و اما السبب فهو ما يتوصل به الي شئ كالحبل و نحوه قوله تعالي و تقطعت بهم الاسباب يعني الوصلات التي بينهم كانوا يتواصلون عليها و الارحام التي كانوا يتعاطفونها و الله سبحانه قد جعل لكل شئ سببا و هو ما يتوصل به اليه ايا كان شهاديا كان او غيبيا عاليا او دانيا شرعيا او كونيا و لولا السبب لايوجد شئ ابدا و ذلك قوله عليه السلام ابي الله ان يجري الاشياء الا باسباب فجعل لكل شئ سببا و جعل لكل سبب شرحا و جعل لكل شرح علما و جعل لكل علم بابا ناطقا ، و قيل في تفسيره الشئ دخول الجنة و السبب الطاعة و الشرح الشريعة و العلم رسول الله و الباب ائمة الهدي ، اقول تخصيص الشئ بدخول الجنة مما لا دليل عليه و هو واحد من الاشياء و الله سبحانه جعل لكل شئ سببا و بالجملة فحاصل المعني في الظاهر ان بلطفه سبحانه يتسبب الاسباب لحصول الاشياء و خلقها و يمكن ان نقول ان الصعاب موانع [ص 34] و الاسباب بواعث و هما معا المعد لوجود الشئ و اذا اجتمعت يوجد الشئ و اما في الباطن فالسبب المطلق آل‌محمد سلام الله عليهم كما في الزيارة ما من شئ لنا الا و انتم له السبب ، فهم السبب لكل شئ و السبب في الواقع هو العلة الفاعلية لوجود الاشياء و لايكاد يخرج شئ من العدم الي الوجود الا بواسطتهم و كذلك لايصل احد نبيا كان او وصيا كاملا كان او ناقصا ملكا او جنا او انسا الي الله سبحانه الا بسببهم فهم الحبل المتصل بين الله و خلقه و جميع الحبال يتصل بهم و يحتمل ان يكون المعني ان بلطف الله سبحانه اي بسبب الشيعة و بركتهم يتسبب الاسباب اي تجتمع لحصول الاشياء و لولا شيعتهم لماظهر سببية آل‌محمد عليهم السلام اذ نقول انهم سبب وجود الشيعة و الشيعة سبب ساير الاشياء و هم عباد مكرمون لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون او يكون اللطف ايضا آل‌محمد في مقام المعاني و السبب هم في مقام الابواب اي بلطف الله الظاهر منهم تسبب الاسباب اي وجودهم في هذا المقام سبب لخلق العالم و رزقه و موته و حيوته و لاظهار الشرع المبين و الدين القويم و اذا اجتمعت الفقرتين تعرف سرا عظيما و هو ان بواسطة آل‌محمد سلام الله عليهم ذلت الصعاب اي الخلفاء و ببركتهم ظهرت الاسباب اي ولايتهم و حقيتهم اما في قلب الداعي او الخارج في اصل الملك فافهم .

[ص 35] قال عليه السلام : و جري بقدرتك القضاء و مضت علي ارادتك الاشياء .

قال الشارح جري يجري خلاف وقف و اصله من جريان الماء و هو سيلانه و القضاء يحتمل ان يراد به هنا الامور المقضية اذ يقال هذا قضاؤ الله اي مقضيه و يحتمل ان يراد به الامر و الحكم و الخلق علي وفق التقدير الازلي و يحتمل ان يراد به ابداعه سبحانه صور الموجودات الكلية و الجزئية التي لا نهاية لها من حيث هي معقوله في العالم العقلي و هو المسمي بالقضاء الازلي و قد يعبر عنه بسطر ما كان و ما يكون في اللوح المحفوظ بالقلم الالهي و مضي الامر مضيا نفذ اي نفذت علي وفق ارادتك الاشياء الي آخر كلماته ، و تري بطلان قوله فان القضاء الازلي قول باطل و القلم ان اراد منه القلم الذي هو بيد الله و خلقه الله فحق و ان اراد انه سطرها بنفسه فباطل و قوله ابداعه صور الموجودات الي آخر قول باطل اذ اثبات الاشياء في عالم العقل ليس علي الصورية و الجزئية و ليس هو منبعها بل العقل هو مقام الوحدة و المعنوية و لسنا بصدد الرد و النقض .

اقول ظهر شرح القدرة مما مضي و المعني انه جري بقوته سبحانه امره سبحانه و هو قضاؤه و حكمه و يحتمل ان يكون القدرة هنا مقام القدر الهندسة الايجادية و القضاء هو الابرام و مقامه دون القدر و قد جري بالقدر القضاء كما انه جري القدر بالارادة و الارادة بالمشية و بيانها علي نهج الاجمال ان الفعل باعتبار [ص 36] مراتبه عند تعلقه بالمفعولات ينقسم الي اقسام فالاول مقام المشية و هي الذكر الاول كما قال الرضا عليه السلام ليونس تعلم ما المشية قال لا قال هي الذكر الاول ، و هو حين تعلق الفعل بوجود الشئ و الثاني الارادة و هي العزيمة علي ما يشاء و هي ثاني ذكره و معلوميته في عينه و لم‌يكن له وجود قبله الا الذكر الاول الذي هو كونه و هو صدور الوجود قبل لزوم الماهية له و بها تلزمه الماهية و بالمشية كانت الارادة لترتبها عليها و الثالث القدر و هو الهندسة الايجادية و فيه ايجاد الحدود من الارزاق و الآجال و البقاء و الفناء و ضبط المقادير و الهيئات الدهرية و الزمانية من الوقت و المحل و الكم و الكيف و الرتبة و الجهة و الوضع و امثالها و في هذا اول الخلق الثاني و مبدأ السعادة و الشقاوة و الرابع القضاء و هو اتمام ما قدر و تركيبه علي النظم الطبيعي و اما الامضاء فهو لازم للقضاء و سيأتي زيادة الشرح لذلك ان شاء الله و المراد بيان ان القضاء بالقدر و يكشف عن ذلك قول الكاظم عليه السلام بعلمه كانت المشية و بمشيته كانت الارادة و بارادته كان التقدير و بتقدير كان القضاء و بقضائه كان الامضاء الخبر ، فبقدرته سبحانه جري (ظ) القضاء و هذا هو الظاهر و اما الباطن فيظهر مما مضي و مما سيأتي ان شاء الله .

