قوله صلي الله عليه و آله انها الجارية التي الخ ، الالف و اللام اما يكون للعهد الذهني او الخارجي اما الاول فوجهه معلوم فانه صلي الله عليه و آله كان يعرفها و كانت مذكورة في ذهنه و اما العهد الخارجي فيمكن ايضا لانه صلي الله عليه و آله كان يذكر حال القيامة كثيرا فيكون حاصل المعني ان الجارية المعهودة التي تكون من الركبان يوم القيامة هي فاطمة عليها السلام و اما الجارية فهي بمعني الامة سميت بها لجريها مستمرة في اشغال مواليها ثم توسعوا فسموا كل امة جارية و ان كانت عجوزا لاتقدر علي السعي و الجارية من النساء من لميبلغ الحلم كذا في المجمع و قال الفيروزابادي الجارية الشمس و السفينة و النعمة من الله تعالي و فتية النساء فسماها رسول الله صلي الله عليه و آله الجارية لانها شابة او لكونها ممن يبلغ ( لميبلغ ظ ) الحلم و المراد منه انها صلوات الله عليها لمتبلغ درجة ابيها و بعلها و ولدها فان مقامها دون الائمة صلوات الله عليهم و فوق جميع الانبياء سلام الله عليهم و ان كانت في مقام اول ما خلق الله معهم واحدة كما في ساير الائمة فان في عالم الفصل هم درجات عند الله و في عالم الوحدة كلهم نور واحد و طينة واحدة و بالجملة هي جارية لمتبلغ مقامهم و يمكن ان يقال انها جارية بمعني الامة اذ هي امة الله عز و جل تجري بجميع خدماته و لاتعصيه في [ص 38] قليل و لا كثير و هي معصومة مطهرة عن كل ذنب و خطيئة لاتعصيه ما امرها و تفعل ما تؤمر بل هي العصمة الكبري و عصمتها فوق عصمة جميع الانبياء و علي نحو من التأويل يمكن ان يقال انها بمعني الشمس فانها نور الله سبحانه يشرق علي جميع الخلق و يغلب نورها نور كل ذي نور روي في العوالم عن الرضا عليه السلام قال في حديث طويل كانت فاطمة صلوات الله عليها اذا طلع هلال شهر رمضان يغلب نورها الهلال و يخفي فاذا غابت منه ظهر انتهي ، و هذه صفة الشمس الطالعة فان القمر يخفي بضحي الشمس و باطن ذلك انها كانت حاكية لشمس النبوة و لذا كانت اشبه الناس برسول الله صلي الله عليه و آله كما روي في العوالم عن المناقب عن امسلمة (ره) قالت كانت فاطمة بنت رسول الله اشبه الناس وجها و شبها برسول الله صلي الله عليه و آله انتهي ، و قد اشرنا سابقا الي لزوم مطابقة الابدان للارواح فاذا صار البدن مشابها مع بدن رسول الله صلي الله عليه و آله يكون الروح ايضا مشابها فشمس النبوة ظاهرة فيها و هي شمس طالعة علي جميع العوالم الالف الف و مربية لجميع مواليد العوالم كلها شرعا و كونا و ذلك امر ثابت و سيجيء في هذا الشرح ادلة ذلك ان شاء الله و يمكن ان يأول الجارية بالسفن ايضا فانها سفينة النجاة التي تسير في بحر التوحيد و من ركبها نجي و من تخلف عنها ضل و هوي و ان اعتصم الي جبل الانية و صخرة الطبيعة اذ هي علي [ص 39] خلاف كينونة الله و لا عاصم اليوم من امر الله فالجارية صحيحة بجميع المعاني و يشهد بجميع ذلك الاخبار قال رسول الله صلي الله عليه و آله مثل اهل بيتي كسفينة نوح الحديث ، و اختار رسول الله صلي الله عليه و آله هذا الاسم لصدق المعاني المذكورة كلها و غيرها .
قوله صلي الله عليه و آله تجوز في عرصة المحشر الخ ، قال الفيروزابادي جاز الموضع جوزا و جووزا و جوازا و مجازا و جاز به و جاوزه جوازا سار فيه و خلفه ، و العرصة قال انها كل بقعة من الدور واسعة ليس فيها بناء ج عراص فعلي ذلك يقال عرصة القيامة لانها قاع صفصف كما قال الله تعالي لا بناء فيها و هي مجمع جميع الخلق اولهم و آخرهم و لذا يسمي يوم القيام بيوم الجمع و سمي القيامة بالقيامة اما لقيام الخلق الي الله او لقيامه للحساب و الجزاء و كلا المعنيان ظاهران من الآيات و الاخبار و اما الناقة فهي الانثي من الابل فاذا عرفت الترجمة الظاهرة فاعلم ان عرصة القيامة عرصة تحشر اليها كل الخلق مما كان و ما يكون حتي الجمادات و النباتات و الحيوانات الا ان درجاتها متفاوتة و مقاماتها مختلفة كما تري في هذه الدنيا فان الدنيا اسم لمجموع هذا الملك من العرش الي التراب الي تخوم الارضين و مع ان الجميع يسمي بالدنيا لكل فلك مقام و له اهل و للعرش مقام و له اهل و لكل عنصر درجة و لها اهل و الجميع اهل الدنيا فالانسان من اهل السماوات العلي و الحيوانات من اهل فلك [ص 40] قمر السماء الدنيا و النبات و الجماد من اهل الارض و ما منا الا له مقام معلوم و انا لنحن الصافون و لكل درجات مما عملوا و كذلك لعرصة القيامة عرش و كرسي و افلاك و عناصر و في كل مقام جماعة مخصوصون من اهل المحشر و هذه الدنيا بما فيها تحضر في عرصة القيامة و البرزخ بما فيه يحضر في هذه العرصة و هكذا جميع الخلق من كل عرصة يحضرون في القيامة و اما حقيقة القيامة فلبيانها مقام آخر غير هذا المقام ثم ان جميع اهل العرصات العلي يسيرون الي مقاماتهم من الاسفل لا محالة كما تري في هذه الدنيا و قد قال الله تعالي قد علمتم النشأة الاولي فلولاتذكرون ، و قال الامام عليه السلام الظهور تمام البطون و البطون تمام الظهور كليات الحكمة ما لمتكن تامة في ظهورها تامة في بطونها كانت الحكمة ناقصة من الحكيم ، و قالوا الظاهر عنوان الباطن فكما ان في هذه الدنيا التي هي انموذج القيامة الخلق برمتهم يخرجون من هذا التراب الذي هو آخر منزلهم في قوس الصعود و يسيرون باقدام امتثالاتهم الي غاية ما ينزلون فيه كذلك في القيامة يخرجون من اجداثهم كما خلقوا اول مرة بلا تفاوت و يصعدون الي غاية درجتهم التي ساروا اليها قبل في الحيوة الدنيا و سيرهم في القيامة حقيقة سيرهم في الدنيا كما ان اشخاصهم هنالك حقيقة اشخاصهم هيهنا فيسيرون بعد ما خرجوا من الاجداث و التراب ينثر من اطرافهم في الدرجات و هي التي تعبر عنها بالايام و السنة و ذلك قوله [ص 41] في يوم كان مقداره خمسين الف سنة مما تعدون فافهم ذلك فانه دقيق و بالتحقيق فيه حقيق و درجات الجنات ايضا مختلفة متفاوتة و اهل الدرجات يسيرون الي منازلهم من اسفلها حتي يبلغوا منتهاها فاذا عرفت ذلك فاعلم موفقا مسددا ان الامر في وضع السير ايضا مثل هذه الدنيا بلا تفاوت الا في الشرافة و