قال صلي الله عليه و آله و لكن قد اخبرني جبرئيل عن الله عز و جل [ص 101] انه قال اول من ينشق عنه الارض يوم القيمة انا ثم ابي ابرهيم ثم بعلك علي بن ابيطالب عليه السلام الحديث .

شرح : بيان حق المسألة صعب مستصعب لايحتمله الا من اتي الله بقلب سليم و انا اسأل الله ان يلهمني الحق فيها و يوفقني علي بيان بقدر ما يقتضيه الوقت فاعلم ان الحشر و النشر بحسب الانسانية فان القيمة في الواقع قيامة الانسان و الحساب حسابهم و اما الجن فهم ايضا انواع و المحشور منهم الارواح القريبة من الانسانية لا غير و ساير صنوفهم يكون حكمهم بمقتضي طبايعهم و صورهم و من كان منهم علي صورة الانسان يقومون دون درجة الانسان و ان كانوا قائمين في المحشر و قيامهم ايضا بحسب شعورهم و علمهم فالمناط الانسانية و هي العلم و الشعور كما هو ثابت في محله و لايحصل ذلك الا بواسطة الانبياء سلام الله عليهم اذ هم المعلمون و المكملون و الانسانية في الواقع اثرهم و شعاعهم و الخاتم صلي الله عليه و آله هو مؤثر الكل و اصلهم و جميع ارواح النبيين ايضا من شعاعه فضلا من غيرهم فعرصة القيامة عرصة النفوس المخلوقة من آثار الخاتم او من ظل نوره و بعبارة اخري النفوس الحاصلة من امتثال امره او مخالفته و لذا يقال ان القيمة شرعية و لانريد من ذلك انها شرع بلا كون فان الشرع لايكون مكونا بغير الكون و لكن مرادنا ان الكون الصرف لايثبت له بدأ و عود و اذا كان الامر هكذا فالنبي الشارع صلوات الله عليه و آله هو [ص 102] اصل العابدين اذ هو المؤثر فهو اول من ينشق منه الارض كما ان في البدأ هو اول مخلوق و قد قال الله تعالي كما بدأكم تعودون ثم ان شرع النبي (ص) هو الاسلام و هو اصل الدين كما قال الله تعالي ان الدين عند الله الاسلام و لايقبل من احد غيره كما قال و من يبتغ غير الاسلام دينا فلن‌يقبل منه و هو الفطرة و الصبغة و جميع الانبياء و المرسلين تدينوا بالاسلام و اختلاف الاحكام بحسب صلاح الزمان لاينافي ذلك كما ان بعض الاحكام في بدأ الاسلام كان غير احكام آخر زمان النبي و كان يسمي جميعها بالاسلام فان السجدة الي بيت المقدس و السجدة الي البيت الحرام كلتاهما من الاسلام غاية الامر ان بحسب المصالح كان يتفاوت الحكم و كذلك حكم جميع الانبياء حكم الاسلام و قد سماهم الله في كتابه بالمسلمين فان الاسلام هو التسليم و هو دين ثابت يدين الله به جميع الانبياء صلوات الله عليهم و المرسلين و الحجج المطهرين فان كلهم يسلمون لامر الله فيما امر و نهي فهم مسلمون و اصل الاسلام دين الله الذي انزله علي خاتم الانبياء صلوات الله عليهم اجمعين و كل الانبياء في ذلك فرع نبينا صلوات الله عليهم حتي ابرهيم خليل الرحمن قال الله تعالي امرت ان اكون اول المسلمين نعم ساير الانبياء بحسب زمانهم كانت احكامهم مخالفة مع حكم نبينا في بعض الجزئيات و لم‌يخرجهم ذلك عن الاسلام و اما ابرهيم عليه السلام فكان احكامه مشابهة لحكم نبينا صلي الله عليه و آله و لذا [ص 103] قال الله تعالي ملة ابيكم ابرهيم هو سماكم المسلمين من قبل و في هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم و تكونوا شهداء علي الناس و ليس انتساب الملة الي ابرهيم دليل كونه شارع الاسلام بل نبينا هو الاصل و المبدأ كما قال الله تعالي قل ان كان للرحمن ولد فانا اول العابدين و قال امرت ان اكون اول المسلمين فالخاتم صلي الله عليه و آله اول المسلمين و منهم ابرهيم فهو فرع نبينا في الاسلام باطنا و ان كان اباه في الظاهر و لذلك قال صلي الله عليه و آله انه ينشر اولا ثم يتبعه ابرهيم لان البعث بصورة الاسلام و الطينة الاصلية و هو المؤثر و من بعده ابرهيم .