قوله عليه السلام : و مضت علي ارادتك الاشياء ، اي كل ما يصدق عليه [ص 37] اسم الشيء مضي علي ارادة الله و لايخرج من تحت ارادته و الشئ في مقام العين و قد مر سابقا ان بالارادة تكون الاعيان و هو مقام العقد الاول و سيأتي شرح ذلك ان شاء الله و ربما نقول ان الارادة هي بمعني الفعل فتكون اعم من المشية و القدر و القضاء كما في الخبر ان معناها واحد و الفاظها متعددة و المراد من الاشياء الموجودات جميعها و كلها مخلوق بمشية الله سبحانه قال عليه السلام ما شاء الله كان ، و في الآية الكريمة لاتقولن لشئ اني فاعل ذلك غدا الا ان يشاء الله و اما الباطن فلا شك و لا ريب ان المشية و الارادة هي مقام من مقامات آل‌محمد عليهم السلام اذ المشية هي الفعل و الفعل ما انبأ عن حركة المسمي و الحركة هي الكمال الاول و قد ثبت باجماع المسلمين قاطبة ان النبي صلي الله عليه و آله اول خلق الله و اول الخلق الكمال الاول و من انكر ذلك يظهر منه انه لايطلع علي الكمال و لايعرفه فان الكمال هو الصفة و الصفة هي ظهور الموصوف و اسمه كما قال عليه السلام الاسم صفة لموصوف ، و هو اسم الله الرضي و لا شك عند الشيعة ان آل‌محمد من نفسه و قد روي العامة ايضا اخبارا يدل علي ذلك فلا شك باجماعنا ان آل‌محمد ايضا من نوره صلوات الله علي اولهم و آخرهم و ظاهرهم و باطنهم فهم الكمال الاول الذي يعبر عنه بالحركة و يحكيه المشية و هي خلق ساكن لايدرك بالسكون و يشهد اخبار بأنهم يحكون هذا الكمال [ص 38] فهم مشيته او هم الكمال كما عرفت و المشية ادون منهم و هي اسمهم اذ ينبئ عنهم فعن علي عليه السلام هم سر الله المخزون و اولياؤه المقربون و امره بين الكاف و النون لا بل هم الكاف و النون الي ان يقول هم صراط الحق و عصمته و مبدؤ الوجود و غايته و قدرة الرب و مشيته و قال الباقر عليه السلام في حديث جابر و اما المعاني فنحن معانيه و نحن جنبه و يده و لسانه و امره و حكمه و علمه و حقه اذا شئنا شاء الله و يريد الله ما نريده و مضي سابقا في دعاء ابي‌عبدالله الحسين عليه السلام و روحي فداه جعلت قلوب اوليائك مسكنا لمشيتك و ممكنا لارادتك و في زيارة آل‌يس و مجاهدتك في الله ذات مشية الله ، و الاخبار بهذا تبلغ حد التواتر المعنوي لايكاد ينكرها الا متعمد للتخلف عنهم فهم محل المشية او مجاهدتهم ذات المشية و ذاتهم فوقها و سيأتي مزيد بيان لذلك ايضا فبهم مضي جميع ما كان و ما يكون و ان اردت الاشارة الي التأويل الذي ينكره رأي العليل و مصدقوه قليل فاعلم ان المخاطب هو الفؤاد النور الذي يقذفه الله في قلب من يحب و ما قال اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله ، و قد جري بقدرته اي بعقله اذ قد عرفت سابقا ان العقل حجاب القدرة و يطوف حوله نفس الولاية كما ان الفؤاد حجاب العظمة مطاف النبي (ص) فجري بقدرته النفس التي هي القضاء المثبت و الامر المحكم مقام الابرام و تمام مراتب [ص 39] الغيب و بارادته اي نفسه اذ هي هي القضاء كما عرفت سابقا باحد المعنيين مضت الاشياء اي جميع ما يجري في سماوات المشاعر و ارض البدن كلها بواسطة النفس اذ النفس فعل الذات المتعلق بالمشاعر و بها تفعل ما تشاء و تحكم ما تريد و مثلها فيها كالروح في المشاعر الدنيوية فانه الحاكم فيها المدرك منها و لا مجال لي في زيادة البيان في التأويل و ما ذكرته واقعا باب من التأويل يجري في كثير من المواطن ان اجريته و لولا تواتر الموانع لأشرت الي تأويلات جميع الفقرات .

قال عليه السلام : فهي بمشيتك دون قولك مؤتمرة و بارادتك دون نهيك منزجرة .

قال الشارح دون هنا اما بمعني قبل اي هي بمجرد مشيتك و ارادتك قبل قولك و نهيك مؤتمرة و منزجرة فيكون المراد بقوله و نهيه كلامه المحدث الذي هو عبارة عن خلق اصوات مخصوصة في جسم يجعلها دليلا علي انه تعالي مريد لشئ و اما بمعني عند اي هي بمشيتك عند قولك مؤتمرة .

