فصل - في الاخبار الساطعة المنار الدالة علي ان الله سبحانه هو المظهر للحق و يعرفهم و لايكلهم الي انفسهم ابدا قال ابوجعفر عليه السلام ليس علي الناس ان يعلموا حتي يكون الله هو المعلم لهم فاذا علمهم فعليهم ان يعلموا و قال ابوعبدالله عليه السلام ستة اشياء ليس للعباد فيها صنع المعرفة [ص 66] و الجهل و الرضا و الغضب و النوم و اليقظة و قال لميكلف العباد المعرفة و لميجعل لهم اليها سبيلا و سئل عن قول الله عز و جل و كتب في قلوبهم الايمان هل لهم في ذلك صنع قال لا و قال ان الله احتج علي الناس بما آتاهم و عرفهم و قيل له اصلحك الله هل جعل للناس اداة ينالون بها المعرفة فقال لا قيل فهل كلفوا المعرفة قال لا علي الله البيان لايكلف الله نفسا الا وسعها و لايكلف الله نفسا الا ما آتاها و قال ليس لله علي خلقه ان يعرفوا و للخلق علي الله ان يعرفهم و لله علي الخلق اذا عرفهم ان يقبلوا و عن اميرالمؤمنين عليه السلام ليس لهالك هلك من يعذره في تعمد ضلالة حسبها هدي و لا ترك حق حسبه ضلالة و قال ابوعبدالله عليه السلام ابي الله ان يعرف باطلا حقا ابي الله ان يجعل الحق في قلب المؤمن باطلا لا شك فيه و ابي الله ان يجعل الباطل في قلب الكافر المخالف حقا لا شك فيه و لو لميجعل هذا هكذا ماعرف حق من باطل و قال ليس من باطل يقوم بازاء الحق الا غلب الحق الباطل و ذلك قوله بل نقذف بالحق علي الباطل فيدمغه فاذا هو زاهق و قال كل قوم يعملون علي رتبة من امرهم و مشكلة من رأيهم و زري منهم علي من سواهم و قد تبين الحق من ذلك بمقايسة العدل عند ذوي الالباب و قال ابوجعفر عليه السلام ان القلب ينقلب من لدن موضعه الي حنجرته ما لميصب الحق فاذا اصاب الحق قر ثم ضم اصابعه و قرأ هذه الآية فمن يرد الله ان يهديه يشرح صدره للاسلام و من يرد ان يضله يجعل صدره ضيقا حرجا وجه الاستدلال بهذه الاخبار بالاعتبار ان الله سبحانه لميجعل للانسان آلة يعرف بها الحق و يطمئن به فان خيرة موسي بن عمران وقعت علي طائفة منافقين كما قال الحجة عليه السلام و لما كان صريح الخبر ذكرته و الا فلااجترأ علي موسي نبي الله صلي الله عليه و اذا كان الامر فيه هكذا فما ظنك بنا و يحتمل قويا ان نختار الشر بدل الخير بل ذلك اقرب فلسنا نطمئن بالحق الا بالله و لا حول و لا قوة الا بالله و هو يهدي السبيل و يبين الحق و معاذ الله ان يظهر الحق بالباطل و الباطل بالحق فان ذلك اضلال و لايضل خلقه بالاشتباه ابدا بل محال ان [ص 67] لايظهر الحق بنوره فلايشتبه دليل حق و ذلك هو تسديد الله للحق و لو لميسدد لفسد امر الناس و بعد التسديد لايضل احد الا عن عمده و لذلك قال علي عليه السلام لايعذر الهالك كما مر في الخبر و يكفي ما ذكرناه من التسديد في شأن الائمة ايضا فنبدأ بذكر التسديد في الاخبار و علي الله اتوكل و منه استمد علي البيان و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم .
في تصحيح الاخبار و العمل بها بالتسديد و فيه فصول نذكر في كل فصل مقدمة علي المراد حتي يظهر الحق لاهله و ان انكر المنكر و تولي بركنه .
فصل - قد عرفت مما مضي من الادلة و البراهين كليات لانحتاج الي تكرارها و لا الي بيان آخر منها و لكني ضمنت ان اذكر في كل مقام ما يغني من جوع و يسمن من هزال و لااترك الكلام سدي كما امرني مولاي اعلي الله مقامه ان لااجمل القول و اذكر ما اذكره علي التفصيل فاقول تسليما لامره و طلبا لمرضات الله جل و عز ان الارض لاتخلو من حجة و قد صار ذلك من الوضوح و الحمد لله كالشمس في رابعة النهار و لايشك فيه مسلم شيعي فان الناس خلقوا مدنيين و لاتعمر مدينتهم الا باجتماعهم و لو تفرقوا لعادوا الي الجمادية و النباتية و الحيوانية فان الانسان يجتمع مع مثيله و يواخي قرينه و ذلك تأويل قوله تعالي و اذكروا اذ كنتم اعداءا فالف بين قلوبكم فاصبحتم بنعمته اخوانا و كنتم علي شفا حفرة من النار اي الجمادية و النباتية و الحيوانية فانقذكم منها و دخلتم جنة الاناسي اخوانا علي سرر متقابلين فالانسان مدني لا محالة و باختلاف الطبايع يعمر مدينتهم و الي ربهم يدلون و لو كان طبيعتهم موافقة لمادلوا الي خالقهم ابدا و شرح ذلك محول الي علم اعلي و اشرت اليه هنا لتعلم ان كليات الحكمة تامة في ظهورها و بطونها و ما نحن بصدده هنا انه باتحاد طبايعهم لايعمر مدينتهم الاتري انه لو اجتمع في المدينة كناسون لا غير لكان امر طحنهم و طبخهم و زرعهم و اكلهم مختلا فيموتون عن قليل و كذلك في ساير الاصناف فلا بد من اختلاف طباعهم فيختلف اراداتهم و كل [ص 68] يميل الي جهة فان كان لهم مفزع يؤلون اليه لصح منهاجهم البتة و الا فلا و لذلك قال تعالي و ما اختلفتم فيه من شئ فحكمه الي الله فلا بد من وجود حاكم سائس في البين و الحاكم لو كان علي طبع واحد منهم لدعي الناس الي شأنه البتة فان طبع الحداد يأمر بصنعه و طبع الحناط يأمر بصنعه البتة فلا بد و ان يكون عادلا لايميل الي شرق و لا غرب و لا جنوب و لا شمال بل بالعدل و الاحسان و لذلك يكون وسطا و شأنه العمل بالعفو اي العدل كما امره ربه و ذلك من البديهيات التي لا شك فيه و كذلك لا شك انه يجب ان يكون في كل زمان فان ولي زمان لايكفي لجميع الازمنة اللاحقة البتة كما ان الماء السابق لايرفع العطش اللاحق و الخبز السابق لاينفع من الجوع اللاحق البتة و كذلك الحاكم السابق لايرفع الفساد اللاحق البتة و لذلك قال تعالي و ان من امة الا خلا فيها نذير و لا بد من اثبات ذلك بالدليل فان الحكيم لايجوز له ان يتكلم بلا دليل سيما بعد ما ذكرت اني امرت بتفصيل رسائلي فلا بد من ذكر فصل خاص .