و اما قوله (ص) : ثم بعلك الخ ، فان كان ترتيب الخبر محفوظا فوجهه مشكل و ذلك اني ذكرت سابقا ان الاصحاب ربما كانوا ينقلون الاخبار بالمعني فلايتيقن الانسان ان النبي صلي الله عليه و آله قال بهذا الترتيب او الروات غيروا الترتيب و اللفظ و المعني محفوظ و علي اي حال اقول ان كان الترتيب هكذا فوجه تأخر انشقاق القبر عن مولانا اميرالمؤمنين عليه السلام محض صورة الولاية فان صورة الولاية من عرصة النفس و الولي عليه السلام نفس النبي صلي الله عليه و آله و النفس مقام الكثرة و التفصيل و النبوة مقام الاجمال و المعنوية و ابرهيم عليه السلام و ان كان في اصل شأنه فرع الولي فانه مخلوق من شعاع نفس النبي بل جسده علي ما مر و لكن بمحض صورة النبوة يتبع النبي (ص) في النشور و الولي ينشر من بعده و وجه آخر ملاحظة حرمته لابوته (ص) [ص 104] و اما بالنسبة الي النبي (ص) فلايلاحظ ذلك لانه الاصل و غير ذلك من الوجوه التي يكون الله اعلم بها .

قال صلي الله عليه و آله ثم يبعث الله اليك جبرئيل في سبعين الف ملك فيضرب علي قبرك سبع قباب من نور ثم يأتيك اسرافيل بثلث حلل من نور فيقف عند رأسك فيناديك يا فاطمة بنت محمد قومي الي محشرك فتقومين آمنة روعتك مستورة عورتك فيناولك اسرافيل الحلل فتلبسينها .

شرح : لا بد من معرفة نفخ الصور في الجملة و كيفية الحشر حتي يظهر شرح هذه الفقرات ، فاعلم ان الناس بعد ما ماتوا من الدنيا يموت ابدانهم و يبقي ارواحهم في القبور او تصعد الي السماوات و تعيش فيها و منهم من يرجع و منهم من لايرجع علي الوجه المقرر في محله و يمضي الامر علي ذلك الي ان يبلغ الكتاب اجله فيؤمر اسرافيل بنفخ الصور نفخة الجذب فينزل الي الارض و يضع رجله علي حجر بيت المقدس و ينفخ في الصور و هو قرن من نور علي شكل القلب رأسه الدقيق علي فم الملك و رأسه الآخر الي الخلق له جهتان جهة الي السماء و جهة الي الارض و لهما ثقب بعدد جميع اعداد الخلايق و لهذا القرن منازل سبعة بعدد مراتب الانسان من الجسم الي العقل فاذا جذب نفسه الي فوق يصعق جميع من في السماوات و الارض فيقف الاجسام في الثقبة الاولي و ينجذب منها الامثلة و تقف في الثانية و هكذا فتتفسخ [ص 105] جميع المراتب و يبطل تركيبها و وجه ذلك ان المراد من الموت تطهير جميع هذه الارواح من الاعراض فانها بعد ما نزلت من عالم الحقيقة الي الدنيا عرضها اعراض كثيرة و لايمكن تطهيرها الا بتفكيكها كما ثبت في الفلسفة و امثل لك مثالها في الجملة فاعلم ان الشعر الذي هو المادة للحجر المكرم له روح و نفس و جسد و ماء و بعبارة اخري دهن و صبغ و ارض و ملح فان جميع ما يحصل منه الاكسير الاعظم و يحتاج اليه في قوامه و وجوده جمعه الله فيه و ذلك قول الله تعالي ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و قوله في خصوص الشعر شجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن و صبغ للآكلين و نعم ما قيل في هذا المعني :