اقول الايتمار الامتثال و الانزجار الانتهاء و اما دون فهو نقيض فوق و هو تقصير عن الغاية تكون ظرفا و تكون بمعني عند و منه الحديث من قتل دون ماله اي عنده و بمعني غير و بمعني قبل و بمعني قدام و منه من قتل دون دينه اي قدام دينه و في وصفه تعالي ليس دونه منتهي ، فدون هنا تقصير للغاية تقول هو دون ذلك اي اقرب منه اي ليس للقرب منه نهاية تدرك [ص 40] اذا اريد القرب منه لأنه تعالي منزه عن الابتداء و النهايات و يحتمل كونه بمعني سوي اي ليس سواه سبحانه ينتهي اليه امل الآملين و يكون بمعني خذ نحو دونكها اي خذها قال بعض العارفين فلاتكاد تخرج عن هذه المعاني و اما ما يناسب المقام منها فبعضها منها دون نقيض فوق يعني هي بمشيتك تحت امرك مؤتمرة فان لكل شئ مقاما اما المشية فهي قبل جميع الاشياء و هي الذكر الاول و بعدها بمراتبها مقام الامر و هو قبل جميع الاشياء ثم بعدها مقام الاشياء فهي دون الامر مؤتمرة به بمشية الله و ذلك قوله تعالي انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون تري انه تعالي ذكر الشئ بعد الامر و اما معني القبلية فلايناسب المقام فانه لايتصور سبق الاشياء علي امره تعالي و الشارح فسر القول ايضا بالقول اللساني و ذلك كلفة غريبة نعم يمكن ان نقول ان الايتمار في مقام الكون و القول في مقام الشرع و يراد ان اكوانها سابقة علي الاحكام الشرعية و ذلك قوله تعالي الله الذي خلقكم فمنكم كافر و منكم مؤمن و يحتمل من تلك المعاني معني عند و المراد بيان ايتمارها و انزجارها بمحض قوله و نهيه و المراد بيان قوته سبحانه و قدرته و قد اشار اليها سابقا ذلت لقدرتك الصعاب و تسببت بلطفك الاسباب الخ ، و يحتمل معني غير ايضا و يريد عليه السلام ان يبين ان في ايجاد الاشياء و امرهم و نهيهم لايحتاج الي [ص 41] قول باللسان بل بمحض المشية تأتمر الاشياء و بمحض الارادة تنزجر و هذا المعني اقرب الوجوه و اما المشية و الارادة فيحتمل كونهما هنا بمعني واحد و اتي بلفظين لأنه اقرب بمحاسن البيان و يحتمل معنيان فالمشية هي الذكر الاول و الارادة هي العزيمة و دونهما القدر و القضاء و بيانها علي نحو الاختصار ان كل موجود في الملك يوجد في حلين و عقدين حل اول نوعي و عقده و حل شخصي و عقد مثله و يعبر عنهما في الفلسفة بالحل الهبائي و الحل الطبيعي و العقد الاول و الثاني و الناس لم‌يميزوا بينهما و ضلوا ضلالا مبينا اما الحل الهبائي فهو تصغير الاجزاء اما بالسحق مع الفهر و الهاون او بشئ آخر و بعد هذا الحل عقد بحسبه و بعده الحل الطبيعي و هو تغيير صورة الشئ بالكلية و تحويله الي صورة اخري و ذلك بالتعفين و الحل و التعفين و الحل حتي يحصل شئ هكذا و الناس في غفلة عن هذا و بعد ما تم هذان الخلقان يتم المولود و ذلك في كل شئ بحسبه الاتري الي الفضة انها تتم في خلقين خلق نوعي و خلق شخصي اما الخلق النوعي فله مادة و صورة مادتها البخار و الدخان و صورتها تراب الفضة و الخلق الشخصي له مادة و صورة مادته جزء من هذا التراب و صورته صورة الفضية فهذه مراتب اربع في كل شئ بحسبه و لاتزعم من قولنا ان الخلق الاول نوعي انه نوعي بالنسبة الي افراد متكاثرة حاشا ان يكون [ص 42] هكذا بل جميع المراتب مراتب مولود واحد فنوعه دهريته بالنسبة الي ظهوراته و شخصيته شخصه فلو رددت المولود الي مباديه لاترجع مبدأ غيره مثلا مبدؤ الفضة البخار و الدخان في وزن خاص و ذلك غير البخار و الدخان في الذهب فان لبخاره و دخانه وزنا و اعتدالا غير ما في الفضة فافهم فلكل عقار خلق طبيعي و خلق هبائي شخصي و جميعها من مراتب هذا الشئ فلو نظرت في مراتب دارصيني من مبدئه الي منتهاه لوجدته علي مزاج دارصيني مسلما و لعلك قد عرفت من هذا المجمل ان مراد الحكماء من رد الشئ الي عناصره ليس الا عناصر وجوده و هي هي ما لم‌تبطل صورته لا ان ترده الي العناصر الاولية فانه لا ذكر فيها لشئ خاص بوجه من الوجوه و ليس صنع مولود جديد منها باصعب من ان ترد مولودا اليها ثم تصنع منها مثله فتدبر و المراد ان الجزء اليابس لا بد و ان ينحل اولا بالهضم و التعفين في الجزء الرطب حتي يصيرا شيئا واحدا سيالا من غير رسوب ثم بعد ذلك لا بد و ان يعقد علي ما ءال اليه حتي يحصل منه الشئ فان كانا في الطبيعة تنعقد علي المادة الهبائية و ان كانا في المادة الهبائية تنعقد علي الشخصية و قد يتجوز اساتيدنا ان يقال ان المادة مقام الحل و الصورة مقام العقد فهما في النوع و الشخص حلان و عقدان و تلك اربعة كاملة و بعد ما نظرنا في جميع الاشياء و وجدناها صاحبة هذه المراتب عرفنا ان علتها و مؤثرها تملك هذه المراتب و لو كان [ص 43] فاقدا لها لماكان يعطي غيرها بل اقول ان الآثار هي بعينها صفة المؤثر فكل ما فيها كلها من المؤثر فهذه المراتب ثابتة لفعل المؤثر البتة و اما ذات المؤثر فهي منزهة لاجل ان مؤثريتها ظاهرة من فعلها و فيها لا ذاتها و قد اشبعنا القول في ذلك في ساير الرسايل و المراد بيان ما بيناه فللفعل مراتب اربعة اولها ما يتعلق باول مراتب الشئ و هو مادة طبيعية و ثانيها ما يتعلق بنفس الطبيعة و ثالثها ما يتعلق بالمادة الشخصية و رابعها ما يتعلق بالصورة فالاول يسمي بالمشية و هي الذكر الاول للشئ و ليس قبلها ذكر للموجود و الثاني يسمي بالارادة و هي الاشراف علي وجود الشئ اذ تم بها خلقه النوعي و تسمي بالعزيمة و الثالث مقام القدر و هو الهندسة و المادة الشخصية و الرابع مقام القضاء و هو تمام صورة الشئ و الابرام و بعدها مقام الامضاء و هو مقام حصول الشئ كاملا و المثال الذي يكشف عن ذلك في عالم الاعراض مثل السرير المعروف بيننا فالسرير له مادة نوعية هي العناصر المتخذة للخشب و هي متعلق المشية و له صورة نوعية هي صورة الخشب معقود تلك العناصر و هي متعلق الارادة و له مادة شخصية و هي صفايح الخشب و الالواح هندسة السرير و ذلك مقام القدر للسرير و من بعد ذلك مقام نفس السرير و هي معقود تلك للالواح و ذلك مقام القضاء للسرير و بعد ما تمت المراتب و عقد بعضها مع بعض يحصل صورة السرير كاملة و ذلك مقام [ص 44] الامضاء فهي تمام المراتب و اعلم ان هذه المراتب مدركة معروفة في الخلق و اما المشية بنفسها فهي في غاية الوحدة المتصورة في الخلق و ليس لها مراتب ممتازة بعضها عن بعض و لكن نثبت لها هذه المراتب بحسب المتعلق كما انا نثبت للمطر النازل من السماء مراتب من حيث اللون و المزاج و الشكل و ليس فيه شئ من ذلك و لكنا نثبت له ذلك بحسب النباتات المختلفة و الوانها المتفاوتة فافهم ذلك ان شاء الله و كذلك الامر في العالم العلوي لولا نظرنا الي ساير الخلق لماكان يمكننا اثبات شئ من تلك المراتب الاربعة في المشية و لم‌نكن نري الا فعلا مطلقا كما هو غير خفي علي العالم فبعد ما وجدنا الخلق وجودها يدور علي هذين الحلين و العقدين اثبتناها في المشية ايضا بل وجدنا ان الله سبحانه جعل لكل شئ وقتا و تمام وقت الشئ يسمي اجلا و له مقدرات طول مدة عمره يسمي كتابا و لايقوم الا بامره و لايخرج من مقام من المقامات المذكورة و لايدخل في مقام آخر الا بامره سبحانه و اذنه فله اجل و كتاب و اذن و كلها من متممات القدر قلنا ان مراتب الفعل سبعة و لكنها واحدة من حيث انفسها متعددة من حيث متعلقها و لا علينا ان نذكر بعض الاخبار في المقام قال الرضا عليه السلام ليونس يا يونس تعلم ما المشية قال لا قال هي الذكر الاول فتعلم ما الارادة قال لا قال هي العزيمة علي ما يشاء فتعلم ما القدر [ص 45] قال لا قال هي الهندسة و وضع الحدود من البقاء و الفناء ثم قال و القضاء هو الابرام و اقامة العين و قال الكاظم عليه السلام في حديث فالعلم في المعلوم قبل كونه و المشية في المشاء قبل عينه و الارادة في المراد قبل قيامه و التقدير لهذه المعلومات قبل تفصيلها و توصيلها عيانا و وقتا و القضاء بالامضاء هو المبرم من المفعولات ذوات الاجسام المدركات بالحواس من ذي لون و ريح و وزن و كيل و ما دب و درج من انس و جن و طير و سباع و غير ذلك مما يدرك بالحواس الي ان قال عليه السلام فبالعلم علم الاشياء قبل كونها و بالمشية عرف صفاتها و حدودها و انشأها قبل اظهارها و بالارادة ميز انفسها في الوانها و صفاتها و بالتقدير قدر اقواتها و عرف اولها و آخرها و بالقضاء ابان للناس اماكنها و دلهم عليها و بالامضاء شرح عللها و ابان امرها و ذلك تقدير العزيز العليم و سأله علي بن ابرهيم الهاشمي كما في حديث آخر اذ سمعه يقول لايكون شئ الا ما شاء الله و اراد و قدر و قضي فقال ما معني شاء قال ابتدأ الفعل قال ما معني قدر قال تقدير الشئ من طوله و عرضه قال ما معني قضي قال اذا قضي امضاه فذلك الذي لا مرد له انتهي ، و اذا تعمقت النظر في هذه الاخبار تعرف الفرق بينها بلا غبار .