فصل - اعلم ان الدور ثلثة دار آخرة و هي مقام الحقيقة و ذاتية الاشياء و قد سمعت مشايخنا اعلي الله مقامهم مرارا ان الذات ما به يكون الشئ شيئا فلو نقص عنه مثقال ذرة لخرج عن كونه هو هو و لو زيد عليه جزء لخرج عن كونه هو هو فهو هو ما دام بقائه علي حالته و طبيعته فلايعرضه شئ ابدا و هو باق علي ما خلقه الله من يوم خلقته الي آخر الابد و لذلك قال عليه السلام في الفلسفة و اذا سما الي ما يرتقيه دخل في باب الملكي الصوري و شبهه بالملئكة لان الملئكة لايتغيرون عما هم عليه و لا قوة لهم كما قال علي عليه السلام في العالم العلوي صور عالية عن المواد خالية عن القوة و الاستعداد تجلي لها فاشرقت و طالعها فتلألأت فالقي في هويتها مثاله و اظهر عنها افعاله ، بالجملة مبادي جميع ذلك من علم اعلي و المراد هنا الاشارة فالذات لاتتغير و لاتتبدل و لذلك تري ان زيدا زيد في جميع حالاته من صغره و كبره و هزاله و سمنه و مرضه و صحته و هرمه و شبابه و جميع تقلباته و لايغيره عن هذه الغاية مغير ابدا فهو علي ما خلقه الله و له من الكمالات بقدر ما قدر الله له لايزيد و لاينقص [ص 69] عنه و هي الصورة الانسانية و الدار الثانية هي البرزخ اسفله مرتبط بالدنيا من حيث الظهور و البروز و اعلاه مرتبط بالدهر من حيث الحقيقة و هو عرصة الظهور و البروز للنفس بالدراكية و هي من حيث اعلاها قليلة العرض و من حيث اسفلها كالزمان هذا و العرض بروزه من التأثير و التأثر فالافلاك اذا تحركت بعضها علي بعض حصل الفعل و الانفعال بينها فتغير كل عما هو عليه بحصول شعاع غيره له فالمريخ لايكون بعد مريخا خالصا و كذلك الزهرة لاتكون خالصة ، و كل الي كل مضاف و منسوب ، و كذلك ربما يعرض اعراض ترابية السماوات و لا شك ان السماويات العرضية تعرض الارض و كذلك في عالم المثال فان اسافله يتحرك بحركة هذه السماوات فيحصل الفعل و الانفعال في البين و يتغير كل عما هو عليه و لكن العرض البرزخي ادوم من العرض الزماني للاتحاد و التركيب الحاصل في البين و كذلك المواليد البرزخية يعرضهم الامراض و الاعراض و الدار الثالثة هي الدنيا و لا شك انها ليست الا اتصالات عرضية و حدود و جهات مختلفة متكثرة قد ارتبطت و اتصلت فسميت بالدنيا فان كل واحد من اجزائها اذا نظرت اليه من حيث نفسه خالصا عن شوائب الاعراض فهو من عالم اعلي البتة فهذا الزحل المشهود اذا شاهدت زحليته خالصا عن شوائب ساير الاعراض و لوازم الرتبة زحل الآخرة و هكذا المريخ الخالص مريخ الآخرة كما ان النار الخالصة عن شوائب الاعراض نار اخروية و هكذا حقيقة مجموع الملك ملكوتية و هكذا اذا نظرت الي امثلتها تجد الامثلة و الدنيا هي المثال المقترن بالمادة محدودا بالحدود لا غير و لازم شئ هكذا العرض و سبب العرض موجود دائم بالدوام الدنيوي ففي كل يوم يحصل عرض خاص و يقتضي فناء الامر السابق و هذا الفناء هو فساد التركيب و هو الموت المعروف ففي يومنا هذا تقدير الله الظاهر من تلك السماوات المنصبغ بصبغها يقتضي وجود امر خاص و بعد غد يقدر الله سبحانه امرا آخر و يزول الامر السابق و لكل امر حكم خاص فلا بد من بيان حكم كل عرض عرض و الحاكم في كل زمان خلق بالتقدير الذي خلق به هذا الزمان فهو من ابناء الزمان و يحكم بالعدل في هذا الزمان و بعد ما قدر الله موت هذا الحاكم اما يتغير وضع [ص 70] العالم بالكلية ام لا فان تغير يأتي مجدد و الا بمعني ان نوع العالم لميتغير فلا بد من بقاء حكم السابق مع وجود حافظ للشرع لما وجدنا علانية ان الناس بطبعهم معرضون عن الحق و ينسون ما ذكروا به البتة لعدم اشتعالهم بنور الحق حتي يكونوا بانفسهم سرجا وهاجين بل ان هم الا كجدران ظهر عليها نور السراج و ما دام مقابلتها للسراج مستضيئة و اذا خفي السراج عنها وجدتها مضطلمة كما ان الامم السالفة ما دام بقاء نبيهم بينهم ربما كانوا مسلمين و اذا مات نبيهم تولوا علي اعقابهم و هم كانهم لميسمعوا الها و لميعرفوا نبيا و لميكلفوا الشرع و ان المسلمين لما صعد بروح رسول الله صلي الله عليه و آله الي عليين و فارقهم بنفسه سارعوا فورا الي غصب الخلافة كأنهم لميسمعوا كلام الله حيث قال قل لااسألكم عليه اجرا الا المودة في القربي و قوله السابقون السابقون اولئك المقربون و قوله تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لايريدون علوا في الارض و لا فسادا و العاقبة للمتقين و الامر بالكون مع السابقين بل سمعت ابي اعلي الله مقامه انهم نسوا الحمد مع انهم كانوا يسمعونه في كل صلوة مرات و شواهد ذلك في اختلاف القراءات موجودة مع انهم كانوا اعرابا و نزل الكتاب بلسان العرب فكيف بالشرع الذي هو من خصلة العليين و لايطلعون علي الغيب فلا بد بعد كل نبي من حامل يهدي الناس الي الله و ذلك تأويل قوله تعالي ما ننسخ من آية او ننسها نأت بخير منها او مثلها و كذلك في الائمة و الاوصياء و محال في الحكمة ان يموت الامام الا و ان يري في ولده الامام بعده صالحا للامامة و كذلك في الاوصياء ما لميروا من يحكم في البلاد و يسوس العباد لماقبضهم الله ابدا فلاتزعم ان الارض تخلو من عالم ابدا كما يشهد بذلك الاخبار المستفيضة و آثار مشايخنا شكر الله مساعيهم الجميلة نعم لكل منهم وقت معلوم يخرجون علي حسب صلاح العالم نعم الاشكال في انه يلزم ان يعرفه كل احد ام لا الذي يظهر مما وجدنا من الاخبار و سمعنا مشايخنا انه يجب المعرفة النوعية فمن انكر وجودهم مات ميتة جهالة كما في الخبر و من فاز بالمعرفة الشخصية فذلك من فضل الله يؤتيه من يشاء و اما علمهم و آدابهم [ص 71] فمحال ان يرتفع من الارض علي حسب صلاح اهل كل زمان و من انكر ذلك فليجدد دينه و جميع ما ذكرناه في ما اذا كان الشرع السابق باقيا و الا فلا بد من بعث نبي مجدد للشريعة لان الشريعة السابقة صلاح للسابقين و اما اللاحقون فان عملوا بها لفسدوا الاتري ان الناس لو صلوا يومنا هذا الي بيتالمقدس لكفروا بالله لان البيتالمقدس مقام القلب الظاهر للارض و ما دام كون الناس باقين علي الجمادية يجب عليهم الرجوع الي القلب الجمادي كما ان الاعضاء مرجعها الي اللحم الصنوبري و منه يفاض اليها و اذا ترقي المولود الي الحيوانية فمدده من السماوات و ينفخ فيه من الروح فلا بد و ان يستمد من الروح و الناس يومنا هذا صعدوا الجمادية و النباتية و هم سايرون في ارض الحيوة حتي يظهر لهم الامام فيشاهدون الانوار المثالية فلا بد و ان يستمدوا من غيب اللحم الصنوبري و مظهر الغيب الكعبة فلو توجهوا الي بيتالمقدس لانكبوا علي وجوههم فلا بد من نسخ شريعة السابقين و لايمكن ذلك الا بان ينزل نبي آخر ناسخ لتلك الشريعة و كذلك بنواسرائيل كانوا يقطعون اعضاءهم اذا تنجست و لايقدر علي ذلك ابناء زماننا فلا بد من مطهر آخر لهم و هكذا ساير الشرايع فلا بد من مجدد بعد الشريعة السابقة خذها قاعدة شريفة مباركة يرد اليها الغالي و يلحق بها التالي و هي الجادة التي عليها باقي الكتاب و آثار النبوة و فيها منفذ السنة و اليها مسير العاقبة بالجملة هي قاعدة كلية يتفرع عليها مسائل كثيرة فاغتنمها .