كل شئ فيه معني كل شئ فتفطن و اصرف الذهن الي

وحدة لاتتناهي عددا قد طوتها وحدة الواحد طي

فجميع اركان الاكسير و متمماته مجموعة في كل شئ و الشعر من الاشياء الا انه اقرب من الصلاح لكونه فضلة الانسان الكامل في الخلق و قد جعل الله له جميع الاركان الا انها نزلت اليه و تحددت بالشعرية و عرضها غرايب و اعراض غيرتها عن الصورة الاصلية و لذلك بطل آثارها و فسد صورها و اقعدتها عن الاكسيرية التامة فاذا اراد الحكيم تدبيره لا بد له من تفكيك اجزائه لانه لا بد من تطهيره و لايمكن ذلك علي هيئة تركيبه لان لكل ركن وجه تدبير مخصوص لو دبر بما يخص غيره لفسد البتة انظر الي الاركان البرانية و قس عليها الاركان الجوانية فان الزيبق مثلا روح لطيف و له [ص 106] اعراض عرضته في معدنه و الفضة جسد كثيف و عرضها اعراض و لا بد من تطهيرهما منها حتي يصيرا قابلين للركنية و لكن لتطهير كل واحد وجه تدبير خاص و لايقوم الزيبق علي تدابير الفضة فان الفضة تكلس بنار شديد و انك ان سلطت مثل هذه النار علي الزيبق لفر و ان حبسته من الفرار لفسد بالكلية و كذلك الامر في جميع التدابير فان الزيبق ينحل بتدابير لطيفة و الفضة تنحل بتدابير صعبة و ان عملت في كل ما يعمل في الآخر لفسد البتة و لكن المبتدي غافل عن ذلك و ربما يري ان الفلاسفة يقولون ان نوع تدبير الاركان واحد يزعم ان عقارا واحدا بوجه واحد يؤثر في الجميع تأثير صلاح و ليس الامر هكذا و الفلسفي ايضا لم‌يكذب و لكن مراده ان التدبير واحد نوعا يعني ان كلا منها يدبر بالتكليس و التشميع و الحل و العقد و لكن لكل وجه خاص فافهم و كذلك الامر في الجواني بلا تفاوت فان زيبق الشعر مثل هذا الزيبق بعينه بل هو هو و كبريته كبريته و ملحه ملحه و ارضه ارضه الا انها تركبت و تألفت بوجه شعري فاذا اراد الحكيم ان يأخذ منه اركان الحجر لا بد له من تدبير جميع اركانه و لو دبره بوجه واحد لايصلح جميع اركانه و لاتتطهر فلا بد من تفكيك اجزاء المادة و اصلاح كل ركن علي حدة هذا و لا بد من تغيير الكمية ايضا لان الكموم المأخوذة في الشعر مأخوذة للشعرية و الكموم المطلوبة في الاكسير غير ذلك فان روحانية الشعر قليلة و روحانية الاكسير اكثر من جسدانيته و لا اقل من ثلث مرات فلا بد من اصلاح [ص 107] الاركان كما و كيفا و ذلك لايتيسر الا بالتفكيك و ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و كذلك الامر في اصلاح الانسان فان الانسان خلق للبقاء و الدوام و هذا المولود المركب مثل المادة الاولي للنفس و لاتخلص منها الا بالتفكيك و التركيب بعد التطهير و لايتيسر ذلك الا بنفخ الصور و تفكيك جميع الاركان فالله يخرج جميع الارواح من الجسم و يطهره بتدبير مناسب للجسمانية في القبر و يخرج المادة و ما فوقها من المثال و يدبر امر المثال بالتدابير المثالية فيطهره في عالم المثال و هو منزل خاص من منازل الصور و كذلك المادة تطهر و الطبع يطهر و كذلك النفس و الروح و العقل و بعد ما طهرت من الاعراض في اربعمأة سنة طول بين النفختين يأمر الله بنفخة الدفع فترجع كل مرتبة عالية الي المرتبة السافلة كما بدأنا اول خلق