قوله عليه السلام و لا ناصر لمن خذلت ، اي من جعله الله مخذولا منكوبا لا احد ينصره و هو قد خذل اعداءه و لا احد ينصرهم و قد جعل اولياءه منصورين فلا احد يخذلهم و قد زعموا انهم قد خذلوا موالينا و حاشا ان يكون هكذا و الله ناصرهم كما قال عليه السلام لا مغلوب و الله ناصره و لا ذليل و الله معزه ، و بعد ما اقر الانسان بأن الله سبحانه هو الفاعل لما يشاء لا غير يستعد لاستجابة دعائه كما في الخبر من قال في دعائه ان الله علي كل شئ قدير يجيب دعاءه و في آخر من علم ان الله اذا شاء يجيب و ان لم‌يشأ لم‌يجب يجيب دعاءه ، و اذا علم [ص 62] الانسان ذلك و تيقن به يشتد خضوعه للمسؤل و يكثر خنوعه و يزيد رقته عالما بأن جميع الابواب مغلقة الا بابه و جميع الايادي مقطوعة الا يده فيسأله راجيا لفضله طالبا له لا غير و الله سبحانه اذا رأي ذلك منه يجيب دعاءه ان شاء و ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء .

قال عليه السلام : فصل علي محمد و آله .

اقول بعد ما ذكر من توصيف الله سبحانه و ثنائه و عظمه مما يناسب المقام و اراد طلب الحاجة بدء بالصلوة علي محمد و آله لأنه ورد في الخبر ان الله سبحانه يقبل مسألة الصلوة علي محمد و آله و اذا قدم الدعاء عليهم و طلب الرحمة يقبل الله دعاءه لأن الله اجل من ان يبعض المسألة فيقبل بعضا و يرد بعضا و لذا ورد تصديره و ختمه بالصلوة اما معناه اختلف العلماء في اشتقاق الصلوة فقيل من صليت العود بالنار لينته و قومته لأن المصلي يلين بالحنو و العطف و يسعي في تعديل ظاهره و تقويم باطنه كالخشب الذي يعرض علي النار و قيل في هذا القول غباوة عن صاحبه لأن الصلوة واوية و صليت العود من ذوات الياء فكيف يصح الاشتقاق و قيل هو عجيب فان المشدد تقلب منه الواو ياء كما في زكيت المال و الظاهر ان القايل توهم انه مأخوذ من صليت المخففة ذاهلا عن كون الثقيلة و هي التصلية كالتزكية انما هي مصدر لصلي المشدد [ص 63] لا المخففة انتهي ، و قيل هذا التعجب اعجب فان كلا من صليت العود و صليته المخففة و المشددة من ذوات الياء فلم‌تقلب الواو في المشددة ياء كما زعمه الزاعم بل الياء فيهما من سنخ الكلمة بخلاف التزكية فانها واوية فقلبت الواو ياء مع التشديد و هذا ظاهر و قيل من الصلوين و هما عرقان من جانبي الذنب و عظمان ينحيان عند الانحناء فناسب ان يراد بها الحنو و الانعطاف المعنويين و قال الزمخشري في الكشاف الصلوة فعلة من صلي كالزكوة من زكي و كتبتا بالواو علي لفظ المفخم و حقيقة صلي حرك الصلوين لأن المصلي يفعل ذلك في ركوعه و سجوده لكانت الصلوة ذات الاركان مشتملة علي التعطف استعيرت للتعطف علي الغير حنوا و ترؤفا و قيل بل اصل الصلوة اللغوي بمعني الدعاء و يؤيده ان الصلوة بهذا المعني في اشعار الجاهلية كثيرة الاستعمال و الحق في المقام ان الصلوة من الصلة و عليه فقد اعطي الله سبحانه نبيه و اهل بيته صلوات الله عليهم ما ارضاه من كل خير بمقتضي فضله و كرمه و بمقتضي قوابلهم و استعدادهم عليهم السلام و بدعاء كل من لهم عليه شكر نعمة الهداية و التعليم و الاعانة و التوفيق لطاعة الله و الايمان و شكر البابية الكبري و الوساطة العظمي في كل ما وصل اليهم من الله تعالي من احوال الخلق و الرزق و الحيوة و الموت و ساير النعم التي اسبغها الله للخلق ظاهرة و باطنة فانها [ص 64] لم‌يصل الي احد من الخلق الا بواسطتهم و يمكن ان يكون من الوصل و الله سبحانه اوصل محمدا و آل‌محمد عليهم الصلوة و السلام بكل خير و امر مرغوب منها مشية الله سبحانه و نوره و قدره و قضاؤه و الله سبحانه اوصلهم اليها و الناس يسألون ربهم الزيادة في ذلك او يكون من الوصلة اي ما يتوصل به من الاسباب فان الصلوة هي السبب الموصل الي الله تعالي فقد انزل الي نبيه صلي الله عليه و آله و اهل بيته عليهم السلام من اسباب القرب اليه و التكرمة و التشريف و النيابة و الوسيلة و غير ذلك بمقتضي كرمه و فضله و مقتضي قوابلهم و استعداداتهم و بدعاء من اشرنا اليه من الخلق بجميع جهات طرقهم الي الطاعات ما هم اهله و روي في قوله تعالي ان الله و ملئكته يصلون علي النبي (ص) يا ايها الذين آمنوا صلوا عليه و سلموا تسليما قال صلوات الله عليه تزكية لنا و ثناء عليه و صلوة الملئكة مدحهم له و صلوة الناس دعاؤهم له و الاقرار و التصديق بفضله و عن الكاظم عليه السلام انه سئل ما معني صلوات الله عليه و صلوة ملئكته و صلوة المؤمن قال (ع) صلوة الله رحمة من الله و صلوة الملئكة تزكية منهم له و صلوة المؤمنين دعاء منهم له و في معاني الاخبار عن الصادق (ع) انه سئل عن هذه الآية فقال الصلوة من الله رحمة و من الملئكة تزكية و من الناس دعاء و اما قوله عز و جل و سلموا تسليما يعني التسليم فيما ورد عنه قيل فكيف نصلي [ص 65] علي محمد و آل‌محمد قال تقولون صلوات الله و صلوات ملئكته و انبيائه و رسله و جميع خلقه علي محمد و آل‌محمد و السلام عليه و عليهم و رحمة الله و بركاته قيل فما ثواب من صلي علي النبي بهذه الصلوة قال الخروج من الذنوب والله كهيئة يوم ولدته امه .

