رسالة في شرح الدعاء السابع من الصحيفة السجادية
من مصنفات العالم الرباني و الحكيم الصمداني
مولانا المرحوم الحاج محمد خان الكرماني اعلي الله مقامه
الحمد لله و سلام علي رسول الله و آله آل الله عليهم صلوات الله و علي شيعتهم اولياء الله و اللعنة الدائمة علي اعدائهم اعداء الله الي يوم لقاء الله .
و بعد قد امرني و انا العبد محمد بن كريم بن ابرهيم من اوجبت علي نفسي طاعته بشرح الدعاء السابع من ادعية الصحيفة السجادية و هو : كان من دعائه عليه السلام اذا عرضت له مهمة او نزلت به ملمة و عند الكرب ، فامتثلت امره و اجبت مسؤله و من الله التوفيق و لكني اعتذر اليه من طول المقال لما انا فيه من الاشغال و كثرة الكلال و توارد الملال مع اني مشتغل ببعض الشروح كشرح خطبة البيان لسيد الانس و الجان و اجوبة المسايل من الاخوان صانهم الله عن طوارق الحدثان و مع ذلك كله اعتذر من طول المقال و اجتنب مع ذلك الاجمال و ابتغي بين ذلك سبيلا و حسبي الله هاديا و دليلا .
فاقول و الله المأمول عرض له امر يعرض كضرب يضرب بمعني ظهر ، قال الشارح صدرالدين احمد بن نظامالدين رحمه الله عرض له [ص 3] خطب اي اعترض من قولهم سرت فعرض لي في الطريق عارض من جبل و نحوه اي مانع يمنع من المضي و اعترض بمعناه ، و المهم و مهمّة من همه الامر هما كمدّ مدّا و مهمّة كمحبة حزنه و اقلقه كأهمه اِهْمٰاما و المراد ما يحزنه من امور الدنيا و الآخرة مما يتعلق بالظواهر و البواطن ، و الملمة كممد بالهاء النازلة من نوازل الدنيا و الدهر و الكرب الحزن .
اقول ان الله سبحانه ركب بدن الانسان من اجزاء متشتتة و اركان متفرقة و عناصر مختلفة اخذها علي ما شاء و اراد و ركب بينها فلاطها بالبلة حتي لزبت و اجمدها حتي استمسكت و اصلدها حتي صلصلت و قد اخذ سبحانه لقوامها و حيوتها ميزانا معلوما لو اختلف لفني الشئ عن آخره و حق ذلك ظاهر لمن كان عارفا بالفلسفة انه لا بد في كمال المولود من ماء و دهن و صبغ و ارض و تأخذ من كل بقدر الحاجة و تركبها و تجمع بينها بحسن التدبير بيد التقدير و لو قل واحد من الاجزاء الاربعة عن القدر اللازم في التركيب لفسد المولود عن آخره الاتري ان من اخذ الله لتركيب بدنه العنصري قدرا مخصوصا من الصفراء مثلا لو زدت عليه بالمعالجات او نقصت منه بالتدبيرات لفسد المولود و مات في اقل من ساعات و ذلك اصل اصيل و ربما يزعم الانسان ان تعديل المزاج مما لا بد منه للسالك فيريد التعديل بالمعالجات بالعقاقير فيفسد عليه مزاجه حتي يموت و نري جماعة يسخنون [ص 4] لزيادة الفهم و التسخين الخارج عن حد الاعتدال مما يفسد المزاج فان سلامة مزاجك مثلا في هذا الحد المعلوم من الحرارة و البرودة و اليبوسة و الرطوبة فلو زدت في واحدة منها لفسد البدن و لذا جربنا ان غالب المرتاضين يجنون في آخر عمرهم او يكفرون الا من اتي الله بقلب سليم و عمل بما يوافق الشرع المبين و اطاع رسول رب العالمين و بالجملة المراد ان بقاء كل شئ باجزائه و هي اذا تغيرت عما هي عليه يفني الشئ لامحة .
فاذا عرفت هذه المقدمة فاعلم مقدمة ثانية اخري و هي ان الله سبحانه قد جعل لجميع الاشياء آثارا و ذلك مما لا شك فيه فيؤثر كل شئ في كل شئ الا ان الاشياء بعضها ضعيف في تأثيره و بعضها قوي فما كان قويا يؤثر في اضعف منه و ذلك علي حسب قوة الفعلية و ضعفها و لا شك ان جميعها يؤثر في قابلية الانسان علي حسبها فاذا كان الشئ مما يقوي مزاج الانسان لاجل المناسبة الحاصلة بينه و بينها يقوي به و اذا كان منافرا له يضعفه كما تري ذلك علانية في العقاقير ان مرزنجوش يؤثر فلان و فلان فاذا كان ملايما للطبع يسمي نفعا و الا فضررا و من المضرات الواردات فانها اما تكون ملائمة او ملمة مفرحة او مهمة و لما كان بنائي علي الاختصار و الاجمال لست بصدد شرح ذلك و المراد محض الاشارة باخصر عبارة فاذا ورد علي الانسان ما يكرهه لا بد و ان يدفعه بتقوية المزاج فانك [ص 5] قد سمعت فيما ذكرت سابقا ان لكل شئ اثرا فاذا كان الشئ قويا يمنع اثر الضعيف كما هو واضح فاذا قويت المزاج يؤثر مزاجك في ما يرد عليك فيمنع اذاه مثال ذلك ان للبرد اثرا في الانسان اذا غلب عليه يهلكه و في حرارة بدن الانسان اثر في البرد يدفعه فاذا غلب البرد يهلك فاذا ورد عليك و قويت الحرارة الغريزية باستعمال الادوية المسخنة لايؤثر فيك البرد بعد و ذلك مجرب فاذا عرفت ذلك فاعلم ان جميع العزة و القوة لله و رسوله و كل ذي قوة قوي باتصاله بنور الله و مشيته سبحانه فاذا اتصلت بنور الله سبحانه تقويت علي دفع الملمة بل اقول ان معالجة الملمات و دفع المهمات بذلك احسن و اجمل بل اسلم و انفع مثلا اذا ورد عليك بلية فاردت دفعها بتهيأة الاسباب و دفعها بمثلها ربما لاتقدر علي ذلك كما اذا غلب عليك العدو و قهرك ربما لاتقدر علي دفعه بالقتال و الجدال و ان اردت المقاتلة ربما تهلك بيده و لكن اذا دعوت الله فاجابك يدفع عنك العدو باحسن وجه من غير عارضة مهلكة فلاجل ذلك يكون الدعاء سلاح المؤمن و قربة له سيدخله الله في رحمته بذلك و لذا ورد عن علي عليه السلام اذا اشتد الفزع فالي الله المفزع و عن ابيالحسن موسي عليه السلام ما من بلاء ينزل علي عبد مؤمن فيلهمه الله عز و جل الدعاء الا كان كشف ذلك البلاء