نعيده و يمطر السماء مطرا ينزل من بحر الصاد الذي منه منشأ الحيوة فيصير الارض كلها بحرا واحدا فيضرب بعضها ببعض فتجتمع الابدان في القبور و يبعثر الابدان و تتركب مثل الخلق الاول بلا فرق و يتعلق بها الارواح و تتعانق كمعانقة العشاق و تجتمع الغيب بالشهادة و المعاني بالصور فتقوم الابدان من قبورها للحساب فافهم فانه دقيق فاذا عرفت هذا المطلب فاعلم ان القبة هنا بمعني الخيمة و لايراد منها الخيام الشعرية و القطنية البتة و لكن المراد منها القباب الروحانية الغيبية و اذا اراد الله بعث فاطمة عليها السلام يضرب علي قبرها و هو العناصر الطبيعية هذه القباب و [ص 108] شبهت بها لاستدارتها فان كل روح يقوم مستديرا يدور علي قلبه و قطبه مع انه يقوم فوق البدن كما ورد في الخبر ان الروح يأخذ اطراف البدن مثل الكلة و ذلك شأن جميع الارواح فهي تنزل الي قبر الانسان و تحيط بقبره كالخيمة و الكلة و قد ضرب الله مثل ذلك في ملكه فان العناصر بمنزلة القبر و الافلاك بمنزلة الارواح لها فوقها فتدبر و كذلك حال المراتب فالمراد من القباب التي ذكر صلي الله عليه و آله انها تضرب علي قبر فاطمة عليها السلام مراتبها من الجسم الي العقل فانها تجتمع بعضها فوق بعض و ربما نقول ان المراد منها المشاعر الغيبية و هي الفكر و الخيال و الوهم و العالمة و العاقلة و الشمس و هي الطبيعة الثانية اي المادة و القمر و هو الحس المشترك و هي قباب سبعة تضرب فوق قبر فاطمة عليها السلام و فاعل ذلك جبرائيل لانه ملك الخلق اولا و آخرا ثم ينزل اسرافيل حامل الارواح بثلث حلل من نور و هي حلة النفس و الروح و العقل علي ان يكون المراد من القباب المشاعر و حلة الفؤاد و الاسمية و المسمائية ان كان المراد المراتب او تكون حلة الارواح الثلث و هي روح البدن و روح الحيوانية و روح الانسانية و لذا يكون حاملها اسرافيل حامل الارواح فان البدن المعاد لايفقد شيئا منها الا ان جميعها علي الوجه المسوغ في هذا العالم و اما في الباطن فاعلم ان هذه القباب قباب الولاية و هي اسماء الائمة الطاهرين فان اسماءهم سبعة و ذلك قوله تعالي و ان المساجد لله فلاتدعوا [ص 109] مع الله احدا و هي سبعة و في الظاهر هي الجبهة و الكفان و عينا الركبتين و اصابع الرجلين و في الباطن الاسماء هي هذه محمد و علي و حسن و حسين و موسي و جعفر و فاطمة صلوات الله عليهم فان هذه اسماء سبعة تدل علي مقامات سبعة بني عليها عرش النبوة و كرسي الولاية و هي المراتب التي بني عليها جميع الايجاد و لذلك بني الله اكثر الامور في كتابه علي سبعة فقال سبع سماوات طباقا و قال انبتت سبع سنابل في كل سنبلة مأة حبة و قال سبع سماوات و من الارض مثلهن و بني الايام علي سبعة و الكواكب سبعة و ابواب النيران سبعة و درجات المعرفة سبع و القري التي يجب علي الناس السير فيها سبع و كذلك اسماء الائمة عليهم السلام و مقاماتهم سبعة و هي القباب النورانية التي تتجلي في بدن فاطمة عليها السلام و اما حلل النور فهي في الباطن مقام الابواب و المعاني و البيان التي تظهر علي ظاهرهم و هو مقام الولاية و الامامة فافهم ذلك ان شاء الله .