و هنا دقيقة شريفة و هو ان المعروف بين العلماء ان الصلوة من الملئكة استغفار و الملئكة يسبحون الله و يستغفرون للمؤمنين كما دلت عليه الآية الذين يحملون العرش و من حوله يسبحون بحمد ربهم و يؤمنون به و يستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شئ رحمة و علما فاغفر للذين تابوا و اتبعوا سبيلك و قهم عذاب الجحيم ربنا و ادخلهم جنات عدن التي وعدتهم و من صلح من آبائهم و ازواجهم و ذرياتهم انك انت العزيز الحكيم و قهم السيئات و من تق السيئات يومئذ فقد رحمته و ذلك هو الفوز العظيم و تري ان الله سبحانه في الآية الكريمة لم‌يذكر لهم حالا ثالثا فهم يسبحون و يستغفرون للمؤمنين و انت تعلم ان آل‌محمد سلام الله عليهم هم المعصومون و لايحتاجون الي استغفار الملئكة ابدا و لكن حملوا ذنوب شيعتهم كما ورد في شرح قوله تعالي ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك و ما تأخر فقال عليه السلام ماكان له ذنب و لا هم بذنب و لكن حمله الله ذنوب شيعته ثم غفرها له ، فالملئكة يستغفرون له صلي الله عليه و آله بصلوتهم له و ذلك في الواقع تزكية فلا اختلاف في [ص 66] الاخبار و هذا التأويل فان التزكية هي التطهير من الاخلاق الذميمة و يحتمل ان الله يغفر لهم قبل ان يحملهم ذنوب الشيعة و ذلك ما نص في الآية الملئكة يستغفرون للمؤمنين و لكل وجه و لكن ظاهر الخبر الاول .

و بعد ما صلي عليه ثني بآله صلوات الله عليهم و اما الآل فاعلم ان بين الآل و الاهل في استعمال اهل الشرع و اللغة عموم و خصوص من وجه و ان كان اصل آل اهل فقد يطلق الآل و يراد منه اشراف الاهل فهو اخص من اهل و قد يستعمله اهل الشرع صلوات الله عليهم بالعكس و نروي في المقام بعض الاخبار تذكرة للاخيار عن الديلمي عن ابيه قال قلت لابي‌عبدالله عليه السلام جعلت فداك من الآل فقال ذرية محمد صلي الله عليه و آله قال قلت فمن الاهل قال الائمة (ع) فقلت قوله عز و جل ادخلوا آل فرعون اشد العذاب قال والله ماعني الا ابنته و عن ابي‌بصير قال قلت لابي‌عبدالله عليه السلام من آل‌محمد صلوات الله عليهم فقال ذريته فقلت من اهل بيته قال الائمة الاوصياء فقلت من عترته قال اصحاب العباء فقلت من امته فقال المؤمنون الذين صدقوا بما جاء به من عند الله تعالي المتمسكون بالثقلين اللذين امروا بالتمسك بهما كتاب الله و عترته اهل بيته الذين اذهب الله عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا و هما الخليفتان علي الامة بعده ، فالمراد من الاهل الائمة المعصومون صلوات الله عليهم [ص 67] و المراد من الآل ذريته و يدخل في الذرية شيعتهم صلوات الله عليهم كما ورد في الخبر انتم آل‌محمد انتم آل‌محمد و في حديث انتم من آل‌محمد قال الراوي من انفسهم قال عليه السلام من انفسهم ، فانت اذا صليت عليه و علي آله ادخلت جميع اهل بيته و شيعته في الصلوة و طلبت الرحمة من الله و التزكية من الملئكة و الدعاء من ساير الخلق لهم و لا شك انك اذا صليت عليهم يغفر الله لك لأنك قد عرفت ان صلوة الملئكة استغفار لشيعتهم في الواقع و انت اذ كنت من مواليهم يغفر الله لك بذلك ذنبك و كذلك اذا رحمك الله سبحانه يغفر لك و اذا توسلت بآل‌محمد سلام الله عليهم و توجهت اليهم تتقرب من الله سبحانه و تتنور بذلك كما انك اذا توجهت الي الشمس تتنور فيذهب الظلمات و اذا ذهب الظلمات يأتي الطاعات ببركة الله سبحانه فتسأل الله بعد ذلك بلسان طاهر عن العصيان ببركة الله المنان فيجيب دعاءك .