فصل - اذا عرفت ما القيته اليك من القاعدة الشريفة فاعلم ان الله سبحانه قد بعث نبينا محمدا صلي الله عليه و آله علي حين غفلة من الناس بالفترة و طول هجعة من الامم و ضلالة من العرب و كفر من العجم فقام و هداهم اليه سبحانه و دعاهم في كل الامور قلها و جلها و ادبهم بالآداب الربوبية و صفات العبودية و الصورة الانسانية التي هي اكبر حجة الله علي خلقه فهداهم الله اليها بمكانه من الضلالة و انقذهم بمكانه من الجهالة الي ان اكرمه الله سبحانه بلقاه عن لقاء الناس و قبضه اليه كريما صلي الله عليه و آله و لميتركهم سدي [ص 72] بلا ولي ناطق و حجة واضحة لائحة كتاب ربكم فيكم مبينا حلاله و حرامه و فرايضه و فضايله و ناسخه و منسوخه و محكمه و متشابهه مفسرا جمله و مبينا غوامضه بوجود ولي ناطق مطلع بتعليم الله سبحانه و تعريفه و هو الوصي بلا فصل الذي قرنه النبي بالكتاب حيث قال اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله و عترتي اهل بيتي لنيختلفا حتي يردا علي الحوض ، فالخليفة الكتاب المستطاب و الكتاب الناطق هو الشارح للكتاب ما لميكن مع الكتاب لايفيد الكتاب شيئا كما ورد في اخبار متواترة ساذكر لك شطرا منها و كذلك الامر في الوصي فهو ما دام قائما بيننا يحكم بما شاء الله و يبين الفرايض و الاحكام كل يوم علي حسب صلاح الناس و فسادهم فيحكم بما اراه الله و يساهم فيما نزل الي ان يقبضه الله سبحانه اليه و الامر كما ذكر فان الخليفة التي هي الكتاب المستطاب باق و لايفيد بنفسه فائدة الا ان يبقي بينهم شارح فلا بد من وجود الشارحين دائما و دار الامر بما دار كل يوم الي ان رأي الله الصلاح في الغيبة فغاب عن اعيننا الحجة سلام الله عليه و عجل الله فرجه و لا شك في ذلك و لا ريب ان الكتاب بنفسه لايفيد لنا فايدة فان علمه مستور عنا الاتري الي الاخبار الواردة في المقام ففي فصلالخطاب عن الرضا عن آبائه عليهم السلام قال قال رسول الله ماآمن بي من فسر برأيه كلامي و عن العسكري عليه السلام عن آبائه عن النبي صلي الله عليه و آله في حديث قال اتدرون متي يوفر علي المستمع و القاري هذه المثوبات العظيمة اذا لميقل في القرآن برأيه و لميخف عليه و لميستأكل به و لميراء به و قال في خبر اتدرون من المتمسك به الذي بتمسكه ينال هذا الشرف العظيم هو الذي يأخذ القرآن و تأويله عنا اهل البيت و عن وسايطنا السفراء عنا الي شيعتنا لا عن آراء المجادلين فاما من قال في القرآن برأيه فان اتفق له مصادفة صواب فقد جهل في اخذه من غير اهله و ان اخطأ القائل برأيه فقد تبوأ مقعده من النار و قال رسول الله صلي الله عليه و آله في حديث ان الله انزل علي القرآن و هو الذي من خالفه ضل و من يبتغي علمه عند غير علي هلك و قال اميرالمؤمنين عليه السلام ما من شئ تطلبونه الا و هو [ص 73] في القرآن فمن اراد ذلك فليسألني و قال ان علم القرآن ليس يعلم ما هو الا من ذاق طعمه فعلم بالعلم جهله و بصر به عماه و سمع به صممه و ادرك به ما قد فات و حي به بعد اذ قد مات فاطلبوا ذلك من عند اهله و خاصته فانهم خاصة نور يستضاء به و ائمة تقتدي بهم هم عيش العلم و موت الجهل و هم الذين يخبركم حلمهم عن علمهم و صمتهم عن منطقهم و ظاهرهم عن باطنهم لايخالفون الحق و لايختلفون فيه و عنه في حديث اتقوا الله و لاتفتوا الناس بما لاتعلمون الي ان قالوا فما نصنع بما خبرنا به في المصحف فقال يسأل عن ذلك علماء آلمحمد صلوات الله عليهم و قال في حديث ان الله قسم كلامه ثلثة اقسام فجعل قسما منه يعرفه العالم و الجاهل و قسما لايعرفه الا من صفا ذهنه و لطف حسه و صح تمييزه ممن شرح الله صدره للاسلام و قسما لايعلمه الا الله و ملئكته و الراسخون في العلم و انما فعل ذلك لئلايدعي اهل الباطل من المستولين علي ميراث رسول الله صلي الله عليه و آله من علم الكتاب ما لميجعله الله لهم و ليقودهم الي الاضطرار الي الايتمام بمن ولي امرهم فاستكبروا عن طاعته و قال في حديث فانما علي الناس ان يقرأوا القرآن كما انزل فاذا احتاجوا الي تفسيره فالاهتداء بنا و الينا و قيل لابيعبدالله عليه السلام في كلام قلت للناس اليس تعلمون ان رسول الله صلي الله عليه و آله كان الحجة من الله علي خلقه قالوا بلي قلت فحين مضي رسول الله (ص) من كان الحجة لله علي خلقه قالوا القرآن فنظرت في القرآن فاذا يخاصم به المرجئ و القدري و الزنديق الذي لايؤمن به حتي يغلب الرجال بخصومة فعرفت ان القرآن لايكون حجة الا بقيم فما قال فيه من شئ كان حقا الي ان قال فاشهد ان عليا عليه السلام كان قيم القرآن و كانت طاعته مفترضة و كان الحجة علي الناس بعد رسول الله صلي الله عليه و آله و ان ما قال في القرآن فهو حق فقال رحمك الله و امثال ذلك من الاخبار كثيرة لاتحصي .
فصل - فظهر مما ذكرناه ان الله لايخلي ملكه بلا حاكم مطاع و لا بد من وجود من يسوس العباد في البلاد و الا لاندمس آثار الدين و اندرس سنة خيرة رب [ص 74] العالمين و الناس لايكادون يعرفون الحق من الباطل و المحلي من العاطل و هلك الخلق من حيث لايعلمون و عرفت مما شرحناه و رويناه من الاخبار المتظافرة و البيانات المأخوذة عن اهل العصمة صلوات الله عليهم ان الولي ناطق لا محالة و الولي غير الناطق لايسمن و لايغني من جوع هذا كتاب الله جامع لكل رطب و يابس و مافرط الله فيه من شئ بل احصي فيه كل الامور و مع ذلك يحتوي محكما و متشابها و مجملا و مبينا فالمرجئ يتبع ما تشابه منه و كذلك القدري و الاصولي و الاخباري و الصوفي و المشرك و القايل بان كل شئ يرجع الي الله سبحانه فباي شئ يتمسك اهل الحق ان ارادوا الحق فلا بد من وجود حاكم ناطق و كذلك لو وكل الله الناس في الامور الي انفسهم في معرفة الكتاب لاختلفوا كما انهم يختلفون في الاحكام بلا فرق و شاهد ذلك ان الناس لايكادون يتفقون علي فتياء فقيه واحد مع ان كتابه واحد و هو بلحن القوم و كل يعرف منه شيئا علي حسب قابليته و كتاب الله سبحانه لمينزل بلسان القوم و ان كان عربيا و لذلك سلب علمه عن كل احد الا اهل بيت محمد صلي الله عليه و آله و من اخذ عنهم فلا بد من وجود الامام بالحق ثم ان الامام اما يظهر بين الناس و يحكم بينهم علانية و يكملهم و يحفظهم في الباطن او لايقوم بينهم بالظاهر و يخفي وجهه عنهم و يحفظهم و يسوسهم من غيبه كما يربي الشمس النبات من وراء السحاب فاذا غاب بشخصه لايتمكن الخلق من زيارته و التعلم عنه فلا بد من وجود اسباب في البين و ذلك مما لايشك فيه جاهل فضلا من عاقل فجعل الله سبحانه لحكمته البالغة بينهم اخبارهم و نص علي ذلك الحجة عليه السلام في قوله اما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الي روات حديثنا فانهم حجتي عليكم و انا حجة الله و كذلك قال عليه السلام لا عذر لاحد من موالينا في التشكيك فيما يرويه عنا ثقاتنا و قد عرفوا بانا نفاوضهم سرنا و نحملهم اياه اليهم ، فلا بد من الرجوع الي آلمحمد عليهم السلام من هذا السبيل الاعظم فافهم و تثبت ثبتك الله بالقول الثابت في الحيوة الدنيا و في الآخرة .