قوله (ص) فيقف عند رأسك الي آخر ، لان الرأس جهة العلو كما ان الرجل جهة السفل و هو جهة الرب و هي جهة النفس و لذلك ورد انه يفتح للمؤمن في قبره باب الي الجنة من قبل رأسه و للكافر باب الي النار من قبل رجله و وقت النشر ايضا يتعلق به الارواح من قبل رأسه و من سماوات وجوده و لذا يقوم اسرافيل نافخ الصور من قبل رأسها و يقول قومي الي محشرك و القيام في الظاهر انتصاب الاعضاء و في المعني الباطن يراد منه القيام بامر [ص 110] الله تعالي و كونها قيوما حيا دايما فافهم ذلك فانه بحر عميق .

فتقومين آمنة روعتك ، الآمن كفاعل اسم من امن كسمع و هو ضد الخوف و آمنة مؤنثه و الروعة الفزع اي قومي آمنة مطمئنة من الفزع فزع النار و الحساب و الكتاب و الميزان و كل خوف لايصيبك شئ منها مستورة عورتك اما في الظاهر فمعلوم و اما في الباطن فالمراد من العورة قبايح الاعمال فان العورة كل ما يستره الانسان انفة او استحياءا و سميت قبايح الاعمال بها لاستحياء الانسان من ظهورها و في الخبر من تتبع عورة اخيه المسلم اي من تجسس معاصيه و قبايح اعماله و قد ستر الله لفاطمة عليها السلام قبايحها اما بالعصمة من كل خطاء و معصية فلم‌يخرج لها عصيان من الامكان و ذلك نوع ستر فانه لا شك ان في قوة البشر كل معصية لسر الاختيار و فضل الانسان بذلك و ضعف الملئكة لضعف قويهم و قلة اختيارهم و لذلك قال رسول الله (ص) لو عصيت لهويت ، و قال الله تعالي لو تقول علينا بعض الاقاويل لاخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين و لو لم‌يكن في قوته العصيان لماقال ذلك و لم‌يكن له فخر في العصمة و كذلك امر فاطمة (ع) كان في قوتها العصيان و قد ستره الله بنوره فبقي في ستر الامكان و ذلك احد معاني الآية الكريمة التي قد تحير في فهمها الاحلام انا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك و ما تأخر فان الغفران بمعني الستر و العفو بمعني المحو فقال ليغفر لك اي يستر عليك بحجاب العصمة فلايخرج منك [ص 111] ذنبك قبل و بعد و اما في آية اخري فقال عفا الله عنك لم اذنت لهم لانه قد كان اذن لهم فقال عفا اي محا اثر هذا العمل من اللوح و لم‌يكن ذلك منه عصيانا بل كان الله يريد ان لايعفو حتي يظهر قبح اعمالهم و النبي بمقتضي كرمه و امر الله تعالي فاعف عنهم عجل في العفو فقال الله لم اذنت لهم حتي يتبين لك الذين صدقوا و تعلم الكاذبين و الله عز و جل كان عالما بهم و اخبر عن حالهم و قال لو كان عرضا قريبا و سفرا قاصدا لاتبعوك و لكن بعدت عليهم الشقة و سيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون انفسهم و الله يعلم انهم لكاذبون و قد احب ان يعلم نبيه حالهم ذلك و لذا قال لم اذنت لهم فتبين و الحمد لله من ظاهر الآية ان النبي لم‌يكن عاصيا في اذنه و لكن الناس اكثرهم لايعقلون و اما في آية الفتح فقد عرفت ان الغفر بمعني الستر قال في القاموس غفره يغفره ستره و المتاع في الوعاء ادخله ، فالمعني ان في السابق قبل البعث و اللاحق اي بعد البعث او فيما مضي و ما غبر سترنا عصيانك بحجاب الامكان و عصمناك من العصيان و بوجه آخر نقول انه حمله ذنوب الامة فغفرها له و ذلك معني معروف و ورد به الخبر و بهذا الوجه ايضا نقول في عورة فاطمة عليها السلام ان الله حملهم ذنوب شيعتهم و هي في الواقع قبايح اعمال لهم لان شيعتهم خلقوا من شعاع نورهم و هم اصحابهم و اعوانهم فذنوبهم عار عليهم قال المفضل للصادق عليه السلام في الآية الكريمة انا فتحنا الآية ، [ص 112] يا مولاي اي ذنب كان لرسول الله (ص) قال عليه السلام يا مفضل ان رسول الله (ص) قال اللهم حملني ذنوب شيعة اخي و اولادي الاوصياء ما تقدم منها و تأخر الي يوم القيمة و لاتفضحني بين النبيين و المرسلين في شيعتنا فحمله الله اياه و غفر جميعها الحديث ، فظهر من هذا الخبر الشريف ان ذنب الشيعة عار عليهم عصمنا الله من العار علي موالينا و وقانا من فضيحتهم فهي عورتهم و الله تعالي يسترها عليهم و ورد في بعض الاخبار ان الله يستر ذنوب الشيعة ايضا كما روي عن علي عليه السلام قال يخرج اهل ولايتنا يوم القيامة من قبورهم مشرقة وجوههم مستورة عوراتهم آمنة روعاتهم قد فرجت عنهم الشدايد و سهلت لهم الموارد يخاف الناس و لايخافون و يحزن الناس و لايحزنون و قد اعطوا الامن و الايمان و انقطعت عنهم الاحزان الحديث ، و هذه الكرامة للشيعي ايضا عين اكرام الله عز و جل لآل‌محمد عليهم السلام و هذه ستر عوراتهم و قد سترها الله بنوره اي نور الولاية اذ حب آل‌محمد عليهم نور يضيء له كل مظلم و ينوجد له كل معدوم و جميع ما من العصيان الفقدان و العدم و النقص و لا شك ان بالوجود يرتفع هذا النقص العظيم و ذلك مما لا شك فيه .