قال عليه السلام : و افتح لي يا رب باب الفرج بطولك و اكسر عني سلطان الهم بحولك .

قال الشارح استعار لفظ الباب بسبب الفرج و رشحه بذكر الفتح و هي استعارة مكينة تخييلية و كذلك استعارة لفظ السلطان لغلبة الهم و رشحه بذكر الكسر من كسرت القوم بمعني هزمتهم و الطول بالفتح الفضل و المنة و الغني و السعة و الحول القدرة علي التصرف .

[ص 68] اقول بعد ما مجد الله سبحانه و عظمه و وصفه و صلي علي النبي و آله صلوات الله عليهم بدأ بالسؤال و قرع باب الطول و تحت ذلك حكم كثيرة احب الاشارة اليها في الجملة فاعلم ان الله سبحانه ذات احدية لاتسمي و لاتوصف لشهادة الصفة و الموصوف بالاقتران الثابت في الحدث الممتنع من الازل و لاينسب الي الذات شئ و لاتنسب الي شئ و لاتحد بشئ و لايحد شئ بها و لايتوسل اليه احد من الخلق لأن الخلق لايكاد يتوسل الا بما يقترن به و لايقترن بالاحد جل شأنه ابدا و ذلك مسلم لا شك فيه و لانحتاج بعد الي زيادة الشرح و البيان لأن مشايخنا اعلي الله مقامهم قد فصلوا ذلك في كتبهم مفصلا فاذا كان هو جل شأنه ذاتا احدية فكيف يمكننا ان ندعوه او نسأل عن شئ فان الله لايخص شيئا دون شئ و لايقرب من شئ بل لا خصوصية له بالمنع و العطاء و لكن خلق لنفسه اسماءا و صفات جعلها ابواب فيضه و سبل المسير الي دار قربه و اياديه في القبض و البسط و الوصلة اليه سبحانه و لما كانت صفات مخلوقة و عبادا مرزوقة لا بد و ان يخص كل واحدة منها بامر خاص فان كل ما دخل عرصة الكون خلقه الله مركبا فان الله لم‌يخلق شيئا فردا قائما بذاته فللصفات ايضا مادة مثل ساير المواليد هي ما به اجتماعها و صورة هي ما به افتراقها و ما به الافتراق لايكون ما به الافتراق الا بصورة و طبع [ص 69] مخصوص فلكل مزاج خاص و اثر مخصوص و ذلك مما لا شك فيه فلا بد و ان تسأل ربك اولا من سبيل الصفات لأنها ابواب الفيوض و تطلب ما يناسب حاجتك من الصفات لأن كلا منها باب فيض مخصوص مثلا ان الله سبحانه هو القادر القاهر العالم الفاضل العادل المعطي المانع فاسم القادر باب ما يناسب القدرة و القاهر باب ما يناسبه و هكذا و انت اذا طلبت شيئا فعليك ان تقرع باب ما يناسب حاجتك من الاسماء فان وجدت اسما قريبا فادع به و الا فاطلب من المطلق الاعلي و اياك ان تطلب المنافر فتحرم مثلا اذا اردت ان يرحمك ربك فقل يا رحيم و ان اردت ان يغفر لك فقل يا غفار و ان اردت الوسعة في امر المعاش فقل يا مفضل و امثال ذلك و اما طلب المطلقات فهكذا تطلب النجاة من العدو تقول يا قادر يا قاهر و تطلب الرزق و تقول يا ارحم الراحمين و لا بد و ان تعرف مواقع جميع هذه الصفات فمن عرف مواقع الصفة بلغ قرار المعرفة و من لم‌يعرف المدعو لايستجاب له ابدا اذ لايدري من ذا يسأل و اذا عرفت السبيل يرجي ان تصل الي الباب فقف و اسأل و من قرع بابا و لج ولج مسلما و من طلب شيئا و جد وجد و بعد ما اراد الامام عليه السلام قرع باب الفرج سأل ربه بطوله و الطول من المطلقات الاعلي و قد عرفت معانيه في الظاهر و اما الباطن فالمراد من الفرج هو الولاية فان ولاية علي بن ابي‌طالب هي عين الفرج كما ان عداوته هي الضيق [ص 70] و الحرج قال الله تعالي فمن يرد الله ان يهديه يشرح صدره للاسلام و من يرد ان يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس علي الذين لايؤمنون فيطلب ولاية علي بطول الله سبحانه و هو المن و العطاء الاعظم و هو الامام عليه السلام و كذلك بمعني الفضل هو هم عليهم السلام و يشهد بذلك اخبار كثيرة خاصة و عامة منها نحن والله الاسماء الحسني التي امر الله ان تدعوه بها ، فمجمل السؤال انك تسأل ان يفتح الله لك باب الولاية بواسطة علي عليه السلام و اعلم ان الفرج في الظاهر و التأويل يعم جميع انواع الفرج من الامور الظاهرة و الباطنة و كل ما يضيق به النفس مما ينافره و ضيق المجال يمنعني عن طول المقال و الحول هو القوة علي التصرف و يقال في الاعراض عن العصيان كما ان القوة هو القوة علي الاقبال الي الطاعات و قوله و لا حول و لا قوة الا بالله يعني لا اعراض عن العصيان و لا اقبال الي الطاعة الا بالله العلي العظيم و انت تسأل ربك ان يكسر سلطان الهم بحوله اي يصرفه عنك و قد مضي شرح السلطان و الهم و لا حاجة الي التكرار و قد كتبت رسالة خاصة في شرح الحولقة مفصلا و بينت فيها الظاهر و الباطن و التأويل و ان شئت فاطلبها فانها رسالة شريفة .

