الحمد لله الذي رفع السماء و وضع الميزان ان لاتطغوا في الميزان و اقيموا الوزن بالقسط فلاتخسروا الميزان خلق الانسان و علمه البيان انزل القرآن و احكم البنيان و الصلوة و السلام علي اشرف الانس و الجان السابق علي الكون و الامكان المبعوث من البحبوحة العلياء محمد خاتم الانبياء و صفوة الاصفياء ارسله الله انجازا للعدة و اتماما للنبوة و سدده بنوره و وفقه بظهوره تجلي له بذاته و اشرق عليه بصفاته جاء علي حين الهي الناس جل امورهم و اظهر الكفر غيب صدورهم و قام بشرع متين و نور مبين فاذهب بضياء وجهه الظلام و كشف بضوئه غياهب الطغام و ايده الله بيد المثال الملقي في هويته و نصره بنوره الباهر في حقيقته صلوة تكون له رضاءا و لواجب امره اداءا و قضاءا و علي خليفته و ناصر دينه و مشيد امره نور الانوار و خيرة الاخيار ذات الله العليا و شجرة طوبي و سدرة المنتهي و علي ساير مقاماته و علاماته نجوم الولاية و شموس الهداية و اياديه المدبرة و السنته المفسرة و نفوسه المقدرة محال مشيته و اماكن ارادته و اوكار قدره و قضائه قد اطلعوا علي السراير و علموا الضماير قادوا و راعوا و ذبوا و حموا و هدوا الي صراط مستقيم و طريق قويم و حفظوا دينهم من شر الاشرار و كيد الفجار و لعنة الله علي اصول الكفر و فروعه و معادن الشر و منتهاه اصحاب الظنون طواغيت الايام و فراعنة الاعصار و الاعوام يغوث و يعوق و نسرا و اللات و العزي و منوة الثالثة الاخري ما دام الخضراء علي الغبراء و النور مستعليا علي الظلماء .
[ص 3] اما بعد فهذه مطالب ابهي من الدر و المرجان و مسائل هي اسني من العين و العقيان في حقيقة التسديد كتبها العبد الاثيم الجاني محمد بن كريم بن ابرهيم الكرماني لوجه الله الباقي علي حين تواتر البلايا و تكاثر الرزايا مع تبلبل البال و اختلال الحال و ذلك اني كنت اري سيدي و معتمدي و ملاذي و ملجأي اعلي الله مقامه و رفع في الخلد اعلامه دائم الاشتياق الي بيان تلك المسألة و تحقيقها و تدريسها و رسمها حتي انه روحي فداه رسمها في كل رسالة من رسائله اذا ناسب ذكرها الي اني سمعته روحي فداه يقول اني اكرر تلك المسألة لانها لا ناصر لها سوانا و لا شارح لها عدانا و احب ان يصنف اصحابي فيها رسائل حتي تنتشر ذكرها في العالم و كنت بحمد الله اول من صنف فيها و سميت مصنفي بالبرهان القاطع و جعلتها لاثبات امر مشايخي بالتسديد و اردت ان اصنف رسالة خاصة في اثبات النبوة و الامامة الخاصتين و تصحيح اخبارهم بهذا الدليل المتقن و لماوفق لذلك الي زماني هذا و منذ شهور استخرت الله في الاقدام بذلك فجاء امرا و استخرت في تركه جاء نهيا فشمرت عن ساق الجد و اهتممت بتصنيفه و اسأل الله ان يسددني و يوفقني علي ذلك و يجعل رسالتي هذه خالصة مخلصة لوجهه الكريم و سميتها بعين اليقين و رتبتها علي مقدمة و ابواب و خاتمة .
ففي مبادي كلية و هي و ان كانت من علوم علياء و ليس محل ذكرها امثال هذا الكتاب و لكن لا بد من الاشارة اليها ليكون الناظر علي بصيرة ان كان مبتديا و لايحتاج الي كتب اخري غيره و لما كانت هي مقدمات مختلفة و مسائل متشتتة لا بد لنا من ذكر فصول في تلك المقدمة و كل فصل يحتوي علي اصول لا محالة .
فصل - من المسائل التي يجب علي كل احد ان يعتقدها اثبات صانع لهذا الملك و انت اذا تفكرت في نفسك متدبرا و نظرت مرة الي العالم وجدت سماءا مرفوعة و ارضا موضوعة و جبالا شامخات و عيونا نابعات و معادن منطرقة [ص 4] و غير منطرقة ظاهرة و خفية و نباتات مختلفة و حيوانات متشتتة مخلقة و غير مخلقة و نظرت الي ان الارض يابسة متفتتة تنبت لنا الزرع مختلفا اكله و اشجارا طيبة و اثمارا نفيسة و تري الجبال تحسبها جامدة و هي تخرج لكم الذهب و الفضة و انواع الاحجار الشريفة و جواهر ثمينة و دررا يتيمة و ثمارا و نخيلا و امثال ذلك و تري البحار و الجواري المنشئات و الخلايق المختلفة سكنة البراري و البلدان و السابحات في البحار و تري نجوما يهتدي بها الخلايق في الظلماء طالعات غاربات مقيمات راجعات و تري الشمس اذا طلعت تسخن العالم و اذا غربت تبرد و هكذا ساير العلامات الظاهرة و الآيات الباهرة التي اراك الله في العالم و كلها تنادي بنداء جلي يعرفه كل عارف و غبي انها لمتوجد نفسها بل اوجدها غيرها و كذلك اذا نظرت كرة بعد اولي الي نفسك وجدت نفسك كنت نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما ثم كسي علي عظمك لحم ثم انشأ خلق آخر و تجد افراد نوعك منهم مخلقة و منهم غير مخلقة منهم تامين في خلقتهم و منهم ناقصين مع انهم يطلبون ان يكونوا تامين و تراهم مختلفين كل منهم علي طبع خاص و تري عيانا انك لمتكن ثم كنت و انت ماكونت نفسك بالبداهة و كذلك ساير الموجودات لما وجدت ان كل احد واجد طبعه و لايقتضي بنفسه ما خلاف طبعه فلكل جديد موجد لا محالة الاتري انه يغلب عليك النوم حين لاتريده و حين نومك لاتقدر علي ايقاظ نفسك الاتري انك تجوع من غير اختيارك و تشبع بغير اختيار و هكذا تجد حالات مختلفة واردة علي الارض و السماء و مورد كل حالة غير شخص السماء و الارض اذ هما عادمها حين عدم ظهورها عليهما و عادم الشئ لايوجده البتة فللملك صانع غيره لا محالة هو خالقه و يكفيك هذا القدر من الدليل ان كنت من اهل الدليل و الا فاسلم تسلم .