الخساسة و الدناءة و الرفعة و ساير ما يليق بكل مرتبة فمنهم ركب و منهم رجل كما في هذه الدنيا و الرجل منهم من يمشي علي رجلين سويا و منهم من يمشي علي بطنه و منهم من يمشي علي اربع كالاطفال في اول مشيهم و هكذا و ليس مرادي من الركوب الظاهري المرئي فرب راكب راجل و رب راجل راكب و لكن المراد الركوب الواقعي انظر الي الجماد فانه بنفسه مولود خاص من المواليد لميخرج ساير مراتبه من القوة الي الفعلية فنفسه عين جماديته و لا مقام له فوق جماديته فالساير جماد بنفسه لا علي شئ آخر غير نفسه و هو كالذي يمشي ببطنه لانه قد اتصل بالارض بجميع جهاته و بعد ما خرج النباتية من قوته الي الفعلية يكون نفسه روح النبات فيثبت له روح غير بدنه و لكن روحه خلاصة بدنه فكأنه اعلي مقام بدنه فبدنه بمنزلة الارجل له و يمشي بها و لكن البدن الجمادي لايعد مركوبا لان المركوب غير الراكب و هو اسفل مقام روحه فهو رجله فالنبات يسير بارجله و هي اربع لان بدنه مركب من عناصر اربعة و كذلك الحيوان في الواقع خلاصة النبات فهو ايضا يمشي برجله و له رجلان النبات و [ص 42] الحيوان فلايقال ان الحيوان راكب علي النبات بل هو بمنزلة النصف الاعلي لبدن الانسان و كل روح من هذه الارواح بعد ما خرج من القوة يسير ببدنه مسلما ثم ان الانسان لا انبعاث له من الحيوانية و النباتية و الجمادية بل انبعاثه من عند النبي الذي هو مؤثره صلي الله عليه و آله فهو لايكون اعلي درجة الحيوانية في الواقع فهو بمنزلة الانسان الراكب و مثله كمثلك اذا ركبت فرسا في مرتع نابت من الارض فتدبر حتي تقف علي المراد و هو يسير الي ربه ببدنه البتة الاتري انك تصلي ببدنك و تتفكر و تتذكر ببدنك فيه منه و تتعقل و تتصور فيه و العابد انت لا غير فانت ساير الي ربك راكبا بدنك الحيواني و النباتي و الجمادي الا ان الركبان متفاوتون بعضهم راكب حمار و بعضهم راكب فرس و بعضهم راكب بغلة و بعضهم راكب ناقة و هكذا ثم اذا صعد عن مقام الانسانية و حيي بروح اعلي بعد ما كان حيا بانه انسان يكون له مركب فوق مركبه فكأنه راكب هودج و قبة و عمارية و امثال ذلك و هكذا الامر في اهل القيامة يعني اناسيهم الذين هم المراد في كل مقام فكل من حيي بروح من اهل اسفل عرصة القيامة و لميحيي بروح اعلي فذاته هي التي تمشي الي مقامه المعلوم عند الله فتحشر حافية عارية راجلة و من كان له روح من اعلي الدرجات و يسير بمرتبة دون ذاته يكون راكبا و كذلك درجات الراجلين مختلفة و درجات الراكبين مختلفة و لاتزعم كما زعم العامة ان [ص 43] جميع الخلق يحشرون في ارض القيامة بحقايقهم في مقام واحد اماسمعت ان آلمحمد سلام الله عليهم علي الاعراف و النبي صلي الله عليه و آله علي الوسيلة و ان شيعة علي عليه السلام في الجنة و النعيم و الناس لميفرغوا من الحساب اماسمعت انهم صفوف و هي في الطول لا محالة لا العرض فافهم و ان لمتفهم فسلم تسلم و اعلم انه ما كل ما يعلم يقال و لا كل ما يقال حان وقته و لا كل ما حان وقته حضر اهله فلاتزعم ان آلمحمد بذواتهم يقومون للحساب و الشفاعة حاشا بل لهم قيام عند ربهم ليس معهم غيرهم و يرسلون من شاؤا من شيعتهم للشفاعة و الحساب و الشهادة اماسمعت ما روي انهم يرسلون جعفر و حمزة ليشهدا علي نوح انه قد ابلغ الرسالة و سلمان و نظراءه لاستنقاذ الضعفاء من ورطات القيامة و هم علي الاعراف و بالجملة لعامة الناس مقام معلوم و العالون يسيرون من مقامهم بابدان مناسبة فكان ارواحهم راكبة علي ابدانهم فالائمة راكبون و الانبياء راكبون و الشيعة راكبون بهذا المعني و قد يعبر عن هذه الابدان بغير ذلك ليس هنا محل ذكرها و يمكن ان يقال بوجه آخر ان المراكب هي الاعمال و ذلك لان الشخص الراكب يمشي برجل دابته الي كل مقام و منزل يريد و كذلك في القيامة يمشون باقدام اعمالهم الي اعلي الدرجات و وجه التشبيه من جهات شتي فمنها ان الشخص فوق العمل و العمل تحته و منها ان العمل حي كالحيوان يمشي و يسير و كذلك له [ص 44] وجوه اخر فالاعمال مراكب فكل من له عمل يكون راكبا و كل من ليس له عمل لا مركب له و المراكب بحسب الاعمال فالاعمال الطيبة مراكب ذلل و الاعمال القبيحة شمص هذه تذهب بصاحبها الي الجنة و هذه تورط به في النار و ذلك قول اميرالمؤمنين عليه السلام في خطبته الا و ان التقوي مطايا ذلل حمل عليها اهلها و اعطوا ازمتها فاوردتهم الجنة و فتحت لهم ابوابها و وجدوا ريحها و طيبها و قيل لهم ادخلوها بسلام آمنين ، و كذلك قال عليه السلام في الاعمال القبيحة و لميحضرني الخطبة بتمامها و لاتتعجب من ذلك فان جميع الثواب و العقاب في الآخرة هي حقايق الاعمال في الدنيا فالمراكب الاخروية منها و يمكن جمع المطلبين بذلك بان نقول ان حقيقة المركب ما ذكرناه اولا و هو باطن العمل في الدنيا فافهم و بالجملة فالشيعة العاملون راكبون و الذين لا عمل لهم لا مركب لهم و اهل النار ايضا راكبون و من لا عمل لهم منهم راجلون الا ان مركب كل من اهل الجنة و النار علي حسب حالهم و كذلك الناس حفاة عراة و آلمحمد و شيعتهم مخلعون بخلع النور و اما ما ورد في اخبار من انحصار الركبان بخمسة فلذلك وجوه و نذكر هنا شطرا من الاخبار ليكون قرة للعيون ففي معالم الزلفي عن علي بن ابرهيم بسنده عن عبدالله بن شريك العامري عن ابيعبدالله عليه السلام قال سأل علي عليه السلام رسول الله صلي الله عليه و آله عن تفسير قوله يوم نحشر المتقين الي الرحمن [ص 45] وفدا قال يا علي الوفد لايكونون الا ركبانا اولئك رجال اتقوا الله فاحبهم و اخصهم و رضي اعمالهم فسماهم الله المتقين ثم قال يا علي اما و الذي فلق الحبة و برئ النسمة انهم ليخرجون من قبورهم بياض وجوههم كبياض الثلج عليهم ثياب بياض كبياض اللبن عليهم نعال الذهب شراكها من لؤلؤ يتلألأ انتهي ، و ورد قريبا من ذلك اخبار و اما ما ورد في اختصاص الركب بجماعة فعن امالي الشيخ باسناده عن عبدالله بن العباس بن عبدالمطلب قال سمعت رسول الله صلي الله عليه و آله يقول يا ايها الناس نحن في يوم القيامة ركبان اربعة ليس غيرنا فقال له قايل بابي انت و