[ص 1]

الرسالة الكاشانية

في شرح حديثين في فضائل فاطمة الزهراء و الائمة عليهم السلام

من مصنفات العالم الرباني و الحكيم الصمداني

مولانا المرحوم الحاج محمد خان الكرماني اعلي الله مقامه

[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله محقق الحقايق و مدقق الدقايق و مرقق الرقايق و فارض نفوس الخلايق بني السماوات العلي فرفع سمكها و سواها و اغطش ليلها و اخرج ضحاها و الارض بعد ذلك دحاها فربي ظواهرها بالنجوم الزاهرة و الانوار الباهرة و اشرق بواطنها بالشموس الطالعة و الاقمار الساطعة تجلي لها بالحقايق الاولية و النفوس الالهية الكلية و الارواح الغيبية الامرية و الانوار الجلية الربوبية محمد و آله ركبان الآخرة المستوين علي العرش بالرحمنية الظاهرة الشافعين في الاوايل و الاواخر و واردي الاصاغر و الاكابر الآمرين بمشيته و الناهين بارادته و المقسمين بقدرته صلوات الله عليهم صلوة بلا عدد و السلام عليهم بغير حد ظهروا بجماله و تجلوا بجلاله و سعوا اليه بقدرته و نظروا اليه ببصيرته و اخلصوا شيعتهم لمحبته و اختاروا اياهم لدعوته ساقوهم الي بحبوحة جنته و قادوهم الي جوار رحمته و شفعوهم فيمن اذن الله من خليقته و ارتضوهم [ص 3] لجلائل الاسرار و اجتبوهم لحكاية الانوار و وكلوا اليهم امر الرعية و حملوهم العلوم العلية الي عبيدهم من ساير الضعفاء و اتموا بهم الحجة علي الاولياء و الاعداء فعليهم السلام ما دام تنعم الاصفياء و تعذب الاشقياء و لعنة الله علي اعدائهم المذودين عن الكوثر سيما ابوالفصيل و الحبتر و كل شانئ ابتر ما غاب نجم و ظهر .

اما بعد فيقول العبد الاثيم محمد بن كريم انه قد ارسل الي واحد من الاجلاء من بلدة المؤمنين قاسان صانه الله من طوارق الحدثان رسالة محتوية علي حديثين صعبين مستصعبين امرني ببيان معضلاتهما مع التبيان و الكشف عن وجه مخدرات مشكلاتهما باوضح لسان مع انهما مما لم‌يكشف لثامها و لم‌يفض ختامها و لم‌يتصد احد من الشارحين فيما اعلم لشرحها الا ما يظهر من مطلقات بيانات مشايخي اعلي الله مقامهم و مع ذلك انا في غاية الملال لتبلبل البال بمعاشرة اشباه الرجال و محاراة اولي حلوم كحلوم الاطفال و قد ضاق الصدر بحيث قد تاق النفس الي الفرار و السكون في مواطن خالية عن الاغيار فارغة عن الاشرار و لولا حضور الحاضر و قيام الحجة بوجود الناصر و ما اخذ الله علي العلماء من اظهار العلم عند ظهور البدعة و شيوع الرياء و السمعة لفررت منهم لما خفتهم علي ديني و دنياي و لكن ابتليت بما الله اعلم به مني و عند الله احتسب اجري و مع ما انا فيه يصعب علي التعرض [ص 4] لشرح امثال هذين الحديثين من اخبار سادة الانس و الجان (ع) فان علم الاخبار لايكشف الا لنفوس ساكنة و قلوب مطمئنة فارغة و لكن السايل رحمه الله الحّ علي ان لااسوف في الجواب و لذلك بادرت اليه تكلانا علي حسن ظنه فلعل الله يلهمني مسؤله و اعتذر اليه من طول المقال مع هذه الاحوال و اقتصر بالاشارة مع قليل العبارة فانها ابلغ من التصريح عند اهل التلويح هذا و قد امرني ان اكتب الرسالة بالفارسية لينتفع بها المحرومون عن لسان العرب و لم‌يتيسر لي ذلك لان المطالب عظيمة و الاشارات غريبة و مرآة الالفاظ العجمية لاتصلح لحكاية الاشارات الحكمية و ان كان يتمكن الحكيم من البيان بكل لسان و لكني لست من هؤلاء الحكماء فلااقدر علي بيان امثال هذه المطالب بالعبارات الفارسية هذا و الكتاب يبقي و السايل و المسؤل يفنيان و ربما يراه اهل اشارة فيعيب علي المصنف لم شرح مثل هذا الحديث بالعجمية و لم‌يختر العربية حتي يظهر منه العجايب الخفية و بالجملة لذلك اخترت العربية و اسأل الله ان يوفقني علي مرضاته و استمد من ولي الزمان عليه صلوات الله الملك المنان و اسأله متبصبصا ان يلهمني بعض ما اراد جده صلوات الله عليه و آله من هذين الحديثين فان معرفة الكل غير ميسور و السايل عنه محروم و اذكر قبل الشروع في الشرح مقدمات لا بد من الاشارة اليها ثم اذكر فقرات الحديث متفرقة و اذيل كل فقرة بما تستدعي من [ص 5] الشرح بقدر وسعي و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم .

المقدمة الاولي - اعلم ان حديث آل‌محمد صلوات الله عليهم صعب مستصعب لايطلع علي حقيقته بوجوهها و مظاهرها بقضها و قضيضها سواهم صلوات الله عليهم و ذلك ما رواه المجلسي رحمه الله في البحار بسنده عن ابي‌الصامت قال قال ابوعبدالله عليه السلام ان حديثنا صعب مستصعب شريف كريم ذكوان ذكي وعر لايحتمله ملك مقرب و لا نبي مرسل و لا مؤمن ممتحن قلت فمن يحتمله جعلت فداك قال من شئنا يا اباالصامت قال ابوالصامت فظننت ان لله عبادا هم افضل من هؤلاء الثلثة انتهي ، و الحديث و ان كان عاما و يشمل جميع احاديثهم و لكن المراد منه ما ذكرنا او يحمل علي بعض حديثهم من الاسرار كما في رواية اخري عن ابي‌الصامت ايضا قال سمعت اباعبدالله عليه السلام يقول ان من حديثنا ما لايحتمله ملك مقرب و لا نبي مرسل و لا عبد مؤمن قلت فمن يحتمله قال نحن نحتمله ، فظهر من ذلك ان بعض حديثهم كذلك فاما يراد البعض من الاخبار او البعض من كل خبر و هو ما فيه من سر الله العالم بالسراير و بالجملة المراد ان حقيقة علم الاخبار مما لايحتمله الا الابرار و هي ايضا قسمان فقسم لايحتمل مطلقا اي لايعلمه و لايقدر علي حفظه الا هم و قسم يحتمل علمه و لايطيق تحمله احد غيرهم فان تحمل السر غير علمه و ربما يعلم احد شيئا لايتحمل فاما يجن او يكفر و علي اي [ص 6] حال لسنا بصدد شرح ذلك و مرادنا ان شرح اخبارهم علي نحو الحقيقة علي ما مر لايمكن لاحد سواهم و قسم آخر من الاخبار لايحتمله الا الخصيصون و ذلك ما رواه ايضا في البحار عن ابي‌الجارود عن ابي‌جعفر عليه السلام قال سمعته يقول ان حديث آل‌محمد صعب مستصعب ثقيل مقنع اجرد ذكوان لايحتمله الا ملك مقرب او نبي مرسل او عبد امتحن الله قلبه للايمان او مدينة حصينة فاذا قام قائمنا و صدقه القرآن ، و معني ذلك ما رواه اسمعيل بن عبدالعزيز قال سمعت اباعبدالله عليه السلام يقول حديثنا صعب مستصعب قال قلت فسر لي جعلت فداك قال ذكوان ذكي ابدا قلت اجرد قال طري ابدا قلت مقنع قال مستور انتهي ، اقول المراد من المدينة الحصينة القلب المجتمع فقسم من حديثهم ايضا لايحتمله الا هؤلاء الجماعة المذكورون فلايبين لغيرهم و ذلك ايضا مما لايكشف لثامه و لايفض ختامه بل هو سر مكتوم و جوهر مختوم و لايسطر في الدفاتر بل يدخر في الذخاير و لايحتمله الا الاكابر نعم ربما يشيرون به في ضمن المطالب لتذكر من قدر له ان يذكر و علي اي حال هذا النحو من البيان ايضا مما لايعلمه الا اهل الكشف و العيان بقي القسم الذي يمكن بيانه و هو ايضا اقسام فمنها ما يحتاج بيانه الي بيانات طويلة و مقدمات كثيرة فيقتضي طول مقال و هو يبتني علي زيادة مجال و انا مع قصور باعي و قلة متاعي عن ذلك معذور مع انه علي الله توكلي في جميع الامور و منها [ص 7] ما يمكن بيانه بقليل عبارة فاقتصر عليه في هذه العجالة و لا حول و لا قوة الا بالله .