[ص 75] فصل - زعم الناس ان الله سبحانه رفع حججه و الاخبار لاتفيد علما و التكليف باق فالعمل بالظن متحتم فاستدلوا بذلك و بادلة اخري علي مرادهم و انت تعلم ان الله سبحانه اذا منع خلقه عن شئ لايكلفهم به ابدا فان الله ليس بظلام للعبيد و قد كلفنا بالعلم قبل ذلك ببداهة الاسلام و حرم العمل بالظن بضرورة المسلمين بالكتاب و السنة فاذا ارتفع العلم الذي هو التكليف بل هو سبب التكليف يرفع التكليف اصلا لا انه يعمل بالظن و ما تري ان الحرام يحلل في مواطن الحاجة فوجهه غير ذلك فاما اولا فان التكليف باق و قد كلف الله سبحانه ان اذا وجدتم ما تمونون به عيالاتكم و انفسكم و خفتم التلف فاحفظوا انفسكم بالحرام و كلوا بقدر الضرورة و اما اذا ارتفع الحكم يوما فلا تكليف فباي مستمسك تعملون بالظن و لا تكليف بل الامر موسع يختار كل ما يريد و ليس بعد العمل بالظن احري من النصرانية و اليهودية و لا الاجتهاد بالرأي اولي من السجدة علي الاصنام فكانه لميبعث نبي ابدا ثم ان تحليل الحرام في الموضوعات و الحكم من الله يحكم بما يشاء و اما اذا ارتفع الحكم فتحليل الحرام ليس من قبل الشرع فان الحكم مرفوع رأسا و انت لاتعرف شيئا حلالا و لا حراما فباي مستند تجوز العمل بالحرام من باب اكل الميتة هف ليس ذلك الا من رأيك و الرأي لايكون نبيا و اذا ارتفع النبي لا كتاب بعد و لا سنة و لا شرع و لا حكم و لو اردنا ان ندفع ذلك بالدليل و كان البحر مدادا لها لنفد البحر قبل ان تنفد كلمات ربي و لو جئنا بمثله مددا و يكفي في حرمته في هذا الحد الذي نقوله انك لاتكاد تجد في حرام من المحرمات اكثر من آيات معدودة و الخمر التي حرمتها صارت من ضروريات الاسلام و المسلمين لاتجد في حرمتها آية في كتاب الله سبحانه تدل بظاهرها عليها الا ما اوله الامام عليه السلام به و الظن قد حرمه الله سبحانه في مأة آية و هل يتصور ان يحرم الله ما علم ان الناس يحتاجون اليه مدي عمرهم و بقائهم في الاسلام و لو لميعملوا به لعاقبهم في مأة آية و الف حديث ثم لايذكر في كتابه و لا سنة نبيه ان اذا اضطررتم اليه فلا بأس لا والله ما هكذا الظن بالله و تري عيانا ان حاجة الخلق الي الميتة [ص 76] من اندر النوادر و ربما لايحتاج احد في عمره الي الميتة و تري ان الله حرمها و ذكر في كتابه حكم الاضطرار فعدم ذكره حكم الاحتياج الي الظن ادل دليل علي عدم مسيس الحاجة اليه ابدا و ان قيل ان الآيات واردة في الاصول نقول اما اولا فليس جميعها هكذا بل اكثرها في الفروع و بعضها مطلق يعم الاصول و الفروع و التخصيص من غير مخصص حرام في مذهبنا فان الله سبحانه لميكل الامور الي عقولنا و ثانيا ان حكم الاصول و الفروع لا فرق بينهما و يجب اليقين اولا بالحكم ثم العمل ثم نقول بالفرض المحال ان باب العلم مسدود و سلمنا فبم نسلم وجوب العمل بالظن فان حكم القرآن خاص بالميتة و الآية الكريمة النافية للحرج لاتخصص بل دلالتها علي عدم التكليف رأسا اولي و ساير الاخبار علي فرض الدلالة يلزم من الاستدلال بها الدور بقي الادلة العقلية اقول ان الادلة العقلية مما اشتبه امرها علي القوم و زعموها حجة من الله و عملوا بها و قد اخطأوا الطريق و جهلوا بالحقيقة من جهات شتي فلا بد من ذكر حقيقة الامر في فصول حتي تقف علي المرام و بعد ما فصلناه في ما مضي و نذكره في ما سيأتي لاتحتاج بعد الي ذكر كل جزء جزء من الادلة المفصلة في الكتب و يكفي الاشارة لاهله في كل مورد .
فصل - اعلم ان العقل في العرف هو الشعور يعرف به الانسان الخير و الشر و الحسن و القبح و امثال ذلك مما يتعلق به من منافعه و مضاره و هو مخصوص بالانسان و الحيوانات شعورها ظلي بمعني انه ثبت لهم درك ما كالخيال و الفكر و الوهم الظلية لا غير فاذا عمل الانسان بشعوره بمقتضي الشرع حتي استنار بنور الله سبحانه و ادرك ما فيه رضا الله و اقبل الي الله سبحانه يكون محفوفا بالنور مصونا بروح القدس فيعلم خيره و شره و موصوله و مفصوله و يطلع علي محاب الله و يرتكبها و يعرف مساخطه و يتركها و ذلك هو العقل المحبوب لله سبحانه و ان استمد من الاسفل و اضطلم و احتبس في ظلمات ذي ثلث شعب تغير عما هو عليه فصار جهلا و ذلك هو النكراء و الشيطنة كما في اخبار قيل لابيعبدالله عليه السلام ما العقل قال ما عبد به الرحمن و اكتسب به الجنان قيل فالذي كان [ص 77] في معاوية فقال تلك النكراء تلك الشيطنة و هي شبيهة بالعقل و ليست بالعقل و قال من كان عاقلا كان له دين و من كان له دين دخل الجنة و ذكر له رجل مبتل بالوضوء و الصلوة و قيل هو رجل عاقل فقال و اي عقل له و هو يطيع الشيطان فقيل له و كيف يطيع الشيطان فقال سله هذا الذي يأتيه من اي شئ هو فانه يقول لك من عمل الشيطان و قال دعامة الانسان العقل و العقل منه الفطنة و الفهم و الحفظ و العلم و بالعقل يكمل و هو دليله و مبصره و مفتاح امره فاذا كان تأييد عقله من النور كان عالما عاقلا ذاكرا فطنا فهما فعلم بذلك كيف و لم و حيث و عرف من نصحه و من غشه فاذا عرف ذلك عرف مجراه و موصوله و مفصوله و اخلص الوحدانية لله و الاقرار بالطاعة فاذا فعل ذلك كان مستدركا لما فات و واردا علي ما هو آت و يعرف ما هو فيه و لاي شئ هو هيهنا و من اين يأتيه و الي ما هو صاير و ذلك كله من تأييد العقل و عن الرضا عليه السلام انه قال لايعبأ باهل الدين ممن لا عقل له قيل جعلت فداك ان ممن يصف هذا الامر قوما لا بأس بهم عندنا و ليست لهم تلك العقول فقال ليس هؤلاء ممن خاطب الله ، فظهر من تلك الاخبار ان العقل ليس صرف الشعور و الدراكية بل الشعور من صفات الحيوان الناطق فاذا استضاء بنور الله سبحانه و استمد من الباب الذي امر الله ان يؤتي منه يكون عقلا دراكا و لما بلغ الكلام الي هنا احب ان اشير في الجملة الي حقيقة الاستمداد و هو من المسائل المعضلة التي اشتبه شأنها علي كثير من الناس و كثير حق عليه العذاب الا من اتي الله بقلب سليم ● فاعلم ان الله سبحانه ذات احدية لايحويها مكان و لايحدها زمان و لايأينها اين و لايكيفها كيف و لايقدرها صورة فليس في السماء فينزل الي الارض و لا في المغرب و لا المشرق و لا الجو المنفهق و لا الفضاء المنفتق بل هو ذات احدية بحتة باتة فمن اراده سبحانه ليس له الاقبال الي يسار و لا يمين و لا سماء و لا ارض و لا تحت و لا فوق بل كمال التوحيد نفي الصفات عنه و كل جهة صفة و كل صفة حد فلاتجري علي الله سبحانه فلاتزيد بالنظر اليه الا تحيرا و لاتقرب منه ابدا ابدا بل كل ما ميزتموه باوهامكم في ادق معانيه فهو مخلوق [ص 78] مثلكم مردود اليكم رجع من الوصف الي الوصف و دام الملك في الملك فلا