وشيكا و ما من بلاء ينزل علي عبد مؤمن فيمسك عن [ص 6] الدعاء الا كان ذلك البلاء طويلا فاذا نزل البلاء فعليكم بالدعاء و التضرع الي الله عز و جل و عن ابيعبدالله عليه السلام هل تعرفون طول البلاء من قصره قيل لا قال اذا الهم احدكم الدعاء عند البلاء فاعلموا ان البلاء قصير و عن ابيالحسن عليه السلام الدعاء والله الطلب ان الله يرد البلاء و قد قدر و قضي و لميبق الا امضاؤه فاذا دعا الله عز و جل صرف البلاء صرفا ، و اعلم ان الكُرَبَ و المهمات و الشدايد و الملمّات التي ترد علي الانسان لاتخص ما تلاحظه من الشدايد الدنيوية بل هي عند العاقل الخبير من اهونها و الشدايد الاخروية اصعب منها بمرات و لاتزعم انها لاترد علي الانسان و هو في الدنيا بل ترد عليه و لكنه لكونه مشتغلا بالدنيا الدنية غافل عنها و لايلتفت اليها بل الشدايد البرزخية ترد ورودا و هو لغفلته لايطلع عليها و لكن السالك يعرف جميع ذلك و لا بد له من التوسل الي الله سبحانه و الدعاء و المسألة ان يدفع الله عنه البلية ففي العوالم عن اسحق بن عمار قال سمعت اباعبدالله يقول ان رسول الله (ص) صلي بالناس الصبح فنظر الي شاب من الانصار و هو في المسجد يخفق و يهوي رأسه مصفر لونه نحيف جسمه و غارت عيناه في رأسه فقال له رسول الله صلي الله عليه و آله كيف اصبحت يا فلان فقال اصبحت يا رسول الله موقنا فقال فعجب رسول الله (ص) من قوله و قال له [ص 7] ان لكل شئ حقيقة فما حقيقة يقينك قال ان يقيني يا رسول الله هو احزنني و اسهر لي و اظمأ هواجري فعزفت نفسي عن الدنيا و ما فيها حتي كأني انظر الي عرش ربي و قد نصب للحساب و حشر الخلايق لذلك و انا فيهم و كأني انظر الي اهل النار فيها معذبون يصطرخون و كأني اسمع الآن زفير النار يعرفون في مسامعي قال فقال رسول الله صلي الله عليه و آله لاصحابه هذا عبد نور الله قلبه للايمان ثم قال الزم ما انت عليه قال فقال له الشاب يا رسول الله ادع الله لي ان ارزق الشهادة معك فدعا له رسول الله (ص) بذلك فلميلبث ان خرج في بعض غزوات النبي فاستشهد بعد تسعة نفر و كان هو العاشر و في رواية اخري انه حارثة بن مالك بن النعمن ، و اعلم ان الانسان لايصل الي مقام يعاين شدايد الآخرة و يخاف منها الا بعد ما وصل الي مقام بين علي عليه السلام و قال هجم بهم العلم علي حقايق الامور و باشروا روح اليقين و استلانوا ما استوعره المترفون و انسوا بما استوحش منه الجاهلون و صحبوا الدنيا بابدان ارواحها معلقة بالملأ الاعلي ه ، و اعلم انه لايتيسر لهم ذلك الا بالتجافي عن دار الغرور و الترقي الي عالم النور و الانس بالله و الوحشة عما سواه و صيرورة الهموم جميعا هما واحدا .
و بالجملة و مما يورث الهم و الحزن الشك و السخط و ذلك ما روي عن ابيعبدالله (ع) في حديث في بيان صحة اليقين ثم قال ان الله [ص 8] بعدله و قسطه جعل الروح و الراحة في اليقين و الرضا و جعل الهم و الحزن في الشك و السخط انتهي ، و ذلك ان الله سبحانه خلق الانسان لاجل الاطمينان و هو الذي انزل السكينة في قلوب المؤمنين فاذا شك يضطرب اضطرابا و ذلك الهم فان الهم اضطراب النفس عند تحصيله و الحزن جزعها و اغتمامها بعد فواته في الشك كذا قيل و لا شك ان في الشك لايطمئن النفس و لاتستقر و في ذلك افسادها و بوارها و لذا امرنا بالرضا بالقضاء لسكون النفس به و لنعم ما قيل :
ما العيش الا في الرضا و الصبر في حكم القضا
مابات من عدم الرضا الا علي جمر الغضا ●
و من المهمات الدين كما ورد انه هم الليل و ذل النهار و بالجملة كل ما ينافي مزاجك يحزنك و المؤمن لما كان مراده مراد ربه عز و جل كلما يخالف رضا الله يهمه كذلك الملم كل شديدة و ما يشد علي المؤمن يدخل فيه و هو في جميع تلك الحالات يعتصم بالله سبحانه و يسأله الرفاه و الفلاح و الله يعصمه منها و اصل المراد من الدعاء التوجه اليه سبحانه و السؤال عنه و لكن امر الله سبحانه بالذكر باللسان لأنه ترجمان ما في الجنان و اذا ذكرت باللسان يثبت السؤال في جميع المراتب و يثبت في سماواتك و ارضك اي سماوات مشاعرك و ارضيها فيستمع له [ص 9] الملئكة الساكنون فيها فيأمنون له بتعديد القابلية و ذلك ما روي عن الصادق عليه السلام في عدة الداعي قال ان الله تعالي يعلم ما يريد العبد اذا دعا و لكنه يحب ان يبث عليه الحوايج و عن كعب الاحبار مكتوب في التورية يا موسي من احبني لمينسني و من رجا معروفي الح في مسألتي يا موسي اني لست بغافل عن خلقي و لكن احب ان تسمع ملائكتي ضجيج الدعاء من عبادي و تري حفظتي تقرب بني آدم الي بما انا مقويهم عليه و مسببه لهم ، فلا بد من الدعاء و المسألة باللسان و اجر الدعاء باللسان ايضا يزيد علي ساير الاركان كما روي في العدة عن الصفار عن سليمان عمن رفعه عن رسول الله صلي الله عليه و آله يدخل الجنة رجلان كانا يعملان عملا واحدا فيري احدهما صاحبه فوقه فيقول يا رب بما اعطيته و كان عملنا واحدا فيقول الله تبارك و تعالي سألني و لمتسألني ثم قال سلوا الله و اجزلوا فانه لايتعاظمه شئ ، فالسؤال مزيد للأجر لا انه يليت من عمل العامل شيئا حاشا بل يعطيهم اجورهم و يزيد السايل من فضله و فضله يؤتيه من يشاء و بالجملة لااريد بسط المقال و لكني اشير الي بعض ذلك بالاجمال تحريصا للدعاء .