امي يا رسول الله من الركبان قال انا علي البراق و اخي صالح علي ناقة الله التي عقرها قومه و ابنتي فاطمة علي ناقتها العضباء و علي بن ابيطالب علي ناقة من نوق الجنة خطمها من اللؤلؤ الرطب و عيناها من ياقوتتين حمراوين و بطنها من زبرجد اخضر عليها قبة من لؤلؤة بيضاء يري ظاهرها من باطنها و باطنها من ظاهرها ظاهرها من رحمة الله و باطنها من عفو الله اذا اقبلت زفت و اذا ادبرت زفت و هو امامي علي رأسه تاج من نور يضيء لاهل الجمع ذلك التاج له سبعون ركنا كل ركن يضيء كالكوكب الدري في افق السماء بيده لواء الحمد و هو ينادي في القيامة لا اله الا الله محمد رسول الله فلايمر بملأ من الملئكة الا قالوا نبي مرسل و لايمر بنبي الا يقول ملك مقرب فينادي مناد من بطنان العرش يا ايها الناس [ص 46] ليس هذا ملك مقرب و لا نبي مرسل و لا حامل عرش هذا علي بن ابيطالب و يجيء شيعته من بعده فينادي مناد لشيعته من انتم فيقولون العلويون فيأتيهم النداء ايها العلويون انتم الآمنون ادخلوا الجنة مع من كنتم توالون و عنه باسناده عن ابنعباس قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله يأتي علي الناس يوم القيامة وقت ما فيه راكب الا نحن اربعة قال انا علي البراق و اخي صالح علي ناقة الله التي عقرها قومه و عمي حمزة اسد الله و اسد رسوله علي ناقتي العضباء و اخي علي بن ابيطالب علي ناقة من نوق الجنة الحديث ، و في الظاهر الاخبار مختلفة و لكن يمكن الجمع بينها بان نقول ان الرواية التي عد فيها الاربعة و ترك ذكر فاطمة عليها السلام اراد صلي الله عليه و آله ذكر الركب من الرجال فاقتصر علي ذكرهم و اما نفي كون الغير راكبا ففي هذه الرواية اراد من الرجال و لكن الكلام في ترك ذكر حمزة في رواية عبدالله بن العباس فيحتمل و الله اعلم انه صلي الله عليه اراد ذكر الراكبين من الانبياء و الحجج و لميكن حمزة منهم و لا ساير الناس و بذلك نحمل ايضا نفي الغير بالنسبة الي رواية عبدالله بن شريك و غيره مما ورد في ركوب المتقين و المؤمنين فانه نفي الركوب عن اهل هذه الدرجة بوجه ركوبهم دون من كان دونهم و امثال ذلك في الاخبار كثيرة و اما ساير الائمة عليهم السلام فيحتمل ان يكونوا راكبين و عدم ذكرهم و الاقتصار باسم علي عليه السلام منهم لاسرار كثيرة منها [ص 47] انهم نور واحد و ما ثبت لاولهم يثبت لآخرهم و يحتمل ان يكونوا راجلين لتعظيم النبي (ص) و علي عليه السلام و ترجلهم ادبا لجدهم لايكون سبب نقصهم و اما اولوا العزم من الرسل صلوات الله عليهم فهم من الراكبين ايضا و ترك ذكرهم و ذكر صالح عليه السلام لجهات لسنا بصدد ذكرها و يظهر لك ذلك مما اشرنا اليه ان كنت من المتفكرين فاذا عرفت ذلك فاعلم ان آلمحمد صلوات الله عليهم لهم جواز من الاسفل الي الاعلي و من الاعلي الي الاسفل فاما الجواز من الاسفل الي الاعلي فمن حين حشرهم الي ان يسكنوا في مقامهم و درجتهم في الجنة و اما سيرهم من الاعلي الي الاسفل ففي كرات لاستنقاذ ضعفاء الشيعة من النار و كما تري في الدنيا ان عليا عليه السلام له الكرة بعد الكرة كذلك في عرصة القيامة يأخذ جماعة من شيعته و يوصلهم بشفاعته الي درجاتهم ثم يرجع الي العرصة لاستنقاذ جماعة اخري و يشهد بذلك ما رواه المجلسي (ره) في البحار عن النبي (ص) قال اذا كان يوم القيامة عقد لواء من نور ابيض و نادي مناد ليقم سيد المؤمنين علي بن ابيطالب فيعطي الله اللواء من النور الابيض بيده تحته جميع السابقين الاولين من المهاجرين و الانصار لايخالطهم غيرهم حتي يجلس علي منبر من نور رب العزة و يعرض الجميع عليه رجلا رجلا فيعطي اجره و نوره فاذا اتي علي آخرهم قيل لهم قد عرفتم موضعكم و منازلكم من الجنة ان ربكم يقول لكم عندي لكم (كذا) [ص 48] مغفرة و اجر عظيم يعني الجنة فيقوم علي بن ابيطالب و القوم تحت لوائه معهم حتي يدخل الجنة ثم يرجع الي منبره و لايزال يعرض عليه جميع المؤمنين فيأخذ نصيبه منهم الي الجنة و يترك اقواما علي النار فذلك قوله عز و جل و الذين آمنوا و عملوا الصالحات لهم اجرهم و نورهم الآية ، انتهي ، فظهر من هذا الحديث الشريف انه لهم كرة فحكم الباقين حكم علي عليه السلام بلا فرق بل في الحقيقة رجوعه رجوع الجميع و كذلك النبي صلي الله عليه و آله يأتي من اعلي المقامات لشفاعة من يستحق الشفاعة و شواهد ذلك من الاخبار موجودة و هم في الذهاب و الاياب راكبون بالمعنيين المذكورين سابقا و كذلك فاطمة عليها السلام فانها من نورهم و طينتهم و حكمها كحكمهم بلا فرق فهي ايضا راكبة في الذهاب و الاياب و اما وجه اختصاص مركبها بالناقة فلجهات منها ان الناقة شريفة نجيبة مطيعة بخلاف الجمل فانه غالبا شموص غضوب و لذا يؤتي جهنم بصورة الجمل الشموص و منها ان المركب الذي يركب عليها فاطمة عليها السلام هو النفس المطمئنة العابدة المطيعة لله سبحانه و هي مؤنثة ساكنة بامر الله سبحانه و قد اثبتنا في غير المقام ان الانوثة مقام السكون كما ان الذكورة مقام الحركة و ليس هنا محل بسطه و لنا تحقيق شريف في المقام يظهر به مطالب مشكلة ان شاء الله و اجمل الكلام فاعرني لبك حتي تقف علي حقيقة المرام فاعلم اولا ان العوالم الغيبية هي صوافي و لطايف الشهادة و [ص 49] الشهادة غلائظها و كثايفها كما تري في الروح و الجسد فان الروح لطيف الجسد و الجسد غليظه فكل ما تراه في الارواح غلائظه في عالم الاجسام و كل ما تراه في الاجسام لطايفه في الارواح و لذلك يستدل بالجسد علي الروح و من هذا الباب الحكم بالقيافة علي البواطن الخفية عن المشاعر الظاهرة و يشهد بذلك الكتاب و السنة قال الله تعالي ماتري في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل تري من فطور فالظاهر طبق الباطن و قد مر سابقا الاشارة الي بعض ادلة ذلك فما تراه في الظاهر اذا لطف و صفي و صعد يصير علي صورة العوالم الغيبية و ما فيها اذا كثف يصير علي صورة الشهادة غاية الامر ان العوالم الغيبية تظهر بصور مناسبة لها من الصور الشهادية و من هذا الباب ظهور الملئكة بصور مختلفة من صور الاناسي و الحيوانات