بقي شئ احب الاشارة اليه و هو وجه اختصاص المشية بالايتمار و القول و اختصاص الارادة بالنهي و الانزجار [ص 46] فاعلم ان الامر هو طلب النفوذ و السريان و الجريان و النهي طلب الانزجار و هو الحد الاتري انك تقول مثلا انصر اغفر افعل كذا و كذا فان جميع ذلك طلب جري الشخص في تلك الظهورات و المراتب و اما قولك لاتفعل كذا فذلك طلب انزجار الشخص عن صفات و عدم نفوذه و بذلك يحد الشئ و الحد هو الصورة و النفوذ من المادة و امثل لذلك مثالا انك تأمر الالف مثلا كن طويلا مستقيما واحدا اولا و هكذا و جميع ذلك طلب ظهوره في صفات مختلفة و لكن تقول له لاتجاوز من الطول حد اصبع و لاتجاوز من الاستقامة حد فلان و هكذا و بهذا النهي صار صاحب صورة خاصة و انت قد عرفت سابقا ان المشية مقام المادة النوعية و الارادة مقام الصورة النوعية فالمشية تناسب الامر الذي هو الجريان و الارادة تناسب النهي الذي هو الوقوف فبالمشية يجري الشئ جريا و بالارادة يقف فقال عليه السلام هي بمشيتك دون قولك مؤتمرة و بارادتك دون نهيك منزجرة و اما الباطن من غير الوجوه السابقة فيحتمل ان يراد من المشية النبوة فانها مقام الاجمال و الابهام و هي الذكر الاول لا اختلاف فيها و مقام المادة و الاب و يراد من الارادة مقام الولاية مقام التفصيل و الحدود و منشأ الاختلاف كما قال صلي الله عليه و آله لا اختلاف في الله و لا في و لكن الاختلاف فيك يا علي ، و مقام الصورة و الرحمة فجميع الاشياء بمشيته اي [ص 47] بنبوته اي محمد صلي الله عليه و آله دون قوله مؤتمرة اي مؤتمرة بوجود النبي لا بمحض قوله و بارادته اي ولاية علي (ع) منزجرة دون نهيه القولي و جميع الملك يدور مدار هذين كما لايخفي فجميع الملك يدور مدار النبوة و الولاية و بهما يقوم الاشياء فتدبر و اعلم ان البواطن لاتنحصر في واحد و اثنين بل هي كثيرة و الله اعلم بها و لانعلم منها الا اقل قليل و قد اشرت الي قليل من قليل و اسأل الله سبحانه ان يوفقني علي المراد ان شاء الله .