فصل - انك بعد ما نظرت بالبصر الحديد الي هذا الملك تري اثر كل مؤثر علي صفته فتستنبط من حالة الآثار حال المؤثرات و من وجودها وجودها الاتري انك اذا وجدت دخانا مستعليا علي الجدار مثلا تقول ان وراء هذا الجدار نار و اذا سمعت صوتا من ورائه تقول ان وراء الجدار انسان ناطق و هكذا تستنبط من [ص 5] تنطقه حالاته النفسانية و خيالاته و كذلك اذا وجدت صنع صانع فاسدا مختلا لايجدي و لايأتي منه ما خلق لاجله تقول انه صانع ناقص غير قادر و لا عالم و لكنك اذا وجدت صنعا مفيدا يأتي منه ما خلق لاجله كاملا تعرف ان صانعه عالم حكيم و بهذا الدليل المتقن لا بد لك من الاقرار بحكمة صانع الملك و قدرته اذ تجد ان صنعه جل شأنه منتظم مرتبط يأتي من كل ما صنع و ما خلق لاجله و قد تحير في حكمة خلقه الحكماء و عجز عن صنع مثل ما صنع اهل الصنعة و لانريد من الحكيم الا من كان هكذا هذا و نري انه خلق حكمة و حكماء و من لا حكمة له كيف يقدر علي خلق الحكمة و لما وجدنا ظهور امور عجيبة و آيات غريبة يعجز عن وصفها الواصفون و يكل عن عدادها السنة العادون علمنا انه سبحانه قدير فصانع الملك حكيم قدير بلا شك فسمه من شئت و ما شئت و كذلك لايشك عاقل بل و لا جاهل في ان صانع الشئ لايجهل بصنعه قبل صنعه و لا بعد صنعه و ذلك مما لا شك فيه و هو ثابت في الحكمة الا ان الاستاد اجل الله شأنه و اعلي مقامه امرني ان استدل في المباحث الاصولية بالامور البديهية عند كل احد حتي انه روحي فداه لميكن يقبل عني من ادلتي الا ما انهيته الي بديهيات العالم و قد امرني بتصنيف رسالة في الاصول هكذا و صنفت و الحمد لله رسالة مبسوطة علي ما امر و خرج المجلد الاول منها و سميتها بالحجة الساطعة و عرضتها علي جنابه اعلي الله مقامه و رفع في الخلد اعلامه فقبلها مني بمنه و كرمه و خيرني في ترك تصنيف الجلد الثاني فتركته لكثرة الملال و علي اي حال لما تكفلنا تصنيف تلك الرسالة فلا بد لنا من استخراج مسألتنا من بديهيات العالم فاقول ارأيت ان الصائغ هل يجوز عليه ان يصوغ و هو جاهل بما يصوغه و الحداد هل يصلح ان يصنع المنشار و هو جاهل به او يمكن ان لايطلع علي عمله هذا خلف و كذلك تقدير العزيز الحكيم فانه سبحانه عالم بخلقه قبل كونه و بعد كونه و علمه بها قبل كونها كعلمه بها بعد كونها خذها قاعدة شريفة حتي تستعلم النتيجة مما سيأتي .
فصل - اعلم ان الصانع الحكيم الخبير المطلع علي خلقه القادر عليهم [ص 6] لايفعل بعباده الا الاصلح و لايترك العدل القسط لا محالة فان جميع ذلك من العجز و الصانع اذا قدر علي صنع شئ و صنع ضده و قدر عليهما مع انه حكيم عليم بالصالح و الفاسد و قادر علي صنع كليهما من غير باعث لايترك الاصلح فجميع ما فعل سبحانه بعباده هو الاصلح لا محالة و هذه قاعدة شريفة يتفرع عليها فروع كثيرة .
فصل - مما ثبت في الحكمة ان الحكيم لايفعل العبث فلميخلق خلقا بلا فايدة بل لخلقه فايدة لامحة و فايدة صنع كل صانع علي حسب عظم شأنه ففايدة اعمال الخلايق خلقية ضعيفة قليلة علي حسب شأنهم و مقامهم و لكل منا مقام معلوم و انا لنحن الصافون اذ ليست هي الا ما خطر ببالهم و لميخطر ببالهم شئ الا علي حسب سعة مداركهم اذ الادوات تحد انفسها و الآلات تشير الي نظايرها و الصانع جل شأنه ما جعله فايدة لخلقة الخلايق علي خلاف جميع ما تصوره الخلايق فافهم فانه دقيق و عبر جل شأنه عنها بالعبادة و المعرفة و مراده جل شأنه حقيقتهما لا عرضهما و لذا عبر بلفظين مختلفين و لميرد الاختلاف و قد قال و ما امرنا الا واحدة فافهم و ليس هنا محل هذه البيانات و قد اردت ذر ملح في الطعام بالجملة ففايدة خلق الخلق فايدة عظيمة و لما كان العلة الغائية سابقة علي جميع الخلق لاتظهر الا بعد استكماله كما تري ان الصانع يصنع الخاتم للتلبس مثلا و لايتلبس به الا بعد استكماله و هكذا الامر في جميع العالم فلا بد من ظهور الفايدة بعد الاستكمال فافهم .
فصل - لا بد من ظهور الفايدة و لو لميظهر فايدة الخلق لدل علي صنعه بحيث لايصلح للبروز او علي نقص الاسباب و الحكيم القادر لايفعل هكذا فصنعه في كمال الاتقان الملحوظ فيه و اسباب قوامه موجودة و كذلك تقدير العزيز العليم فيأتي من خلقه ما خلق لاجله بلا كلفة الاتري انه خلق الشمس لاشراق الانوار و ايجاد الخلايق السفلية و تكميل القوابل الدنيوية و يأتي منها ذلك و الارض خلقت للسكون و القرار و خروج المواليد من بطونها و ذلك حاصل و كذلك الامر في كل عالم بحسبه و انت اذا تدبرت في مجموع العالم و عرفت انها خلقت [ص 7] للمعرفة تجد انها حاصلة لهم و يعرفون ربهم بما جعل الله فيهم من المدرك العرفاني و لكن المدرك العرفاني ليس في ظواهرهم بل هو في كوامنهم و لا بد من وجود مخرج مكمل و هو الواجد له لا محالة و ذلك ثابت مبرهن في محله و مرادنا محض الاشارة فتدبر في ما سيأتي من المقدمات حتي يظهر النتيجة و لا قوة الا بالله .