و النباتات و الجمادات الاتري ان جبرئيل كان يظهر بصورة دحية و صورة الاعرابي و ملكا من الملئكة الروحانيين ظهر بصورة البراق صورة مركبة من الانسانية و الحيوانية و حملة العرش علي صورة الحيوانات كما في الخبر ان واحدا منها بصورة الثور و به يرزق الله البهايم و واحدا بصورة الاسد و به يرزق الله السباع و واحدا منها بصورة الديك و به يرزق الله الطيور و واحدا بصورة الانسان و به يرزق الله الاناسي و كذلك الحجر الاسود كان ملكا من النورانيين و ظهر بصورة الحجر فيمكن علي ذلك ما ذكرناه و لايستنكف منه لبيب و لكن لايمكن ذلك من غير [ص 50] مناسبة كما تري ان كل روح من ارواح الاناسي و الحيوانات لايظهر بكل صورة و ليس ذلك الا لما ذكرنا فكل ملك من الملئكة لايظهر بكل صورة و كل جني لايظهر بكل صورة و الذي يتقلب في الصور كيف شاء هو الجامع المحيط بكل شئ فانه الذي لايخص بدنا دون بدن او الجامع بالنسبة فيظهر في ابدان دونه بقدر احاطته و بساطته فعلي ذلك اذا ظهر العقل مثلا في هذا العالم في صور الاناسي يظهر في صور خاصة تناسبه و لايناسبه من مركبات هذا الملك الا ما كان من غلائظه القريبة و لذلك نستدل بقيافات الاناسي علي عقولهم فنقول ان فلانا عاقل و فلانا بليد و لو كان كل بدن صالحا لحكاية العقل لماكنا نعرف العاقل من البليد و من هذا الباب يقال ان نطفة المؤمن من شجرة المزن تقطر علي الاشجار و النباتات فيأكل منها الرجل و يخلق منها بدن المؤمن فيتعلق به روح الايمان و نطفة الكافر من الزقوم تصعد من جهنم علي النباتات و يأكل منها الانسان فيخلق منها بدن الكافر فيتعلق به روح الكفر فلا كل بدن يصلح للايمان و لا كل بدن يصلح للكفر و اعلم ان تقطر ذلك من الشجرتين ليس الا في بدء تكون النبات او الجماد الذي يصير غذاءا للابوين او للحيوان الذي يصير غذاءا لهما و معني ذلك انه بنفسه تنزل المزن و الزقوم في الدنيا فالغذاء الحلال الطيب الزكي تنزل المزن و الغذاء الحرام و النجس الكثيف تنزل زقوم و بعد ما خلق البدن من غليظهما تعلق بهما [ص 51] الروح المخلوق من اصل الشجرتين فاذا عرفت هذه الامثال يظهر لك المراد ان شاء الله و من ذلك فاعرف تعلق الروح الملكوتي ايضا فان المثل كان في روح الايمان و قس عليه الروح الملكوتي و كذلك الامر في النفس الملكوتية فانها ايضا تظهر في ابدان خاصة فلا كل بدن يصلح لان تتعلق به و يظهر لك ذلك ايضا من علم القيافة و كذلك ظهورها في الحيوانات فاذا ظهر العقل في الحيوانات تظهر في صورة الثور بملاحظة و الفرس بملاحظة او في كليهما و ذلك لشرافة الثور و قد عرفت سابقا انه حامل ركن من اركان العرش و هو الركن الايسر الادني الركن الاصفر و هو اشبه بالاناسي مزاجا من ساير الحيوانات و لذلك جعل الشفاء في لبنه و الاطباء يداوون (ظ) الاناسي بلبنه و بعض اعضائه و كذلك الروح اذا ظهر يظهر في صورة برزخية كصورة البراق بين الفرس و الحمار لان الروح برزخ بين العقل و النفس و حالة البرزخ بين بين و قد عرفت ان العقل يظهر بصورة الفرس ايضا و ذلك لفراسته و شرافته بين الحيوانات و النفس من حيث اسفلها المتعلق بالطبع تظهر بالحمار و الروح برزخ بينهما فهو في ظهوره اشبه بالبغلة و لكنه اصغر منها و اما اذا تجسد يكون بقدر البغلة لا محالة و البراق كان اصغر من البغلة لانه اول ظهور الروح فتفصيله اقل و اجماله اكثر و اللطافة الزايدة سبب الصغر في الجثة و الكبر في الصفة فتدبر ثم ان النفس ربما تظهر بالناقة فان الحمار و الناقة كلاهما ظهوره [ص 52] اما الحمار فظهورها من حيث الاسفل و الناقة ظهورها من حيث الاعلي فان بينهما مشابهة تامة فان الناقة حمولة تحمل الاثقال الي بلد لمتكونوا بالغيه الا بشق الانفس و حالاتها تشبه النفس فانها غضوبة اذا غضبت حقودة حليمة اذا حلمت ارجلها طويلة لبعدها عن الارض الظاهرة عنقها طويلة تلتقط من الارض الاتري ان كمالاتها و اخلاقها جميعها مكتسبة من البدن الظاهر و كذلك ساير حالاتها و اخلاقها مجملا اذا تغلظت تتصور بصورة الناقة كما ان الطبيعة اذا تغلظت تصير بهيئة الجمل فان الطبع ظاهر النفس و انيتها بملاحظة و كذلك تكون جهنم بصورة الجمل النفور الشموص الغضوب الحاصل فالنفس اذا ظهرت في صورة الحيوانات تظهر بصورة الناقة و كذلك لها ظهورات في عرصة النباتات و الجمادات و لسنا بصدد ذكرها هنا و مرادنا بيان ان النفس اذا ظهرت في الحيوانات تظهر بصورة الناقة و لذلك من رأي في رؤياه ناقة تعبر له بالزوجة فانها خلقت من نفس الانسان كما قال الله تعالي خلق لكم من انفسكم ازواجا و من رأي ولد ناقة تعبر له بالاولاد و ربما يعبر الجمل بالسلطان و الرجل الكبير بملاحظة سلطنة الطبع و مأخذ الجميع ما ذكرناه فاذا عرفت ذلك فاعلم ان النبي صلي الله عليه و آله مقامه مقام العقل اول ما خلق الله تعالي من الروحانيين عن يمين العرش و هو يظهر علي الروح و قد عرفت ان غليظ الروح البراق فلذلك يقال [ص 53] ان مركب النبي (ص) في المعراج و القيامة البراق و ليلة المعراج ركب علي البراق حتي وصل الي السدرة فركب علي رفرف اخضر و اما اميرالمؤمنين و فاطمة عليهما السلام و ان كانا في اصل الخلقة من نور محمد (ص) و جميعهم نور واحد و طينة واحدة و لكن في عالم الفصل و التعدد يظهرون دون درجة النبي صلي الله عليه و آله و لذلك يكون النبي (ص) حجة عليهم و هم نفس النبي (ص) بنص الآية الكريمة و انيته و نفس النبي صلي الله عليه و آله فوق نفوس الخلايق تظهر عليهم و تركب ظهورهم فهم راكبون علي نوق الجنة و هي انفس طيبة طاهرة زكية خلقت من نورهم و شعاع نورهم فهم شيعتهم يحملون اجسادهم الاخروية في القيامة كما يحملون علومهم و حكمهم و اسرارهم في الدنيا و تدفن اجسادهم في الدنيا في قلوب شيعتهم كما يشهد بذلك الخبر فهم اي شيعتهم نوق تركبهم آلمحمد في الباطن فافهم و تدبر و قد اوضحت و شرحت و بينت ظاهرها و باطنها و تأويلها و علي ان يكون الناقة هي عملهم كما ذكرنا سابقا نقول ان العمل هو الصفة و صفتهم شعاع نورهم فهي شيعتهم .
قال صلي الله عليه و آله رأسها من خشية الله .