بد من وسائل واضحة و ابواب مفتحة حتي يؤتي الله سبحانه منها و يستمد الخلق منها و بها و يطلب الله فيها و لا شك انهم الائمة صلوات الله عليهم كما هو ثابت مبرهن بادلة كثيرة لاتحصي اثبتها المثبتون و جهلها الجاهلون فلا بد من التمسك بحبلهم و الطلب منهم و يشهد بذلك الاخبار و صحيح الاعتبار بل ذلك من ضروريات الدين و لاينكرها لبيب و من انكرها فليجدد الاسلام و ليسأل الله ان يمنحه دينا و اقرب الوصلات و احراها اليهم الشريعة النيرة فانها السلم و المرقاة التي يصعد ذراها الطالب حتي يصل مطلوبه اذ هي صفات الشارع صلوات الله عليه و آله و الصفة سبب الموصوف و بابه في كل العوالم فانه لايمكن الوصول الي احد الا بواسطة صفته فانك لاتكاد تصل الي زيد الا بواسطة البدن و الصفات و الاخلاق فانه قد غاب بشخصه عن الابصار و لايدرك ابدا و ظهر اخلاقه فان اردت ان تتصل الي ذات زيد بحيث تتحد به فكانك بعد هو اتصف بصفاته و اخلاقه حتي يظهر فيك خلقه و كل ما وجد خلق شئ في شئ يسمي باسمه فان الخلق هي الطبيعة و الاسم للطبع فانت ح زيد فان نسبت الي نفسك كل ما يرتكبه زيد صدقت فهو هو و هو هو بلا كلام فاحفظه عني و كن له شاهدا و هذا الامر يسري في كل الملك من السماوات و الارضين و هكذا الامر هاهنا فانه قد علم اولوا الالباب ذلك و شهدوا انه لحق مثل ما انكم تنطقون فباب النبي شرعه فمن تمسك بالشريعة المقدسة قد مد بسبب اليه و يمكن له الوصول اليه البتة و الا فهو بعيد عن الحق و لاينال مأموله ابدا فكذب من زعم انه يطيع النبي و اتصل به و هو يرتكب الفواحش ما ظهر منها و ما بطن فان المحب المتمسك و المتمسك هو المطيع و المطيع هو الذي ترك المعاصي و السيئات و عمل بالحسنات قال الله قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله قال ابوجعفر عليه السلام والله لنحبكم ان تقولوا اذا قلنا و تصمتوا اذا صمتنا و نحن في ما بينكم و بين الله عز و جل ماجعل الله لاحد خيرا في خلاف امرنا فلا بد لمن احب التمسك بحبلهم ان يطيعهم فاذا اصغي اليهم و اعارهم سمعه [ص 79] و لبه في الشريعة المقدسة اتصلوا به لا محالة و ان اتصل بك النور تزداد نورا يوما فيوما لا محالة و ذلك من المحتوم فانك كل ما تظهر نفسك للشمس تتنور و كل ما تحجب نفسك عنها تضطلم و كل ما تقرب نفسك من عالم تتعلم حتي تكون عالما و كل ما تفارقه ثاني عطفك تزيد جهلا لا محالة قال الرضا عليه السلام اذا اخذ الناس يمينا و شمالا فالزم طريقتنا فانه من لزمنا لزمناه و من فارقنا فارقناه فان ادني ما يخرج به الرجل من الايمان ان يقول للحصاة هذه نواة ثم يدين بذلك و يبرأ ممن خالفه يا فلان احفظ ما حدثتك به فقد جمعت لك فيه خير الدنيا و الآخرة انتهي ، و و حقهم لقد جمعوا لنا خير الدنيا و الآخرة بلزوم متابعتهم هذا و يشهد العقل ان الصفات المستجنة في الصدور محجوبة عنا و لانكاد نعرفها ابدا و باب الباطن اللسان و الافعال فباب صفة الامام لسانه و افعاله فكل ما تكلم بلسانه و عمله هو سبب باطنه و هذا باب يري ظاهره من باطنه و باطنه من ظاهره فمن ظن انه يصل الي الباطن من غير باب الظاهر فقد اخطأ الطريق و هو بالرد و الطرد حقيق فلا بد من اتخاذ الظاهر تقربا بالباطن و هذا هو المأمول و مما امر الله باصلاحه و لا بد من الاستمداد من مبادي العلل لاصلاحه العقل فان اصله و كله ثابت للامام و جميع العقول من فروعه و الفرع لايستقي الا من الاصل و لايستمد و لايحيي و لايقوم الا بالاصل و من زعم خلافه فعليه ان يظهر لنا شجرة حية بلا اصل و معدنا بلا اصل و هو يزداد صفاءا و نعومة و هذا محال في الحكمة لايمكن ابدا فلا بد من اتصال العقل بنور الحجج و لايمكن ذلك الا بالتمسك بالشريعة المقدسة فلا بد و ان يطابق العقل في ما يعرفه الشرع فاذا طابق الشرع يسمي بالعقل و الا فلا و هو جهل و نكراء و شيطنة كما عرفت فكذب من عد الادلة العقلية مقابلة للشرعية فان الشرعية هي الدليل العقلي و الدليل العقلي هو الشريعة لا غير فما ابعد قول من تكلم في الادلة و تعارضها للاخبار و اختيارها و ترك الاخبار ان هي الا كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءا و لما عرفت تلك المقدمة السديدة لا بد من ذكر اصول اذكر فيها بعض ادلتهم و اقوالهم حتي تعرف الحق من الباطل و المحلي من العاطل .
[ص 80] اصل - اعلم ان القوم اي العامة بعد ما انقطعوا عن آلمحمد سلام الله عليهم و تمسكوا بعصم الكوافر و قالوا يد الله مغلولة غلت ايديهم و لعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء و وجد سايسهم عمر من نفسه العجز و الفقر و الفاقة قال اجتهدوا و صوبهم علي رأيهم و قولهم كما حكي عنه و قد اشار الي ذلك علي عليه السلام في خطبته حيث قال روحي فداه ترد علي احدهم القضية في حكم من الاحكام فيحكم فيها برأيه ثم ترد تلك القضية بعينها علي غيره فيحكم فيها بخلاف قوله ثم يجتمع القضاة بذلك عند الامام الذي استقضاهم فيصوب آرائهم جميعا و الههم واحد و نبيهم واحد و كتابهم واحد افامرهم الله بالاختلاف فاطاعوه ام نهاهم فعصوه ام انزل الله دينا ناقصا فاستعان بهم علي اتمامه الخطبة ، فلما رأي عمر من نفسه جهلا و احتاج الناس الي الفتاوي لورود الواردات الكثيرة في الموارد امرهم بالاجتهاد و العمل بالرأي فارتأوا و عملوا بعقلهم و استحساناتهم و قياساتهم و لما وجدوا الاختلاف في الاحكام بالعقول المختلفة وضعوا قواعد ثم دار امرهم علي ذلك حتي مضي دورتهم و الائمة عليهم السلام كانوا يراعون الشيعة و يحفظونهم بامر الله حتي لايعملوا برأيهم بل نهوهم عن معاشرة العامة و تحصيل علومهم بل نهوا عن تعليم الصبيان علوم المرجئة و القدرية و المرجئة هم العامة العمياء و لميجترأ احد منهم ان يسأل الامام عن شئ من مسائلهم نعم وجدنا في بعض الاخبار ان السائلين سألوا عن القياس بتدبيرات استحياءا منهم و نهوا عن ذلك مع ذلك اماسمعت ما قيل للعبد الصالح عليه السلام تفقهنا في الدين و روينا و ربما ورد علينا رجل قد ابتلي بشئ صغير الذي ما عندنا فيه بعينه شئ و عندنا ما هو يشبه مثله افنفتيه بما يشبهه قال لا و ما لكم و القياس في ذلك هلك من هلك قيل جعلت فداك اتي رسول الله (ص) بما استغنوا به في عهده و بما يكتفون به من بعده الي يوم القيامة قال نعم قيل ضاع منه شئ قال لا هو عند اهله ، انظر رحمك الله الي الحديث كيف تكلم الراوي لعله يأذن ان يقاس و مع ذلك نهي و كذلك ما قيل له انا نتلاقي في ما بيننا فلايكاد يرد علينا الا [ص 81] و عندنا فيه شئ و ذلك شئ انعم الله به علينا بكم و قد يرد علينا فيه شئ و عندنا ما يشبهه فنقيس