فصل - اعلم ان اسباب الوصول الي تلك الفايدة في الخلق متفاوتة و لما كان كلامنا هنا في الانسان خاصة نكتفي بذكره فنقول لا بد في الاناسي من قوامهم و وجودهم و حيوتهم حتي يظهر الفايدة فيهم و لو فنوا عن آخرهم يوما لماظهر الفايدة فيهم فلا بد من تهيئة اسباب البقاء و منها التمدن فلا بد من اجتماعهم في البلدان و القري لان حوايجهم كثيرة و لايتأتي جميع الحوائج من كل واحد واحد بخلاف ساير الخلق فان حوائجهم قليلة فيأتي من كل منهم ما تاقت نفسه اليه و احتاج في وجوده اليه و ذلك من الامور الواضحة النيرة و اما حكمة ذلك فمن المسائل المعضلة و ليس هنا محل تحقيقها و الاشارة الي بعض ظواهرها لئلاتخلو (ظ) رسالتي عن ذلك ايضا انا وجدنا في الخلق ان كل شريف اسباب حفظه اكثر و المحنة و التعب في حفظه اشد الاتري انه لو كان لك حجر مثلا لا تعب في ضبطه و يضبط بادني تعب و لكنه لو كان لك جوهر ثمين لا بد لك من تهيئة اسباب كثيرة لحفظه مثل ستره مثلا في قطنة و القطنة في حق و الحق في صندوق و هكذا و ذلك مأخوذ من صنع الله الاتري انه خلق الاحجار الغاسقة في كل ارض و كل مكان و لكنه حصر الماس في معدن خاص و خصه ببلد و اناس و جعل المعادن اكثرها تحت الارض و ستر الذهب بالاتربة فلايشاهد بالعيان دائما الا بالمحن الكثيرة الاتري في بدن الانسان ان الرجل كانت غليظة كثيفة فجعلها حاملة البدن متصلة بالارض و الاتربة الكثيفة و الاحجار الغاسقة و اليد لما كانت شريفة اخدمها بالرجل و حفظها و اكرمها من الاتصال بالارض و لكنها مع ذلك خادمة و لكن الرأس اشرف من الكل فاعانه بالاعضاء و جعله فوقها الاتري انه حفظ العين بالحاجب و عظمها باستعلائه علي العين لحفظها عن [ص 8] الواردات و شعرها لظله و حفظها عن الانوار الكثيرة و هكذا حفظها بشعور نابتات من حولها و الانف و لما شاهدنا الاحشاء وجدنا الكبد شريفا محلا للروح النباتي فاكرمه و جعله وسط عظام نابتات من الجنب و الصدر و الخلف و لما كان القلب و هو الروح البخاري اشرف من الكل جعله في لحم صنوبري غليظ كثيف و جعل اللحم وسط الصدر مايلا الي اليسار لحكم اخري و جعل ساير الاحشاء من اطرافه و الغشاء فوقه و العظام و اللحم و الجلد فوقه و هكذا و اذا عرفت تلك المسألة الشريفة فاعلم ان الانسان مكرم لقوله تعالي و لقد كرمنا بني آدم فاسباب حفظه و بقائه اكثر و التعب في حفظه اشد فلا بد من وجود ايادي لضبطه هذا و للانسان الواحد طبع واحد و اثر الواحد واحد فلايأتي منه جميع ما يحتاج اليه و لو قدر علي ذلك انسان لماوفي عمره بذلك فان الامور تدريجية الحصول و الزمان قصير فلايقدر احد علي رفع جميع حوائجه فافهم ذلك فلا بد من اجتماعهم و اذا اجتمعوا و لهم طبايع مختلفة يقتضي كل واحد ما يناسبه و ينفر عما يخالفه و يحب علي ما اقتضاه و يبغض علي ما لايقتضيه فلايريد الا افساد الضد و تقوية المجانس و المماثل فكل احد يطلب فساد كل ما يضاده و يعاديه بالضدية فان كل شئ يعادي ضده فيختل النظام و لايظهر المرام و لذلك خلقهم و لايبطل مراد الله ابدا فلا بد في الحكمة من وجود وسط في العباد يكون قلبهم و قطبهم و حافظهم و ناصرهم و يكون مسلطا عليهم حتي يحفظهم من البوار و الهلاك و هو النبي و لو لميكن بينهم نبي يحرسهم و يحفظهم لفسدوا و هذا الدليل المتقن من الامور المحكمة الواضحة النيرة و قد بينوه و فصلوه مشايخنا شكر الله مساعيهم الجميلة في كتبهم و قد ذكرته هنا مع ان الحاجة بعد شرحهم و بسطهم غير ماسة الي ذكره و لكن لا بد لي من بيانها لاكون علي بصيرة في بياني و من يحتاج الي رسالتي من المبتدئين .
فصل - في بيان شريف اذكره هنا لوضوح المرام و نحتاج في بيانه الي قول حكمي فان المسائل العالية لاتظهر الا ببيان عال ، فاعلم بحول الله و قوته ان كل شئ امتيازه عن غيره و اختلافه و تضاده بصورته و اما المادة فهي اعز [ص 9] و اعلي من ان تتشخص و تتميز بل هي مقام الانحلال و السيلان و النفوذ ففي عرصة المادة لاتكاد تجد اختلاف طباع و لا تكثر و لا تشتت بل هي هي و اما اذا نزلت في الصور تشخصت و تميزت و حدت و تلبست بلباسها بمقتضي ظهورها فيها و كل صورة بمقتضي مزاجها و اختلاف حالها و تركيبها من عناصرها تقتضي شيئا خاصا الاتري ان الحجر مثلا مركب من تلك العناصر الاربعة و صورته الحجرية المثالية و بمقتضي كمية العناصر و اختلافها يختلف امزجة الاحجار و اذا اختلفت الامزجة يقتضي كل شيئا خاصا فان لكل مزاج خاصة و خاصته لازمته و لاتفارقه ابدا و تلك الخاصية هي الشبح المنفصل عن شبحه المتصل و الشبح المتصل نفس الصورة و كما ان الصورة بنفسها ظهرت علي المادة اثرت فيها ايضا حتي جعلها علي طبعها و لذلك استحقت الشرافة بشرافتها و الخسة بخساستها الاتري ان الخشبة اذا تصورت بصورة المنبر تكون شريفة معظمة مكرمة و اذا تصورت بصورة الصنم تكون خسيسة دانية غير شريفة و لا مكرمة يجب تحقيرها و احراقها و ليس ذلك الا بالصورة الاتري انك ان غيرت الصنم و جعلته صورة طيبة طاهرة لوجب تكريمها لاجل الصورة الاتري ان الكلب خبيث يجب الاجتناب عنه و اذا استحيل الي الملح يصير طاهرا شفاءا من الداء يستحب شربه قبل الغذاء و الاختتام به بالجملة فاصل التأثير للصورة و هي الشبح المتصل و ينفذ حكمها و نورها كما ينفذ نور السراج و هو واضح لمن اطلع عليه و ان اردت بيانه فاطلبه في مظانه من كتب مشايخي كالرسالة الشريفة المهدوية و الشمسالمنيرة فتلك الصورة تنفذ بنورها الي ما لايمنعها مانع و تلك الصورة النافذة تسمي بالشبح المنفصل و الاثر و الخاصة فتدبر فانه بيان شريف فاذا عرفت تلك المقدمة فاعلم ان الاناسي باختلاف صورها يختلف اقتضاءاتها فكل يقتضي ما خلق عليه و ذلك امر لاينكر و لايجيء منه الا ما خلق لاجله و كل ميسر لما خلق له و لا بد و ان يكون اختلاف طبايعهم باختلاف حاجاتهم و معرفة حقيقة تلك المسألة ايضا من المشكلات و ليس هنا محل شرحها و بسطها و لكني اشير اليها علي نحو الايماء لئلاتخلو (ظ) رسالتي عنه فاقول ان العباد لاتحتاج الي ما لاتدركه [ص 10] و لاتدرك الا ما خلقه الله و يكفيك هذا القدر من البيان و علي الله التكلان هذا و الله سبحانه هو الغني و قد ظهر لخلقه لهم بهم منهم و تجلي سبحانه لهم بصفاته و اسمائه و منها الغني فلايجوز احتياجهم بعد الي غيرهم فلا بد و ان يكون جميع ما يجب في وجودهم و بقائهم فيهم فلايحتاجون الي غيرهم و لو احتاجوا الي غيرهم لدلوا الي رب فقير اذ لايعرفون منه سبحانه الا ما ظهر لهم بهم فلا بد و ان يكونوا اغنياء عن غيرهم فقراء الي الله فيكون جميع ما يحتاجون اليه فيهم موجودة و لا شك انهم يحتاجون الي حافظ رئيس يكون سلطانا عليهم و ذلك من طباعهم انهم يميلون الي رئيس حافظ عليهم و هم مجبولون علي ذلك و اذا لميجعل الله سلطانا عليهم لاجمعوا علي سلطان من قبل انفسهم فاطاعوه و سجدوا له كما فعلوا بالخلفاء و السلاطين الباطلين بالجملة لا بد من وجود رجل هكذا و الا لبغوا و فسدوا عن آخرهم و السلطان لا بد و ان يكون السلطنة من طباعه و لو لميكن السلطنة و الاستعلاء و الحكم من طبعه لكان من طباعه خلاف ذلك فهو من السفلة بالطبع و السفلة لاتكون مظهر سلطان الله فلا بد في الخلق من وجود ذي نفس قوية علية عالية مستولية تجد فيها القهارية و الغلبة و الاستيلاء و الجذابية لجذب القلوب و العلم و الكمال و الحلم و امثال ذلك و هو امر طبيعي تجد علانية ان طائفة من النفوس مستعلية جذابة تجذب النفوس بلا اختيار منها و طائفة منها نفوس ضعيفة غير مستقيمة علي امر بل تجد طائفة منها تدفع بطبعها و طائفة تمسك بطبعها و طائفة تهضم بالطبع و كل مجبول علي طبعه فافهم فاذا عرفت تلك المقدمات السديدة فاعلم ان النبي من طبعه النبوة اي هي صورته و هي مما به هو هو فلو قطع اربا اربا و قرض بالمقاريض لايكاد يترك نبوته و علمه و قدرته و استيلاءه اذ صارت جميع ذلك مما به قوامه و ثباته و لولاها لفسد عما به هو هو فافهم .