و مما يجب الاشارة اليه و ان كان خارجا عن محل السؤال مقدمة الدعاء و اعلم ان مقدماته كثيرة فمنها معرفة المدعو فان الانسان ما لميعرف من يدعوه كيف يستجيب له فمعرفته قبل الدعاء [ص 10] و منها اكمال الدعاء و منها التوسل بالاولياء و منها حسن الظن بالله سبحانه حتي انك تظن حاجتك بالباب و منها السعي في تصحيح الدعاء فان الدعاء الملحون لايصعد الي السماء و منها الافتتاح بالصلوة علي محمد و آلمحمد صلوات الله عليهم اجمعين و الاختتام بها فان الله سبحانه يقبل الصلوة عليهم عمن صلي فاذا قبل طرفي الدعاء يقبل جميعه لامحالة و منها الاستغفار قبل الدعاء فانك اذا تبت الي ربك يتطهر بدنك ظاهرك و باطنك و من بعد ذلك عسي ان يرحمك ربك فان العاصي لايقبل كلمته و منها التوجه فانك اذا دعوته بظهر قلب لاه لايكاد يقبل الله دعاءك ابدا ، و امثال ذلك من الشروط كثيرة و قد جمعها مولاي و سيدي اعلي الله مقامه في كتابه المبارك طريق النجاة و بينت بعضها في كتابي مصباح السالكين و لا حاجة الي تكرارها في هذا المقام فلنشرع في الكلام في شرح الدعاء بقدر قابليتي علي حسب ما اعطاني الله متوكلا علي الله تعالي و اصدر قوله عليه السلام بقال و ربما اذكر بعده قول الشارح صدرالدين المدني احمد بن نظامالدين الحسيني الحسني رحمه الله و اذكر بعده ما اعرفه في الشرح ببركة الداعي عليه السلام و توفيق المدعو مصدرا باقول .
قال سيد العابدين و امام الساجدين صلوات الله عليه و علي جده و ابيه و ذريته و بنيه و شيعته و مواليه الطيبين الطاهرين [ص 11] يا من تحل به عقد المكاره انتهي .
قال الشارح صدرالدين حل العقدة من باب قتل نقضها فانحلت و العقد جمع عقدة بالضم كغرفة و غرف و هي موضع العقد الذي يظهر فيه حجمه و العقد الشد و المكاره جمع مكرهة بفتح الميم و هو ما يكره الشخص و يشق عليه و هو في الاصل مصدر بمعني الكره بالفتح و هو المشقة انتهي .
اقول شبه عليه السلام الصعاب من المكاره بالاشياء المنعقدة بجامع الالتواء و دل عليه باثبات العقد الذي هو من خواص المشبه به و يسمي ذلك بالتخييل فان التخييل ان المشبه من جنس المشبه به و الياء و الالف معا حرف النداء ينادي بهما البعيد او من ينزل منزلة البعيد كمن تراعي حرمته مع ان يكون قريبا و قد ينادي بها القريب توكيدا و قيل هي مشتركة بين القريب و البعيد و قيل بينهما و بين المتوسط و هي اكثر احرف النداء استعمالا و الداعي ينادي ربه تبارك و تعالي بهذه الكلمة و هو سبحانه لايكون قريبا و لا بعيدا فان البعيد و القريب يصدقان في الخلق الذي يكون من جنسك اذ قد حواه مكان و لازمه زمان و يحده صورة فبحسب مكانه و زمانه او صفته و صورته يكون بعيدا منك او قريبا فان البعد و القرب يصدقان في جميع ذلك و في غيرها و الله سبحانه منزه عن ان يكون منافرا للخلق او موافقا لهم في شئ من المذكورات فلايكون قريبا و لا بعيدا و لكن بعد ما نظر الداعي الي اسمه سبحانه فرأي اسمه [ص 12] غير موصوف بما يخص الحادث رآه بعيدا فناداه بما يخص البعيد و اذا نظر الي ان اسمه المقدس مع الخلق و فيهم و هو قريب منهم كما في القدسي قال موسي ابعيد انت فاناديك ام قريب مني فاناجيك قال انا جليس من جالسني ، و لعلي رويته بالمعني و كلتا الملاحظتان صحيحتان فانت اما تلاحظ قرب اسمه تعالي فتناجيه و اما تلاحظ بعده فتناديه و في مثل المقام الانسب ملاحظة البعيد لأنك تري نفسك واقعة في المكاره و الشدايد و الله سبحانه لايوصف بمثل ذلك ابدا و بين من ابتلي بالمكروه و من بيده عقد المكاره بون بعيد فتراه حلالا قادرا يقدر علي دفع كل اذي و رفع كل مكروه فتعرف في نفسك انك بعيد عن مثل هذه الصفة مبتلي بكل بلية فتدعوه و تناديه بلفظ يا و ذكر المنادي بلفظ الموصول ليكون مبهما و ابهم لاجل التعظيم و التوقير و الموصول هو صفة من صفات الذات و جلوة من جلواتها و اعلم ان التجليات مختلفة فمنها تجليات خاصة و منها تجليات عامة مطلقة فمن التجليات الخاصة الصفات المذكورة و الاسماء المعروفة كالعالم و القادر و الحكيم و غيرها فانها كلها جلوات خاصة تظهر الذات بها و لكن لها جلوة مطلقة غير مخصصة بخصوصية و لا مقيدة بقيد و هي منزهة عن خصوصية العلم و الحلم و فلان و فلان صالحة للاتصاف بجميعها و هي فوقها بمنزلة المادة لها و لذا صارت مبهمة اي [ص 13] غير معينة بعين و نسبتها الي ما دونها نسبة المشية الي ساير الصفات و لما اراد الحكيم جل شانه ان يجعل لكل جلوة تعبيرا خلق اسماءا خاصة للتعبير عن الجلوات الخاصة و خلق كلمة مبهمة للتعبير عن هذه الجلوة المبهمة و هي الموصولات و كذلك خلق اسما للتعبير عن الذات الظاهرة اي المتجلية في الجلوة و ذلك قوله عليه السلام اسماؤه تعبير و صفاته تفهيم ، فانت اذا اردت التعبير عن جلوة خاصة و الاعتصام بها تذكرها و تدعوه بها و ذلك قوله تعالي قل ادعوا الله او ادعوا الرحمن ايا ما تدعو فله الاسماء الحسني فتقول يا رحمن ارحمني و يا كريم اكرمني و يا عليم علمني و اما اذا اردت الاعتصام بتلك الجلوة المطلقة التي تصلح للاتصاف بجميع الصفات فلا بد لك من تعبير و لايليق بذلك الا الموصول و اعلم ان المبهم المطلق لايكاد يظهر في عرصة البروز و الكمالات في صفة من الصفات كما تشاهد في المادة فانها لاتظهر في تلك العرصة الا في الصورة و لاتعاين الا في الصفة و الا فهي كلمة غير تامة مجهولة غير معلومة نكرة غير معروفة و كذلك الامر في الاسم المبهم و التجلي الاكرم لولا صفة من الصفات ليظهر فيها لكان ناقصا في الدلالة و لايفيد فايدة لا انه ناقص في الدلالة علي نفسها حاشا