علي احسنه فقال لا و ما لكم و للقياس الي ان قال اذا جاءكم ما تعلمون فقولوا و اذا جاءكم ما لاتعلمون فها و وضع يده علي فمه فقيل و لم ذاك قال لان رسول الله صلي الله عليه و آله اتي الناس بما اكتفوا به علي عهده و ما يحتاجون اليه من بعده الي يوم القيامة ، و الاحاديث بهذا المعني متعددة نرويها انشاء الله عند تعرضنا للقياس بعد و بالجملة بعد ما غاب الامام عليه السلام و صار الامر الي الناس اكثروا المعاشرة مع العامة العمياء و تدرسوا في مدارسهم و جلسوا في محافلهم و كالموهم حتي تعلموا من علومهم و سلكوا مسلكهم و وردوا منهلهم حتي تأدبوا بآدابهم فقاسوا مثل قياسهم و عملوا بادلتهم العقلية و خاضوا كالذي خاضوا و قالوا مثل الذي قالوا و لميلتفتوا الي المرجع و الاصل و لو التفتوا الي المرجع و النتيجة لماقالوا مثل ما قالوا و قد آل الامر في يومنا هذا الي انهم زعموا الحق الصدق ذلك و غيره باطلا بل عدوا من لايعتني بهذه الادلة ابله جاهلا ما لهم كيف يحكمون ام علي الله يفترون بل قالوا مثل ما قال الاولون نعم و هم يحاسبون يوم يحشرون و يسألون يومئذ عما كانوا يفعلون اذ هم عن صراط الشريعة لناكبون و عن اخبار الشارع معرضون و برأيهم يفعلون ما يفعلون و لميأمرهم بذلك ربهم بل اخذ عليهم النبي الميثاق بخلاف ذلك اذ قال لهم الله قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله اولميسمعوا كلامه حيث يقول اطيعوا الله و اطيعوا الرسول هل نسوا ما ذكروا به من قبل و اعجب من ذلك قول مصوبهم حيث يقول ان الفقيه ان اخطأ فله اجر واحد و ان اصاب فله اجران كيف هذا و لايدري اصاب ام اخطأ فان اصاب خاف ان يكون قد اخطأ و ان اخطأ رجا ان يكون قد اصاب قمش جهلا موضع للشبهة عم بما في عقد الهدنة سمي عالما و ليس به لانه خالف قول الحجة بالحق الصادق المصدق عليه الصلوة بالحق عيانا اذ قال القضاة اربعة ثلثة في النار و واحد في الجنة رجل قضي بجور و هو يعلم فهو في النار و رجل قضي بجور و هو لايعلم فهو في النار و رجل قضي بالحق و هو [ص 82] لايعلم فهو في النار و رجل قضي بالحق و هو يعلم فهو في الجنة و قال الحكم حكمان حكم الله عز و جل و حكم اهل الجاهلية فمن اخطأ حكم الله حكم بحكم الجاهلية و قد ورد حديث عن الرضا عليه السلام اخاف و حقه من روايته و لكني ارويه تكلانا علي ربه و كم من خبايا في زوايا اكتمها خوفا من فرعون و ملأه روي ابي (اع) عن الاصول الاصلية قال ابوجعفر عليه السلام من حكم في درهمين فاخطأ كفر و قال ابوعبدالله عليه السلام اي قاض قضي بين اثنين فاخطأ سقط ابعد من السماء ، و مع هذين الحديثين و ساير الاخبار الواردة في هذا المعني كيف يجترأ الانسان علي ان يقول بالتصويب فيا لله من امة قلدت و شايعت و تابعت ائمة الكفر و الضلال و لميعرفوا الحق من الباطل و المحلي من العاطل هذا و نقول لهم كما قال الله ربنا تعالوا الي كلمة سواء بيننا و بينكم ان الله سبحانه ربنا و ربكم و لا شك ان الهنا و الهكم واحد و لايشك في ذلك لبيب و قد انزل الله سبحانه كتابا فيه ذكر الاولين و الآخرين و حكم السابقين و اللاحقين و جميع ما كان و ما يكون كما نطق بذلك الكتاب و كل شئ احصيناه في امام مبين و لا رطب و لا يابس الا في كتاب مبين و لقد قال سيد المرسلين في احاديث كثيرة ان جميع ما يحتاج اليه الناس في جميع الازمنة الي يوم القيامة مكتوب في كتاب الله العزيز الحكيم و لكنه صلي الله عليه و آله قال باجماع الخاصة و العامة انه مع عترتي اهل بيتي بقوله صلي الله عليه و آله اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله و عترتي اهل بيتي لنيفترقا حتي يردا علي الحوض ، و بالجملة فهما دائما معا لايفترقان ابدا فمن تمسك بواحد منهما و ترك الآخر هلك من حيث لايعلم و الواجب مشايعتهما و متابعتهما دائما هذا و نري عيانا ان كتاب الله في الظاهر لايجمع الاحكام برمتها و قضها و قضيضها و هو مسلم ان الكتاب جامع فحكمه مخصوص بآل الرسول صلوات الله عليه و آله و سلم فعلم الكتاب كله عندهم فالواجب الاخذ عنهم لا غير فكل قول و رأي و حكم و علم غير ما ورد عنهم باطل مضمحل ماخلا علمهم و حكمهم فتدبر تجد الحق ذلك بلا ريب و لا مين و لا شبهة في ذلك و لا كلام و من انكر ذلك فليجدد [ص 83] الاسلام فاذا عرفت ذلك فاقول لك هل وجدت في حديث او آية ان يكون الامر موكولا الي عقولنا فان لميكن الامر موكولا الي عقولنا فباي دليل نقول .
اصل - طال بينهم التشاجر و النزاع في الحسن و القبح و معناهما و هل هما عقليان او شرعيان و قال كل ما قال و ذهب الي مذهب و اصل النزاع من اهل الكلام المعتزلة و الاشاعرة و لما وجدهم علماؤنا يبحثون عن ذلك زعموا ان ذلك علينا فقالوا مثل ما قال الاولون غفلة عن الحقيقة ان اصحاب الكلام لميتمسكوا بشرعنا بل بشريعة و قولهم رأي منهم و لايجوز لنا متابعة آرائهم و اهوائهم بل يحرم علينا ذلك اشد من لحم الخنزير بل لميكن يجوز لنا نقل اقوالهم الا من باب الرد و اظهار القبح و لذلك تركنا هنا نقل الاقوال و اكتفي بمر الحق الخالي عن المين بحول ربي و لا قوة الا بالله العلي العظيم و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين فاقول هنا قاعدة حكمية يعرف منها ابناء الحكمة مرامهم و يغفل عنها آخرون . اعلم ان الله سبحانه خلق اول ما خلق العقل نورا منيرا و فجره تفجيرا و لقاه نضرة و سرورا و اوحي اليه ان سبح بكرة في مقام الروح و النفس و اصيلا في الطبع و من الليل ليل عالم الاجسام فاسجد له و سبحه ليلا طويلا و ذلك تأويل قوله ادبر فادبر الي غاية الادبار لان الامر يفيد التكرار و لميقبل الا بعد امره لافادته الاستمرار فافهم فقام من التراب صاعدا الي رب الارباب فصعد ذري العوالم باقدام الوجود طالبا لربه الودود و وجده في كل منزلة و قد دلج بين يدي المدلج من الخليقة و قد قال تبارك و تعالي من طلبني وجدني و جميع ما تري من الخلق من المراتب خلقا من بعد خلق كلها مراتب صعود العقل السعيد و لكن قصور القوابل منعت عن وصول كلها فصارت مخلقة و غير مخلقة و لكن كلا منها في مقامه تام الخلقة موافق للحكمة فالجماد صعد من الطبايع و سقط جمادا كأنه نطفة ساقطة و النبات علقة ساقطة و الحيوان مضغة و الانسان عظم تام و الكامل من الاناسي مقام كسوة اللحم و النبي مقام الخلق الآخر و الامام مقام النفس و النبي الخاتم خاتم كما هو المبدأ كما بدأكم تعودون و لقد علمتم النشأة الاولي فلولاتذكرون و اعلم ان البدء هو العود [ص 84] و لكن الواصل هو النبي فقط و الائمة انفسه و اما ساير الخلق فغير مخلقة ساقطون في الطريق و السقط