قال عليه السلام : انت المدعو للمهمات و انت المفزع في الملمات لايندفع منها الا ما دفعت و لاينكشف منها الا ما كشفت .

اقول المفزع الملجأ و المستغاث به اشارة الي قوله تعالي اذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون الا اياه و قوله قل ارأيتكم ان اتاكم عذاب الله او اتتكم الساعة اغير الله تدعون ان كنتم صادقين بل اياه تدعون فيكشف ما تدعون اليه ان شاء و تنسون ما تشركون اعلم ان المخاطب بقوله عليه السلام انت هو الله الظاهر للداعي بالمدعوية و هو غير الذات البحت فانك لاتعرف الذات و لاتكتنهها و كيف يملك او يوصف او يعرف من كنههه تفريق بينه و بين خلقه و لكنه سبحانه تجلي لخلقه في اسمائه و صفاته بحسب تعلقها بهم فانت في قوله انت المدعو هو من تجلي لك بالاسم المتعلق بك و الاسم هو نفسك التي [ص 48] ان عرفتها عرفت ربك و اذا نظرت اليها مع قطع النظر عنها عرفت المسمي و ذلك سر منمنم و رمز مبهم و ذلك هو الاسم الاعظم و التجلي الاكرم و النور الافخم الاشيم من ملكه لايكاد يرد له دعاء و من لم‌يملكه لايجاب له نداء و المدعو هو سبحانه بالخلوص له و السؤال عنه و الاقبال اليه و يعم الدعاء جميع ما ذكرناه و ما لم‌نذكره و ربما يزعم الزاعم ان الدعاء هو القول باللسان وحده و هو بعض من افراد الدعاء بل اقول انه يكون دعاء كاملا اذا صدقه ساير الاركان و الا فلايفيد شيئا الا ضعيفا و يشهد بذلك اخبار كثيرة فالمراد بالدعاء في الواقع تعديد القابلية لأن يستخرج منها باذن الله سبحانه ما شاءت و اعلم ان الله سبحانه جعل كل شئ فيه معني كل شئ و ذلك ان كل شئ مخلوق من الامكان و الامكان فيه صلوح جميع الاكوان الا انه قد استخرج منه صورة شئ خاص و الباقي في كمونه فاذا سأل ربه شيئا و استعد لبروزه عنه و جعل بدنه مراقبا مستعدا لنزول امر ربه يستخرج من كمونه ما استعد له باذن ربه و هذا اجابة دعوة الداعي اذا دعاه و كشف السوء عن المضطر اذا تضرع الي سيده و ربما يزعم الجاهل ان الاستجابة في هذه السماوات الدخانية و الحوايج ترتفع من عندها و المطالب تنزل منها فتسأل و ليس الامر هكذا و بالجملة مر صدر الكتاب بعض الاشارة و لانحتاج الي تكرار العبارة و اما كون المدعو محليً باللام يشير [ص 49] الي انه سبحانه هو المدعو لا سواه و لو دعا الداعي غيره كما في ساير الصفات التي صدرت بالالف و اللام في الذكر الحكيم كقوله الحكيم العليم الغفور الرحيم الرؤف الرحيم و هكذا ساير الصفات و معني ذلك انه هو الغفور لا غير و هو الرحيم لا غير و هكذا الامر هنا هو المدعو لا غير و ليس غيره قابلا لذلك بوجه من الوجوه بل كل من دعوته في شئ مستقلا اخطأت اذ الناس لايقدرون علي دفع ضر و كشف هم ابدا بوجه من الوجوه و لايقدرون علي شئ و يشهد بذلك العقل و النقل فكل من دعوته فاجابك و دفع الاذي عنك لم‌يفعل ذلك الا بحول الله و قوته و لكن انت اذا كنت ناظرا الي ربك و تسأله من سبيل عباده لكنت موحدا و ان كنت غافلا عن ربك ناظرا الي الخلق كنت مشركا و اذ عرفت ذلك تعرف ان الموحد العارف بربه لايكاد يشرك و ذلك كلام سهل في الظاهر مشكل في باطنه و اما المهم فقد ظهر شرحه مما مضي و المراد انك انت من يدعوه جميع الانام لكل مهم دنيوي او اخروي ظاهري او باطني غيبي او شهادي مطلقا ايا كان و كذلك قوله انت المفزع للملمات ، فانه لايقدر احد علي دفع ملمة سواه بل هو المفزع في الشدة و الرخاء و في كل بلاء لايندفع منها اي من المهمات الا ما دفع و لاينكشف من الملمات الا ما كشف او بالعكس او يجري كل في كل فانه في الربوبية العظمي و الالوهية الكبري لايكون الشئ لا من شئ الا الله [ص 50] و لايغير الشئ من جوهريته الي جوهر آخر الا الله فلا محرك الا هو و لا مسكن الا هو و لا فاعل الا هو فافهم ان شاء الله .

قال عليه السلام : و قد نزل بي يا رب ما قد تكأدني ثقله و الم بي ما قد بهظني حمله .

قال الشارح تكأده الامر علي تفاعل و تفعل صعب عليه و شق و الم الرجل بالقوم الماماً اتاهم فنزل بهم و بهظه الحمل يبهظه بهظا من باب منع اثقله و عجز عنه و استعار الثقيل و الحمل اللذين هما حقيقة في الاجسام لشدة ما حل به لتحقيق معني المشقة التي نالته منه .