ان يكون هكذا بل يكون ناقصا في الدلالة علي الاعيان و الخلق المتعين لا بد له من عين يعرفه و يلتجأ اليه و لولاه لفسد عليه دينه فالله سبحانه [ص 14] من حكمته البالغة جعل في عالم الالفاظ ايضا للموصول صلة حتي يصل الي منتهي الغاية و تلك الصلة هي اسم جلوته التي تجلي بها في عالم الاعيان فظهرت بها فاذا عرفت ذلك فاعلم ان حقيقة تلك الجلوة المبهمة اول مقام المعاني و هي تتشعب في الظهورات الصورية و اولها في غاية الاتحاد و البساطة فان اولها و اصلها و معدنها عقل الخاتم صلوات الله عليه و آله الذي هو العقل الكلي و اول خلق من الروحانيين عن يمين العرش و الركن الابيض المقدم اليميني و هو الذي يدل علي الله سبحانه و هو ظهوره و الظهور هو المعني و هو كلي لا اختلاف فيه بوجه من الوجوه و من عده مختلفا لميعرفه فليس هو خصوص العلم و الحلم و القوة و القدرة بل هو ظهور مطلق و نور حق ظهر في النفس بالعلم و في العاقلة بالحلم و في اليد بالقدرة و القوة مثال ذلك فيك و لله المثل الاعلي ان لك ظهورا مطلقا هو اول ظهوراتك و ليس لك اول ظهور الا عقلك فانه اول مشاعرك و فوقه الفؤاد و هو ذاتك و ليس فيه تشعب و خصوصيات بل جميعها في ساير المشاعر و لكنه شعور مطلق و الشعور امر معنوي لا خصوصية له بوجه من الوجوه و بعد ما ظهر في سماوات المشاعر تخصص فيها بالخصوصيات كما ان العرش اطلس عن جميع الخصوصيات و ليس فيه لون و لا شكل و لا مزاج و هو يظهر باطلاقه في السماوات [ص 15] و يتخصص في بطونها فيخرج من بطونها شراب مختلف الوانه فاذا عرفت التمثيل و تمسكت بالدليل فاعلم ان فؤاد الخاتم مقام ذاته و ذاته لله سبحانه اي تكون ذاته الظاهرة التي قال علي عليه السلام انا الذات انا الذات في الذوات للذات ، و هي مقام البيان و هو ان تعرف الله بأنه ليس كمثله شئ و دونه عقله و هو مبدؤ الظهور و قميص النور في قوله الله نور السماوات و الارض و لكنه كمال مبهم و نور غير متعين و تعينه في سماء الجود و شرف الموجود علي عليه السلام و ذريته و شيعته و هم نفسه و مشاعره فعلي عليه السلام و ذريته سلام الله عليهم نفس النبي (ص) و شيعته مشاعره الغيبية و الشهادية و ذلك سر من سر الله و علم من علمه فلاتضيعوه و اعرفوا قدره و يكشف عن ذلك قوله تعالي و بئر معطلة و قصر مشيد قال علي عليه السلام فالقصر محمد و البئر المعطلة ولايتي عطلوها و جحدوها ، فالقصر قد ارتفع عن درجة الناس و لايصلون اليه و قد شيده الله بيده و رفعه بقدرته و اما البئر فهو منبع مياه الرحمة و تمام الكلمة و قد ثقب في ارض الولاية و خرج منها معادن الحكمة و قد جحدوا بها و استيقنتها انفسهم و يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها و بالجملة فالقصر مقام الاجمال و البئر مقام التفصيل و قال في هذا الحديث صار محمد صاحب الجمع و صرت انا صاحب النشر و صار محمد صاحب الجنة و صرت انا صاحب [ص 16] النار اقول لها خذي هذا و ذري هذا و صار محمد صاحب الرجفة و صرت انا صاحب الهدة و انا صاحب اللوح المحفوظ و الهمني الله عز و جل علم ما فيه نعم يا سلمان و يا جندب و صار محمد يس و القرآن الحكيم و صار محمد ن و القلم الي آخر الخبر ، و جميع هذه الفقرات واضحة في انه اختار لمحمد صلي الله عليه و آله في جميع الحالات الاجمال و له التفصيل و لايخفي ذلك علي العالم الخبير و لست بصدد شرح هذه المقامات لتوارد الواردات و اما دليل ما ذكرت ان شيعتهم صلوات الله عليهم مقام تفصيل الاطلاق فما ورد في الاخبار الساطعة المنار ان الله سبحانه خلق شيعتهم من نورهم و شعاعهم و انهم نورهم كقوله عليه السلام شيعتنا منا كشعاع الشمس من الشمس و قوله انما سميت الشيعة شيعة لأنهم خلقوا من شعاع نورنا ، و لا شك ان الشعاع هو صفة ذي الشعاع و الصفة هي تفصيل الموصوف و ظهوره و هذه حال المشاعر و الاعضاء بالنسبة الي النفس المطلقة فانها مطلقة و مشاعرها صفاتها و شعاعها و كذلك قال عليه السلام شيعتنا جزء منا يسوءهم ما يسوءنا و يسرهم ما يسرنا ، و لا شك ان الجزء وصف في عالم الحقيقة دون العرض الذي تري ان الجزء من الكل بمعني انه لو اجتمع الاجزاء لحصل الكل فالاجزاء ابعاضه و اما في عالم الحقيقة الاجزاء صفات الكل الاتري انه عليه السلام قال هنا انهم جزء منا و في خبر آخر [ص 17] قال شيعتنا جزء منا خلقوا من فاضل طينتنا و عجنوا بماء ولايتنا ، و فاضل الطينة صفتها لا بعضها و روي عن ابيعبدالله عليه السلام في قول الله عز و جل كل شئ هالك الا وجهه قال من اتي الله بما امر به من طاعة محمد صلي الله عليه و آله فهو الوجه الذي لايهلك ، و كك قال من يطع الرسول فقد اطاع الله و قال رسول الله صلي الله عليه و آله سلمان عيني الناظرة ، و ذلك واضح في مقامه و مرادي هنا الاشارة فالحاصل ان النبي (ص) هو الصفة الكلية العظيمة الخفية و قد ظهرت في النفس المطلقة التي هي صورتها اي صورتها الاطلاقية لا الشخصية و هي لاتورث التعين الذي يكون سبب العرفان و اشار الي المقامين في قوله ظاهري امامة و وصية و باطني غيب ممتنع لايدرك و قال في خبر آخر الامام لايوصف ، و يا علي ماعرفك الا الله و انا ، فصورة الامامة غير معروفة الا في المظاهر و هي الشيعة الاسماء و الصفات و الانوار و الآيات قال عليه السلام من اراد ان يزورنا و لميقدر ان يزورنا فليزر صالحي اخوانه يكتب له ثواب زيارتنا ، و ذلك لاجل ان شيعتهم ظهورهم و ليس ذلك الا مثل ان تقول من اراد زيارة زيد و لميقدر عليه فليزر قايما فانه ظهور زيد و جلوته و زعمي انه لايشك في ذلك عاقل و لايحتاج الي برهان و لكني