فصل - اعلم ان الله سبحانه كما انه حكيم يكون رؤفا بعباده رحيما عليهم فلايسلط عليهم جاهلا بصلاحهم و فسادهم و حقيقة امورهم و لا خائنا بهم غير حافظ علي اموالهم و انفسهم و لو كان الامر هكذا لفسدوا و لميظهر فايدة خلق الخلق [ص 11] فلا بد و ان يكون النبي رحيما رؤفا ارأف عليهم من الام علي ولدها (ظ) و لو كان خائنا لمااطمئن احد به ان كلامه هذا مثلا هل فيه صلاح العباد و هل ترحم عليهم و اراد اصلاحهم ام افسادهم و علي اي حال يفسد النظام فان قال قائل فما تقول في يومنا هذا و لا نبي بيننا و السلطان غايب عنا و نري السلاطين لايعرفون الهر من البر و مع ذلك الامر آئل الي الصلاح اقول هيهات نحن بواد و العذول بوادي و ان الملك لميخرج من ملك الانبياء و الاولياء و الملك لهم و الامر لهم قال الله تعالي مااشهدتهم خلق السموات و الارض و لا خلق انفسهم و ماكنت متخذ المضلين عضدا و لكن الله سبحانه قدر اليوم غيبتهم و حركوا اياديهم و اصلحوا ملك الله و قلوب الملوك في ايديهم يديرونها و يلقون اليها ما شاؤا و ارادوا هذا و لنا كلام آخر اقول لعلك لاتعرف معني الصلاح و الفساد و الخير و الشر و امر الناس يومئذ الي البوار و الفساد و لاتكاد تجد امرا من امورهم صالحا و لعله في يومنا صلاح النوع و بقاء الامر فان بالتقية يصلح التشيع و يستكمل و لولاها لماصلح امر ابدا و ذلك نتيجة غيبة السلطان و لو بقوا بلا سلطان في الواقع لفنوا يوما ما و مابقي حي في العالم ابدا فاي دليل ادل علي وجود سلطان من حيوة الخلق و قوامهم بالجملة فلا بد من امانة الانبياء و رأفتهم و رحمتهم بل لا بد من امانة كل ذي صنعة في صنعته و لو كانوا خائنين في صنايعهم لاختل نظام العالم و لذا ورد في شرعنا البت بامانة القابلة و امانة الظئر و هكذا يجب امانة النبي بطريق اولي فانه حامل جميع الفيوض و الامداد و حامل الامور و الاحكام فتدبر و يكفي ما شرحناه من المقدمات فنتكلم في ما كنا بصدد شرحه و بسطه و من الله التسديد فانه قدير .
في اثبات النبوة الخاصة بدليل التسديد الذي هو اشرف الادلة و افضلها و لولا التسديد لماقدر احد علي اليقين بشئ مطلقا و من غفل عنه لايكاد يتيقن بامر دينه و بيان ذلك يقتضي رسم فصول :
فصل - اعلم ان الله سبحانه ذات احدية لاتثني و لاتجزي فيكون مركبا [ص 12] و لايكون مركبا فيكون حادثا محتاجا فان كل مركب مسبوق بجزئيه فلايكون قبل كونهما فهو حادث بعدهما و فقير في قوامه اليهما الاتري ان السكنجبين لايوجد الا بعد حدوث الدبس و الخل و اذا اجتمعا يحدث بعد تركيبهما ثالث في الطبع و المزاج و هو السكنجبين فهو معجون الخل و الدبس قائم بهما محتاج اليهما و الله سبحانه لايكون مركبا فيكون قائما بغيره محتاجا فان كل قائم بغيره مصنوع و كل مصنوع يحتاج في وجوده الي صانع و كلامنا في الصانع جل و عز و اذ لا صانع له فهو هو وحده وحده احد صمد لميلد و لميولد اذ هما من لوازم التركيب و لميكن له كفو فيشاركه هو احد تعالي شأنه و الاحد لايحصره شئ فلايحويه مكان و لايوقته زمان و لايحده صورة و لاينهيه نهاية بل كل ما نتلفظ به من تلك الالفاظ و نحكيه كلها معدومة معه بامتناع و اذ لميحوه مكان فلا مكان له و من لميمكن لايتناهي فهو مع كل شئ لا بمقارنة اذ لايقارن الاحد جل شأنه شئ و غير كل شئ لا بمزايلة بعيد عن الاشياء لا بمناءاة قريب لا بمداناة خارج عنها لا كخروج شئ عن شئ داخل فيها لا كدخول شئ في شئ سبحان من هو هكذا و لا هكذا احد غيره فهو محيط بجميع خلقه فلايغيب عنه شئ في الارض و لا في السماء يعلم ما بين ايديهم و ما خلفهم و علمه سبحانه بها نفس وجوداتها في اماكنها و اوقاتها و هي ما دامت هي هي لايفقد نفسها و لايعدم عن مكانها و محلها ابدا فهي واجدة لانفسها ابدا فهي حروف علم الله ابدا و هذه مسألة شريفة مع انها من معضلات المسائل و احب ان اشير الي بعض حقيقتها بقدر مس الحاجة فاقول ان الشئ في حد نفسه هو هو و ليس معه غيره و لايقترن به غيره فهو مكان نفسه و امتداد مقامه من اوله الي آخره في فسحة وجوده زمان نفسه و معه اجله و كتابه و اما غيره فان حواه يحويه بالعرض لا بالذات فالبيت الجسماني لايكون مكانك بالذات و ان قارنته و لكن قارنته بالعرض فكما تجلس فيه يوما يجلس فيه غيرك و الزمان كما انه زمانك يكون زمان غيرك فهو عارض ممطرك لا حقيقة و اما هذا المكان و الزمان بنفسهما يكونان خلقين جامعين لما هما به هما فالمكان مكان هذا الزمان و الزمان زمان هذا المكان غاية الامر انك [ص 13] وقعت في جزء من اجزائه و هذا الزمان بنفسه في الدهر علي ما يطلب من الدهر و كل يوم يخرج وقت مخصوص من الدهر الي تلك العرصة و يعود اليه و بدؤه نفس عوده كما ان نفس بدئك عودك الي ربك و ان الي ربك المنتهي و انت في كل جزء من اجزاء الزمان كنت يكون معك زمانك و مكانك و اذ كنت محاطا بزمانك و مكانك لاتفقد نفسك في زمان ما من ازمنة وجودك فانت موجود ابدا في زمان شهودك و لا قبل لا في حد وجودك و لا بعد و لا فوق و لا تحت بهذا النظر بل انت انت و اما قبل و بعد فمن الزمان و فوق و تحت من الدهر و الحقيقة لا فوق لها و لا تحت بل هي هي و ما دخل في ملك الله لايخرج من ملك الله ابدا ابدا فانت بعين الله و يعلمك في مكانك و زمانك علما ازليا و لايخفي عليه خافية و هو هو العالم المطلع المحيط البصير الخبير الايعلم من خلق و هو اللطيف الخبير .