المقدمة الثانية - اعلم ان الكلمة من آل‌محمد عليهم السلام تنصرف الي وجوه كثيرة كما ورد عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال انتم افقه الناس ما عرفتم كلامنا ان كلامنا لينصرف علي سبعين وجها و عنه قال اني لاتكلم بالكلام ينصرف علي سبعين وجها كلها لي منه المخرج انتهي ، و وجه ذلك ان كلام كل احد اثره و الاثر تابع لصفة مؤثره فالمؤثر ان كان جاهلا يكون كلامه كلام جهل و ان كان عالما يكون كلامه علي حسب علمه لانه صادر منه و لذلك تستدل بكلام كل متكلم علي علمه و لذلك نقول ان علم القرآن يخص بالله تعالي لانه انزل بعلمه كما قال في محكم كتابه فاعلموا انما انزل بعلم الله و علمه سبحانه خاص به و لايحيطون بشئ من علمه فانه وسع السماوات و الارض و ما بينهما و ما فوقهما و ما تحت الثري فلايعلم احد غيره علمه لانه لايحيط به سواه نعم اوحي الي نبيه صلي الله عليه و آله من مخزون علمه و هو صلي الله عليه و آله يستمد منه من علمه دايما و هو يمده دايما و لاينقص من علمه شئ و لايرتفع حاجة نبيه عنه و افتقاره اليه و كذلك علم الائمة و النبي (ص) فانهم احاطوا بما سوي الله من آثارهم الكونية و الشرعية في مقام المؤثرية و لايخفي لهم خافية اذ الكل بهم و منهم و اليهم فكلامهم الذي هو ظهور فعلهم في عرصة البيان جامع لكل ما اطلعوا عليه [ص 8] بالعيان و كليات العوالم التي خلقت من اثرهم و صفتهم سبعون و اما جزئياتها فلاتعد و لاتحصي و لايطلع عليها غيرهم و قد ارادوا صلوات الله عليهم في كلامهم تعظيم امرهم في الجملة بقدر تحمل الخلق فذكروا السبعين وجها و الا فوجوه كلامهم تبلغ الف الف لانهم احاطوا بالف الف عالم مع انهم حجج الله علي الف الف عالم و يجب علي الجميع ان يأخذوا العلم منهم و يأتمروا باوامرهم و ينزجروا بمناهيهم فلا بد و ان يكون لكلامهم وجوها بقدرها و الله اعلم بحقايقها و لا شك انه لايطلع علي جميع مرادهم سواهم و لكنه ظهر لنا من مراداتهم بقدر قوابلنا و كذلك لجميع الحكماء و من هذا الباب ايضا ربما يلاحظ الاختلاف في تفاسير العلماء الحقة للكتاب و الاخبار بل من هذا الباب يختلف اخبار التفاسير فان جميع ذلك باختلاف الانظار الي الوجوه المتعددة المتكثرة و نحن نشير في هذه العجالة الي بعض الوجوه من الوجوه القليلة التي عرفناها ببركة سادات الانس و الجان صلوات الله عليهم اجمعين فاذا قلت هذا معني الخبر لااريد انه ينحصر في ذلك بل اريد وجها من الوجوه الكثيرة .

المقدمة الثالثة - اعلم ان اخبار آل‌محمد صلوات الله عليهم حكمها حكم الكتاب فلها ظاهر و تأويل و باطن و ظاهر ظاهر و تأويل تأويل و باطن باطن و باطن تأويل و تأويل باطن و كذلك تتعدد البطون و التأويلات الي ما شاء الله تعالي و جميعها حق [ص 9] و صدق و يجب علي المؤمن الايمان بجميعها و التسليم في كلها و من كفر بجميعها فقد كفر و من كفر ببعضها كمن كفر بكلها و لايجوز التبعيض بان يقولوا نؤمن ببعض و نكفر ببعض كما فعلوا بكتاب الله سبحانه فاسع جهدك يا ايها الناظر في كتابي ان لاتنكر شيئا من معاني الاخبار ظواهرها و بواطنها و غيوبها فتعد من الرادين عليهم صلوات الله عليهم و لكن الناس اكثرهم لايعقلون فجماعة انكروا البواطن و آمنوا بالظواهر و جماعة تركوا الظواهر و آمنوا بالتأويلات و البواطن و قد اخطأوا جميعهم و الحق ان التأويل حق و الظاهر حق و الباطن حق و الكل حق ان عرفناها آمنا و صدقنا و ان لم‌نعرفها نؤمن بها في قلوبنا و نسأل الله ان يعرفنا معانيها .