ماابخل عن الاشارة فالشيعة ظهورهم بالتعين و التشخص فهم صلة النبي و عطية الله له و في قلبهم نور خلقوا منه و هو ما قال [ص 18] عليه السلام اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله اي نور الله الذي خلق منه ، و هو الضمير اي قلبه الراجع الي النبي الدال اليه فعلي ذلك باطن من هنا النبي صلي الله عليه و آله يشير الي ذلك حروفه من حيث الظاهر و القوة اما الظاهر فالميم اشارة الي سيد الميم المحمدية العظمي و النون اشارة الي مقام الولاية صورة النبوة و ذلك قوله ن و القلم و ما يسطرون و اما في القوة فهما تسعون و يجمعهما صورة واحدة هي المجموع من حيث المجموع و الطبيعة الواحدة فوقها و المجموع اثنان و تسعون عدد اسم النبي صلي الله عليه و آله و لاتزعم انه لا اصل لشئ منها بل لجميعها اصل و مأخذ و ليس بمحض العداد ، قوله به تحل عقد المكاره الضمير يرجع من جملة الموصول الي من و هو مرجع الضمير في الواقع و الا فالذات المقدسة لاترجع اليها الضمير فان رجوع الضمير فرع الموصوفية و الموصوفية فرع المحدودية و المحدودية صفة الخليقة و يجل عنها الخالق جل و علا فالتجلي الاعظم الموصول بصلة الله المقرب من حضرته جل و علا المتصل به هو مرجع الضماير و هذا الضمير هو الهاء مخفّف هو و الهاء تثبيت للثابت و الواو اشارة الي الغايب عن درك الحواس غير الملموس بالاخماس و الحل ضد العقد فان العقد هو الشد و العقدة موضع الشد و الالتواء من الحبل و نحوه و سمي بذلك كل شدة بالعقدة و الحل ضدها [ص 19] و لايخفي ان جميع المكاره عقد لنفس الانسان لأنه يشد عليها بسببها و حل الجميع باسم الله سبحانه و ذلك كلام مختصر اذا فصل لايحتمله الا الاقلون فان كان المكاره اي المكروهات من القيود الواردة علي النفس و البدن فتوحيده سبحانه حل الجميع فان بالتوحيد ينبسط نفس الانسان و تفتتح و يرتفع القيود اذ التوحيد ضد التحديد فاذا جاء يرتفع الحد و التحديد جميعهما الاتري انه اذا كان عقدتك من مفارقة الحبيب مثلا يكون الوصل حلها و اذا كان عقدتك من غلبة الحر فالبرد حله و هكذا اذا كان العقدة من غلبة الكثرة يكون الاحد حل الجميع و اما سر كون الكثرة عقدة ان الله سبحانه خلق نفس الانسان من ظل الربوبية و جعلها علي صفة الالوهية و بعد ما نزلت من دار القربة الي ديار الغربة وردت عليها الكثرة و الكثرة تخالف الوحدة بالبداهة و مقتضاها غير ما تقتضيه فالوحدة تقتضي النشر و الكثرة تقتضي التقلص و الوحدة تقتضي الفشو و اللمعان و البسط و هي تقتضي ما يخالفها فكل ما عرض النفس شئ من شوائب الكثرة يقل بسطها و نشرها و فشوها و يزيد التواؤها و شدتها و تقلصها و لذلك نقول عقد عليها الاتري انه اذا كان همك واحدا و امرك جاريا تعيش بذلك سرمدا و اذا ازداد همومك و كثر اشغالك و ورد عليك امور كثيرة تستوحش منها و تفر حتي تستأنس و اذا استأنست بها يقل وحشتك بعد [ص 20] فعيش النفس الانسانية بالتوحيد و ذلك جنتها و عذابها في مقام الكثرة و لذلك يكون جنتها في السماوات و هي في غاية البساطة و الوحدة و نارها في الارض و هي في غاية الاختلاف و لذلك كلما يكثر الانسانية بين الناس يكثر الاتحاد فتري جماعة الاناسي واحدة و جماعة الانبياء و جماعة الائمة اوحد و كل ما يبعد عن الانسانية يكثر الاختلاف و يقل الايتلاف كالحيوانات فانها بالنسبة الي الاناسي وحدتها قليلة و الاناسي اوحد منها و النباتات وحدتها بالنسبة الي الحيوانات قليلة و الجمادات بالنسبة اليها وحدتها قليلة و كثرتها اكثر من الجميع و لذلك لاتكاد تجد جمادين موافقين من جميع الجهات و ربما تجد نباتين موافقين و لكن اختلافها و تشققها كثير فلايكاد يأتلف نبات بنبات و لكن الحيوانات ربما تأتلف بعضها ببعض و لكن الاختلاف فيها ايضا كثير و لكن الاناسي تري جميع المؤمنين علي صفة واحدة و رأي و قول واحد و امر واحد فعيشهم في ذلك بل اقول ان الم سنخ الحيوان نوعا من الفصل و عيشهم من الوصل فان الالم من حد السيف و غيره ليس الا لتفصيل الاجزاء و ان تعمقت في انواع الاوجاع تري جميعها من الفصل و جميع انواع العيش من الوصل و قد فصلت ذلك في غير هذا الكتاب و لا حاجة الي تفصيله هنا و من المكاره الاتصال باعداء الله و مجاورتهم و مزاورتهم و ليس شئ اشد علي النفس المؤمنة من [ص 21] مواصلة عدوها و لاتحل ذلك الا بالله سبحانه و اوليائه صلوات الله عليهم و من المكاره الحوائج الدنيوية فان كل ما تفقده يكرهه نفسك لا محالة فيشتد عليك و حل ذلك باسم الله سبحانه و هذا الحل قد عرفت مما ذكرته سابقا انه في مقام الشيعة و بهم ينكشف كل مجهول مبهم بلا كلام قال الحسين عليه السلام في دعائه اللهم منك البدأ و لك المشية و لك الحول و لك القوة و انت الله الذي لا اله الا انت جعلت قلوب اوليائك مسكنا لمشيتك و مكمنا لارادتك و جعلت عقولهم صاحب اوامرك و نواهيك فانت اذا شئت ما تشاء حركت من اسرارهم كوامن ما ابطنت فيهم و ابدأت من ارادتك علي السنتهم ما افهمتهم به عنك في عقودهم بعقول تدعوك و تدعو اليك بحقايق ما منحتهم و روي عن رسول الله صلي الله عليه و آله في سلمان و هو باب اخي اميرالمؤمنين و المؤمنات و علي بابي و انا مدينة العلم فاعرفوا سلمان ، و لا شك ان جميع ما يأتي الناس من الفيوض ياتيهم من رسول الله و علي عليه السلام فانهم السبيل الاعظم و لاتأتي الا من قبل الشيعة فانهم سبيلهم فاذا نظرت الي العلة تقول ان بهم تحل جميع عقد المكاره الدنيوية و الاخروية و الكونية و الشرعية من التوحيد الي ارش الخدش فان المكاره جمع محلي باللام يفيد العموم فافهم .