يقوم علي باب الجنة فيقال له ادخل فيقول لا حتي يدخل ابواي قبلي و لايدخل بعد ابويه الا في مقام مناسب لشأنه و حاله و لايتجاوز شئ ما وراء مبدئه و مقامه باب جنات تجري من تحتها الانهار فهو من جنات تجري عليها الانهار و هذا ماء غدق ان شربته و شراب زنجبيل ان سقيته مجهولا لا معروفا لانه لا صنع لمخلوق في ما يختص بالخالق و لذا قال و يسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا فافهم و ليس المقام مقام هذه البيانات و كلها من علم اعلي و لكنها مسألة حدرت و شقشقة هدرت ثم قرت فنرجع الي ما كنا بصدد بيانه فالعقل في الصدر الاول كان عالما مطلعا محيطا مختبرا و لميكن يخفي عليه خافية و بعد ادباره الي غاية النزول كان عليه غشاوة غليظة لميكن يدرك من خلفها و ان كان مطلعا في نفسه و بعد ما صار صاعدا كان يخفف الغشاء و يرقق شيئا بعد شئ و لكنه لميظهر كمال الظهور الا بعد الوصول الي اول مقاماته فكانه مطلع في مقامه علي ما شاء و اما في ساير المقامات فلايطلع علي شئ الا بحسب القوابل ففي عرصة النفس هو العالم و الشاعر للصور المجردة و في المشاعر النفسانية هو المطلع في المدارك منها علي هيئتها و شكلها الي ان وصل الي الجمادات و هذا معني الشعور الظلي و العقل الظلي لا ما يزعمه الجاهلون فالصورة الجمادية عقل ظلي و الصورة النباتية هكذا الي اعلي الدرجات فصح ان كل شئ عاقل مطلع و من لميعرف اصطلاح مشايخنا يستوحش من كلماتهم و كذلك النفس فان طول الجماد و عرضه نفسه و حدود النباتية نفسه و هكذا و لو كان المقام مقام بيان ذلك لفصلته و لكنه من علم اعلي فاذا عرفت هذه المقدمات السديدة فعقل الانسان علي حسبه لا علي حسب العقل المطلع فهو علي صورته فان كان الانسان معتدلا فعقله عقل معتدل و الا فلا فاذا كان الغالب علي مزاجه البلغم فعقله عقل بلغمي و اذا كان الغالب علي مزاجه الصفراء صفراوي و هكذا و اذا كان من عرض الرعية عقله عقل ضعيف خائف يترقب و ان كان من عرض السادة عقله عقل سيد و ان كان من عرض [ص 85] العلماء عالم و هكذا و كل عقل كل ما يعرفه يصوره بصورته ثم يعرفه فافرض ان المرآت مثلا شاعر لايدرك الا ما وقع شبحه عليه و اذا وقع شبحه عليه ينصبغ بصبغه و نفس وقوع الشبح دركه فافهم فالعقل البلغمي لايفهم الا ما يناسب البلغم و الماء عنده احسن شئ و مداراة الناس عنده احسن شئ و الصفراء يناسب الصفراء و هكذا و كل يريد ما يناسبه لا غير فاي شئ تريد من الحسن العقلي و القبح العقلي فعلي ذلك لكل شرعة و منهاج و مسلك و كل له ان يفعل ما علمه حسنا علي ذلك و بذلك لايقوم شرع و دين و حكم فلزيد ان يفعل ما يشتهيه و لعمرو ما يشتهيه فانصف من نفسك هل يقول بذلك عقل سليم حاشا و كلا و ان قلت الحكم للعقل المعتدل اقول اي شئ تريد من الاعتدال هل تريد منه الامة الوسط من جميع الجهات في جميع العوالم و الامور فهو الخاتم و الائمة من نوره ثم الانبياء و ان اردت الوسط في امور معدودة فهو منحرف في ساير المراتب و الشارع حاكم في كل مقام و عليه البيان مطلقا فحكم كل عرصة عليه و ان كان منحرفا في عرصة من العرصات يفسد الدين بقدر انحرافه و لايقول بذلك ايضا عاقل بل الجاهل لايقول به فلا بد و ان يكون معتدلا حقيقيا من كل جهة و ذلك امر مسلم عند كل احد فالحسن ما عده المعتدل حسنا و القبيح ما عده قبيحا نعم ان العقول تحسن و تقبح بعض الاشياء و لكنه ليس مناط شئ فربما يشمئز طبع الخلق عن شئ احله الله و ربما يحب شيئا حرمه الله هذا في اصل المسألة و اما المعاني التي قالوا فبعضهم قال باربعة و بعضهم ستة و بعضهم ثمانية فالمرجع ايضا الي الشريعة الغراء لا الرأي فافهم و اما ما قالوا من بيان كونهما ذاتيين ام لا فله معان فمرة يقال الذاتي في مقابلة الشرعي و مرة يقال الذاتي في مقابل الوصفي و مرة يقال الذاتي في مقابلة الاعراض فاعلم ان الله سبحانه حكيم و الحكيم من يوضع كل شئ موضعه و لايلهو و لايلعب فكل شئ في موضعه و مقامه صحيح متين و في غير مقامه فاسد فالسماء لما ان خلقه الله هكذا في هذه الدرجة يجب ان يكون هكذا في هذا المقام و هو في هذا المقام محمود حسن و في غير هذا المقام قبيح بعد ان لميجعله الله الحكيم [ص 86] في غير هذا المقام مثال ذلك كلامك فانك تتكلم بكلمات تضع كل شئ في مقام خاص فتجعل الصراط مقدما علي الذين و تؤخر الذين من الصراط و تؤخر انعمت عنهما و عليهم عنها و لذلك صار كلماتك مرتبطة بعضها ببعض فتدل علي شئ خارج اذ صارت عناصر كلامك مركبة علي وفق الحكمة فان قدمت شيئا و اخرت شيئا لايدل علي هذا المعني المراد هنا فيدل علي شئ آخر فيفسد النظام و يبطل الكلام و ان اردت القول الحق و الصدق لا بد و ان يكون مربوطا علي ما يوافق مرادك فاذا عرفت ذلك فكل حرف من حروف كلمتك التي اجتمعت في كلامك في مقامه حسن بل واجب وجوده بايجاب الله سبحانه و ان اخللت في النظام و بطل التركيب صار فاسدا و كذلك امر الملك نوعا فكل شئ في حد ذاته و كونه هو هو صادق صحيح متبع و اذا اختل نظامه خرج عن كونه هو هو فما معني الحسن و القبح الذاتيين سيما علي المعاني المختلفة التي قالوا و هكذا لايكون شئ نجسا و لا حراما و لا واجبا اذ جميع ذلك احكام ثانوية بعد تركيب الشئ و النظر الي الافراد بعضها مقترنا الي بعض فافهم و تبصر فالخمر في حد نفسه و مقامه حسن محمود مطيع لله سبحانه و لايكون نجسا و لا حراما و لكن استعمال المكلف له حرام محرم و هو نجس علينا لا علي نفسه و كذلك البول نجس لا لنفسه بل لنا و لذلك صار مناط التكليف العلم لا الجهل فالجاهل لايكون مكلفا اوماسمعت ان البول اذا كان في بيت يكره الصلوة فيه مع علم المكلف و ليس المراد من ذلك انه لايصيبه عقوبة ذلك و لكن قد اثر البول فيه اثره بل لميتأثر منه بوجه من الوجوه و ليس ذلك كاثر الطبايع بعضها في بعض بل التأثير و التأثر هنا مرتبط بالتسليم فاذا سلم المسلم ينتفع و ان لميسلم لاينتفع و لما بلغ الكلام الي هنا احب ان افصله في الجملة حتي يكون الناظر علي بصيرة فاعلم ان الله سبحانه جعل لكل شئ اثرا لان الخلق اثر مشية الله سبحانه و مشية الله مؤثرة فاعلة فوقع اثرها في كل شئ و لا بد في تأثر شئ عن شئ من اتصال و توجه فان القابل ما لميتصل بالفاعل لايتأثر منه ابدا و لذلك امروا صلوات الله عليهم بالدعاء و الدعاء هو الاتصال بفيوض المدعو [ص 87] و الاقبال اليه فما لميقترن الشئ بالنار لايحترق و ان كان النار محرقة و ما لميقترن بالماء لايترطب و ان كان الماء مرطبا غاية الامر ان بعض الآثار جسمانية و بعضها نفسانية و بعضها روحانية و هكذا ففي الجسمانية يجب اقتران الاجسام