المقدمة الرابعة - اريد ان اعطيك قاعدة كلية غفل عنها الاكثرون و ذلك من فضل الله يؤتيه من يشاء فاعلم ان الناس زعموا ان الاصل و الحقيقة للاشياء هي صورها الزمانية و هي كونها هي هي و الاسماء وضعت عليها و ليس الامر هكذا ابدا فان هذه الدنيا التي تراها دار عرض و مرض و الحقايق قد تغيرت فيها و بيان ذلك في الجملة ان الله سبحانه كان و لم‌يكن معه شئ مما كان و خلق اول ما خلق مشيته التي هي سابقة علي جميع الخلق في رتبتها و وقتها و مكانها التي هي عينها لا غيرها و هي جامعة لجميع الكمالات حافظة لجميع الصور و المعاني علي نحو الكلية و [ص 10] البساطة كجامعية الفعل الماضي لجميع المشتقات منه و هذه هي الخزانة الاولي من خزاين الله سبحانه و تعالي كما قال في محكم كتابه و ان من شئ الا عندنا خزائنه و ماننزله الا بقدر معلوم و قال يا موسي خزانتي بين الكاف و النون ، و هو امره سبحانه و هو مشيته و لذلك نقول ان المشية هي الذكر الاول للموجودات كما في حديث يونس و لكن الذكر الاول لايكون تفصيليا فانك لاتكاد تجد فيها ذكر شئ علي الخصوص بل ذكر الموجودات في المشية كذكر الحروف في يد الكاتب و ذكر الكلمات في حنجرة المتكلم و ريته فانه ذكر اجمالي مبهم مطلق هذا و المشية امكان فعلي كما ان بحر الامكان امكان مفعولي و لا ذكر متعينا للاشياء في الامكان فالذكر الاول للاشياء امكاني ثم خلق الله بمشيته التي هي امره الفعلي الامكان الذي هو الامر المفعولي كما قال و كان امر الله مفعولا و هو بالنسبة الي المشية كالمفعول الحقيقي الذي هو المصدر بالنسبة الي الفعل فان ظهور الفعل في المصدر بل الفعل فعل حين الصدور و مع الصدور و اما بعد الصدور فهو مصدر فان بعد الصدور لايكاد يقوم الفعل لانه اثر الفاعل و الاثر باق حين صدوره لا بعد و ما بعد الصدور مصدر و ما تري من لفظ الفعل فانه حكاية عما وقع لا انه باق بعد صدوره و لذا عبروا عنه بالفعل الماضي فافهم و ان قلت ان المشية دايما حين صدورها لانه لايمضي عليها الوقت فلا مصدر اقول اولا ان جميع ما تراه في عالم الزمان في الاوقات المتتالية [ص 11] و في الدهر و السرمد الامكاني من الامكان و الاكوان جميعها بمحضر المشية دايما و ليس هنا قبل و بعد فالفعل فوق و المصدر من تحته و ساير المشتقات دونها و الاول و الثاني و الثالث مما يشاهد في المنظر و وجه آخر ان المصدر اي الامكان بمنزلة الدخان و المشية بمنزلة النار المشعلة في هذا الدخان فاذا نظرت الي الدخان رأيت الدخان الموجود بعد النار في الوجدان لا الوجود و اذا نظرت الي النار وجدتها كذلك الامر هنا الامكان مشتعل بالمشية فاذا نظرت الي الامكان رأيت المصدر و اذا نظرت الي المشية رأيت الفعل فحين مشاهدة المشية فعل و لا مصدر و حين مشاهدة المصدر مصدر و لا فعل و اما في الواقع الخارج ما دام ملك الله بل ما دام ما سوي الله الفعل مع الامكان و الامكان مع الفعل و ذلك قوله عليه السلام لاتكون الارادة الا و المراد معه ، و بالجملة فالامكان ايضا صار جامعا لجميع ما كان يجمعه المشية لانه جهة انيتها و عبوديتها و جميع كمالات الجهة العليا يثبت للجهة الدنيا نعم يفرق بينهما بالاجمال و التفصيل و القوة و الفعلية فافهم كما في قول الصادق عليه السلام العبودية جوهرة كنهها الربوبية فما فقد في العبودية وجد في الربوبية و ما خفي في الربوبية اصيب في العبودية ، و كذلك الامر في الامكان الذي هو المصدر فهو خزينة ثانية لله سبحانه و قد نزل جميع الخلق من المشية بالاجمال الي الامكان اما بنحو الامكان و الصلوح لا التعين و التخصص ثم خلق [ص 12] الله بامره الفعلي من الامكان ما كان علي حسب شأنهم اولا و ثانيا و ثالثا لا بان يكون جميعهم من هذا الامكان الاشرف الاعلي حتي يلزم وحدة الموجود بل اقول انه لم‌يخلق من هذا الامكان الاشرف الاعلي شئ فانه باق علي صلوحه ابدا و لكن له ظهورات اعني افرادا خلق منها الافراد المتعينة لا كما زعم القائلون بوحدة الموجود و لا بان يكون نفس هذا الامكان منبثة من غاية القرب الي غاية البعد بنحو التشكيك و كل جزء من اجزائه صار مادة لشئ بل هو مطلق و له افراد غليظة و لطيفة و شريفة و خسيسة في الكون جميعها في عرض واحد الا ان كل دان تنزل عاليه و في الشرع بعضها اثر بعض و لكن الجميع افراد للامكان المطلق فافهم فانه دقيق و لسنا بصدد شرح ذلك فاول المخلوقات الكونية مخلوق من اول افراد الامكان و ثانيها مخلوق من ثاني الافراد الذي هو تنزل الامكان الاول و هكذا و قد نزل الامر هكذا الي هذا العالم الذي هو اخس العوالم و اغلظها و اكثفها و لما كان اول الافراد اقربها من الخزاين الاولي و الطفها و اشرفها يكون جامعا لجميع ما تجمعه الخزاين الاولي لانه مخلوق بيدها صادر منها كما تري في كتابتك انك اذا كتبت بيدك شيئا لا شك ان كتابتك علي صفة حركة يدك التي هي تدل علي ارادتك فيستدل المستدل بها علي ارادتك و مشيتك نعم بينهما فرق و هو ان الامكان بنفسه صلوح و قوة فما ثبت له من الكمالات صلوحي و امكاني و اما المخلوق [ص 13] الاول فهو كوني و عيني فما ثبت له من الكمالات يقرب من الكون البتة او يتكون و يتعين و ذلك بحسب حال اول الموجود و لايقتضي هذه العجالة شرح جميع هذه المطالب و المراد الاشارة الي ما نريده هنا فاول الموجود خزانة ثالثة للكمالات علي حسبها و قد تعينت فيها علي حسبها يعني ان اول الموجودات معنوي فمعاني جميع الاشياء ثابتة فيه كما ان امريتها في المشية و مأموريتها في الامكان و كذلك لما كان المخلوق الثاني تنزل المخلوق الاول ثبت له جميع ما كان ثابتا للمخلوق الاول الا انه بنفسه اغلظ فكمالاته ايضا اغلظ و هكذا بذلك دار الامر ما دار و نزل ما نزل حتي انتهي الي الجسم المطلق و من الجسم المطلق نزل الامر الي العرش و منه الي النجوم فتدور بامر الله و كذلك تلقي النجوم الي العناصر و ذلك في ادبار الخلق الاول الي غاية البعد الابعد ثم ان الله سبحانه اراد اقبال الخلق الاول الذي هو العقل فامر علي لسان هذه الافلاك و النجوم بالاقبال فاخرج من كمون هذه الاتربة و العناصر ما خفي فيها مما كان قايما في ساير العوالم بالصفة و الظهور فخرج من قوتها الموجودات شيئا فشيئا بامر الله سبحانه علي حسب هذه العناصر و قد تولد المواليد من الخلط و المزج ثم اخرج من كمونها ما كان سابقا بالفعل قبل هذا العالم و سمي الاشياء باسماء بحسب فعلياتها فالنبات مثلا له خزانة في المبدأ و حقيقته هنالك و قد اخرج صفتها من كمون هذه العناصر بعد خلطها و لطخها [ص 14] و مزجها و هذه الصورة المشهورة صورة حصلت من خلط و لطخ العناصر و انما سميت بالنبات لما شوهد عليها من صفة النبات فحقيقة النبات في العوالم العلوية و صفتها ظهرت علي هذه العناصر و سميت بها بالصفة المشهودة المرئية فافهم فانه دقيق فحقايق الموجودات ليست ما تشاهدها علي هذه المواد بل هي صفاتها و الحقايق في غيوبها و هي الساعة التي علمها عند ربي في كتاب لايجليها لوقتها الا هو و صفاتها هيهنا و لكن الجهال يعلمون ظاهرا من الحيوة الدنيا و هم عن الآخرة هم غافلون فاذا سمعت يا اخي اسم النبات لاتزعمه بهذه الصفة و الصورة التي تراها في الدنيا و اذا رأيت حكيما بين شكل النبات علي غير ما شاهدته لاتنكر عليه كلامه و كذلك اذا كان هذا الشجر مسمي بالنبات لظهور صفة النبات عليه لا حقيقته فلاتستنكف عن ان تسمي بالنبات غيره فاذا قال حكيم ان فلانا الانسان شجر و فلانا الجبل مثلا شجر لاتنكر عليه ذلك فانه ربما سماه شجرا لوصف الشجرية و اذا عرفت هذه المقدمة السديدة الشريفة يسهل عليك اخبار كثيرة فان الائمة صلوات الله عليهم وصفوا الجنة و النار و ذكروا فيهما بعض ما يوجد سميها في الدنيا و الجاهل يزعم انها بعينها ما يوجد في الدنيا فاذا قال قايل ان ما ذكر ليس علي ما وصف في الدنيا يزعم انه اول قول الامام علي خلاف مرادهم و صرفه عن الحقيقة و ليس الامر كما زعموا بل الحقيقة ثابتة في عالم آخر و ما يشاهد في هذا [ص 15] الملك عرض و العرض غير الحقيقة فالشجر المشهود الملموس نبات عرضي و حقيقة النبات الشجرة المباركة التي ذكرها الله في سورة النور فاذا قالوا في الجنة مثلا شجرة تسمي بطوبي لايجب ان تكون بهيئة هذه الاشجار المشهودة الدنيوية و هكذا ساير ما يذكر مما يوجد سميه في الملك فاذا صدر الكلمة من الامام عليه السلام احملها علي حقيقها ( حقيقتها ظ ) و سر بها في المظاهر و المجالي و احكم بها في كل مظهر بما يليق به الا ان يدل دليل قطعي علي ان المقصود هو مجلي من المجالي خاصة فح لايمكن صرفها عنه فاذا عرفت هذه المقدمة يسهل لك الخطب في شرح الاخبار بل الحكيم بهذه المقدمة يتمكن من استخراج جميع مشكلات هذين الحديثين الشريفين اللذين نريد شرحهما و لا حول و لا قوة الا بالله .