اقول بعد ما وصف ربه بما يناسب المقام و سبحه عما لايناسب و تقرب بما يتقرب به المتقربون عرض عليه الحاجة و ذلك دستور في الدعاء فكل ما اردت الدعاء لا بد لك من ان توصفه سبحانه و تمدحه و تثني عليه فان في ذلك منافع كثيرة فمنها ان المدح و الثناء يورث ترحم المدعو علي الداعي لأنه قد اتي بما يحسنه و هو توصيفه بالصفة الحسني و منها ان المدح عبادة و بالعبادة يتقرب الانسان من الرحمن و يطرد عنه الشيطان و ذلك يصير سبب الاستجابة و منها ان المدح هو الاقرار و الحمد سبب الزيادة فبعد ما مدحته بما مدح به نفسه و اثنيت عليه بما اختار لنفسه يتوب عليك و هو التواب الرحيم فتسأل حاجتك بعد بلسان لم‌يعص ربه فيجيب دعوتك لا محالة و بالجملة فتسأله و تبين اولا ثقل الحاجة فان لذلك خواصا منها ما مر ان في العرض [ص 51] اثرا و ثانيا ان المدعو اذا شاهد و استمع من الداعي ثقل حمله يترحم عليه و الله سبحانه و ان كان عالما بكل شئ قبل ايجاد العلم و العلة و لكن احب ان يدعا هكذا لحكم بعضها مر و بعضها سر لايظهر و ثالثا ان الداعي اذا ذكر حاجته و ثقل مطلبه و عظم مسألته يرق لشدة فقره و حاجته لامحة و اذا رق قلبه يبكي و يصرخ و يكون ذلك سبب اجابة الدعاء و بالجملة الاسرار كثيرة جدا و اما وجه ثقل المهم و الملم فقد مر سابقا و الاشارة اليه ثانيا ان الطبع يتقوي بما يشابهه و يتضعف بما ينافره فاذا ورد علي الانسان ما ينافره يجد فيه فناءه و تفرق اعضائه فيستوحش منه و يتنفر و يفر الروح من ظاهر البدن من حيث ادركه و يقبل الي القلب و يشايعه الدم فيرجع الي القلب و لذلك تري ان الخائف و المستوحش يصفر لونهما لأن الروح يفر من الظاهر و يشايعه الدم من تحت الجلد و العروق فاذا غلب عليه الوحشة ربما يشايعه البدن فيفر كما في الخبر اذا خاف هرب ، و اذا غلب عليه ذلك بحيث اعرض الروح دفعة يلقي مغشيا عليه او يموت و ربما لايبلغ هذا المبلغ و لكن يفر الروح مرة و يرجع مقبلا اخري فيحصل الارتعاش و بالجملة في الصورة الاولي اذا رجع الدم في القلب و اقبل الروح اليه يشتد حرارة القلب فيتصاعد البخار الغليظ الي الدماغ فيحجب بين الروح اللطيف الصافي و البدن كما يحجب السحاب بين [ص 52] الشمس و الارض اذا غيمت السماء و بغلبة الحرارة يقل الرطوبة و ربما يحترق بها الدم و يكثر السوداء و يكون ذلك سبب الهم و الغم و قلة الفرح الذي هو من الدم و اذا صعد البخار المحترق الي الرأس يخاف الطبع ان يذوب به شحم العينين و يحترق رطوبة الدماغ فيسيل الدمع و ماء الانف و اذا غلب الهم و الغم يقل الماء بغلبة الحرارة مسلما فيقل الدمع و ماء الانف و يكون ذلك سبب الامراض و اعلم ان الله سبحانه اختار للعين الماء المالح لمنع الشحم عن الاذابة و ان يصلبه و اختار للانف الماء اللين الغليظ التفه لأن مجري الانف لطيف و الماء المالح يفسده و الحلو يلدغه و كذلك كل طعم يفسده من وجه و جعله غليظا لأن الماء الصافي يسيل جميع اللعاب و يبقي اللحم و الغضروف بلا لعاب فيفسده الاهبية و الاغبرة و الهواء و يجمد الرطوبات و اللعاب احسن حافظ لها كما لايخفي و بالجملة فاذا غلب الهم و الغم علي الانسان و عرضه ملم يشتد بكاؤه و يكثر عويله حتي انه يصيح لذلك و يريد الطبع بذلك تبريد القلب و معالجة هذا المرض اما بالدواء او الدعاء اما الدواء فلايصلح استعماله دايما لأنه ان كان شفاءا يكون داءا الاتري انه يفسد جزءا و يصلح جزءا فما يفيد وجع البطن يفسد الدماغ و يورث السرسام و وحشة القلب و ما ينفع القلب يضر بالرجل فلكل دواء مزاج خاص و ينفع من مرض [ص 53] مخصوص و لايصلح لامراض اخر هذا و الادوية تنفع من الامراض التي بواعثها داخلة و اما البواعث الخارجية فلاتنفع منها الدواء الداخلي الا ان يقلب المزاج في بعض الاحوال و يقوي البنية فلاتنفعل و ذلك مما لايصلح كما لايخفي علي الطبيب اذ لاينفع الا في اقل قليل فالمعالجة غالبا برفع الباعث اولا و الطبع بنفسه يتقوي (ظ) اذا رفع المانع و دفع الخلط الا في قليل من الامزجة و المرضي مثلا اذا غلب البرد علي الانسان لا بد من دفعه بتعديل المنزل و ان اردت تقوية البنية و تسخين المزاج حتي لاينفعل عن البرد ربما يموت الانسان و انت تعلم ان الامر بيد الله قل كل من عند الله و لانملك لانفسنا نفعا و لا ضرا و لا موتا و لا حيوة و لا نشورا و لايغير الشئ من جوهريته الي جوهر آخر الا الله فدفع البواعث بيد الله و تقوية البنية بحيث لاتهلك من عند الله و هو الشافي و اسمه الدواء كما في الدعاء يا من اسمه دواء و ذكره شفاء ، فاحسن المعالجة باسم الله سبحانه و التوجه اليه و الدعاء له و من عالج نفسه بذلك و دخل من بابه هو يكفيه فهو المدعو لكل مهم و المفزع لكل ملم و ان عرفت ان الدواء لايشفي الا باسم الله فيه و الدعاء لايشفي الا باسمه تقول كلما دفع دفع به و كل من شفي شفي به و كل ما انكشف انكشف به و السلام علي من عرف المراد و اما الباطن فاعلم انه قد ورد في الخبر ان امام الارض رب الارض و لذلك ورد في المعرفة ان معرفة الله [ص 54] معرفة اهل كل زمان امامهم و من مات و لم‌يعرف امام زمانه مات ميتة جاهلية بل ميتة كفر و نفاق و ذلك لان الجاهل به لم‌يعرف ربه و من لم‌يعرف ربه لم‌يعبد شيئا فكفر بالله و بانعمه و هو من الهالكين و ذلك ان الرب ربان رب اذ لا مربوب و رب اذ مربوب اما الرب اذ لا مربوب فهو ذات الاحد جل شأنه كانت ربا و لا مربوب من خلقه كما انها كانت سميعة و لا مسموع عالمة و لا معلوم و لما خلق الخلق المربوبين ظهر بالربوبية و وقع التربية علي المربوبين و انت تعلم ان المربي لهم هو امامهم و كل من يربيهم من الانبياء و ورثتهم فقوله عليه السلام نزلونا عن الربوبية و قوله لاتدعونا اربابا ، المراد هو الرب اذ لا مربوب اي الذات و اما الرب الذي ظهر في المربوب و له و رباه فهو الامام و انت في تخاطبك لاتخاطب الذات بل تخاطب من يصلح للتخاطب و هو الرب اذ مربوب فتخاطبه و تشكو له و تقول يا رب قد نزل ما تكأدني ثقله و بهظني حمله من غصب الخلافة فانه ثقيل علي المؤمن و صعب مستصعب او غيبته عليه السلام او كلاهما او مفارقتهم في الوجدان لكثرة العصيان او كلها و الله العالم بحقايق الاشياء .