قال عليه السلام : و يا من يفثأ به حد الشدايد .
[ص 22] قال الشارح فثأ الغضب و نحوه من باب منع سكنه و كسره و حد كل شئ حدته و سورته و الشدائد ما اشتد من الخطوب و الباء في الموضعين للاستعانة .
اقول المطلب في هذه الفقرة من نوع الفقرة الاولي و ازيدك بيانا شريفا يجري في جميع الفقرات و هو ان الله سبحانه احد لا شريك له في خلقه و لا شبيه له في امره فهو هو الخالق البارئ المصور لايغير الشئ من جوهريته الي جوهر آخر الا الله و لايكون الشئ لا من شئ الا الله فلايحل شيئا الا هو و لايعقد شيئا الا هو و هو هو وحده وحده و من زعم غير ذلك شيئا فقد اشرك بعبادة ربه و لميعرفه حق معرفته فلا فعل في العالم الا لله كما انه لا نور الا له و لا ذات لغيره و ما نري من جري الافعال من بعض الايادي و وجود الانوار في بعض الاخيار فذلك لايدل علي كون المذكورات لغير الله سبحانه بل هي له و به و لكن قد ظهر في ما ظهر لاجل انه لا بد من وجود مظهر لكل صفة حتي يكون الظاهر عنوان الباطن و الغيب و الشهادة مقرونان و قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هاهنا فالفعل في الفاعلين فعل الله سبحانه و القول في القائلين قول الله و النور في ذوي الانوار نور الله و الحكم في ذوي الاحكام حكم الله فلا اله الا الله و لا حكم الا لله و ان عرفت ما اقول فانت انت و الا فاصغ لما ساوضحه لك بالمثال و الحق [ص 23] يعرف بالمثل و الباطل يعرف بالجدل ان الله سبحانه قد تجلي للجسم فجعله آيته و ظهر له بالاحدية و لذا وصف بها و قد ظهر الجسم في جميع الافلاك و العناصر و تجلي لها بها فالقي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله فما تري في العرش نفسه نفس الجسم و ما تري من فعله فعله و كذا ما تري في الكرسي فنفسه نفس الجسم و انواره و اشعته انوار الجسم و اشعته و كذلك نفوس الافلاك نفسه و اشعتها اشعته لا بمعني انه يكون لها فعل غير فعل الجسم ثم هذا الفعل ينسب الي الجسم حاشا ان يكون هكذا بل فعلها فعل الجسم و هكذا ليس للجسم وجود خارج في عرضها و ذلك شرك بالجسم بل الجسم وجوده فيها و وجودها وجود الجسم و ذلك سر منمنم و رمز مبهم لااطلع عليه انا و امثالي بل هو مخصوص بعالم لايعلم فاذا ثبت هذا اقول من بعد ذلك ان بالجسم يسخن الارض و ذلك كلام حق و صدق بلا تأويل و غير ذلك تأويل و ان كان المسخن في الظاهر الشمس و المريخ و لكن الفعل له لا للشمس و لا للمريخ الاتري انك انت الكاتب و يدك تكتب و كتابتك كتابة اليد و كتابتها كتابتك من غير نكير و كذلك الامر هنالك و قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هنالك يعرف بما هاهنا فالله سبحانه و تعالي عما يصفون هو الاحد المحيط بجميع اقطار الموجودات من جميع جهاتها العالم [ص 24] بعلانيتها و ضمائرها فلايخفي عليه خافية و لايبعد عنه شئ و هو هو جل شأنه لاينسب الي ذاته شئ سوي ما ينسب الي مخلوقاته لا بمعني انه ينسب اليه ما ينسب الي مخلوقاته بل المراد ان نسبته هذه النسبة و لا نسبة له سوي ذلك و كذلك لاينسب الي مخلوقاته شئ الا و ينسب اليه و حل هذا المعمي لايعرف الا بما بيناه فحل جميع المعضلات بالله سبحانه و ان حل بسبب من الاسباب و فثأ جميع الشدايد به و ان كان بشئ من الاشياء كما تقول انه الخالق و الخلق بيد ملك من الملئكة و هو المميت و الموت بيد ملك قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم و يقول قل نزله روح القدس و بالجملة هو المجري لجميع الافعال علي يدي جميع عباده و هو الفاعل بذلك لا غير و اذا حققت ذلك تعرف حقيقة ان به تحل عقد المكاره و يفثأ به حد الشدايد و اعلم ان باطن الشدايد يمكن ان يكون الاعداء فان اعدائهم اصل كل شر و من فروعهم كل فاحشة و من الشرور الشدايد و المحن فان جميعها من جهة الانية و ما من الله سبحانه عين الروح و الراحة و النعمة و الحيوة فاذا كانت الشدة منهم فهم باطنها و قد عرفت سابقا ان مقام الموصول مقام النبي صلي الله عليه و آله و مقام الصلة مقام الشيعة و بهم و بسببهم يفثأ حد الاعداء و يحل عقدهم و من اراد الاعتصام عنهم لا بد له و ان يعتصم بآلمحمد و شيعتهم صلوات الله عليهم [ص 25] و يحفظ عنهم فانه لا سلطان لهم عليهم و ذلك قوله تعالي فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم انه ليس له سلطان علي الذين آمنوا و علي ربهم يتوكلون و في الخبر انه يسلط علي بدنه و لايسلط علي دينه .
قال عليه السلام : و يا من يلتمس منه المخرج الي روح الفرج .
قال الشارح رحمه الله التمست الشئ طلبته و المخرج مصدر ميمي بمعني المخلص يقال وجدت للامر مخرجا اي مخلصا و منه قوله تعالي و من يتق الله يجعل له مخرجا اي مخلصا من غموم الدنيا و الآخرة و الروح بالفتح الراحة و الفرج بفتحتين اسم من فرج الله الغم بالتشديد كشفه .