بعد ما بين صلي الله عليه و آله ابنته عليها السلام اراد ان يصف بعض اعضاء هذه الناقة الشريفة حتي لايختفي (ظ) امرها علي الناس فقال رأسها من خشية الله ، و لا بد من ذكر مقدمة سديدة في المقام حتي تقف [ص 54] علي حقيقة المرام في هذه الفقرة و في ساير الفقرات الآتية فاعلم بعد ما ظهر لك مما شرحناه ان جميع الخلق الساكنين في هذه العرصة نازلة من الخزاين العالية ان الله سبحانه قد جعل لكل عالم من العوالم السابقة و اللاحقة اقتضاءات من حيث الوقت و المكان و الوضع و الجهة و غير ذلك فانظر في كل مقام الي ما يلزم المحل و لاتجاوز به محله الذي احله الله فيه فمن لوازم الدنيا الدنية التشقق و الاختلافات و هذه الهيئات المختلفات و غير ذلك مما تراه و تشاهده فحقيقة الاشياء و ان كانت نازلة من العوالم العلوية و لكن ظهرت في هذه الاوضاع المتفاوتة فاذا اردت ان تعرف الحقيقة غض عن ما يخص هذه المرتبة حتي تقف علي مرادك فهذه الشعلة المرئية مثلا نارها من العالم الاعلي و وضعها و شكلها من الدنيا فاذا اردت ان تعرف النار غض بصرك عما يخص الدنيا حتي تشاهد العليا فالصبغ و الشكل و الوضع و المكان و الوقت المشهود جميعها من الدنيا فلاتقس عليها النار الغيبية فانها ليست صفراء و لا حمراء بهذا اللون المشهود و لا مخروطية مثل الشعلة المشهودة و لا مختلفة اللون و لا في هذا المكان و الزمان بل هي صرف الحرارة و اليبوسة فاذا قال قايل ان النار حمراء لاتقس حمرتها بهذه الحمرة المشهودة و لا مزاجها و اذا قيل انها في العليا مثلا لاتزعم ان علوها كاستعلاء هذه الشعلة فقس علي ذلك ساير الصفات بل جميع ما لها علي خلاف ما تشاهد فيها و كذلك الامر في ساير الاشياء [ص 55] فالانسان مثلا تري له في الدنيا رأسا كهيئة كرة و وجها هكذا و يدا و صدرا و بطنا و غير ذلك من الاعضاء و الاحشاء و جميع ذلك بهذا الوضع الخاص من الدنيا فلاتقس عليه نفسه الغيبية فانها و ان كان لها اعضاء و جوارح و لكن اعضائها و جوارحها ليست كما تري في بدنه و قد ضرب الله لك مثلا و انظر الي الروح البخاري فانك قادر علي دركه ان لمتدرك نفسك فان له رأسا و وجها و يدا و رجلا و سمعا و بصرا و لسانا و انفا و غير ذلك و لاتكاد تري له تشقق اعضاء و تفرق اجزاء و اختلاف و رأسه ليس كهيئة رأس جسدك و رجله ليس هكذا بل رأسه و جسده لايمتازان فانه بكله رأس و بكله جسد و بعد ما انعقد و تغلظ صار رأسيته بهذه الهيئة و رجليته بخلافها و هكذا ساير اعضائها و اظهر من ذلك دم بدنك فانه في كبدك له صورة واحدة نوعية مع ان فيه ما يناسب رأسك و رجلك و يدك و وجهك و شعرك و بشرتك و لا اختلاف في ظاهره و لا في ابعاضه و بعد ما انجذب الي البدن يصعد اللطايف و يهبط الغلايظ و يصنع الاعضاء المختلفة و كذلك الامر في النفس فاذا قيل ان النفس الانسانية لها مراتب ثمانية و اعضاء و جوارح فلاتزعم انها كهيئتها في هذا البدن بل لها هيئة تناسب النفس فلها معني الرأس اذ لا رأس غليظ و معني العين و معني الاذن و معني اللسان و معني اليد و معني الرجل اذ لا عين و لا اذن و لا لسان و لا يد فافهم ذلك فانه دقيق و بالتحقيق [ص 56] حقيق و اعرف قدر هذا البيان الرفيق فرأسك النفساني نفس الرأس و هو اعلي مقامها و مبدء فيضها و محل تعلق نور الله بها و محل سلطنة العقل عليها و لها عين و هي اطلاعها علي المبصرات و كذلك الامر في ساير مشاعرها و كذلك الامر في نوق الجنة فانها نفسانية و ليس اعضاؤها و هيأتها كنوق الدنيا فاذا قال النبي صلي الله عليه و آله ان لها رأسا فلاتزعم ان رأسها كرأس نوق الدنيا بل علي ما يناسبها من معاني الرأس و حقايقه فانظر في رأسك هذا ما حقيقته و ما معناه فتري بعد امعان النظر و ادامة الفكر ان الرأس محل الفيض كما نبهنا عليه آنفا و اصل حراك البدن و منبت الاعصاب و المخاخ و اصل الشعور و غير ذلك و بعد ما عرفنا ذلك نجدد النظر ايضا في ملك الله تعالي و نري ان اسم الرأس يدور مدار هذه المعاني او واحدة منها و لايخص عظم الرأس الذي اتصف بما ذكرناه فنقول ان فلانا الرجل رأس و فلانا رأس القبيلة و الطائفة و البلد و الملك و غير ذلك و يقال رأس المسألة و المطلب و الكلام و غير ذلك و ليس ذلك الا لمعني من معاني الرأسية فعلمنا بالبت و اليقين ان مسمي الرأس غير العظم فننظر في عرصة النفس التي هي ناقة الله تبارك و تعالي فنري فيها معني الرأس اذ لا عظم فان رأس جميع المكرمات و مبدأ كل الخيرات العلم الذي هو خشية الله جل و عز فان سير كل ساير بواسطة العلم و جميع الفيوض و الامداد العقلانية تظهر في العلم و جميع [ص 57] الاعمال قايم به و منه الفكر و الذكر و جميع الفضل بسببه و ليس العلم حضور اشباح المعلومات عند العالم في الحقيقة بل هو الخشية كما في كتاب الله انما يخشي الله من عباده العلماء ، و قال عليه السلام لا علم الا خشيتك ، و قال ما معناه سبحانك ان اعلم عبادك اخشاهم منك ، و الخشية من الله سبحانه الاتقاء عن جميع ما يخالف مرضات الله سبحانه و التقوي هو التنزه عن جميع المعايب و التنزه هو منبت جميع الادراكات و العلوم كما قال الله تعالي و من يتق الله يجعل له مخرجا و قال اتقوا الله و يعلمكم الله ففي الحقيقة المراد من الخشية التقوي و هي رأس كل خير و نعمة فلذلك قال صلي الله عليه و آله ان رأس هذه الناقة من خشية الله سبحانه و اما من فله معان منها الابتداء و منها التبعيض و قد يستعمل لبيان المادة و جميع المعاني تتمشي في هذا المقام و في ساير المقامات الآتية و يظهر لك بادني تأمل .
قال صلي الله عليه و آله و عيناها من نور الله .