فصل - اعلم ان الله سبحانه قادر علي ما يشاء و يريد فان الاحد جل شأنه يحيط بجميع الكاينات و الموجودات بمعني امتناع وجودها مع الله و هو الله الاحد المحيط البسيط المطلع و اذا كان احدا بسيطا و غيره ممتنع معه يكون قادرا اذ العجز من الانتهاء فان النار مثلا في حد نفسها لاتعجز الا بعد اقترانها بالماء و الا فالنار هي هي و لاتبطل صورتها ابدا فلاتعدم اثرها فلاتنتهي الي الماء ابدا فلاتعجز ابدا و كذلك تقدير العزيز الحكيم فانه تعالي لايضاده شئ و لايقابله شئ و لايماثله و لايقارنه و لايشابهه و لايجانسه فلاينتهي الي شئ غيره لان التناهي لايمكن الا بشئ مما شرحناه و فصلناه و لميتناه ربنا الي شئ فلايعرضه العجز ابدا لان العجز هو التناهي فافهم فهو القدير الذي لا عجز فيه بوجه من الوجوه مع انه كان عليما بلا نهاية حكيما بالحكمة غير المتناهية و الرأفة و الرحمة من لوازم القدرة اذا بلغت منتهاها فان كل من قدر علي ما يريد مع عظمته يزيد رأفته و رحمته لا محالة فهو سبحانه قادر عليم حكيم رأوف رحيم .
فصل - اعلم ان الرب الرحيم القادر الرؤف العليم الحكيم لايفعل العبث [ص 14] في ملكه و لايظلم عبيده شيئا بل لايفعل فيهم الا الاصلح فكل ما فعله بالنسبة اليهم هو الاصلح و الاوفق و الاحسن و الاجمل فان الصالح ما اصلحه و الموافق ما اوفقه و الحسن ما احسنه و الجميل ما اجمله لا غير و معرفة حقيقة ذلك صعبة مستصعبة و ليس هنا محل بسطها و نشرها و له مقام انسب بها مما نحن بصدده فان جميع ذلك من علوم علياء و لكن نريد الاشارة من باب المقدمة الي بعض جهات المسألة حتي تعرف ان العلوم مرتبطة بعضها ببعض .
فصل - هل تري ان الرب العليم الحكيم القادر الرأوف الرحيم يترك خلقه و امورهم و يكلهم الي نفوسهم من غير ان يحرسهم و يحفظهم حاشا الحكيم ان يفعل هكذا و لايفعل هكذا حكيم من الخلق فضلا من الله جل و عز فانه سبحانه لو لميحرسهم لفنوا عن آخرهم في طرفة عين و لايظهر الغاية التي خلق الله الخلق لاجلها فلا بد من حفظهم و حراستهم و هم بانفسهم يعجزون عن ذلك فلا بد من خلق سبب خاص لذلك و هذا السبب هو الانبياء و اوصياؤهم علي ما شرحنا في المقدمة و لا بد و ان يكون الانبياء متعددين متكثرين باختلاف الزمن و النبي الميت لايكفي لحفظ الخلق كما ان الخبز السابق لايرفع الجوع اللاحق و الماء الماضي لايرفع العطش المستقبل الاتري ان عيسي علي نبينا و آله و عليه السلام قال و كنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت انت الرقيب عليهم فلا بد من وجود الحافظ في كل عصر و حين و لايخلو الارض من حجة لله قائم يحرسهم و يحفظهم و يقودهم و يبقيهم علي صلاحهم روي مولاي و سيدي اعلي الله مقامه في فصلالخطاب عن ابيجعفر عليه السلام قيل له لاي شئ يحتاج الي النبي و الامام فقال لبقاء العالم علي صلاحه و ذلك ان الله عز و جل يرفع العذاب عن اهل الارض اذا كان فيها نبي او امام قال الله عز و جل و ماكان الله ليعذبهم و انت فيهم و قال النبي صلي الله عليه و آله النجوم امان لاهل السماء و اهل بيتي امان لاهل الارض فاذا ذهبت النجوم اتي اهل السماء ما يكرهون و اذا ذهب (ظ) اهل بيتي اتي اهل الارض ما يكرهون يعني باهل بيته الذين قرن الله عز و جل طاعتهم بطاعته فقال يا ايها [ص 15] الذين آمنوا اطيعوا الله و اطيعوا الرسول و اولي الامر منكم و هم المعصومون المطهرون الذين لايذنبون و لايعصون و هم المؤيدون الموفقون المسددون بهم يرزق الله عباده و بهم تعمر بلاده و بهم ينزل القطر من السماء و بهم يخرج بركات الارض و بهم يمهل اهل المعاصي و لايعجل عليهم بالعقوبة و العذاب لايفارقهم روح القدس و لايفارقونه و لايفارقون القرآن و لايفارقهم صلوات الله عليهم اجمعين و ورد ايضا عن بعضهم صلوات الله عليهم حديث يستدلون فيه علي لزوم وجود الانبياء بالدليل الباهر و البرهان الزاهر استدل صلوات الله عليه علي من سأله لاي شئ بعث الله الانبياء و الرسل الي الناس فقال لئلايكون للناس علي الله حجة من بعد الرسل و لئلايقولوا ماجاءنا من بشير و لا نذير و لتكون حجة الله عليهم الاتسمع الله عز و جل يقول حكاية عن خزنة جهنم و احتجاجهم علي اهل النار بالانبياء و الرسل الميأتكم نذير قالوا بلي قد جاءنا نذير فكذبنا و قلنا مانزل الله من شئ ان انتم الا في ضلال كبير و سئل عليه السلام من اين اثبتت انبياءا و رسلا قال انا لما اثبتنا ان لنا خالقا صانعا متعاليا عنا و عن جميع ما خلق و كان ذلك الصانع حكيما لميجز ان يشاهده خلقه و لايلامسوه و لايباشرهم و لايباشروه و يحاجهم و يحاجوه فثبت ان له سفراء في خلقه يعبرون عنه الي خلقه و عباده و يدلونهم علي مصالحهم و منافعهم و ما به بقاؤهم و في تركه فناؤهم فثبت الآمرون و الناهون عن الحكيم العليم في خلقه و ثبت عند ذلك ان له معبرين و هم الانبياء و صفوته من خلقه حكماء مؤدبين بالحكمة مبعوثين بها غير مشاركين للناس في احوالهم علي مشاركتهم لهم في الخلق و التركيب مؤيدين من عند الحكيم العليم بالحكمة ثم ثبت ذلك في كل دهر و زمان ما اتت به الرسل و الانبياء من الدلايل و البراهين لكيلاتخلو ارض الله ، و امثال ذلك من الاخبار كثيرة ظاهرة لمن تجسس خلالها .