اقول عطف علي الجملة السابقة و المراد انه يطلب من عنده سبحانه الخلاص من الغموم الي راحة كشفها و الغم هو الحزن سمي به لأنه يغطي السرور و من هذا الباب الغمام لأنه يغطي الشمس و تري ان الامام العالم اطلق المخرج الي روح الفرج و لميقل المخرج من اي شئ كما اطلق في قوله و من يتق الله الخ ، و يظهر من ذلك انه يطلب من عنده المخرج المطلق عن جميع الاشياء التي تكون سبب الغم علي الانسان فمن المعاني المرادة الدنيا فان الدنيا تغم علي المؤمن كما تغم السحاب علي الشمس و يختفي روحه تحتها و منها المعاصي فانها تغم عليه فان بالعصيان يختفي روح الايمان و يكثر عليه السهو [ص 26] و النسيان و منها الاتصال باعداء الله عز و جل فانها تغم علي الروح و هكذا ساير الاشياء مما تغمه شمس الروح و يطلب من عند الله الشفاء عن جميع ذلك و يفرج الله عن كل هم و غم و الم كما في الدعاء يا من اسمه دواء و ذكره شفاء ، فاسمه دواء كل علة و مرض و ذكره شفاء و من تداوي و عالج نفسه بذكره سبحانه لكفاه ذلك البتة و يظهر بواطن هذه الفقرات مما ذكرته في الفقرة الاولي و قد فصلت الكلام هنا لأن احيل اليه ما بعده و لا مجال لي في التفصيل الكثير .
قال عليه السلام : ذلت لقدرتك الصعاب و تسببت بلطفك الاسباب .
قال الشارح رحمه الله ذل ذلا من باب ضرب اي ضعف و هان و الاسم الذل بالضم و الصعاب جمع صعب كسهم و سهام و صعب الشئ من باب كرم اي عسر و هي صفة المحذوف اي الامور الصعاب و قدرته تعالي تعود الي اعتبار كونه مصدر الآثار و ذل الصعاب لها يعود الي انفعالها عنها و مطاوعتها لها و خضوعها في رق الجريان علي وفق القضاء و لطفه تعالي قيل هو اجراء القضاء علي وفق الارادة و ايصال نفع فيه رأفة و قيل هو عبارة عن تصرفه في الذوات و الصفات تصرفا خفيا بفعل الاسباب المعدة لها لافاضة كمالاتها و قيل هو عبارة عن علمه تعالي بدقايق المصالح و غوامضها و ما دق منها و لطف ثم ايصاله لها الي المستصلح بالرفق دون العنف و اما المعني [ص 27] العرفي المشهور و هو ما يقرب به العبد من الطاعة و يبعد عن المعصية فليس مرادا هنا و الاسباب جمع سبب و هو اسم لما يتوصل به الي المقصود و في الاصل اسم للحبل الذي يتوصل به الي الماء فاستعير لكل ما يتوصل به الي شئ و معني تسبب الاسباب بلطفه صيرورتها اسبابا يخفي تصرفه و اعداده لها حتي صارت اشياء يتوصل بها الي المسببات .
اقول قدرته تعالي ليست كقدرة المخلوقين بل وصف لما يري من آثار القدرة في خلقه سبحانه و ليس علي ما قال الشارح انها تعود الي اعتبار كونه مصدر الآثار و ليس اعتبار هكذا و الله سبحانه لايكون مصدر الآثار فان المصدر بمعني محل الصدور و الصدور خروج شئ عن شئ و الذي صدر عنه ما هو هل هو اجزاء قديمة تتصور خروجها عن الذات القديمة فذلك كفر صراح و لا معني لاصل هذا الكلام و ليس ذلك الا كماء الشعير القمحي فان الاجزاء ان كانت فاين القديم و القديم ان كان فاين الاجزاء و ان كان اجزاء محدثة خرجت عن القديم فذلك كفر آخر هذا و الله سبحانه هو الاحد و الاحد يمتنع معه جميع ما سواه و هذا هو مذهب آلمحمد عليهم السلام فلايتصل به شئ و لاينفصل عنه شئ و لايعد معه شئ فكيف يتصور ان يخرج منه تعالي شئ الحاصل فهذا كلام باطل و عن حلية الاعتبار عاطل و اما معني القدرة فهو القوة و القدرة قدرتان قدرة ذاتية [ص 28] و قدرة مخلوقة اما القدرة الذاتية فهي عين الذات و لا مفهوم لها سوي مفهومها و ذلك قوله عليه السلام لميزل الله عز و جل ربنا و العلم ذاته و لا معلوم و السمع ذاته و لا مسموع و البصر ذاته و لا مبصر و القدرة ذاته و لا مقدور فلما احدث الاشياء وقع العلم منه علي المعلوم و السمع علي المسموع و البصر علي المبصر و القدرة علي المقدور ، و اما القدرة المخلوقة فهي الواقعة علي المقدور و هي فعل الله سبحانه و القدرة المذكورة هنا تحتمل المعنيين فعلي ان تكون هي الذات نقول ذل لها كل شئ صعب فغيره اولي و لكن هذا المعني بعيد و الاولي المعني الفعلي فنقول ذل لها كل صعب اذ بها قهر كل شئ كما في الدعاء و بقدرتك التي قهرت بها كل شئ ، فجميع ما سواه مقهور له مغلوب دون قدرته يتصرف فيها كيف يشاء و اي قهر مثل ان اخرجها من العدم الي الوجود و يمسكها كيف يشاء مهما شاء و اذا شاء يميتها و قد قهرها بأن انعم عليها البقاء و الفضل و النعم و الحيوة و الهداية و الدوام و غيرها و اما ذلة الصعاب له جل شأنه فبجميع ما ذكرنا و الله المسدد المؤيد و اما مقام القدرة فهي بعد العظمة لقوله صلي الله عليه و آله اول ما خلق الله نوري ابتدعه من نوره و اشعة من جلال عظمته فاقبل يطوف بالقدرة حتي وصل الي جلال العظمة في ثمانين الف سنة ثم سجد لله تعظيما ففتق منه نور علي عليه السلام [ص 29] فكان نوري محيطا بالعظمة و نور علي محيطا بالقدرة الخبر ، فمقام القدرة بعد العظمة و مشتقة منها و العظمة بعد المشية فالعظمة في مقام الفؤاد و القدرة في مقام العقل و قوله اول ما خلق الله نوري ، المراد منه العقل لقوله اول ما خلق الله العقل ، و قد خلقه من جلال العظمة و هو الفؤاد فطاف بالقدرة حتي صار مقربا و وصل الي العظمة و بقي علي طائفا بالقدرة و اما الباطن فغير خفي انهم صلوات الله عليهم اسماؤ الله و صفاته كما صرحوا بذلك في اخبارهم و بينته في بعض رسائلي مفصلا و لا حاجة الي تكرار البيان و من الاسماء القدير و القادر و ما يشتق من القدرة و اصلها فان جميعها اسماء و صفات موقعها آلمحمد عليهم السلام و ذلك ما قال علي عليه السلام في صفة الائمة عليهم السلام هم صراط الحق و عصمته و مبدؤ الوجود و غايته و قدرة الرب و مشيته الخبر ، فالائمة قدرة الله و بتلك القدرة ذلت الصعاب و المراد منها الاعرابيون الثلثة فانهم جمال صعبة مستصعبة ان اشنق لها راكبها خرمت و ان اسلس لها تقحمت .