قال عليه السلام : و انلني حسن النظر فيما شكوت و اذقني [ص 71] حلاوة الصنع في ما سألت .

قال الشارح رحمه الله اناله اي اعطاه و الاسم النوال بالفتح و حسن النظر كناية عن كمال الاعتناء و مزيد الاحسان في حق من يجوز عليه النظر لأن من اعتني بانسان التفت اليه و اعاد نظر عينيه ثم كثر حتي صار عبارة عن الاعتناء و الاحسان و ان لم‌يكن ثمة نظر ثم جاء فيمن لايجوز عليه نظر مجردا لمعني الاحسان مجازا عما وقع كناية عنه فيمن يجوز عليه النظر الي آخر كلامه ، و قال في الحلاوة استعار لفظ الحلاوة التي هي حقيقة في الكيفية المخصوصة في الاجسام لما يوجد من انبساط النفس بسبب صنيعه تعالي اي معروفه و الجامع اللذة و رشحه بذكر الاذاقة التي هي من خواص المشبه به تخييلا الي آخر كلامه .

اقول بعد ما سأل عليه السلام ما سأل و شكي الي الله سبحانه الهم و الغم يسأله ان يعطيه حسن النظر في ما شكي اليه اي يبدله بامر حسن فانه لا مبدل سوي الله سبحانه و حاصل الكلام اي بدلني عنها شيئا معتني به و قوله اذقني الي آخر ايضا بيان آخر لذلك اي اصنع لي صنعا حلوا و ذلك ان الله سبحانه هو القادر و يقدر علي دفع الاذي المعين بامر لايحسنه الطبع مثلا تسأله ان يدفع عنك اذي السلطان فربما يميتك لأنه نوع دفع و ربما تسأل ان يحفظك من شر الولد فيميته و لايحسن الطبع ذلك و لذلك وضعوا صلوات الله عليهم [ص 72] دستورا لذلك كما في الاستخارة فانت تطلب الخير منه و ربما يكون الخير في الضرر و لذلك امرونا بطلب الخيرة مع العافية فتقول في الاستخارة استخير الله برحمته خيرة في عافية فبعد ذلك يهديك الي خيرك مع العافية مثلا تريد سفرا تستخير ربك و ربما يكون خيرك في الذهاب و انت تقتل في سفرك و هو ايضا خير لك فيأتي امر و تذهب و تقتل و لكن اذا سألت العافية يأتي خيرك مع سلامتك و كذلك الامر في الدعوات و لذلك بعد ما سأل عليه السلام حاجته مطلقة قال انلني حسن النظر و اذقني حلاوة الصنع يعني ادفع عني ما سألت دفعه و ابدلني منه ما التذ به و ذلك حاصل المعني و الشارح رحمه الله لما كان نظره الي الظاهر لم‌يلتفت الي الحقيقة و زعم ان الحلاوة مختصة بالاجسام و لكن اهل الحقيقة يعلمون ان لها حقيقة في الملأ الاعلي و قد قال الله تعالي ان من شئ الا عندنا خزائنه و الحلاوة شئ و اصله من الخزائن الاعلي الاتري انه يوصف ماء الجنة بالحلاوة مع ان الجنة عالية عن هذه الاجسام بضرورة الاسلام فالحلاوة اصلها من الاعلي بل الروح اصله حلو و التذاذة من الحلاوة الدنياوية لاجل المناسبة و الريح ايضا حلو و الايمان حلو الاتري ان المؤمن بالطبع يميل الي الحلواء و يلتذ منه و ليس ذلك الا لاجل المناسبة و لذلك قال عليه السلام المؤمنون حلويون ، بل اقول ان اصل الحلو من الملأ الاعلي و الحلو [ص 73] الدنيوي صار حلوا لحكايته له فافهم و ذلك بيان مجمل غض طري .

قال عليه السلام : و هب لي من لدنك رحمة و فرجا هنيا و اجعل لي من عندك مخرجا وحيا .

اقول مأخوذ من قوله تعالي آتيناه رحمة من عندنا و قوله و من يتق الله يجعل له مخرجا و قد قدم الجار و المجرور في المقامين لحكمة في البيان و هي الاعتناء بالمقدم و التشويق الي المؤخر فان ما حقه التقديم اذا اخر تبقي النفس مترقبة لوروده لاسيما عند الاشعار بكونه من المنافع و اذا وقع مثل ذلك في الدعاء كانت نفس الداعي اكثر توجها الي الطلب و اشد اقبالا علي المطلب و التوجه روح العبادة و سبب الزيادة و اما اللغة فالهنيئ من هنأ الشئ بالضم مع الهمزة هناءة بالفتح و المد اي تيسر من غير مشقة و لا عناء و يجوز الابدال و الادغام و الوحي كالسريع وزنا و معني .