قال سلمه الله و ابقاه بالفارسية و انا افسره بالعربية : في الباب الحادي و الاربعين من الجملة الرابعة من معالم الزلفي مما لفاطمة عليها السلام يوم القيامة من الكرامة و الزلفي .

اقول ان معالم الزلفي من مؤلفات السيد الاجل العالم السيد هاشم المعروف بالعلامة بن المرحوم السيد سليمن بن السيد اسمعيل بن السيد عبدالجواد الكتكاني و نسبته الي كتكان بفتح الكافين و التاء المثناة الفوقانية قرية من قري توبلي بالتاء المثناة الفوقانية ثم الواو الساكنة ثم الباء الموحدة ثم اللام و الياء اخيرا احد اعمال البحرين و كان السيد فاضلا محدثا جامعا متتبعا [ص 16] للاخبار بما لم‌يسبق له سابق سوي شيخنا المجلسي (ره) و قد صنف كتبا عديدة قال الشيخ العلامة الشيخ يوسف البحريني لم‌اقف له علي كتاب فتاوي الاحكام الشرعية بالكلية و لو في مسألة جزئية و ان ما كتبه مجرد جمع و تأليف و لم‌يتكلم في شئ منها مما وقفت عليه علي ترجيح في الاقوال او بحث او اختيار مذهب و قول في ذلك المجال و انتهت رياسة البلد بعد الشيخ محمد بن ماجد المتقدم الي السيد المذكور فقام بالقضاء في البلاد و تولي الامور الحسبية احسن قيام و قمع ايدي الظلمة و الحكام و نشر الامر بالمعروف و النهي عن المنكر و كان من الاتقياء المتورعين شديدا علي الملوك و السلاطين و من مصنفاته كتاب البرهان في تفسير القرآن ستة مجلدات و كتاب الهادي و ضياء النادي في تفسير القرآن ايضا مجلدات و كتاب معالم الزلفي في النشأة الدنيا و الاخري و كتاب مدينة المعجزات و امثال ذلك من الكتب و لسنا بصدد نقل اساميها و هذا السيد كان يروي عن جملة من المشايخ منهم السيد عبدالعظيم بن السيد عباس الاسترابادي و هذا السيد كان من العلماء الاخباريين و قد روي السيد هاشم (ره) هذا الحديث المسؤل عنه في المعالم و البرهان و رواه الميرزا محمد بن المشهدي في كنز الدقايق في تفسير القرآن .

قال سلمه الله : و الحديث هذا : الشيخ شرف‌الدين النجفي في تأويل الآيات الباهرة فيما نزل في العترة عن سلمان عن رسول الله [ص 17] صلي الله عليه و آله .

اقول لم‌يرو (ره) في معالم الزلفي صدر الخبر و رواه في البرهان و في نسخته بعض الغلط و لكني اروي صدره عن كنز الدقايق قال فيه و في شرح الآيات الباهرة و ذكر ابن‌بابويه في تأويل قوله تعالي الحمد لله الذي اذهب الي قوله لغوب خبرا يتضمن بعض فضايل الزهراء قال حدثنا عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب عن ابي‌الحسن احمد بن محمد الشعراني عن ابي‌محمد عبدالباقي عن عمر بن سنان المنيجي عن حاجب بن سليمان عن وكيع بن جراح عن سليمان بن الاعمش عن ابن‌ظبيان عن ابي‌ذر رحمه الله و في البرهان تفاوت في السند فانه قال عبدالله بن عبدالوهاب و ذكر المنيحي بالحاء المهملة بدل منيجي بالجيم و بدل حاجب بالحاء المهملة صاحب بالصاد المهملة و قال سليمان الاعمش بن ظبيان و الكتابان الحاضران في مخزني كلاهما مغلوطان و السند المذكور في النسختين الحاضرتين علي ما ذكرت و اغتشاشه ظاهر بين و لكن المراد متن الحديث و بعد ما رواه المعتبرون الثقات في كتبهم كابن‌بابويه و السيد هاشم و الميرزا محمد بن المشهدي صاحب كنز الدقايق و الشيخ شرف‌الدين لانحتاج بعد الي تصحيح السند مع انه مما لايعبأ به عندنا اذا ثبت صحة الخبر من طريق آخر سيما في الحكمة و متن الخبر الحمد لله صحيح موافق لاخبار صحيحة و قواعد حكمية فلانتصدي لتصحيح السند .

[ص 18] قال سلمه الله و ابقاه : قال له يا سلمان لاتصنع كما صنع الاعاجم بملوكها .