و اما اللطف فبحثه مشكل جدا و قد عجز عن معرفته الاكثرون فاعلم ان اللطيف بحسب اللغة الرفيق و الله لطيف اي رفيق بعباده الذي يوصل اليهم ما ينتفعون به في الدارين و يهيء لهم ما ينتسبون به الي المصالح من حيث لايعلمون و من حيث يعلمون و لطف الله بنا من باب طلب رفق بنا و قال [ص 30] المجلسي رحمه الله اللطيف معناه انه لطيف بعباده فهو لطيف بهم بارٌّ بهم منعم عليهم و اللطف البر و التكرمة يقال فلان لطيف بالناس بار بهم يبرهم و يلطفهم الطافا و معني ثان انه لطيف في تدبيره و فعله يقال فلان لطيف العمل و قال شارح التجريد اللطف ما يقرب العبد الي الطاعة و يبعده عن المعصية بحيث لايؤدي الي الالجاء ثم اختلفوا في وجوبه علي الله سبحانه و تعالي و عدمه فقيل انه واجب و ذلك منسوب الي المعتزلة ، و بطلان هذه الاقوال واضح لانحتاج بعد الي ذكرها و بثها و من ذا قال ان معني اللطف ذلك و كيف يقول بوجوبه علي الله من اسلم لربه و وصفه بما وصف به نفسه انه لايجب عليه شئ و هو احد غني لا اقتضاء له و انا مهاجرون عن جميع الخرافات تاركون لكل الاقوال الناشئة عن الرأي مكتفون بما ورد عن اهل العصمة و الطهارة فعن ابيجعفر الثاني عليه السلام قال و كذلك سميناه لطيفا لعلمه بالشئ اللطيف مثل البعوضة و ما هو احقر من ذلك و موضع المشي منها و العقل و الشهوة للفساد ( للسفاد ظ ) و الحدب علي اولادها و اقامة بعضها علي بعضها و نقلها الطعام و الشراب الي اولادها في الجبال و المفاوز و الاودية و القفار فعلمنا بذلك ان خالقها لطيف بلا كيف اذ الكيفية للمخلوق المكيف الخبر ، و يكفينا هذا الخبر الشريف و البيان اللطيف عن كل تحقيق و الله المستعان علي فهمه فاقول ان لطفه [ص 31] سبحانه ليس بكيفية في ذاته سبحانه من رقة و لينة او بر و نحوه يكون في الذات و من قال هو ما يقرب العبد الي الطاعة يريد من ذلك انه نحو معاملة مع العبد يورث ذلك رفقا كان او خشونة تأديبا كان او تشويقا ايا كان و لميصل الينا معني يقرب من ذلك من اصحاب اللغة و لا الحديث و علي فرض التسليم نقول انه ايضا ليس شئ يكون في ذاته بل فعل من افعاله و صفة من صفاته و ظهور من ظهوراته و بعد ما اظهر اللطف و اللطافة في العالم و اطلعنا علي علمه باللطيف و خلقه له عرفنا انه اللطيف كما انا نوصفه بالقوة و ليس له قوة البطش المعروف من الخلق و لو كان قوته قوة البطش المعروف من الخلق لوقع التشبيه و احتمل الزيادة و ما احتمل الزيادة احتمل النقصان و ما كان ناقصا كان غير قديم و ما كان غير قديم كان عاجزا فربنا تبارك و تعالي لا شبه له و لا ضد و لا ند و لا كيف و لا نهاية و لا تصاريف محرم علي القلوب ان تحتمله و علي الاوهام ان تحده و علي الضماير ان تصوره جل و عز عن اداة خلقه و سمات بريته و تعالي عن ذلك علوا كبيرا و ذلك قاعدة كلية لمعرفة جميع الصفات و الاسماء و المراد من اللطف في الظاهر هنا البر او الرفق الظاهر في الخلق لا الذات فانها تعالت عن ذلك علوا كبيرا و لعلك قد عرفت من الاشارات انه في الباطن آلمحمد سلام الله عليهم كما قال عليه السلام نحن اصل كل خير و [ص 32] من فروعنا كل بر ، و قد عد من البر التوحيد و الصلوة و الزكوة و امثالها فالبر الذي هو اللطف من فروعهم بل اقول الاحري ان نقول انه ظاهر في مقام الشيعة لأنه عليه السلام قال من فروعهم كل بر و شيعتهم من فروعهم و من البر اللطف فاللطف في مقام شيعتهم و اكتفي عن كل البيان بهذا الحديث الشريف عن ابيعبدالله عليه السلام في قول الله عز و جل فلما آسفونا انتقمنا منهم قال ان الله تبارك و تعالي لايأسف كاسفنا و لكن خلق اولياء لنفسه ياسفون و يرضون و هم مخلوقون مدبرون فجعل رضاهم لنفسه رضي و سخطهم لنفسه سخطا و ذلك لأنه جعلهم الدعاة اليه و الادلاء عليه و لذلك صاروا كذلك و ليس ان ذلك يصل الي الله عز و جل كما يصل الي خلقه و لكن هذا معني ما قال من ذلك و قد قال ايضا من اهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة و دعاني اليها و قال ايضا من يطع الرسول فقد اطاع الله و قال ايضا ان الذين يبايعونك انما يبايعون الله و كل هذا و شبهه علي ما ذكرت لك و هكذا الرضا و الغضب و غيرهما من الاشياء مما يشاكل ذلك و لو كان يصل الي المكون الاسف و الضجر و هو الذي احدثهما و انشأهما لجاز لقايل ان يقول ان المكون يبيد يوما لأنه اذا دخله الضجر و الغضب دخله التغيير و اذا دخله التغيير لميؤمن عليه الابادة و لو كان ذلك كذلك لميعرف المكون من المكون و لا القادر من المقدور [ص 33] و لا الخالق من المخلوق تعالي الله عن هذا القول علوا كبيرا هو الخالق للاشياء لا لحاجة فاذا كان لا لحاجة استحال الحد و الكيف فيه فافهم ذلك ان شاء الله انتهي ، و ان نظرت في تمام هذا الخبر لكشف النقاب عن اشكالات كثيرة و يظهر لك فضايل كثيرة لايحصيها الا خالقها فاللطف رفق الاولياء و برهم و الا فهو سبحانه خالق كل شئ و لايجري عليه ما هو اجراه .