فصل - اعلم ان النبوة هي السفارة بين الله و خلقه فصورتها صورة دالة علي الله و لايدل علي شئ و اليه الا ما يكون مثله و آيته الاتري انه لايدل الي [ص 16] السراج الا نوره و لا الي لونه الا لون النور و لا الي حده الا حد النور و ذلك لان النور هو الشبح المنفصل من صورة السراج و ذلك واضح لمريده و قد اشرنا اليه في ما مضي و كذلك دليل الشمس نورها و دليل القمر ضياؤه و دليل روح الاناسي ابدانهم و صفاتهم و اعمالهم و ذلك بديهي لاينكر فالنبي الذي يدل علي الله و اليه لا بد و ان يكون علي صفة الله جل و عز و صورته كما قال خلق الله آدم علي صورته ، فروح النبي صورة الله جل و عز و حجته و لو كشف الغطاء لرأي الخلق الوصل بينه و بين الله و عرفوا قدره و منزلته و لكن الله جل و عز لما اراد اتمام النعمة و اكمال الحجة ارسلهم في اللباس البشري لان الخلق لميكونوا يقدرون علي النظر اليهم و ان اصحاب موسي لميقدروا علي النظر الي شعرة من الكروبيين و مات كلهم و خر موسي صعقا و اندك الجبل و ذلك معرفته من الامور الصعبة ان الكروبيين علي ما في الخبر قوم من شيعتهم فكيف لميقدر موسي علي النظر الي شعرة منهم مع انه من كبار النبيين اقول يرفع الاشكال من جهات شتي منها ان بدن موسي كان من التراب الجسماني الغليظ و التراب لايطيق النظر الي النور الجبروتي بل الملكوت بل لايقدر علي النظر الي العرش الملكي بل لايقاوم النار فبدن موسي لغلبة النور صار مغشيا عليه و الروح طاير في ملكوته و معني آخر ان موسي عليه السلام من شيعتهم غاية الامر انه اشرفهم بعد نوح و ابرهيم و هما من شيعتهم الاتري ان الله يقول ان من شيعته لابرهيم فلعل الكروبي الذي ظهر لهم كان اشرف و وجه آخر ابطن من الكل و هو الباطن ان موسي عليه السلام سأل النظر الي ربه فقال لنتراني مع بقاء الانية و حيوة النفس و انظر الي جبل انيتك فان استقر مكانه و لايستقر فسوف تراني فلاتراني انت و لكن اعرفوا الله بالله فلما ظهر له بهذا النور نظر الي الله بعد فناء الانية فلميقدر علي القيام اذ لمينظر اليه الا بعينه فافهم بالجملة مرادنا هنا انه لايقدر احد علي النظر الي الانبياء بحقايقهم فلايقدرون علي الاستفاضة و الاستمداد عنهم و لهذا و لغيره بعثهم الله في الالبسة الدنيوية فظهروا بالبشرية و لو كان الرسول ملكا لجعله بشرا و للبس عليه ما يلبسون [ص 17] فافهم فقام النبي بشرا انسيا و من نوعهم الا انه يوحي اليه في حقيقته ان الهكم اله واحد فاستمعوا له و انصتوا لعلكم تفوزون بما يوحي اليه و تعرفون ما عرفوه و تعبدون ما عبدوه و لذلك خلقهم اي الخلق و لما ان جاء البشير بالصورة الانسية تبعه لوازمها و خفي آثار الالوهية فلا بد ح من ظهور علامات من تلك الابدان حتي لايشتبه امرهم و يعرف الناس منزلتهم و قدرهم و لايكفي ما يشاركهم فيه غيرهم فلا بد له من خواص و هي الافعال الربوبية التي تخص الرب جل و عز و لايقدر احد علي الاتيان بمثلها فالنبي من كان متصفا بالصفات النبوية و الربوبية و العلامة اجتماعها لا تفرقها بمعني ان كل واحدة واحدة منها لاتكون علامة فان كل احد يقدر علي الاتصاف بصفة ما من الصفات الربوبية فان الخلق برمتهم مظاهر لله جل و عز و ان العبودية جوهرة كنهها الربوبية اماسمعت اصحاب التصرفات و العلوم في الناس اماسمعت ان رجلا جاء الصادق عليه السلام و جادله الي ان اخذ الصادق عليه السلام بيضة حمامة من جزيرة من الجزاير في يده فسأله عنه فنظر نظرة و قال اري كل شئ في موضعه الا تلك البيضة و لعله قال انها كانت ثلثة و فقدت واحدة فسأله عليه السلام من اين بلغت تلك المرتبة قال بمخالفة الهوي و لميحضرني الآن الحديث بتمامه و رويت ما رويت منه بالمعني و علي اي حال يمكن ان يصل كل احد الي مرتبة الاتصاف بواحدة من تلك الصفات و التخلق بها و لكن النبي يجب ان يكون متصفا بها علي حسب منزلته و مقامه و يعرف بشخصه بذلك و اذا كان رجل متصفا بصفات الله متخلقا باخلاقه سبحانه يكون سبيل الله و الواسطة بينه و بين الخلق اذ بخلقيته و قابليته يناسب الخلق و بنورانيته يناسب نور الله فيأخذ عن الله بنورانيته و يؤدي الي الخلق بخلقيته فمعرفته و طاعته و الاتصال به بنورانيته معرفة الله و طاعة الله و الاتصال بالله و بقابليته تنسب اليه فافهم و ذلك هو معني النبي فانا نعد في عرفنا من كان هكذا نبيا فان بلغ درجته اعلي درجات النبوة و سار في تلك الفسحة ما سار سمي اماما و هو منصب عظيم خص الله به ابراهيم حيث قال اني جاعلك للناس اماما قال و من ذريتي [ص 18] قال لاينال عهدي الظالمين و ان لميبلغ في الصفاء منزلة النبوة يكون من اسفل و هم درجات عند الله و يمكن ان يوجد في الخلق من يدل بنورانيته علي الله و لكن له دلالة ناقصة و الدلالة الكاملة للنبي عليه السلام فتدبر في تلك المسألة فانها شريفة لطيفة .