اقول صدر الخبر بالسند المزبور عن ابي‌ذر قال رأيت سلمان و بلالا يقبلان الي النبي صلي الله عليه و آله اذا انكب سلمان علي قدم رسول الله صلي الله عليه و آله يقبلها فزجره النبي صلي الله عليه و آله عن ذلك ثم قال له يا سلمان لاتصنع بي ما تصنع الاعاجم بملوكها الخ ، و كان من دأب الاعاجم ان يقبلوا اقدام ملوكهم و قد نهي رسول الله عن ذلك لجهات منها عدم التشبه بالمجوس فانهم صلوات الله عليهم كانوا ينهون اصحابهم عن التشبه بهم و لذلك نهوا عن التلبس بلباسهم و الاكل و الشرب و الجلوس مثلهم حتي انه لم‌يرض رسول الله صلي الله عليه و آله ان يستعمل واحد من عسكره قوس الاعاجم و اخذه من يده و كسره و طرحه و قال (ص) ان الاسلام تقوي بقوس العرب و ورد في القدسي ما معناه لاتسلكوا مسالك اعدائي و لاتشربوا مشارب اعدائي و لاتلبسوا ملابس اعدائي تكونوا اعدائي كما هم اعدائي ، فلم‌يرض رسول الله صلي الله عليه و آله بفعل سلمان لانه كان يشبه فعل الاعاجم و ربما لايكون الشئ في حد نفسه مذموما و لكن يمنع عنه لاجل التشبه بالاعداء كشم المسك و النرجس في الصوم و ذلك لان الارواح تتعلق بالابدان الدنيوية علي حسب اقتضائها فان لكل بدن اقتضاءا خاصا علي حسب طباعه فالبدن الصفراوي يقتضي روحا [ص 19] صفراويا و البلغمي يقتضي روحا بلغميا و هكذا بحسب الاعراض الخارجية يختلف اقتضاءاتها فيتغير احوال ارواحها فللمكان و الزمان و الوضع و الجهة و الاضافات و الرتبة و الافعال و الكم و الكيف الخارجة عن الاعراض اللازمة ايضا اقتضاءات كما ان للذاتيات اقتضاءات و ذلك لايخفي علي العالم المطلع علي بعض العلوم الغريبة كالسيميا مثلا فانه قد ثبت عند اهله تأثير الاعراض المذكورة و لذلك اختاروا لتسخير كل روح و نجم لباسا خاصا و مكانا و زمانا و وضعا و جهة و كيفا و فعلا مخصوصا فمن كان طالبا لتسخير روح القمر مثلا يجب عليه ان يختار من الالبسة البيض اللطيفة الباردة الرطبة في المزاج كالكتان و القطن و من الامكنة الامكنة الخضرة الرطبة و حافة الانهار و من الاوقات الليالي مع مراقبة ساير الشروط و من البخورات ما يناسب القمر كالكافور و العنبر كذا قيل و قيل حب البان و اذخر و طلق و امثالها و امثال ذلك و كذلك في ساير النجوم و الارواح و لذلك اختار الشارع المقدس صلوات الله عليه و آله من كل شئ ما رأي فيه اثرا طيبا و نهي عن كل ما له اثر خبيث فامر بالتطييب بالاطياب لينجذب ارواح الملئكة و نهي عن الروايح القذرة لانها جذابة لارواح الشياطين و كذلك في الالبسة كل ما كان منها جاذبا للارواح المعتدلة امر بها و نهي عما سواها و كذلك ساير الاشياء و الحالات و الاوقات و الامكنة فكل ما امر به من شئ [ص 20] فلشيء و لكن الناس اكثرهم لايعقلون و لما كان وضع الاعداء جاذبا لروح مثل ارواحهم الخبيثة نهي عن الاتصاف به و من هذا الباب نهوا عن السود من اللباس لاختصاصها ببني‌عباس الا في العبا و العمامة و الخف و ذلك ايضا لمصلحة خاصة و هكذا الامر في جميع الامور و قد امرونا بالتخلف عنهم في جميع الامور اللهم الا في مورد التقية فانظر ماذا تري في حال الناس اذ اتصفوا بصفات النصاري و المشركين و تخلقوا باخلاقهم و العجب كل العجب منهم حيث يعتذرون بان هذا اللباس و الوضع من العجم في سوالف الازمان لا اهل الافرنج مع انهم صلوات الله عليهم كانوا يبغضون وضع الاعاجم الحاصل فما تري ان رسول الله صلي الله عليه و آله نهي عن تقبل قدميه فمن هذا الباب و لم‌يرد ان يتشبه امته بالعجم لئلايتطبع ارواحهم بطبعهم مع ان النفس سارقة غريبة اذا اذنتها في امر جزئي تتقحم في الهلكات الاتري انك اذا عصيت في الصغاير تترخص نفسك في الكباير ايضا و ان تركت ركعة من النوافل تترك جميعها و هكذا الامر في جميع الامور و لذا نهي صلي الله عليه و آله سلمان عن تقبل رجليه هذا و لانقول ان تقبل رجل الرسول صلي الله عليه و آله في حد نفسه مذموم بل هو عبادة و لكنه نهي عن ذلك من باب عدم التشبه و ربما يتغير هذا الحكم بحسب الاشخاص و الازمنة الاتري انهم منعوا عن سجدة اولاد العجم الي النار لا غير و ذلك [ص 21] لانسهم بعبادة النيران فاذا سجدوا اليها ربما يتذكرون العهد السابق و يميلون اليه و كذلك في زمان رسول الله صلي الله عليه و آله كان الخضاب بالحناء مؤكدا للفرق بين المسلمين و غيرهم و بعد ما غلب الاسلام في زمن ساير الائمة لم‌يكن مؤكدا مثل ما كان في زمانه (ص) و ان كان مستحبا فيحتمل ان منعه (ص) كان مخصوصا بسلمان و بلال لانسهم بهذه الآداب علي الظاهر و لو فعل ذلك واحد من العرب به مامنعه و كذلك يحتمل الاختصاص بالزمان ايضا فان المسلمين في زمانه (ص) كانوا قليلا فاراد (ص) التفرق بينهم لئلايتضعف الاسلام بمعاشرة غير المسلمين كما ورد في الخضاب بالحناء و اما اذا كثروا و غلب الاسلام و فرق بينهم لايكاد يؤثر فيهم كثيرا اذا عملوا بعمل واحد من عملهم لو لم‌يكن مانع خاص من الشرع و وجه آخر الخضوع فانه صلي الله عليه و آله كان اخضع الناس لربه و اعبدهم له كما قال بعد هذا الكلام انا عبد الخ ، و لذلك كان يجلس في المجلس اسفله و كان يركب الحمار العاري و يردف واحدا من اصحابه و كان يأكل ماشيا فمن هذا الباب لم‌يرض بان يقبل احد رجله و لكنه لم‌ينه عن تقبل جبهته و يديه لان ذلك ابعد من الكبر بل ذلك نوع خضوع في الواقع مع انه لا بد للناس ان يتقربوا الي الله بهم و يستفيضوا منهم و يتبركوا بهم و لو نهي عن جميع ذلك لحرموا فنهي عما كان من شأن المتكبرين و لم‌ينه عن تقبيل الجبهة و الرأس و اليد و ذلك مخصوص بهم او من كان دليلا [ص 22] اليهم و ذلك ما رواه ابي العلامة اعلي الله مقامه و درجته عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال لايقبل رأس احد و لا يده الا رسول الله صلي الله عليه و آله و من اريد به رسول الله صلي الله عليه و آله و قبل رجل يده فقال اما انها لاتصلح الا لنبي او وصي نبي و قال له رجل ناولني يدك اقبلها فاعطاه و قال جعلت فداك رأسك ففعل فقبله فقال جعلت فداك رجلك قال اقسمت اقسمت ثلاثا و بقي شئ و بقي شئ و بقي شئ ، و يظهر من هذا الخبر ان النهي للخضوع و كذلك جوزوا تقبيل موضع النور من الاخ في الله و هو الجبهة ثم لاينافي شئ من ذلك تقبيل البساط و الارض لانك قد عرفت ان اصل العمل بالنسبة اليهم ممدوح و النهي لعدم التشبه بالمجوس و صرف الخضوع و بعد ما غلب جهة الخير علي جهة الشر في شئ ربما يجوز و امثال ذلك كثيرة و يدل علي ذلك ما رواه ابي العلامة اعلي الله مقامه عن صفوان بن يحيي قال سألني ابوقرة صاحب الجاثليق ان اوصله الي الرضا عليه السلام فاستأذنته في ذلك فقال ادخله علي فلما دخل عليه قبل بساطه و قال هكذا علينا في ديننا ان نفعل باشراف ازماننا انتهي ، و لو كان كرهه صلوات الله عليه لنهي عنه البتة لايقال انه عامله علي دينه و ليس في ديننا اقول ان الامام اذا قرر شيئا كفي تقريره و لو كان كرهه لقال اني اكره ذلك مع ان المنهي عنه وضع الجبهة علي الارض لانها من المساجد التي خصها الله به فقال ان المساجد لله الآية ، [ص 23] و لذا لانمنع عن وضع الجبين و الخد علي قبورهم و علي الارض لتعظيمهم و بالجملة لست بصدد بيان ذلك و علي اي حال نهي سلمان ان يفعل به ذلك و يدل حديث ابي‌عبدالله عليه السلام الماضي علي ان النهي ليس نهي حرام فانه لو كان حراما لماقال اقسمت بقي شئ بل كان يقول نهي رسول الله صلي الله عليه و آله عن ذلك .

قال صلي الله عليه و آله انا عبد من عبيد الله آكل مما يأكل العبيد و اقعد كما يقعد العبيد الخبر .