و الاقتران هو الاتصال اما بالذات او الشعاع فما لميقترن شئ بشئ لايتكمل ابدا و هذا الاقتران و الاتصال هو الدرك فهو العلم في الواقع فرؤية البصر للشمس نفس وقوع الشبح عليها و هكذا في ساير المراتب يجب في التأثير و التأثر علمها فاذا اتصل خمر مثلا بالبدن يتأثر البدن منه البتة كما ان النار تحرقه سواء علم ذلك بالنفس ام لا و ان شرب الخمر جاهل يسكر علم ام لميعلم و اذا ادركه بنفسه يسكر في نفسه مثلا و كذلك ان تيقن بعقله يبلغ الضرر عقله و مناط التكليف العلم النفساني لا العلم الجسداني و الطبعي فان علم الشئ بنفسه و ادركه يتأثر بالتأثيرات الاخروية و كذلك الثواب الاخروي و العقاب الاخروي مرتبطان بالنفس و العقل فاذا شرب في بدنه ماءا غافلا عن الحقيقة يكثر رطوبته و يرفع عطشه و لكن لاينتفع منه نفسه و هكذا ان شرب محرما يتضرر في البدن لا في النفس و ربما لايتصل شئ بالبدن ابدا و لكنه يتصل بالنفس فيصل الي مثوبته و مثال الكل واضح اما الاول فقول علي عليه السلام لاابالي اذا لمادر ابول اصابني ام ماء ، و لعلي رويته بالمعني و لا شك ان الضرر الطبيعي المفروض للبول يصيب الجسد و لكن الضرر النفساني و هو النقص في الصلوة و دخول النار لعدم الاعتناء بالبول بان يطهره لايصله ابدا و مثال الثاني ان من رضي بعمل قوم يصيبه ما يصيبهم و ان كان بينهما بعد المشرقين لان الاتصال النفساني حاصل فتدبر و اغتنم هذه الكلية و بالجملة فلا معني للحسن و القبح الذاتيين عندنا فهل يكونان وصفيين او عرضيين اما بحسب الصفة مع عدم ملاحظة القرانات فلا فان كل شئ حسن في مقامه لما مر و للخبر ان الله لميحرم الاشياء للخلق الذي فيها و ان ارادوا من الاعراض القرانات فحسن و الا فلا فاذا عرفت حق المقام اقول لك و من الله التسديد و التأييد ان اهل الكلام قالوا كلمة الكفر اذ تكلموا في ذات الله سبحانه و قالوا و قالوا [ص 88] و كان كلمتهم كمثل شجرة خبيثة اجتثت من فوق الارض ما لها من قرار لانهم بنوا بنيانهم ريبة من غير اطمينان و يقين اذ لميأخذوه عن الله سبحانه و لا عن رسوله فبقوا مذبذبين لايعلمون الهر من البر كالتي نقضت غزلها لميلجئوا الي ركن وثيق و لميعتمدوا علي قول شفيق فخالفوا رأي الانبياء و اتبعوا الاهواء ثم من بعدهم شايعهم المسلمون غفلة عن حقيقة الحال مع ان الله سبحانه قد نهاهم و الرسول نهاهم و الائمة نهوا عن ذلك و لعنوا اصحاب الكلام و بالجملة لما كان اصحاب الكلام ارادوا في معرفة طائفة من المسائل و صفات الله و افعاله اثبات قاعدة يلجأوا اليها اختلفوا في الحسن و القبح حتي يثبتوا حسنا و يقولوا ان هذا هكذا لحسنه و فلان ليس هكذا لقبحه و كان امرهم و ديدنهم هكذا في كلامهم كذلك لما اتي خبرهم اصحابنا قاسوا الفروع باصول اصحاب الكلام فوالهفتاه اذ نحن لمنرض بالقياس باخبار آلمحمد عليهم السلام مع انهم امراء الكلام فكيف نرضي ام كيف يرضون بالقياس علي امر مجتث زايل فوالله هذا قول عسير علي المؤمن غير يسير و قد اتانا قبل بشير و نذير و اوحي الينا العزيز الخبير علي لسان النبي الكبير فكيف نخالف وحي ربنا و لقد كرمنا بذلك علي كثير ممن خلق و فضلنا تفضيلا اذ خاطبنا في كتابه كثيرا و كالمنا و وصانا ما وصي فباي آلاء ربك تتماري و هذا ما ارويه عن النذر الاولي فكيف تكذبه فاذا عرفت ذلك فلنرجع الي بيان كون الحسن و القبح عقليين فاقول لك يا اخي في الاسلام ماذا تريد هل تقول ان العقل يعرف من شئ نفسه حسنا و من شئ نفسه قبحا فهذا يخالف قولك انا مسلمون متبعون مشايعون للنبي فان من شايع احدا لايقول برأيه في مقابلة قوله و ان لميفعل ذلك فيظهر منه انه غير مشايع له هذا و لا بد و ان يكون العقل مطابقا للخارج البتة فلا بد و ان يكون الانسان مطلعا علي علوم شتي مجملها علي طريق الاشارة بقدر اياس الناس عن عقولهم : علم البدء و علم العود و علم المشية و الارادة و القدر و القضاء و الامضاء و الاذن و الاجل و الكتاب و علم الضم و الاستنتاج و العلم الالهي بالمعني الاسفل و العلم الالهي بالمعني الاعلي و العلم الطبيعي و علم خواص [ص 89] الاشياء و علم الحقايق و الطب العملي و علم الهيئة و علم النجوم و علم الاحكام و علم القوابل و علم الفلسفة و علم صنعة العقاقير و التشريح ثم علم الغيب و الشهادة و علم الابدان و علم الارواح و علم النفوس ثم علم الطريقة و اصلاح النفوس و علم الشريعة و علم السياسة التي هي اس العلوم و هي مختصة بالانبياء ثم الاوصياء ثم الامثل فالامثل ، هذه مجمل العلوم حتي تعرف حسن الاشياء و قبحها انظر و رب الكعبة انت في شرب الخمر الذي هو اوضح شئ ان اردت ان تعرفه برأيك كم تحتاج الي معرفته من انواع العلوم اما اولا فتحتاج الي علم الخواص حتي تعرف ان خاصيته السكر و بوار العقل ثم تحتاج الي معرفة الضم و الاستنتاج حتي تعرف تكون الخمر و حاصله بعد اتصاله بالبدن و لم يسكر ثم معرفة المعاد حتي تعرف لم يضر السكر في القيمة ثم العقل حتي تعرف لم يفسد العقل بشربه ثم البدن حتي تعرف مزاجه و اصله حتي تعلم لم يغير البدن ثم علم الالهي بالمعني الاعلي اي التوحيد حتي تعرف معني الرضا و السخط و ما يقرب من الله و ما يبعد و الاسفل حتي تعرف علة الشرع و الحكم ثم السياسة حتي تعلم كيفية المنع و الحد و القتل و غير ذلك و قس علي هذا ساير العلوم فوااسفاه و واقلة ناصراه كيف لميعرفوا ذلك ضرب علي قلوبهم و سمعهم و علي ابصارهم غشاوة هل كان يعرف ابوحنيفة هذه العلوم و وضع القواعد و هل علينا مع جهلنا تمهيد القواعد و والله اصل هذه العلوم و معدنها عند آلمحمد سلام الله عليهم و والله ان آدم صفي الله لو لميوح اليه من ربه لايعرف شيئا هل نسيت قوله و علم آدم الاسماء كلها و والله ان محمدا نبي الله لو لميوح اليه من ربه لايدري شيئا و قد قال تعالي اوحينا اليك روحا من امرنا ماكنت تدري ما الكتاب و لا الايمان و قال قل انما انا بشر مثلكم يوحي الي و قال و لو تقول علينا بعض الاقاويل لاخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين هل فقهاؤنا اعز شأنا و اكبر درجة و اعظم مقاما عند الله من حبيبه و اول ما خلق اذ يثابون بتقولهم علي الله هيهات هيهات و لااقول بهوي نفسي بل لااقول بعد كلمة الا صرف ما ارويه عن الائمة الاطياب بمشيخة لميأت بمثلها احد [ص 90] فاني اروي ما اروي عن فصلالخطاب عن ابي عن ساداته و ما ارويه عن ساير الكتب و عنه بواسطة عن السيد الاوحد اعلي الله مقامه عن الشيخ الاوحد اعلي الله مقامه عن مشايخهم عن الامام المهدي عجل الله فرجه عن اجداده عن النبي سلام الله عليهم و روحي فداهم عن جبرئيل عن الله ،