فصل - اعلم ان لكل شئ من اجزاء ملك الله فسحة وجود لان جميع ما سوي الله مركب و كل مركب متناه و كل متناه مجزي و كل مجزي له فسحة لا محالة فجميع ما سوي الله لها فسحة وجود اعلاها في غاية اللطافة المناسبة لها و اسفلها في غاية الكثافة الملحوظة معها فللتراب مثلا فسحة وجود اعلاها التراب اللطيف الصافي كالماس مثلا و اسفلها التراب الكثيف الغليظ في غاية الغلظة و كذلك للنبات فسحة وجود اعلاها النباتات الطيبة الطاهرة اللطيفة الناعمة و اسفلها النباتات الكثيفة الغاسقة و هكذا للاناسي فسحة وجود و للعالم فسحة وجود و للانبياء ايضا فسحة وجود اعلاهم النبي المطلق و النور الحق خاتم الانبياء و اسفلهم اسفلهم و لا بد من ذلك اذ هم محصورون معدودون مركبون فلهم اول و آخر و لايمكن انكار ذلك بوجه من الوجوه فان من انكره فكانه قد انكر ما يشاهد بالعين فلهم خاتم و خاتمهم اشرفهم و قد عرفت ان الشرافة فيهم بالاتصاف بصفات الله جل و عز بل الشرافة في جميع الخلق في ذلك و لا شرافة سواه فهو لشرافته يلزم ان يكون متصفا باكثر الصفات و الاسماء و بذلك صار مقدما عاليا شريفا و ذلك ما ورد عنهم صلوات الله عليهم في ما عند الانبياء من اسماء الله جل و عز قال ابوعبدالله عليه السلام ان الله عز و جل جعل اسمه الاعظم علي ثلثة و سبعين حرفا فاعطي آدم منها خمسة و عشرين حرفا و اعطي نوحا منها خمسة و عشرين حرفا و اعطي منها ابرهيم ثمانية احرف و اعطي عيسي منها حرفين و كان يحيي بهما الموتي و يبرئ الاكمه و الابرص و اعطي محمدا اثنين و سبعين حرفا و احتجب بحرف له لئلايعلم ما في نفسه و يعلم ما في نفس العباد و قال كان مع عيسي بن مريم حرفان يعمل بهما و كان مع موسي اربعة احرف و كان مع ابرهيم ستة احرف و كان مع آدم عليه السلام [ص 19] خمسة و عشرون حرفا و كان مع نوح ثمانية و جمع ذلك كله لرسول الله صلي الله عليه و آله ان اسم الله ثلثة و سبعون حرفا و حجب عنه واحد انتهي و اعلم ان المراد من كون الاسم مع كل واحد العمل به و الاتصاف بصفته حتي صار الاسم فعالا منهم لا صرف العلم فان العلم لايفيد فايدة ابدا الاتعلم ان بسم الله فيه الاسم الاعظم و هو الحي القيوم الذي يحويه التسمية الاتعلم ان الله بنفسه اسم اعظم لله و الاسم الاعظم مذكور في طائفة من الادعية علي ما اشاروا اليه صلوات الله عليهم فلم لاتقدر مع علمك بها علي التصرف في ما تشاء فالمراد الاتصاف بالعلم و العمل لا صرف الاطلاع فالانبياء اطلعوا علي الاسماء فعرفوها و اتصفوا بها حتي ظهر فيهم المسمي بها و هذا هو الفخر و الذخر و اما العلم فلربما يطلع علي الاسم غير الانبياء ايضا بل ربما وقفوا علي حقيقته حتي صارت نفوسهم مؤثرة و ذلك امر لاينكر بالجملة فاختلاف درجات الانبياء باختلاف معرفتهم للاسم الاعظم و للنور الافخم و خاتمهم لما اطلع عليهم و نظر في مشرقهم و مغربهم وقف علي طتنجيهم و علم نشأتيهم اطلع علي جميع ما لهم من الصفات و الاسماء و العلامات فصار صاحب جميع الاسماء التي وقفوا عليهم و خفي عنه واحدة لاختصاصها بالله جل و عز و هي اصل الكل و لا كلام نوعا في شرافة اولهم و اصلهم و لكن الكلام في معرفة هذا الاصل القديم و الفرع الكريم و يقتضي بيانه رسم فصول و اعلم ان دليل كل شئ آياته و وجودها اي تلك الآيات اثباته اي اثبات الاصل و المنشأ فاذا رأيت الصياغة من اخيك ظاهرة باهرة و كماله فيها شايعة فاعلم انه صائغ و ما لك و نفسه فانت اذا قلت اني لااتيقن بذلك لاني ماوجدت نفسه فلعلها لاتقدر علي الصياغة و قد عرضها الصفة بالعرض لايقبل منك بل يضحك لكلامك الثكلي و ان هذا الا اختلاق و الله سبحانه مااراد ذلك منك فاذا وجدت آثار الصياغة و دلايل الحقيقة باهرة فوجودها اثباتها فافهم ذلك فانه كلام متين و هكذا الامر في كل شئ بحسبه ارأيت العالم من هو اوليس من يظهر منه آثار العلم و الحكمة فانت اذا سألت زيدا مثلا عن مسائل مختلفة و مطالب معضلة و وجدته واقفا علي الكل مطلعا [ص 20] علي الجل يقول فيقيم برهانه و يدعي و يظهر بيانه لايدعي و لايقول الا ببينات و لايستدل الا بما امر الله به من الحكمة و الموعظة الحسنة و المجادلة بالتي هي احسن و يعرف كتاب الله و يعلم سنته فما بالك لاتسميه عالما بالغا مع وجود آثاره و اذا رأيت زيدا مثلا مع علمه هذا متقيا زاهدا متوكلا متصفا بصفة الاتقياء مع انه جامع لجميع الصفات الحميدة التي ينبغي ان يتصف الرجل البالغ بها و مع ذلك كله مسلم لامر آلمحمد في جميع خطوبه محب لهم و لاوليائهم بريء من اعدائهم فما بالك لاتسميه نجيبا و هكذا الامر يكون هكذا في كل مقام فما لهؤلاء القوم لايكادون يفقهون حديثا فالخاتم من كان متصفا بالخاتمية و يظهر منه آثارها و علاماتها فيا اخي و حبيب قلبي ان اردت السلامة في جميع امورك فلاتقل الا ما وجدته و اياك اياك من الظن و التخمين و متابعة كل ناعق و الاصغاء الي كل ناطق فانه لميهلك من هلك قبلكم الا بالظنون و الآراء و متابعة الاهواء بالجملة فظهر مما بيناه و شرحناه علي بركة الله و نوره و توفيقه و تأييده ان النبي من كان آثار النبوة منه ظاهرة و الولي من كان آثار الولاية منه ظاهرة و العالم من كان آثار العلم منه ظاهرة و الاخبار الدالة علي ذلك من طريق اهل العصمة صلوات الله عليهم كثيرة فجس خلال الكتب تجدها منها الاخبار الواردة في علامات الامام و النبي و الولي و العلم و اذكر لك شطرا من طائفة منها لعلك تفوز بمرامك منها قال عليه السلام اعرفوا الله بالله و الرسول بالرسالة و اولي الامر بالامر بالمعروف و النهي عن المنكر و منها حديث صريح في ما ذكرناه في فصلالخطاب روي سيدي اعلي الله مقامه و رفع في الخلد اعلامه و عرضت عليه قراءة عن اميرالمؤمنين عليه السلام قال طلبة هذا العلم علي ثلثة اصناف الا فاعرفهم بصفاتهم و اعيانهم صنف منهم يتعلمون العلم للمراء و الجدل و صنف منهم يتعلمون للاستطالة و الختل ● و صنف منهم يتعلمون للفقه و العقل فاما صاحب المراء و الجدل تراه موذيا مماريا للرجال في اندية المقال قد تسربل بالتخشع و تخلي من الورع [ص 21] فدق الله من هذا حيزومه و قطع منه خيشومه و اما صاحب الاستطالة و الختل فانه يستطيل علي اشباهه من اشكاله و يتواضع للاغنياء من دونهم فهو لحلوائهم هاضم و لدينه حاطم ● فاعمي الله من هذا بصره و قطع من آثار العلماء اثره و اما صاحب الفقه و العقل تراه ذا كآبة و حزن قد قام الليل في حندسه ● و قد انحني في برنسه يعمل و يخشي خائفا وجلا من كل احد الا من كل ثقة من اخوانه فشد الله من هذا اركانه و اعطاه يوم القيامة امانه و في رواية نحوه معني الا انه قال خائفا وجلا داعيا مشفقا مقبلا علي شأنه عارفا باهل زمانه مستوحشا من اوثق اخوانه و قال ابوجعفر عليه السلام عن اميرالمؤمنين عليه السلام الااخبركم بالفقيه حقا قالوا بلي يا اميرالمؤمنين قال من لميقنط الناس من رحمة الله و لميؤمنهم من عذاب الله و لميرخص لهم في معاصي الله و لميترك القرآن رغبة عنه الي غيره الا لا خير في علم ليس فيه تفهم الا لا خير في قراءة ليس فيها تدبر الا لا خير في عبادة ليس فيها تفقه انتهي ، فظهر لصاحب السليقة المستقيمة و الفطرة السليمة ان لكل شئ علامة فعلامة الرسول الوحي و مشاهدة الملك و علامة النبي الوحي بسماع الصوت و نحوه و علامة المحدث النكت في القلب و النقر في الاذن بامر الله سبحانه و يكفيك هذا القدر من البيان هنا علي بركة الله جل و عز .