ورد اخبار في وضع جلوسه و اكله (ص) و غيرهما انه كان يفعل فعل العباد فمنها ما رواه في حلية الابرار انه سمع ابوعبدالله عليه السلام يقول مرت برسول الله صلي الله عليه و آله امرأة و هو (كذا) بدية و هو يأكل فقالت يا محمد انك لتأكل اكل العبد و تجلس جلوسه فقال لها ويحك و اي عبد اعبد مني فقالت اما لا فناولني لقمة من طعامك فناولها رسول الله صلي الله عليه و آله لقمة من طعامه فقالت لا والله الا الي فمي من فيك قال فاخرج اللقمة من فيه فناولها اياها فاكلتها قال ابوعبدالله عليه السلام فمااصابت حتي فارقت الدنيا و عن ابي‌جعفر عليه السلام في حديث في صفة رسول الله صلي الله عليه و آله و ان كان صاحبكم عليه السلام ليجلس جلسة العبد و يأكل اكل العبد و يطعم الناس الخبز و اللحم و يرجع الي اهله فيأكل الخل و الزيت انتهي ، و الاخبار الواردة في صفاته في مظانها موجودة فراجع و قد اختار صلي الله عليه و آله العبودية لله سبحانه [ص 24] بحقيقها و لاتزعم ان العبودية ما اتصف هذا الخلق بها فانها عبودية كونية و هم عباد بمعني ان الله خلقهم و لكنهم بغاة طغاة في الشرع الا المعصومون صلوات الله عليهم الذين عصمهم الله من الزلل و آمنهم من الختل و من شايعهم في صفاتهم و اعمالهم فان العبد الواقعي الحقيقي من اتصف بالعبودية و صفة العبودية اختيار المولي علي ما سواه و ترك ميله و هواه دون مولاه و اطاعته في القل و الجل و مشاهدة نوره دايما في الجزء و الكل و اعلم ان العبد مؤلف من ثلثة احرف ع ب د فالعين علمه بخالقه و الباء بونه عن غيره و الدال دنوه منه و هذه الصفات ما لم‌تجتمع في احد لايعد عبدا و اول من اتصف بهذه الصفات محمد و عترته الطيبون صلوات الله عليهم لانهم اول ما خلق الله سبحانه فصاروا باوليتهم ابعد من الكثرات الخلقية من كل شئ فانه لا شك ان الثاني اقرب من الكثرة من الاول و الثالث اقرب من الثاني و هكذا فهم ابعد جميع الخلق من التكثرات و بينونتهم عنهم ليست بينونة عزلة حتي يكونوا في عرضهم فان من كان في عرض شئ لايكون بعيدا عنه في الواقع و ان كان بعيدا بحسب المسافة فان العرش لايكون في الواقع بعيدا عن الارض لكونه في عرضها فان مادته من مادتها و الاختلاف في الصورة فهو مجانس معها و اي قريب اقرب من مجانس الي مجانس هذا و بعده ليس الا بتوسط جسم آخر فليس باينا عن نوع افراد الجسم و هكذا اول ما خلق الله لايكون [ص 25] بمعزل عن الخلق الا ان يكون من جنسهم فان العزلة بين مجانسين فاذا كان مجانسا معهم فهو قريب منهم مع انه ان كان بعيدا بحسب المسافة عن الكثرات لكان قريبا من الخلق الثاني و الثالث فلايكون باينا حقيقيا مع ان بينونته معهم حقيقية فبينونته بينونة صفة و هي البينونة الحقيقية و قد غفل عنها الاكثرون و بينونة الصفة بينونة المؤثر مع اثره و المراد ان الخلق اثره و صفته و الصفة ليست في عرض الذات اذ هي اثرها بمادته و صورته و الذات باينة عن صفته و الصفة باينة عن الذات لا كبينونة شئ عن شئ اي العزلة فافهم فانه دقيق فالبعد الحقيقي ببينونة الصفة لا العزلة و ليس ذلك علي الحقيقة الا لاول ما خلق الله الذي هو مؤثر جميع الكاينات فان كل الخلق خلقوا من شعاع نورهم و شواهد ذلك في الاخبار موجودة و قد بسطنا القول في ذلك في بعض رسائلنا و لسنا الآن بصدد التفصيل فلذلك صاروا ابعد عن جميع الخلق من جميع الخلق و بهذا البعد تقربوا من ربهم جل شأنه و ذلك التقرب ليس بقرب المسافة و لا الحالة و لا غير ذلك مما يجوز في الخلق و لكن للتقرب منه هنا معان منها انه تقرب منه بالوصف لا بمعني انه صار علي صفة الله سبحانه حاشا ان يكون هكذا و لايشركه احد في صفته و لكن بمعني انه صار محل صفة الله و موقعها و وجه ذلك انه افني نفسه في ذات الله سبحانه و لم‌يبق لنفسه انية و غيرية مع الله سبحانه و ذلك حقيقة التوحيد الواقعي و الاقرار [ص 26] بالتهليل الحقيقي و بعد ما افني نفسه في الله سبحانه و صار بكله لله تجلي الله سبحانه له به منه فيه فصار اولي به منه و اقرب منه اليه اذ صار بكله له و امثل لك في ذلك مثالا حتي تقف علي الحقيقة ان شاء الله انظر الي هذه الاجسام التي تراها في هذا العالم فانها افراد للجسم المطلق و الجسم المطلق آية الاحد الحق جل شأنه في هذا الملك و الافراد آية اسمائه و صفاته و كمالاته فانت اذا نظرت اليها رأيت انها افنت و اعدمت ما من انفسها بالكلية و احرقت جميع ما فيها مما ينافي الجسم المطلق بحيث لاتكاد تجد في شئ منها شيئا غير الجسم كالحجر مثلا فانه ليس في الحجر شئ ينافي الجسمية و قد افني جميع ما فيه مما هو غير الجسم و لذا تجلي فيه له به منه فاعطاه اسمه و صفته و حده يعني انه موقع اسم الجسم لا انه للجسم اسم و له اسم يشبه باسمه او له اسم غيره و اعطاه اسمه بل اسمه وضع علي هذا النور الساطع من الافراد فيها لها فافهم فانه دقيق فالحجر في غاية القرب من الجسم بل الجسم اقرب اليه من نفسه و كذلك الامر في اول ما خلق الله سبحانه فانه نور الله و ظهوره و آيته و ليس مرادي من انه ظهوره انه ظهوره لغيره اذ هو في مقام اوليته ليس غيره كما مر سابقا و آثاره تمتنع معه فهو في مقامه ظهوره له به و قد ظهر الله سبحانه من هذا الظهور في ظهورات باختلاف درجاتها لساير الخلق و بالجملة بعد ما صار اول ما خلق الله ظهور ربه لنفسه [ص 27] فربه اقرب منه من كل شئ و ذلك قوله تعالي نحن اقرب اليه من حبل الوريد و قوله ثم دني فتدلي فكان قاب قوسين او ادني و قال صلي الله عليه و آله ما معناه في ليلة المعراج وصلت الي مقام رأيت ما سواي ميتا و قال جبرئيل (ع) له صلي الله عليه و آله وطئت موطأ لم‌يطأه احد قبلك و لايطأه احد بعدك فلذلك صار في غاية الدنو من ربه فافهم و اما علمه بربه فاعلم انه صلي الله عليه و آله اعلم بربه من كل احد و كل من علم بربه غيره علمه بسببه و ذلك قوله صلي الله عليه و آله يا علي ماعرف الله الا انا و انت و ماعرفك الا الله و انا و ماعرفني الا الله و انت ، و لكن لا شك انه لايعرف الله سبحانه احد سواه بحقيقة المعرفة و ليس ذلك نقصا لاحد لانه سبحانه بنفسه غير معروف و من لم‌يعرف غير المعروف بنفسه لا نقص له في ذلك و لكنه تعالي ظهر لكل عبد من عبيده بما ظهر كما ظهر و ظهوره عين خفائه فظهر بما ستر و مجهوليته لشدة ظهوره و قد عرفه سبحانه نفس ظهوره في نفسه و في ساير الاشياء بنفسه و ليس ذلك بوجدان امر زايد علي النفس بل صرف وجدان النفس الذي هو عين وجودها معرفته سبحانه بقدر الامكان و قد ظهر سبحانه لنبيه اولا و بالذات بلا واسطة و ظهر لغيره ثانيا و بالعرض لا بمعني ان ظهوره سبحانه عرضي بل المراد انه ظهر لنبيه و ظهر ظهوره الظاهر من وجه نبيه لساير خلقه مثال ذلك المرآة المواجهة لوجهك [ص 28] و المرآة المواجهة لها فشبحك يظهر في المرآة الاولي اولا و بالذات و في الثانية من المرآة الاولي الحاصل فلما كان ظهوره لنبيه اولا و بالذات فمعرفته له اولية ذاتية و معرفة جميع الخلق بوساطته و لذا لايحتاج هو الي شفاعة احد و الناس يحتاجون الي شفاعته و لايدخل الجنة نبي و لا وصي و لا مؤمن الا بوساطته و شفاعته فهو صلي الله عليه و آله اعرف و اعلم بخالقه من غيره و بعد ما اجتمع اصول العبودية له واقعا و حقيقة صار عبدا فقال اي عبد اعبد مني و كان يقول في مناجاته انا عبيدك اسمي محمد ، فهو عبد الله و جميع العباد من ساير الانبياء و المرسلين الذين شرفهم الله بالعبودية ظهوراته و آثاره و انواره فصدق اسم العبودية عليهم من باب صدق اسم السراج علي انواره فلا اشتراك بين عبوديته و عبوديتهم في الواقع ثم انهم صلوات الله عليهم بعد ما كملوا حقايق العبودية في انفسهم و عملوا بظاهرها في اركان وجودهم الشخصي وصلوا الي كنه العبودية و هي الربوبية التي لا بد من ظهورها في العبودية قال الصادق عليه السلام العبودية جوهرة كنهها الربوبية ، فوقفوا علي كنه الربوبية بكنههم صلوات الله عليهم و لما كانوا في مقام الكلية و الاحاطة بظاهرهم و باطنهم و فاق عبوديتهم عبودية جميع العباد صار ربوبيتهم ايضا فوق ربوبية جميع الربوبيات فصارت رب جميع الارباب اي الرب اذ مربوب لكل عبد بل لايصل ربوبية ساير الخلق عبودية آل‌محمد عليهم السلام [ص 29] اذ قد عرفت انهم مؤثر جميع الخلق و اذا اردت ان تعرف حق ذلك فاعرفه من الشمس و نورها الظاهر في المرآة فالشمس لها ربوبية و عبودية فربوبيتها نورها الذي هو من الله سبحانه و عبوديتها مادتها الفلكية و شعاعها الظاهر في المرآة مركب ايضا من عبودية و ربوبية فعبوديتها مادتها الجسمانية الغليظة و ربوبيتها نورانيتها و هذا النور هو من نور الشمس الظاهر من مادتها و بواسطتها بل بوساطة وسايط اخر و منها الهواء الغليظ الملاصق لها و هو اكثف من جسم الفلك بمراتب و لو لم‌يكن الهواء لماظهر النور في المرآة ابدا و ان عرفت النكتة في المثال وقفت علي النكتة في المقام و اعلم ان النور من حيث هو نور واحد في السماء و الارض و قد قال الله تعالي الله نور السماوات و الارض و هو الذي في السماء اله و في الارض اله و لكن الكلام في ظهوره فظهوره في الشمس بواسطة العرش و في المرآة بوسايط آخرها الهواء و غلظة النور و لطافته بواسطة المواد فافهم و كذلك الامر في المقام الاعلي فربوبية الخلق ظهرت فيهم بواسطة عبودية النبي (ص) و ساير الوسايط و يكفي هذا القدر من البيان في المقام ان شاء الله .