اعلم ان الله سبحانه بصير بذاته اذ لا مبصر من خلقه بل كان بصيرا بنفسه لنفسه و له معني البصر لا ان له بصرا من سنخ بصاير خلقه نعوذ بالله و حقيقة البصر الاطلاع علي المبصرات و هي الالوان و الكيفيات و ليس له سبحانه لون و كيفية حتي يصدق معني البصيرية عليه علي الحقيقة فالمراد من بصيريته سبحانه علمه الذي هو ذاته بل اقول انه ليس في الحقيقة الا العلم و لكنه بعد ما وقع علي المبصرات [ص 58] يتخصص بها و بعد ما وقع علي المسموعات يتخصص بها و هكذا فيسمي من كل مدرك بما يخصه و في الحقيقة ليس الا العلم و هو نفس الوجود في الذات جلت عظمتها فافهم فليس الا الذات وحدها وحدها و بعد ما خلق سبحانه خلقه علي ما بسطناه في مباحثاتنا و كتبنا جعل لهم الحول و القوة و لا حول و لا قوة الا به و هيأ لهم الاسباب و الآلات و الادوات كل علي حسبه بقدر اقتضائه فجعل لهم ادوات لتحديد ما يناسبها و آلات للاشارة الي نظايرها و لما انزلهم في منازل مختلفة لاهوتية و ماهوتية غيبية و شهادية نورية و ظلمانية جبروتية و ناسوتية ملكوتية و ملكية سماوية و ارضية جعل لهم في كل منزل ما يحتاجون اليه من الاسباب و هم يتبعونها بحول الله و قوته و من حوايجهم في مراتبهم ادراكاتهم بل هي من اعظم الحوايج و اصل الولايج فجعل لهم اسبابا للدرك مع انه لايدرك احد شيئا الا بالله كما في الخبر و لا شك ان شرط الادراك المناسبة بين المدرك بالكسر و المدرك بالفتح و المدرك بفتح الميم و الراء و لولا المناسبة لماحصل الادراك ابدا الاتري ان الله بعد ما قدر لك ادراك الالوان و الكيفيات الظاهرة في الاجسام جعل لك عينا مناسبة لدركها و لو لميكن العين لماكنت تدرك الالوان ابدا و هكذا بعد ما شاء ان تدرك الاصوات جعل لك سمعا من سنخ اجسام تصلح للتكيف بها و كذلك ساير المشاعر المشهودة و هكذا الامر في ساير العوالم جعل الله لك [ص 59] في كل عرصة آلات تدرك بها بحول الله و قوته لا بحولك و قوتك ما يناسبها ففي البرزخ جعل الله لك مشاعر برزخية تدرك بها البرزخيات اي الامثلة الملقاة في هويات الاشياء من حيث الصدور عن الطبيعة المطلقة فبالخيال تدرك الصور المجردة عن المواد الدنيوية من اي سنخ كانت مسموعة و مذوقة و مشمومة و ملموسة و مبصرة و بالواهمة تدرك المعاني النسبية الحاصلة بين الصور و هكذا بالعالمة تدرك الصور العالية و بالعاقلة المعاني العالية و جميعها امثلة برزخية و كذلك جعل الله لنفسك مشاعر بها تدرك المدركات و لا شك ان عرصة النفس من حيث الاعلي عرصة النور و الخير و البركة ففي عرصة النور لاينفذ الا بصر حديد و لا حدادة لغير النور الاتري الي قوله تعالي فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد و قال ان في ذلك لذكري لمن كان له قلب او القي السمع و هو شهيد و قال ماكذب الفؤاد ما رأي افتمارونه علي ما يري فالله اللطيف الخبير جعل لنفسك النورانية بصرا من نوره ليري نور ربه و هو النافذ في جميع المشهودات المطلع علي جميعها و لايخفي عليه شئ فناقة فاطمة عليها السلام التي هي من عرصة النفس بصرها من نور الله فلاتري غير النور و لما كان سيرها الي نور الله سبحانه و مرادها معرفة ربها تحتاج الي طرف نوري
فاعارته طرفا رءاها به فكان البصير بها طرفها
و بلسان اوضح و ابين نقول ان عين الناقة التي هي النفس [ص 60] الانسانية الناطقة القدسية هي الفؤاد يعني آخر مراتبه الخمسة و هو مقام الدلالة و الودق و هو جامع لساير المراتب ايضا بل العين البصيرة مطلقا هي الفؤاد كما اشرت اليه سابقا انه لايدرك احد شيئا الا بالله سبحانه و ساير العيون بل جميع الابصار آلاته و ادواته فعين النفس نفس العيون و هي نور الله المطلعة علي افئدة المؤمنين كما ان نار الله المؤصدة تطلع علي افئدة الكافرين و جميع ما من الله هكذا ناره للكافر و نوره للمؤمن و من كان من اهل الاسرار يعرف الاشارة بلا غبار فما تري من ظل الفؤاد في هذه الحمر المستنفرة فرت من قسورة ليس من سنخ ما في ناقة الله المنسوبة الي الصالح الاول قبل آدم الثاني بل هو من النار و الي النار و ما في الناقة من الله و الي الله و بالجملة لسنا بصدد هذه البيانات و نقتصر علي الاشارات لاهلها فاذا عرفت ذلك و تبينت ما هنالك فاعلم ان الفؤاد شأنه معرفة الله الظاهر له به و المتجلي اليه فيه منه فهذه الناقة اذا كانت عينها من نور الله سبحانه تكون عارفة بربها البتة مطيعة لاتسهو و لاتلعب و لاتلهو ابدا اذ ذلك شأن غير الفؤاد و اهل الفؤاد لايبتلون بامثال ذلك من الامراض و العيوب و بالجملة شأن الفؤاد و اهله معلوم و سيجيء في تلك العجالة بعض الاشارة اليهم ان شاء الله فلانطيل الكلام بوصفه هنا و يمكن ان يقال ان هذا النور احمر كالركن المؤخر الايسر من اركان عرش الله سبحانه كما ورد في الخبر في [ص 61] صفة ناقة اميرالمؤمنين عن رسول الله صلي الله عليه و آله قال يا ايها الناس نحن في يوم القيامة ركبان اربعة ليس غيرنا فقال له قايل بابي انت و امي يا رسول الله من الركبان و ساق الحديث الي ان قال و علي بن ابيطالب علي ناقة من نوق الجنة خطمها من اللؤلؤ الرطب و عيناها من ياقوتتين الحديث ، و لا شك ان الياقوت الاخروي ليس علي ما يري في الدنيا فان الياقوت الدنيوي جوهر معدني غير منطرق و اما الياقوت الاخروي فهو نور احمر فنقول ان عين ناقة فاطمة عليها السلام ايضا نور احمر و هو الطبيعة التي هي ظاهر الفؤاد فان بصرها صلي الله عليها الفؤاد و بصر ناقتها الطبيعة هي ظاهر الفؤاد و وجه ذلك ان المراتب مجموعها ثمانية اربعة من الشهادة و اربعة من الغيب و الشهاديات ظواهر الغيبيات فالفؤاد ظاهره الطبيعة و العقل ظاهره المادة و الروح ظاهره المثال و النفس ظاهرها الجسم فعين ناقتها و ناقة بعلها الطبيعة فعلي ذلك يمكن ان يقال انه ليست عيناها علي رأسها بل هي علي حافرها كما ورد عن علي عليه السلام في صفة البراق و وجه ذلك ان العين اذا كانت علي الرأس يحتمل ان تغفل عن شئ فتزل و تخزي سيما في مثل الناقة و اما اذا كانت علي الحافر لايكاد يخفي عليها تحت قدمها و ان قلت فلم لميجعل الله العيون في الدنيا علي الرجل اقول لمكان الارض الغليظ المانع عن الابصار و فساد [ص 62] العين بقرب الارض و عدم الانتفاع بها بعد وضعها علي الارض مع ان الله سبحانه اراد ان يحفظ الحيوانات و الاناسي باعينهم عن العوارض الواردة فجعل العين علي الرأس كما تري ان العيان يجلس فوق ليري البعيد و اما في الآخرة فلا مانع و لا باعث و لايمنع الحيوان وقوع العين في الحافر عن الابصار بل يري الاعلي في الاسفل ايضا و علي اي حال مرادي انه يمكن ان يكون هكذا و لا مانع فتدبر و اذا كانت عيناها الطبيعة يكون معرفتها بربها بقدر ظهوره لها فيها و اعلم ان هذه الطبيعة ليست طبيعة معوجة منحرفة بل هي مسلمة مطيعة لله سبحانه و ذلك ما قيل لرسول الله (ص) الك شيطان قال بلي و لكن اسلم .
قال صلي الله عليه و آله و خطامها من جلال الله .
الخطام ككتاب كل ما وضع في انف البعير ليقتاد به كذا في المعيار و في المجمع هو الزمام سمي به لانه يوضع علي خطمه اي انفه و ما حوله ، و علي اي حال يراد منه الزمام او ما شابهه و في حديث آخر مر بعضه في صفة ناقة اميرالمؤمنين عليه السلام خطمها من اللؤلؤ الرطب ، و لا تنافي بينهما فان اللؤلؤ ظاهر الجلال كما مر في العين و اما الجلال فهو اسم من اسماء الله و مقامه دون الجمال بملاحظة فان الجمال صفة متصلة و الجلال بمعني العظمة و هي ما يظهر من الجمال و يترتب عليه و قد فصلت و بينت الفرق بينهما في بعض شروحي للاخبار و في عالم الكون ظهر جمال الله [ص 63] سبحانه في الفؤاد الذي هو آيته و نوره و جلاله في العقل الذي هو معدن العظمة و العقل هو اول ما خلق الله و مزاجه مزاج الماء و ذلك قوله عليه السلام اول ما خلق الله الماء ، و مزاج الماء بارد رطب مزاج اللؤلؤ الرطب ففي الحقيقة زمام الناقة العقل فانه لا شك انه المانع للنفس عن الوغول في المهالك و لولا العقل لكانت امارة بالسوء و قد حفظ الله برحمته من شاء بظهور العقل في نفسه فكل نفس اشتعلت بالعقل صارت مؤمنة طيبة و باختلاف مراتبها في اشتعالها تكون لوامة و ملهمة و مطمئنة و راضية و مرضية فتكون من عباد الله الصالحين فالعقل زمام النفس و عبر النبي صلي الله عليه و آله في حديث عن تأويله فقال انه جلال الله و في حديث عن ظهورها في الظاهر فقال انه من لؤلؤ رطب فتدبر و هذا هو الجلال الذي اشار اليه علي عليه السلام في حديث كميل بقوله كشف سبحات الجلال من غير اشارة ، فان الانسان ما لميرقد العقل و ما يتعلق به من المشاعر في مراقدها لايكاد يطلع علي الحقيقة .