قال عليه السلام : و بقدرتك اوردته علي و بسلطانك وجهته الي .

اقول اما القدرة فقد مضي شرحها و اما السلطان فله معان [ص 55] منها الحجة و منه قوله تعالي ام انزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون اي حجة و منها القدرة و منه قوله تعالي و من قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا اي قدرة علي القصاص و منها الوالي و منه قوله تعالي و اجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا اي واليا نصيرا و قيل ان السلطان جمع سليط بمعني الدهن سمي الملك به لأنه يضيء الملك و اما ما يخص المقام معني القدرة و قال الشارح رحمه الله انه قدرة الملك فهو اخص من مطلق القدرة و علي اي حال ظهورهما في الائمة صلوات الله عليهم و يمكن ان يقال ان سلطنة الله و ولايته ظاهرة في صاحب الزمان عليه صلوات الله الملك المنان و ظهور القدرة في علي عليه السلام كما مر سابقا في الخبر انه يطوف بالقدرة و هي العقل و قد قال تعالي و من قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا اي ابي‌عبدالله الحسين عليه السلام لما قتل جعلنا لوليه صاحب الزمان سلطنة و ولاية يطلب ثاره و انت تقر في تلك الفقرة و تذعن ان جميع ما جري علي اجريته بواسطة علي اميرالمؤمنين و ولي العصر سلام الله عليهما و لاينافي ذلك ان اصل الامامة هي قدرة الرب و جميعهم محال القدرة و اماكنها فان جميع الامامة يومنا هذا ظاهر في حجة العصر و هو حاملها لم‌يشذ عنه من مقاماتها شاذ و لذا يكون الاقرار به اقرارا بالجميع و ما يقال ان الاقرار به عليه السلام اقرار بالجميع من باب انه [ص 56] خليفة الماضين لفظ معناه ما ذكرناه و بالجملة فبواسطة الامام عليه السلام يجري جميع الاشياء و ذلك قوله عليه السلام ما من شئ لنا الا و انتم له السبب و قوله بكم تحركت المتحركات و سكنت السواكن و قوله و اولياء النعم ، و ما ذكر هنا ان عرفت باطنه اثنيت ربك باحسن الثناء و ذلك هو الثناء الجميل الذي ينبغي ان يثني به قبل الدعاء كما في الخبر و لكن هنا دقيقة لا بد من الاشارة اليها و هي انك تقول و تخاطب ربك انك اوردت علي ما تكأدني ثقله و بهظني حمله فهل جميع ما يرد علي الانسان من البلايا من عند الله من دون استحقاق العبد او باستحقاقه فان كان من دون استحقاقه فذلك ظلم و ليس الله بظلام للعبيد و ان كان بالاستحقاق فلم ينسبه الي الله وحده مع انه استحق العقاب بفعله و جزاه الله بمقتضي عمله اقول من نظر في الاخبار لايستشكل ذلك و بيانه علي نهج الاختصار ان الله سبحانه هو الفاعل وحده لا شريك له و هو المقدر لا مقدر سواه و يفعل ما يشاء بقدرته و يحكم ما يريد بعزته و قد قدر سبحانه لعبده ما قدر و لكن تقديره سبحانه لايخص امرا دون امر الاتري ان الامام عليه السلام يقول ان الامر ينزل من السماء الي الارض كقطر المطر ، و انت تعلم ان قطر المطر تنزل غير مخصصة بشئ دون شئ و لكن الاودية تسيل بقدرها و يخرج لكم به الزرع و الزيتون و النخيل و الاعناب و من كل [ص 57] الثمرات و ليس هذه الاختلافات في اصل القطرات و لا في السحاب المزجاة و لا في العرش و الكرسي و السماوات و جميع الاختلاف من قطعات الارض المختلفات ،

كقطر الماء في الاصداف در و في فم الافاعي صار سما

و كذلك تقدير العزيز الحكيم فالله يقدر بتقدير عام و يخرج به من قوابل الامكان اشياء مختلفة الاكوان متفاوتة الاعيان بحسب قوابلها فيحيي واحد و يموت آخر و يعيش واحد و يحزن آخر و امثل لك مثالا من محال المشية و هي السماوات ففي السماء يقارن زحل مع الزهرة و حكم قرانهما حزن العرايس و موتهن و سوء حال اصحاب العيش و الطرب و المغنيات و ذل العطر و الرياحين و سرور اهل الهند و فرحهم انظر ليس في السماء الا قران واحد و لكن ظهر في القوابل باختلافها كالنور الواحد اذ يظهر في المرايا بلونها و شكلها فاذا عرفت ذلك اقول ان الحول و القوة من الله و الامر منه و الحكم له فاذا ظهر امره في القوابل من حيث القابلية يقويها علي القبول و ذلك بقضائه و قدره و ظهر امره في الفواعل فهي تفعل بقضائه و قدره و كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لايكادون يفقهون حديثا و ان عرفت ذلك تعرف معني المشيتين مشية مبغوضة و مشية محبوبة فان مشية الله واحدة و بعد ما تعلقت بالانسان فاطاع امر ربه يحبها و ان تعلقت بالانسان فعصي تكون مبغوضة الحاصل فالكل و ان كان [ص 58] من عند الله و لكن تغير الامر في بطون القوابل فكل قابلية طيبة جرت بمشية الله علي الوجه الحسن الجميل تكون مثابة و الله يجري اليها الخير و ان جرت بمشية الله علي الوجه القبيح تكون معاقبة و الله يجري اليها الشر فافهم ذلك ان شاء الله فالله سبحانه يورد الهم و الغم باقتضاء القابلية و اقتضائها بمشية الله المطلقة التي انصبغت في بطنها و بذلك يعرف حقيقة الجبر و التفويض و الحمد لله الذي هدانا لهذا و ماكنا لنهتدي لولا ان هدانا الله .