قال فقال له سلمان يا مولاي سألتك بالله الا اخبرتني بفضل فاطمة عليها السلام يوم القيامة فاقبل النبي صلي الله عليه و آله ضاحكا مستبشرا الحديث .

اقول اما ساير الناس فيقسمون في كلامهم لتأكيد الامر علي المسؤل [ص 30] و تشديده حتي لايمنع السايل عن حق الجواب بوجه من وجوه المنع فكأنهم يستشفعون بالمقسم به و اما في مثل سلمان فلقسمه وجوه كثيرة فوجه ظاهري قشري و وجوه باطنية اما الوجه الظاهر فالاستشفاع فانه رأي نفسه في جنبه صلي الله عليه و آله حقيرا و لم‌يجد لها صلاحية ان يقبل اليها النبي صلي الله عليه و آله بوجهه الطيب الطاهر مع انه اراد ان يسأل عن مسألة عظيمة هي مقام فاطمة عليها السلام في الجنة فاستشفع عنده باسم الله العظيم الذي يطهر كل دنس و يغفر كل مذنب و يقوي كل ضعيف فقال سألتك بالله لا بنفسي و لاينافي ذلك عظم خطر سلمان فانه و ان كان عظيما في حد نفسه و لكنه صغير حقير في جنب رسول الله صلي الله عليه و آله و لشدة ضعفه عنده انكب علي قدميه اولا و بعد ما منعه عن ذلك اقسم عليه بالله حتي يتقوي به فافهم و وجه ابطن ان لايكون الباء للقسم بل للاستعانة اي انا اسألك باستعانتي بالله سبحانه لاتقوي به علي المسألة و الحفظ و هكذا له وجوه كثيرة لانذكر جميعها في المقام و اما سر مسألته عن مقام فاطمة عليها السلام فيحتمل انه اراد ذلك حين ورده اولا او ورد عليه ورودا و يحتمل انه اراد ايضا من ذلك الاستشفاع فانه بعد ما رأي ان رسول الله صلي الله عليه و آله لم‌يرض بتقبيله قدميه خاف علي نفسه فسأله عن مقام فاطمة حتي يكون ذكرها و استماع فضلها كفارة لعمله او رأي ان [ص 31] رسول الله صلي الله عليه و آله لم‌يرض من فعله و ورد عليه حزن بذلك فذكر اسم فاطمة لاستبشاره (ص) و كان من دأبه صلي الله عليه و آله انه يستبشر بفاطمة عليها السلام و ان كان حزينا فسأل عن مقام فاطمة عليها السلام فاقبل رسول الله صلي الله عليه و آله ضاحكا مستبشرا و وجه ذلك مختف عن الاكثرين فربما يزعم الزاعم ان حبه لها لمحض الولادة الدنيوية و ليس الامر هكذا فان الولادة الدنيوية تؤثر في النفس و لكن لاتؤثر في النبي و الائمة صلوات الله عليهم الا علي وجه سنذيل الكلام به لان امرهم فوق الدنيا و الاعراض الدنيوية لاتشملهم و النسب الدنيوي من الاعراض الدنيوية فلاتلحق المعصومين الكليين لانهم فوق الطبايع و ذلك باطن قوله تعالي يومئذ لا انساب بينهم فانهم في الباطن يوم ينقطع دونهم الانساب بجميع معانيها و قال صلي الله عليه و آله في صفة القيامة كل سبب و نسب منقطع فيها الا سببي و نسبي ، و ليس المراد النسبة الظاهرة بل المراد النسب الشرعية الباطنية فتدبر فعلي ذلك ليس حبه صلي الله عليه و آله لفاطمة عليها السلام لمحض النسب (ظ) الظاهري و لكنها في العالم الاعلي من طينته صلي الله عليه و آله و خلقت معه مع ولدها و بعلها فكلهم في الواقع نور واحد الا انهم في العالم الظاهر ظهروا في ابدان مختلفة و ليست هذه الابدان الا قوالب لهذا النور و النور واحد فحب النبي لفاطمة و ولدها و بعلها و كذلك حب [ص 32] كل واحد منهم لصاحبه من باب حب الشئ لنفسه و لا شك ان محبة كل شئ لنفسه فوق كل محبة بل لايحب احد شيئا الا من بعد ان يجد له مناسبة مع نفسه يتقوي به فكيف بحب كل شئ لنفسه و من ذلك فاعرف حب النبي لفاطمة عليها السلام و حبها له نعم بعد ما صار امر النفس هكذا يكون البدن ايضا محبوبا لكونه مريا لها هذا و كما انهم صلوات الله عليهم متحدون في عرصة النفس كذلك بين ابدانهم العرضية مناسبة و الا لماكانت تحكي كلها نفسا واحدة كلية لما ثبت من وجوب المناسبة بين الارواح و الابدان فبينهم في عرصة ابدانهم العرضية ايضا محبة كثيرة و ليس ذلك لمحض النسب الدنيوي اذ لو كان من هذا الباب لكان يلزم ان يكونوا محبين لجميع ولدهم هكذا و لم‌يكن الامر هكذا فان العرض لايؤثر فيهم الا بمشيتهم و شواهد ذلك ظاهرة في اخبارهم و حالاتهم بالنسبة الي ولدهم و اقربائهم و لكن الابدان الخاصة بهم فهي مناسبة مجانسة و لذا كان رسول الله (ص) يقول في صفة الحسنين ان لحمهما من لحمي ، فلا بد من المحبة بينهم في الابدان ايضا فلذلك كان رسول الله صلي الله عليه مستبشرا بفاطمة عليها السلام و وجه آخر لذلك اظهر مما مضي ان طينة فاطمة عليها السلام كانت من الجنة دار قرب الله و قد نزلت مع ثمر من اثمار الجنة علي رسول الله (ص) و اكلها و خلق منها نطفتها و لذا كان يستشم منها رايحة الجنة و دار قرب الله فيلتذ منها [ص 33] لانسه بالجنة و لذا كان يقول ان فاطمة ريحانتي روي في العوالم عن جابر عن ابي‌جعفر عليه السلام عن جابر بن عبدالله قال قيل يا رسول الله انك تلثم فاطمة و تلزمها و تدنيها منك و تفعل بها ما لاتفعله باحد من بناتك فقال ان جبرئيل (ع) اتاني بتفاحة من تفاح الجنة فاكلتها فتحول ماءا في صلبي ثم واقعت خديجة فحملت بفاطمة فانا اشم منها رايحة الجنة و عن ابي‌عبيدة عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال كان رسول الله صلي الله عليه و آله يكثر تقبيل فاطمة عليها السلام فانكرت ذلك عايشة فقال رسول الله صلي الله عليه و آله يا عايشة اني لما اسري بي الي السماء دخلت الجنة فادناني جبرئيل من شجرة طوبي و ناولني من ثمارها فاكلته فحول الله ذلك ماءا في ظهري فلما هبطت الي الارض واقعت خديجة فحملت بفاطمة فماقبلتها قط الا وجدت رايحة شجرة طوبي منها ، و يكفي هذا القدر من البيان في مثل المقام .