تلويح - اعلم ان لكل شئ من المشية الي ادني المشاءات حيثين وجود و ماهية اما الوجود فهو حيث الانحلال و مشاركة الجميع فيه فانك لاتكاد تجد سوي صرف الوجود او الوجود الصرف و جميع ما سوي الله مشاركون في ذلك بلا امتياز بينهم في نفس الوجود و ما زعم الناس ان الوجود جامع لله و خلقه و كلهم مشاركون في ذلك خطاء محض بل هو كفر بالله جل و عز فانه لايكون في عرض خلقه و لا عاد لهم فكيف يجوز هذا القول و هل الوجود الذي يصدق عليها و يجمع بينهما خالق او مخلوق و لا ثالث غيرهما فان كان مخلوقا فكيف يستعلي علي خالقه و ان كان خالقا فكلامنا فيه و هو فوق خلقه بالجملة فالوجود [ص 22] الذي يصدق علي الخلق وجود خلقي يقابل الماهية و وجود الله جل و عز محيط بالوجود و الماهية كليهما فلايحد بشئ منهما افهم ذلك فانه دقيق و انما سمي وجودا اي وجود الخلايق لانه من نور الوجود الحق و شعاعه و تجليه غاية الامر انه قد تقيد بالقيود لها فصار حقيقة لها و اما الوجود الحق فهو خالص عن الشوائب محيط بكل الجوانب و هو صرف الوجود و حقه و حقيقته و ماخلاه ممتنع بحت ايا كان بالجملة كلامنا في وجود الخلايق فنقول ان كل مخلوق مركب من وجود و ماهية وجودهم صرف كونهم و ماهيتهم هي حدود الوجود و نهاياته لا غير فتسميتها بعدم محض اصطلاح فان نظرت بعين الاعتبار لاتجد غير وجود محدود موصوف ممتاز عن غيره و هذا الوجود هو المادة المصطلحة و الماهية هي الصورة و انما سميت بها لان الشئ بها يكون هو هو و لكن هنا دقيقة قد غفل عنها الاكثرون و زعموا ان الوجود هو واحد و قد تلبس في كل واحد بلباس خاص فحصل التغيير في الصور و المادة واحدة و آل امرهم الي القول بوحدة الموجود فعلي قولهم يأول امر الشيطان و الخاتم نعوذ بالله الي واحد و هو خطاء محض و قول زور و لا سلطان عليه و قد اشتبه الامر عليهم و غفلوا عن حقايق اخبار آلمحمد عليهم السلام اولميروا ما ورد ان الشيعة خلقوا من شعاع آلمحمد عليهم السلام و اعداؤهم خلقوا من شعاع اعدائهم و امثال ذلك من الاخبار الساطعة المنار الدالة علي ذلك و لكن الناس اكثرهم لايعقلون و الحق ان المواد مختلفة باختلاف الصور و اما المادة الكلية الوحدانية فهي مطلقها و قد استولت عليها و ظهر فيها لها بها منها و ليست هي الا بمنزلة الجسم من الاجسام المقيدة و الجسم المطلق لميتشقق و لميتفرق و لميتكثر و ليس هو بشئ خارج عن الاجسام السفلية حتي يصلح للتجزي و التصور بكلها و ما اطلق عن القيود و ظهر في الغيب و الشهود لايتصور بصورة خاصة و لايأول اليه المختلفات و لايعود اليه الكثرات كما لميبدأ منها و لكن الكثرات رجوعها اليها و بدؤها منها فافهم و ليس هنا محل بسط ذلك فالوجود الجايز لايتصور و لايتقطع و لايتشخص بالتشخصات المختلفة المتكثرة بل هو الظاهر لها بها [ص 23] منها بلا كيف و تجلي لها بها و تجلياته بعد ما نزلت في الصور حدت بحدودها و نهاياتها و امتازت بعضها عن بعض في بطن الصور فصار التجلي المتعلق بتلك الصورة المشخصة المشرقة لها مادة لها و الصورة نهايتها و حدها لا غير و ليست الصورة الا ذلك الاتري ان التراب مثلا مادة الحجر و الحجر صورته و ليست هي الا تلك النهايات و لمتعرض الا علي التراب و هكذا التراب الظاهر بالطول ليس الطول الا حد التراب يعني ان تلك القطعة من التراب حد بهذا الحد فافهم فكل صفة تعرض الصورة تعرض المادة ايضا فالمادة تقبح و تحسن و تجزي الجزاء و تنعم و تعذب و ليس ذلك الا بما عرض لها من العوارض و لا سبيل لعروض العوارض في تلك المرتبة الا الصورة فانها باب المادة بالجملة فعلي ما ذكرنا يظهر لك ان الشئ بمادته و صورته و الاسماء صادقة عليهما معا دون الصورة وحدها و المادة وحدها و ما قاله المشايخ اعلي الله مقامهم ان الاسماء تصدق علي الصور مرادهم ان المادة العرضية لاتكون مناطا في الاسماء لا المادة الاصلية فكل احد هو هو بمادته و صورته الاصليتين لايتغير عما هو عليه ما دام هو هو فالارض ارض بمادتها و صورتها و ما دام هي هي لاتتغير مادتها و لا صورتها فلايمكن ان يلبس مادتها صورة اخري غير الصورة الارضية و السماء سماء و الانسان انسان فلو قرض انسان بالمقاريض ليخلع الصورة الانسانية و يلبس صورة النبات لايقبل ذلك ابدا و الذي يصلح للبس كل صورة و خلع كل صورة هو المادة العرضية فالتراب صالح للبس صورة اللبنات و الكوز و الكأس و الفنجان و غيرها و اما نفس الفنجان بمادته و صورته يكون فنجانا و صدر من مؤثره هكذا و ثبت في الملك دوامه فلاتتغير (ظ) المادة عن حالها و لا الصورة فاذا عرفت تلك المقدمة السديدة التي هي اصل كثير من المطالب تعرف ان النبي نبي بمادته و صورته فلايتغير عما هو عليه ابدا فلايمكن ان يلبس مادته صورة اخري غير صورة النبوة و لايظهر صورته علي غير تلك المادة و لايظهر صورة النبي علي مادة اخري ابدا فلايلبس غيره صورة النبوة ابدا فلايشتبه الامر ابدا نعم يمكن عروض بعض لبعض في تلك العرصة و لكن العرض لايدوم فبزوال الاعراض [ص 24] يعرف عدم اصليتها فصورة الماء البرد و الرطوبة و الحرارة عارضة لها و ستفني و تبطل عن قريب و لنعم ما قال الشاعر :