بعد ما سأل عليه السلام مراده و عرض حاجته يطلب منه ثانيا فان في الاصرار بركة لاسيما و الله سبحانه يحب تكرار السؤال فغير اللفظ و زاد في السؤال فقال هب لي من لدنك رحمة و فرجا ، اما الرحمة في الظاهر فمعلومة و لكن في الكلام نكتة عجيبة فانه سأل الرحمة و الفرج الهنيئ من لدن ربه و بين لدن و عند فرق اذا اجتمعا افترقا فان لدن يستعمل في ما كان متصلا بالشخص و عند يستعمل فيما كان خارجا مع [ص 74] انه عنده فالعلم اللدني هو العلم الذي يخرج من صدر الشخص و هو بمزيد الحب لآل‌محمد عليهم كما قال عليه السلام ما من عبد احبنا و زاد في حبنا و ورد عليه مسألة الا و نفثنا في روعه جوابا لتلك المسألة و قال من اخلص لله اربعين صباحا جري من قلبه علي لسانه ينابيع الحكمة ، و اما العلم العندي فما حفظه و استنبطه من الكتب و تعلمه من الاساتيد فالرحمة اللدنية هي الرحمة المختصة بالله سبحانه و اما الرحمة العندية فهي ما انتشرت في الملك و منها رحمة الأم كما يظهر من الخبر و لايترحم علي احد بالرحمة اللدنية الا لمن يشاء و هي رحمة عظيمة عجيبة غريبة يقوم بها جميع ما كان و ما هو كائن و يمكن ان نقول هي الرحمة الرحمانية المستولية علي جميع الملك في قوله الرحمن علي العرش استوي و العرش علي احد الوجوه الملك و له معان العلم و الملك و المشية و هذا العرش و غير ذلك مما ذكر في الخبر و الرحمن مستو علي جميعها و الامام عليه السلام يسأل الخروج عن عرصة الضيق و هي عرصة الكون فان ما دخل عرصة الكون دخل عرصة الضيق و الحرج اذ كل مكون لايكون غيره فهو ممنوع عن غيره و ذلك معني الضيق و كل مكون قايم في محله لايتجاوزه كالوتد في ثقبته و لانصطلح الضيق الا في ذلك و من ذلك يحصل للانسان الذي نزل من الملأ الاعلي حرج عظيم فانه لايستأنس بهذا الضيق العظيم فكانما ضاق [ص 75] به جميع السماوات و الارضين و لذا يكون الدنيا سجن المؤمن فيسأل رحمة وسعت كل شئ و كل رحمة الله واسعة و لكن الرحمة اللدنية اوسع من جميع اقسام الرحمة و يطلبها لأن يخرج من سجن الدنيا الي جنان البساطة و الاستيلاء و السلطنة و ذلك معني الفرج العظيم و فرج آل‌محمد سلام الله عليهم يوم استيلائهم و اذ قد عرفت في الحكمة ان لهم مقاما معلوما يحكمون فيه علي الدنيا و العقبي و ما فيهما و لايعصون فهم دايما في هذا المقام في فرج و من عرف هذا المقام و انفتح عينه به و كشف له عنه دايما في فرج و ذلك مطلب عظيم لايبين اكثر من ذلك و لكل احد نصيب منه و اما في الباطن فتلك الرحمة مقام محمد صلي الله عليه و آله كما ان الرحمة الرحيمية في مقام الولاية و الامام عليه السلام يملك مقام الثاني بالاصالة و الاول لحكايته للنبوة و يطلب المزيد من ربه كما في الزيارة انا اهل البيت شجرة النبوة و موضع الرسالة و مختلف الملئكة و بيت الرحمة و معدن العلم ، و شواهد ذلك من مطلقات الاخبار كثيرة و شرح امثال ذلك مما لانحتاج اليه يومنا هذا بعد ما شرح مشايخنا اعلي الله مقامهم من الاسماء و الصفات و ان ابيت الا الاشارة اقول ان الرحمة هي صفة الله و فوق جميع الصفات و قبل جميع الخلق لما تري في دعوات كثيرة ان الائمة صلوات الله عليهم يوصفون الرحمة بأنها وسعت كل شئ و لايسع [ص 76] جميع الاشياء الا ما كان سابقا عليها و قال الله الرحمن علي العرش استوي اي استولي و احتوي و العرش باحد الوجوه الملك فهو اي الرحمن مستو علي جميع ما سوي الله و قد ثبت في الحكمة ان آل‌محمد هم اول ما خلق الله قال النبي صلي الله عليه و آله اول ما خلق الله نوري ثم فتق منه نور علي عليه السلام فلم‌نزل نتردد في النور حتي وصلنا الي حجاب العظمة في ثمانين الف سنة ثم خلق الخلق من نورنا فنحن صنايع الله و الخلق بعد صنايع لنا ، فهم سابقون علي جميع الخلق و هذا مقام الرحمة هذا و طرق الاستدلال كثيرة تركناها لكثرة الملال و اختلال الاحوال و السايل رحمه الله رجل فهيم يكفيه الاشارة عن طول العبارة فاذا عرفت انهم الرحمة و الرحمة اول الخلق فهي اقرب من الله من جميع الخلق فهي لدي الله كما قال عليه السلام اخترعنا من نور ذاته ، و نور الذات لديها لا محالة و هو قول الله الذي لايبدل لديه و السايل يسأل الله ان يهبه الرحمة من لدنه اي يشرح صدره بولاية آل‌محمد عليهم السلام و من صار لهم وليا يظهر في قلبه نور منهم و هو علي صفتهم فاذا ظهر نورهم في قلب مؤمن يظهر الرحمة في قلبه فيصير مستوي الرحمن كما قال قلب المؤمن عرش الرحمن ، و قبر الامام صاحب الرحمة الوسيعة كما قال قلب من والاه قبره ، و هذا معني سؤال الرحمة فاذا سألت الله الرحمة يزيد في قلبك ولايتهم علي ما شرحنا و ذلك [ص 77] سر منمنم و هذا هو الفرج القريب ان عرفته و شرح القلب ان اهتديت اليه و اي فرج اوسع مما بين السماء و الارض و قلب المؤمن اوسع كما قال ماوسعني ارضي و لا سمائي و لكن وسعني قلب عبدي المؤمن ، فافهم ان كنت تفهم و الا فاسلم تسلم و ذلك سر منمنم و رمز مبهم و الله اعلم .