قال ثم قال صلي الله عليه و آله و الذي نفسي بيده انها الجارية التي تجوز في عرصة القيامة علي ناقة الحديث .

ان اردت ان اشرح كل كلمة كلمة لايفي اوقاتي ببيان اسرار كلمة واحدة فانها من الكلمات التي قال الله تعالي قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل ان تنفد كلمات ربي و لو جئنا بمثله مددا و لكني اقتصر علي بعض المطالب و الاسرار فنذكر اولا سر قسمه صلي الله عليه و آله و اختيار اللفظ المبهم دون الاسم الظاهر [ص 34] و اختيار هذه الالفاظ اقول لما اقسم سلمان رضي الله عنه بالله سبحانه ليفيض رسول الله صلي الله عليه و آله عليه مما يرشح منه و ذكرنا سابقا ان مراده الاستشفاع في الظاهر اراد صلي الله عليه و آله تأكيد كلامه بالقسم كما هو المعروف عند الناس و المطلوب لهم فانه صلي الله عليه و آله بعث بلسان القوم و يتكلم علي المعروف بينهم و ليس المراد من القسم ما يعرفه العامة انه لرفع مظنة الكذب نعوذ بالله بل المراد اثبات المطلب و تأكيده و للاثبات و التأكيد الفاظ مختلفة منها القسم و لذلك اقسم الله في كتابه مثل قوله فورب السماء و الارض انه لحق و ربما يؤكدون كلامهم بالف و لام او واو من دون ذكر اسم و يسمي هذا النحو من التأكيد بالقسم و وكد رسول الله (ص) كلامه هذا في الظاهر و له وجوه باطنية منها انه صلي الله عليه و آله ذكر سابقا عبوديته لله مع انه اراد ذكر اسم الله قبل البيان فاراد تأكيد اظهار العبودية و الانقياد للربوبية فذكر الله قبل الكلام و اختار الذكر بالقسم لجهات منها قوة التأثير في قلب المستمع و منها تعظيم امر فاطمة و منها ما مر سابقا الحاصل اختار لفظ القسم لذلك و منها انه صلي الله عليه و آله كان ناظر ( ناظرا ظ ) الي ربه في خلقه دايما و لم‌يكن يغفل عنه و يراه في كل شئ قبله كما قال وصيه مارأيت شيئا الا و رأيت الله قبله او معه او بعده ، و الترديد من الراوي و لكن الكل صحيح يحتمل المعني الحق فهو صلي الله عليه و آله [ص 35] كان يري ربه في جميع نظراته برؤية الايمان بنظر القلب و ذلك قوله تعالي ماكذب الفؤاد ما رأي و في الخبر ماكذب فؤاد محمد (ص) ما رأي عيناه ، فافهم ذلك فانه دقيق فلذلك كان صدر كلامه ايضا ذكر الله بل قبل جميع اعماله ذكر الله و كان يذكره باسمائه و اقتضي المقام ذكر ربه الذي نظر الي نوره بفؤاده بلفظ القسم لاظهار فاقته اليه في تأكيد كلامه و يمكن ان نقول ان سلمان لما نظر اليه (ص) رأي الله فقال سألتك بالله و هو ايضا لما استمع ذكر فاطمة تذكر ربه فسماه بما ظهر به في فاطمة عليها السلام و يمكن ان يقال انه لما نظر في وجه سلمان انعكس من وجهه المنور بنور الله نوره تعالي في وجه سلمان كما ينعكس من وجهك مثالك في المرآة و لما رأي في وجه سلمان نور ربه ذكره و وجه اختيار الاسم المبهم علي ان يكون تذكاره لمكان اسم فاطمة او مشاهدته في وجه سلمان او كليهما ان اسم الله سبحانه في المرايا المختلفة يظهر بحسبها فاذا كان المرآة شخصية يظهر فيها بالتشخص و اذا كان نوعية فبالتنوع و هكذا كما ان كمالك يظهر من يدك بالكتب و من رجلك بالمشي و من لسانك بالنطق و هكذا و اما من نفس الروح البخاري فلايظهر الا بالابهام و اختصاصه من خصوصيات القوابل لا نفس الروح و الحكيم يعبر عن كل بما يناسبه و عن الصفة المبهمة المطلقة بالموصولات فكان الموصول تعبير عن الكمال المطلق و يوصف بكل صفة و تماميته بصلته يعني في عرصة [ص 36] الظهور و البروز و قد شاهد صلي الله عليه و آله من هذا المقام هذا الاسم الشريف العظيم الذي هو اول ظهور اسم الله و اما سر ظهور هذا الاسم من جبين فاطمة او سلمان فمن السر المكتوم و اما علي ان يكون المراد صرف القسم فاختيار اللفظ المبهم من باب التعظيم و التفخيم و اما وجه ذكر نفسي بيده فلذكر اسم فاطمة عليها السلام فانها نفسه و قد خلقت منها اولياؤه الذين هم انفسه و هي الحجر الذي انبجست منه اثنتاعشرة عينا قد علم كل اناس مشربهم و هي معدن العصمة و مأخذ الولاية و ارض الامامة و عين الفخامة فقال صلي الله عليه و آله و الذي نفسي بيده اي الذي فاطمة بيده و هو ربها الظاهر لها بها فيها منها كما قال زوجها عليه السلام تجلي لها فاشرقت و طالعها فتلالات فالقي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله ، و يمكن ان يقال ان ذكره لسلمان اقتضي ذكره لنفسه و ذلك لان الشيعة خلق ارواحهم مما خلق منه ابدان سادتهم كما هو صريح الخبر و المراد من البدن الانية و العبودية و هي نفسهم صلوات الله عليهم فلذا يكون ذكر الشيعة ذكر نفسهم و ذلك قول الامام عليه السلام لبعض شيعته انتم من آل‌محمد قال من انفسهم قال من انفسهم ، و في حديث ما حاصله قال سلمان منا اهل البيت فقال له رجل من بني‌عبدالمطلب قال لا منا و اشار بيده الي صدره و لم‌يحضرني الآن اصل الحديث فعلي اي حال فذلك مما لا شك فيه و لا ريب يعتريه [ص 37] فشيعتهم من انفسهم خلقوا فلذا قال و الذي نفسي بيده اي شيعتي في يده .