قال عليه السلام : فلا مصدر لما اوردت و لا صارف لما وجهت و لا فاتح لما اغلقت و لا مغلق لما فتحت و لا ميسر لما عسرت و لا ناصر لمن خذلت .

قال الشارح رحمه الله الاصدار خلاف الايراد تقول اصدرت القوم اذا صرفتهم و الابل صرفتها بعد الايراد و الفاء للسببية كما هو ظاهر اي فلا احد يصدر ما اوردت علي طريق نفي الجنس لنفي جميع افراد المصدر ذاتا و صفة .

اقول ان جميع هذه الفقرات في اظهار قدرته و وحدانيته في فعله فقوله فلا مصدر لما اوردت يعني ما اوردته كائنا ما كان بالغا ما بلغ لا مصدر له اي لايجعله احد صادرا فيمكن ان يكون المراد ما اوردته عرصة الامكان لايخرجه احد منه و ذلك مما لايشك فيه عاقل ابدا فما دخل في الوجود لايخرج منه و ذلك قولهم ما دخل في ملك الله لايخرج من ملك الله فما ابقاه الله لا مفني له [ص 59] و ذلك قوله خلقتم للبقاء لا للفناء و في الباطن يحتمل الوجهان الخير و الشر فاما يراد منه رؤس الضلالة فمن اورده الله النار لا مصدر له منها و كل ما ارادوا ان يخرجوا منها اعيدوا فيها و اما يراد منه سادات الايمان فمن اورده الله شيئا مما يخصه لا مصدر له فآل‌محمد سلام الله عليهم اوردهم الله منهلهم و هو الدنيا و الآخرة و اورثهم الارض كما قال تعالي ثم اورثنا الكتاب الذين اصطفينا و الكتاب جملة الملك و اورثهم الجنة كما قال و اورثنا الارض نتبوأ من الجنة حيث نشاء و لايقدر احد علي ان يمنعهم حقهم و يصدرهم عنه و ان رأيت الدنيا اياما في ايدي الغاصبين فذلك باختيار منهم و ليس يمكنني رواية الاخبار في كل فقرة فقرة لاجتماع اسولة كثيرة عندي كل يطلب الجواب و الصواب الاكتفاء بالاشارة .

قوله عليه السلام و لا صارف لما وجهت ، اي ما وجهته و جعلته مقبلا لا احد يصرفه ابدا و يحتمل ان يراد منه التقديرات التي قدرها الله للانسان من الخير و الشر او يراد ذلك باحد الوجوه فان الله سبحانه هو الفاعل و الآمر و المقدر لايشركه احد من عباده و كيف يقدر علي ان يغير خلقه من ذاته مخلوقة له سبحانه و في الباطن يحتمل ان يراد منه ان الله سبحانه قد وجه الامام عليه السلام الي الدنيا فانه مقبل الي الدنيا و لولا اقباله الي الملك لفسد جميعه عن آخره و ساخت الارض و من فيها و لا احد يصرفه عن ذلك ابدا [ص 60] و ان ارادوا ان يطفؤا نور الله بافواههم و لكن الله متمه و لو كره الكافرون .

قوله و لا فاتح لما اغلقت ، اي ما جعلته مغلقا ايا كان من الواردات لايفتحه احد سواك او خصوص باب الجبر و التفويض فان الله سبحانه قد اغلقه بالكلية فلا جبر و لا تفويض و هما ممتنعان او يكون ذلك احد افراد ما اغلقه ايا كان و في الباطن يحتمل ان يراد انه قد اغلق باب الخير علي الاعداء فلا فاتح له في الدنيا و الآخرة و لا مغلق لما فتحت اي ما قدرته ان يصل الي الانسان او الخلق لا مغلق له و من ذلك الرزق فانه يصل بقدر المقدر و الاجل فان اجل الله اذا جاء لايؤخر ساعة و اين ما كنتم يدرككم الموت و لو كنتم في بروج مشيدة و كذلك الرزق يطلبك من حيث يطلبك الاجل و اما المكاسب فلطلب الفضل و منها الكتاب فما كتب الله للانسان في اللوح المحفوظ لايغير و في الباطن يراد منه ان الله سبحانه قد قدر لشيعة علي عليه السلام ابواب الخير فلا مغلق لها او جعل عليا بابا مفتوحا فلا مغلق له و قد قال رسول الله صلي الله عليه و آله انا مدينة العلم و علي بابها فمن اراد المدينة فليدخلها من بابها .

قوله و لا ميسر لما عسرت ، اي ما جعلته في تقديرك عسيرا لا ميسر له و سيجعل الله بعد عسر يسرا و الناس يطلبون اليسر من عند غير الله و لايجدونه ابدا و اعلم ان مع كل عسر يسرين كما في قوله تعالي ان مع العسر يسرا ان مع [ص 61] العسر يسرا الاتري انه ذكر العسر الثاني مع الالف و اللام و ابهم اليسر و يعلم من ذلك ان العسر الثاني عين العسر الاول و اما اليسر الثاني فهو غيره و الكل بيد الله سبحانه و في الباطن العسير اعداؤ الله عز و جل و اليسير اولياؤه الاتري ان الامام عليه السلام قال ان الله يسير يحب اليسر ، فاعطي اسمه اولياءه و قد نفي العسر و الحرج عن الدين لأن العسر صفة الاعداء فمن جعله الله عدوا لآل‌محمد عليهم السلام ليس احد يجعله وليا و من يهدي من يضله الله و لكن الله هو القادر علي ذلك و اما قوله ان الله لايهدي من يضل علي قراءة المجهول فسهل اي لايهدي مجهولا من يضله الله و اما علي قراءة المعروف فلاينافي القدرة اي لايهدي الله من يضله مع انه قادر علي ذلك .