و قوله و اجعل لي من عندك مخرجا ، مضي انه مأخوذ من الآية و المخرج اما بمعني المخلص او الخروج و هو جزاء التقوي فان الله سبحانه جعل لكل عمل جزاء و جزاء التقوي المخرج في كل شئ و من كل شئ اذ اطلقه الله تعالي او المخرج من مراتب العبودية و الدخول في نعيم الربوبية كما قال تعالي في القدسي يا ابن آدم انا رب اقول للشئ كن فيكون اطعني فيما امرتك اجعلك مثلي تقول للشئ كن فيكون يا ابن آدم انا حي لااموت اطعني في ما امرتك اجعلك مثلي حيا لاتموت ، و هو عليه السلام يسأل المخرج لأنه علي الظاهر من الله سبحانه و التقوي فعل العبد و ان كان الكل من عند الله الفعل و الجزاء و لكن الله سبحانه يجري فعله في الخلق علي ايديهم ثم يجزيهم بيديه و لا حول و لا قوة الا بالله و لذا يسأل العبد دايما عن الله سبحانه ما يخصه في الظاهر من النعم و الالطاف و الاحسان ثم لايخفي انه طلب المخرج من عند الله لا لديه لأنه اراد المخرج من الخلق اليه او من الخلق و الي الخلق و في الخلق و لفظ عند مما يدل علي ذلك دون لدن و علي ان يكون بمعني المخلص يكون المراد [ص 78] الخلاص مطلقا عن كل كثرة و قبيح و هو غاية الاخلاص فان منتهاه الخلاص مطلقا و يسأل عليه السلام ربه الغاية فمجمل امر المخرج انه التوحيد الخالص و غير الموحد لا مخرج له بوجه بجميع المعاني و الموحد من حيث عمله صار خارجا عن جميع ما سوي الله داخلا في لجة بحر الاحدية الوصفية و طمطام يم الواحدية فلايري فيه نور الا نور ربه و لايسمع منه صوت الا صوته و من هذا الباب مارأيت شيئا الا و رأيت الله قبله او معه او بعده ، و تحقيق هذا المقام كثير ان احببت الاطلاع عليه فاطلبه من شرح القصيدة للسيد السند اعلي الله مقامه و من حيث يصير مظهر اسم الله الرضي و وجهه المضيء فمعرفته معرفة الله و الجهل به جهل بالله سبحانه و من كل حيث يكون في الله و لله و اما في الباطن فالمراد المخرج من ظلمة غيب شمس الانوار و الاستفاضة من ظهور نور الائمة الاطهار و لايمكن ذلك الا بعد كشف الاستار و خرق حجب الاسرار و لايكون ذلك الا في الرجعة و اوله زمان الظهور و بروز النور فالسايل يسأل ربه هذا الزمان و اعلم انك اذا سألته فانه قريب يجيب الدعوة مسلما اما وجودا او وجدانا فاما وجودا فابقائك الي زمان ظهورهم و تعجيل ظهورهم و اما وجدانا فبزيادة معرفتهم و ولايتهم فان العارف حاله في الغيبة غير حال الجاهل بهم و المنكر لفضائلهم فانه معهم اين ما كان بل [ص 79] العارف ساكن في الجنان بنص حديث سادات الانس و الجان و لذلك قال عليه السلام ادع ربك ان لايخرجك من الجنة فانك الآن في الجنة فافهم .

قال عليه السلام : و لاتشغلني بالاهتمام عن تعاهد فروضك و استعمال سنتك .

قال الشارح الاهتمام هنا من همه الامر فاهتم اي حزنه .

اقول فحاصل المعني علي ذلك اي لاتجعلني مشغولا بسبب الحزن عن حفظ فروضك اي العمل بها و استعمال السنة و اعلم ان الفرض و السنة في اصطلاح اخبار آل‌محمد عليهم السلام غير ما اصطلح عليه الناس بل مرادهم من الفريضة ما نزل في القرآن فرضه و المراد من السنة ما استن رسول الله صلي الله عليه و آله اعم من ان يكون واجبا او مستحبا فما سنه في الفرايض فهو واجب و ما سنه في سنته فهو مستحب و قد يقال السنة و يراد منها اعم من الفرايض و السنن و ذلك كثير في الاخبار و بسط القول في ذلك في كتب الاصول فاطلبه منها ان شئت و اعلم ان الهم الكثير سبب اعراض القلب عن الطاعة كما هو مجرب لأن الانسان يكسل بسبب الهم الكثير و الكسالة سبب ضيق النفس و فرار الروح عن ظاهر البدن و انجماده علي حزنه و عدم انفعاله بشئ و سبب قلة الفهم و قلة الحفظ و اعلم ان الكسل في الاخبار مذموم حتي عن امر الدنيا فان الامام موسي بن جعفر [ص 80] عليه السلام قال اياك و الكسل و الضجر فانهما يمنعانك حظك من الدنيا و الآخرة و قال النبي صلي الله عليه و آله لعلي عليه السلام اياك و خصلتين الضجر و الكسل فانك ان ضجرت لم‌تصبر علي حق و ان كسلت لم‌تؤد حقا يا علي من استولي عليه الضجر رحلت عنه الراحة .