قال صلي الله عليه و آله و عنقها من بهاء الله .
البهاء بمعني الحسن و هو قوله عليه السلام اللهم اني اسألك من بهائك بابهاه و كل بهائك بهي اللهم اني اسألك ببهائك كله ، و هذا البهاء هو اول ظهور الفؤاد من ظهوراته الخمسة في مقام التأويل و هي النقطة و الالف و الحروف و الكلمة و الدلالة و مقام النقطة هو [ص 64] مقام الرحمة و الهواء و مقام الالف مقام الرياح و النفس الرحماني الذي قال عليه السلام لاتسبوا الرياح فانها من نفس الرحمن ، و مقام الحروف هو مقام السحاب المزجي و مقام الكلمة هو مقام الركام و التمام و مقام الدلالة مقام الودق و يجمعها قوله تعالي المتر ان الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فتري الودق يخرج من خلاله و بوجه آخر نقول انه ثالث ظهورات الفؤاد لانه مقام الحروف و يظهر من الخبر ان البهاء مقام الباء قال الصادق عليه السلام في شرح بسم الله الباء بهاء الله و السين سناء الله الحديث ، فالفرق بين البهاء و النور الذي مر ذكره انه مقام الدلالة المتفرعة علي الكلمة التامة لانه ظهور الفؤاد في مقام النفس و بوجه آخر قلنا انه الطبيعة فالفرق ظاهر و اما البهاء فهو مقام الباء و الباء مبدؤ جميع الموجودات قال النبي صلي الله عليه و آله ظهرت الموجودات من باء بسم الله الرحمن الرحيم ، فوجه المناسبة علي ذلك ان العنق هي الواسطة بين الرأس و القلب و جميع الفيوض من القلب يصل الي الدماغ بواسطة العنق فان الدم الذي هو منشأ الحيوة يصعد من الشريانين النافذين في العنق الي الدماغ من القلب و كذلك جميع الفيوض النازلة من الدماغ و المخ الي البدن تنزل بواسطة العنق فالعنق هو السفير الاعظم بين الرأس و البدن و كذلك الامر في ثالث مقامات الفؤاد فانه الواسطة بين النقطة و الرحمة التي هي منشأ جميع [ص 65] الفيوض و الامداد و ساير الخلق و كل نعمة يمن الله بها علي الخلق يصل من هذا المقام و لنا ان نقول ان عين الناقة آخر مقامات الفؤاد و وجهها رابع المقامات و عنقها ثالث المقامات و قلبها ثاني المقامات و روحها اول المقامات و جميع المراتب الخمس ظهورها في النفس القدسية الالهية و هي الكتاب المستجمع لجميع الكلمات و الدلالات مشروحة مفصلة فافهم و لا اقبال لي الآن الي بسط المقال و ذكر البواطن و غيرها من مراتب المعاني .
قال صلي الله عليه و آله و سنامها من رضوان الله .
السنام للابل معروف و هو بمنزلة الالية للغنم و قد يستعار اللفظ في مقام كقوله سنام الاسلام الجهاد ، و السنام الاعلي يعني الدرجة الرفيعة و الرضوان بكسر الراء و ضمها هو اعلي مراتب الرضاء و منتهاه فاذا عرفت المعني الظاهر فاعلم ان سنام الناقة بحسب الظاهر اي ظاهر بدنه اعلي مقاماته و ارفعها من الارض و جميع اجزاء بدنه اخفض منه فعبر عنه صلي الله عليه و آله بضرب من التأويل بذلك فقال انه من رضوان الله اي منتهي رضاه سبحانه اي اختياره و ارتضاه و الرضوان اعلي مقام الجنان و اسرار اختياره (ص) هذا الاسم كثيرة منها ما مر الاشارة اليه في الجملة و زيادة البيان ان هذه النفس التي عبر عنها بالناقة في اسفل مقاماتها الملاصقة بالطبيعة التي هي النار من غير دخان و علي خلاف كينونة الله [ص 66] سبحانه امارة بالسوء بل اسفل مقاماتها نفس الطبيعة فانها ظاهر النفس و الامارة بالسوء هي البعيدة عن رحمة الله مطرودة ملعونة و لذا سميت بابليس لانها آيسة من رحمة الله او حايرة لسوء فعلها و بعد ما صعدت من هذا المقام و شملتها رحمة الله و ذلك قوله تعالي الا ما رحم الآية ، تصير ملهمة يلهمها الله سبيل النجاة فتصير لوامة او تكون لوامة قبل ان تكون ملهمة تلوم نفسها بفعلها و تندم فيلهمها ربها و قد ذكر الله سبحانه اسمهما في كتابه فقال بالنفس اللوامة و قال الهمها فجورها و تقويها اذ انبعث اشقاها و بعد ما سارت في هذين المقامين تصير مطمئنة بالهام الله سبحانه و شمول رحمته فينزل عليها السكينة فترضي عن ربها فتصير راضية و يعطيها الله سبحانه من نعمه حتي ترضي من ربها فتصير مرضية و ذلك قوله تعالي و لسوف يعطيك ربك فترضي او هي ترضي عن ربها فتصير راضية فيرضي الله عنها فتصير مرضية و كلا المعنيان حق و صدق فاعلي مقام يصل اليه النفس مقام الرضا و منتهي الرضا ان تكون راضية مرضية فهو مقام الرضوان فاعلي مقامها من رضوان الله و هو سنامها فتدبر و وجه آخر ان النفس بعد ما صعدت صاعدة و عبدت ربها تصل الي مقام تشتعل فيه بنور الكلية الالهية و هي لها خمس قوي و خاصيتان اما قويها فبقاء في فناء و نعيم في شقاء و فقر في غناء و صبر في بلاء و عز في ذل و خاصيتاها الرضا و التسليم و الرضا هو ظاهر [ص 67] التسليم و التسليم باطنه و اذا كمل الرضا يظهر التسليم فان اعلي مراتب الرضا اول التسليم و القوي بعد ما اجتمعت يكمل صورة الكلية الخاصة بها فيظهر منها الخاصية لامحة فانها لازمة الخاصة كما انه اذا كمل المعجون يكون خاصيته معه لاتفارقه فبعد ما اشتعل النفس القدسية بنور الكلية يظهر الخاصية و لايمكن وجود الكلية الالهية بدون الرضا و التسليم و لا وجود الرضا و التسليم بدونها و التسليم قد عرفت انه في غيب الرضا و بعد ما كمل مراتب الرضا يظهر التسليم فليس في الحقيقة الا الرضا و باطنه الذي هو التسليم فالرضا الذي هو خاصية النفس معها كالضوء علي وجه الشمس فاذا قلنا ضوء الشمس او قلنا الشمس لانريد الا الشمس و كذا اذا قلنا الرضوان يشمل نفس الكلية الالهية و خاصيتها ففي قوله (ص) اشعار بان هذه الناقة قد اشتعلت بنور الكلية الالهية فان اعلي مقاماتها في ظاهر البدن سنامها و هو من رضوان الله اي من الكلية الالهية فافهم و اعرف قدر هذا البيان و قل من يعرف من هذا الناس هذه الوجوه الملاح و المناسبات الغيبية الروحانية و ينبغي الاسف علي ان غلبة الاحزان تمنعني عن بيان الاسرار و هتك الاستار و لو كان لنفسي سرور و اقبال لاذنت القلم في الجولان و صلي الله علي سيد الانس و الجان الحاصل و مر سابقا ان من يأتي لمعان منها الابتداء فيكون المراد ان بدأ سنامها من الكلية الالهية او التبعيض و يراد انه [ص 68] بعضها و المراد من البعض هنا الفرد و النور و كثيرا ما يستعمل في الحكمة البعض في هذا المورد و يكفي هذا القدر من البيان ان شاء الله في هذا المقام ايضا .
