فذلك خطاء قيل لابي‌عبدالله عليه السلام يرد علينا اشياء ليس نعرفها في كتاب و لا سنة فننظر فيها فقال لا اما انك ان اصبت لم‌توجر و ان كان خطأ كذبت علي الله ، بالجملة صريح الكتاب و السنة و سيرة العترة سلام الله عليهم و بناء الدين و الملة و العقل المستنير بنورهم المستضيء بضوئهم علي انحصار القول في ما قالوه و الاجتناب عن الرأي و الهوي و ما قال قوم في دين الله ليس له برهان و من خالف ذلك فامره الي فساد علي ما شرحه الامام في خير الكلام و قال الله سبحانه في كتابه و من اضل ممن اتبع هواه و لااجترأ انا علي ذكر اخبار المقام و كتب القوم كوسائل الشيعة و الكافي و البحار و غيرها مشحونة بذلك فراجعها تجد الامر كما اقول و فوق ما اقول و اذ قد عرفت بطلان ادعاء الاجماع في المسائل النظرية الاصولية فلا دليل علي الاكتفاء بتقليد الحي و الادلة العقلية لاتخصص و اما الاستدلال بالآية و الحديث فسيجيء ذكرها بعد انشاء الله تعالي .