قال عليه السلام : و قد ضقت لما نزل بي يا رب ذرعا و امتلأت بحمل ما حدث علي هما .

اقول قال الجوهري ضقت ذرعا اذا لم‌تطقه و لم‌تقو عليه و اصل الذرع انما هو بسط اليد فكأنك تريد مددت يدي اليه فلم‌تنله و قال الازهري الذرع يوضع موضع الطاقة و اصله ان البعير يذرع بيده اي يمدها في سيره علي قدر سعة خطوه فاذا حمل عليه اكثر من طاقته ضاق ذرعه عن ذلك و هذا احسن و اما قوله حدث علي فاشعار باكراه النفس فان اللام للنفع و علي للضرر فاذا قال حدث لي يشعر بالنفع و حدث علي يشعر بالضرر فاذا عرفت ذلك فاعلم ان الانسان اذا ذكر همه لربه و بين احواله و كشف عن ذله و فقره و فاقته يؤثر ذلك في نفسه اكثر لا محالة فيحدث فيه خضوع و خشوع و كل ما خضع النفس يكثر الرقة و الارتعاش و الخوف و الوحشة و القلق و الاضطراب فيقبل الي ربه بالسؤال و التوبة و الانابة و اذا وجد الرب الغني تعالي شأنه من العبد هذه الحالات يقبل اليه بالمودة لا محالة [ص 81] و ذلك واضح انشاء الله و لكن تحت ذلك سر منمنم و رمز مبهم احب الاشارة اليه و هو ان العبد اذا خضع لله سبحانه يميل الي الفناء و البوار فاذا فني النفس يظهر من ورائها النور الباقي و ذلك حقيقة الفناء في البقاء و اذا اتعب نفسه بطول التضرع و كثرة البكاء يتنعم بالنعيم السرمدي و ذلك النعيم في شقاء و اذا وجد نفسه ذليلا عند ربه يتشرف بالعز و ذلك عز في ذل و اذا وجد نفسه فقيرا الي ربه يستغني عن غيره و ذلك الفقر في الغناء و حقيقة ذلك ان الله سبحانه جعل الانسان مركبا من نور و ظلمة يعبر عن النور بحيث الرب و عن الظلمة بحيث النفس اما حيث النفس فهو حيث الطبع و الظلمة و الشيطان القرين بكل احد و شأنه العصيان و الطغيان و الشرك و الكفر فاذا اطاعه الانسان يتقوي فيزيد سلطانه و يبقي الانسان بذلك في معرض الهلاك و ظل ذي ثلث شعب يوصله الي النار و اذا عصاه يذل شيئا فشيئا و عصيانه بمراقبة الله سبحانه و الاعراض عنه و مثله مثل النساء فانك كل ما اقبلت اليهن يزيد في مكرهن و حيلتهن و خدعتهن و عصيانهن و اذا اعرضت عنهن يضعفن آنا فآنا و يقل مكرهن و يفسد جميع تدابيرهن بمحض الاعراض و كذلك الامر في النفس الامارة بالسوء اذا اعرضت عنها و اقبلت الي الله سبحانه يظهر لك النور من حقيقة الطور و النور هو صاحب البقاء و الدوام و العز و الغني و كل صفة حميدة و هو [ص 82] اذا جاء يجيئ معه جميع صفاته و يتقرب الانسان من الله سبحانه فجميع ذلك يدور مدار اهلاك النفس و هو بالخضوع له و هو حقيقة السجود و لذا يقول الله سبحانه و اسجد و اقترب و يقول اقرب ما يكون الي العبد و هو ساجد ، و ذكر الحاجة و الذل و المسكنة و الفقر سبب الخضوع الذي هو السجود فافهم .

قال عليه السلام : و انت القادر علي كشف ما منيت به و دفع ما وقعت فيه .