قال صلي الله عليه و آله و ذنبها من قدس الله ه .
الذنب من الحيوان م و القدس من صفات الله و هو بمعني التنزه عن العيوب و النقايص و الطهارة و هو اعلي و ارفع من البهاء بملاحظة و من لوازمه بملاحظة فاذا كان ارفع منه فهو اول مقامات الفؤاد و يستقيم ذلك بان يكون الناقة رأسها اسفل و ذنبها اعلي و سيجيء بيان ذلك ان شاء الله و اما وجه مناسبة ان يكون ذنبها من قدس الله سبحانه ان الذنب هو ساتر الفرج و المقعدة اللتين يقبح ظهورهما و هو ايضا آلة بها يدفع الحيوان اذي الذباب و البقوق و نظايرهما من الموذيات عن مؤخره كما يدفع بفمها و رأسها عن مقدمه فلذا شبهه عليه السلام بالقدس لان هذه الناقة بقدس الله ستر القبايح و منع الحوادث الموذيات عن نفسها فلايظهر لها شين ابدا و لايعرضها مين اذ هي معصومة بعصمة الله سبحانه و حقيقة العصمة التقدس و التنزه عن المعايب و جميع العيوب من جانب الانية التي هي معدن الظلمة و الخساسة كما ان جميع المحاسن من الربوبية التي هي اصل النور و دار السرور فالربوبية مقام البساطة و الوحدة و التنزه عن الكثرة و الانية عرصة التركيب و [ص 69] الكثرات و معرض الاعراض و بيت الداء و الامراض و لما كان الظاهر طبق الباطن كما ورد في الاخبار و دل علي ذلك صحيح الاعتبار ظهر المقام الاعلي في البدن الظاهر بالرأس و الوجه و العنق و الصدر و اليد و المقام الاسفل بالنصف المؤخر و ظهر الاول بالدماغ و القلب و الثاني بالكرش في الحيوان و المعدة في الانسان و الامعاء و غيرها من اسافل البدن و لذا قال النبي (ص) في صفة ناقة علي عليه السلام ان بطنها من زبرجدة خضراء ، و الزبرجدة مقام النفس و النفس هي عبودية العقل و لكنه (ص) في الحديث المذكور لميتعرض لذكر ساير الاعضاء حتي يظهر لك صدق مقالي و لكنه (ص) بين ذلك في هذا الحديث الذي نحن بصدد شرحه بهذا البيان الشريف و الوضع المنيف فالحاصل ان اسفل بدن الناقة طرف الانية و مجمع الفضول و كذلك من كل حيوان و لذا صار مطلع الكثايف و الخبايث كما ان اعلي البدن محل الاصول و الطيبات لان الطيبين للطيبات و الخبيثين للخبيثات بنص الكلام المجيد و لما كان ناقتها معصومة محفوظة عصمها الله بقدسه و منبت الذنب من الاعلي فانه عصباني متحرك و العصب من الدماغ كذلك مطلع القدس من جهة الرب و قد شمل نور قدس ربوبيتها عبوديتها فستر عيوب الانية و قبايحها بحقيقة الستر و حقيقته ان يعدمها بالكلية فان الستر الظاهري مجازي او حقيقة بعد [ص 70] حقيقة و هو الاختفاء عن العيون و الستر الواقعي الاختفاء عن نفس المستور و هو الاعدام و كذلك الامر في عصمة هذه الناقة التي هي النفس لها عليها السلام فان جميع نقايصها خرجت من الفعلية الي القوة و عدمت بغلبة نور قدس الله و هذا الاسم المقدس يحرسها دايما عن جميع العوارض فلايتصرف في نفسها شئ ابدا بحول الله و قوته فافهم و تدبر و اما ما وعدنا من بيان ان الناقة مدبرة فاعلم ان امر الجنة جميعها علي عكس الدنيا فان اشجار الجنة اصولها اعلي من فروعها بخلاف الدنيا و ذلك قوله تعالي اصلها ثابت و فرعها في السماء اي اصلها ثابت في الكرسي و فرعها في السماء و ذلك ما ورد في طوبي ان اصلها في بيت اميرالمؤمنين عليه السلام و فروعها في بيوت شيعتهم و كذلك انهارها تجري من تحت الجنات كما هو صريح الآيات و كذلك يجوز لنا ان نقول باحد الوجوه ان نوق الجنة التي تأتي عرصة القيامة رأسها الي اسفل و ذنبها اعلي كناقة تسير من اعلي الجبل الي اصله و ذلك لان الجنة في سماء ارض القيامة و القيامة في الارض و لا شك ان نوق الجنة تهدي منها الي اربابها منها في القيامة فهي نازلة و وجه آخر ان الراكبين في القيامة درجتهم فوق ساير الرعية و لايكون مقامهم دون الرعية حتي يتجاوزوا من الاسافل الي الاعالي بل هم فوقهم و ينزلون الي الرعية كما مر سابقا الاشارة الي ذلك و رويت ما يدل عليه من اخبارهم هذا و [ص 71] ذلك مما لا شك فيه و لا ريب يعتريه و لاينافي ذلك ما ورد انهم يجوزون العرصة و يدخلون الجنة او يسيرون الي ربهم او تلصق فاطمة بساق العرش و امثال ذلك من الروايات فانه يمكن ان يكون ذلك في الصعود بعد النزول فانهم ينزلون ثم يصعدون و يلحقون بمقامهم و يمكن ان يكون ذلك في نزولهم ايضا فان عرش الرب جل جلاله محيط بجميع الملك فالصاعد و النازل كلاهما يسيرون اليه كما في هذه الدنيا فان النازل من السماء مقبل الي العرش ساير اليه و الصاعد مقبل اليه و كذلك الله ربنا لايكون واقفا في مقام بل هو من ورائهم محيط فالنازل الي الخلق نازل اليه و الصاعد صاعد اليه الاتري الي ما ورد انه نزل ملك من السماء الي نبي من انبياء الله فقال اني نزلت من قبل رب العالمين و كذلك صعد ملك من الارض و قال ما قال و نزل ملئكة من الجوانب الاربع و قالوا ما قالوا و في دعاء سيدالشهداء عليه آلاف التحية الهي امرتني بالرجوع الي الآثار و كسوة الانوار فارجعني اليك منها كما دخلت اليك فيها مصون السر عن النظر اليها الدعاء ، فالناقة و ان كانت نازلة الا انها تلحق بربها فافهم فانه دقيق شريف فناقة فاطمة عليها السلام مدبرة من السماء الي الارض فرأسها من الخشية و هي مقام العلم الذي هو صفة النفس كما قال الصادق عليه السلام في الخوف انه من صفة النفس ، و عينها في مقام الطبع كما مر الاشارة اليه سيما اذا كانت في حافرها و خطامها من العقل فان [ص 72] رأسها في يد الراكب و اسفلها في خطمها كما ان فيض العقل اسفله عند النفس و اعلاه عنده او عند الفؤاد و العقل اعلي من النفس هذا و الجلال بمعني العظمة و العظمة صفة النفس كما ان الكبر صفة الجثة و العلو صفة الذات و لذا قال الله تعالي الكبرياء ردائي فمن نازعني في ردائي سلبته عنه و العظمة دثاري ، و بهذه الصفة التي هي من صفات الله يحفظ الله النفس عن الخطاء و الزلل ، و عنقها من بهاء الله و هو اعلي من الرأس و الخطام واقع علي العنق فكأنه يستر العنق بالخطام كما ان العقل يستر الفؤاد فان الفؤاد غيبه و السنام ايضا هو اعلي العنق فهو اعلي مقام الفؤاد و منازل الفؤاد متفاوتة و لذلك نقول ان اهل الفؤاد يقفون في منازل مختلفة و درجات متفاوتة و ذنبها الذي هو منتهي المقامات و اعلي الدرجات مقام قدس الله و ذلك وجه وجيه و لاينافي ذلك ما قلنا ان الفخذ و ما يليها من جهة الانية لوجوه كثيرة لست بصدد شرحها .