اقول ذكر قدرة الله آخر الدعاء ايضا سبب الاستجابة و لذا ورد في دعوات كثيرة و سر ذلك ان الانسان اذا ذكر قدرة الرب يتذكر عجزه و عجز من هو مثله فيرجو الرب و لايرجو سواه و في الاياس عما سوي الله و الرجاء لفضل الله اثر في استجابة الدعاء فان عمدة ما يجب في الاستجابة حسن الظن و جميع ذلك اسباب حصول حسن الظن فلذلك بعد ما دعا بما دعا ذكر قدرته تعالي و صدر اسم القادر بالالف و اللام لما مضي فان التعريف لافادة القصر و ذكر بعد ذلك ما مني به لتذكر النفس للحاجة ثانيا حتي لاينسي فان الله يحب الاصرار و منيت بمعني ابتليت اي ما ابتليت مما ذكر سابقا و الابتلاء هو الاختبار و يسمي البلاء بالاختبار لأن الله سبحانه يختبر و يمتحن عبده بالمحن فمن وجده صابرا يوفيه اجره بغير حساب و محال في الحكمة ان [ص 83] لايمتحن و لايختبر عبده و ان كان نبيا كاملا و لذا ورد في اخبار كثيرة ان البلاء موكل بهم و بهذا الاختبار يرفع درجتهم و يعلو منزلتهم و اعلم ان سبب الاختبار بذلك ان الانسان بحسب خلقته عبد الاحسان فاذا احسن اليه الله سبحانه في جميع حالاته و اقبل الي الله سبحانه لايعلم منه انه يقبل الي الله لاجل الاحسان او لأنه هو الله خالقه فيبدل الاحسان بالبلاء يوما حتي يعلم انه عبد صابر و يحب ربه لنفسه او لاحسانه فيقال للمصايب البلاء و الابتلاء و الاختبار و قد يجعل الاحسان سبب الابتلاء ايضا اذ ربما يطيع العبد مولاه ما دام حاجته فاذا وجد في نفسه غناء يطغي و ذلك قوله تعالي ان الانسان ليطغي ان رآه استغني و قال اذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم الي البر اذا هم يشركون و لذا قد يعم البلاء جميع ما في الدنيا فيقال ان الدنيا برمتها بلاء المؤمن فتدبر .

و هنا اشكال احب الاشارة اليه و هو انه لا شك ان الصبر في البلاء حسن فلم امرونا بالدعاء و هم يدعون في البلايا اقول ان البلاء قد وكل بهم لاجل الدعاء فان الدعاء هو مطلوبه المأمور به اذ قال تعالي ادعوني استجب لكم و يبتلي الله الناس بالبلايا لأن يقبلوا اليه و يتضرعوا لديه و يدعوه فذلك لاينافي الصبر فان الانسان مع صبره يدعو فان الصبر عدم الفرار عن الرب و الشكوة الي المخلوق و التضرع [ص 84] الكثير و الدعاء هو الاقبال الي الله سبحانه و كذلك لاينافي الرضا فان الانسان يدعو لاجل انه محبوب الله و يرضي بقضائه فاذا تواترت البلايا ففروا الي الله و تضرعوا لديه نعم للسالك مقام فوق ذلك لايدعو كما قال الصادق عليه السلام اما انا فلاادعو ، و هو مقام الاشتغال بذكره سبحانه عن طلب نعمته و هو مقام التوحيد و بروز سر التفريد مثال ذلك انك ربما تشتغل بالعالم و تحب لقاءه فلاتسأله عن شئ و ربما تطلب العلم فتسأله عن العلم و لكل اهل و لكل احد نظرات ثم الدعاء ايضا مختلف فمرة تدعوه لحبك لما تريد فتدعوه النعمة لاشتياقك اليها فذلك دعاء الفقراء و المساكين فالمنظور النعمة و لو وصلت اليك من غير سبيل الدعاء لتركت الدعاء و ذلك غير محمود و رب احد يدعو لأن الدعاء مستحب و المستحبات وسائل الي النجات و ذلك ايضا خسيس و المؤمن يدعو ربه شوقا الي مناجاته و المؤانسة به و التكلم معه و ذلك شأن الخصيصين و ذلك من لاييأس ان لم‌يجب و لايستوحش ان منع فانه قد وصل الي مراده اول مرة فافهم فان ذكر الحوائج منه وسايل الدعاء و التكلم لا ان يجعل الدعاء وسيلة لغيره بل لنفسه فافهم و ان عرفت هذا البيان الشريف تعرف انه لا اختلاف في الاخبار في ما ورد في الدعاء و تركه و الفرق بينه و بين الذكر و اما ظاهر العبارة فلا اشكال فيه و اما باطنها فيظهر مما مضي و كثرة [ص 85] الواردات منعتني عن تفصيل القول و انا اسألك الدعاء في مظان الاستجابة و اعتذر من الاختصار و مع الاختصار اشرت في هذا الشرح الي مطالب شريفة و فضايل منيفة و ان اردت استجابة الدعاء فاعرف بواطن الدعوات حتي تطلع علي مواقع الصفات فتطلب الحاجات من الباب و من دخل المدينة من بابها يفوز بمأموله و الداخل من ورائها سارق و يقطع يده و يمنع و لاتنس في الحوائج و ذكرها نصيبك من الدنيا فرب من تسأل ما يخالف شأنه فيحرم و ان وفقت ان تنسي حين الدعاء حاجتك و نفسك و تري ربك فانتظر الاستجابة و ذلك اصل شريف و اكثر من يحرم يحرم لاجل عدم التوجه اليه سبحانه نسأله التوفيق علي الخلوص و نستعين به علي العبادة ختم الله لنا و لكم بالسعادة و صلي الله علي الائمة السادة القادة و لعنة الله علي اعدائهم اجمعين ابد الآبدين الي يوم الدين .

و قد حصل الفراغ من تسويد هذه الاوراق في ليلة الاربعاء سلخ شهر رجب المرجب سنة خمس و تسعين و مأتين بعد الالف من الهجرة النبوية علي مهاجرها آلاف التحية في بلدة كرمان حامدا مصليا مستغفرا . تمت .