قوله (ص) فيناولك اسرافيل الحلل ، ان كان المراد منها مقام الفؤاد و الاسمية و المسمي فتعلقها بعد تمام البدن بمراتبه و كماله و لذا قال فيناولك و كذلك النفس و الروح و العقل و ان كان المراد غيرها مما ذكرنا فالفاء لتأخير البيان [ص 113] فان الارواح الثلثة او الاكوان ما لم‌تتعلق بالانسان لايكاد يحيي و لايقوم من قبره .

قال صلي الله عليه و آله و يأتيك روفائيل بنجيبة من نور زمامها من لؤلؤ رطب عليها محفة من ذهب فتركبينها و يقود روفائيل بزمامها و بين يديك سبعون الف ملك بايديهم الوية التسبيح و في نسخة العوالم هكذا و تأتيك ذوقائيل بالذال المعجمة و القاف و في ناسخ التواريخ و يأتيك زوقائيل و لا شك ان يأتيك اصح لذكورة الملك .

شرح : اقول اما واقع اسمه فالله اعلم به ان ركبه (ص) بحسب اللغة يحتمل ان يكون زوقائيل بالزاء المعجمة و القاف من الزوقة بمعني الزينة و هو ملك يزين الله به عبده و ئيل اسم الله تبارك و تعالي او يكون علي ما في البحار بالراء المهملة و الفاء من الروفة كتوبة بمعني الرحمة فروفائيل اي رحمة الله و ان كان وجه تركيبه من الوجوه الجفرية فيحتمل وجوها و لسنا بصدد تفصيلها لقلة الجدوي فيها و لكن الكلام في بيان ما ينفع الناس و تحير السايل سلمه الله في وجه الاختلاف في بعض فقرات الخبرين فان في الخبر الماضي قال ناقة من نوق الجنة و هنا قال نجيبة من نور و هنالك قال زمامها بيد جبرئيل و هاهنا قال زوقائيل و امثال ذلك من وجوه الاختلاف و لا بد لتوضيح المسألة من بيان شريف فاعلم ان ساير العلماء لايعرفون وجه الاختلاف في هذه الاخبار لعدم علمهم [ص 114] بالحقيقة و لكنا و الحمد لله عرفنا اصل المسألة و هي ان الدار الآخرة لاتشبه هذه الدنيا ابدا فان الدنيا دار الاعراض و صورها عرضية و اسماؤها عرضية و نعمها و بلاياها و اشخاصها و هيئاتها كلها عرضية و الامر الاخروي بخلاف ذلك و لاشخاصها اشكال اخر و لهم اسماء اخري و لنعمها صور اخري و اهلها يتنعمون بنعمها بوجه آخر و بالجملة امرها بالكلية بخلاف الدنيا و الدنيا محض مثل ضربه الله لعلهم يعقلون و قد عبر الله عن نعم الجنة و عقوبات النار و عرصة القيامة بالاسماء الدنياوية لمحض تفهيم اهل الدنيا في الجملة و لذلك صرح في كتابه مكررا ان هذه امثال نضربها للناس و الناس الجهال ظنوا انها حقايق و قاسوا الدار الآخرة بالدنيا من حيث لايشعرون و آل الامر الي انهم اجمعوا علي ذلك فاذا قال الحكيم يوما ان الامر علي خلاف ما تظنون يستوحشون و يقولون خالف ضرورتنا مع ان ضرورة عقولهم عقدت علي امر مجتث و العاقل يعرف ان الدار الآخرة لو كانت علي ما يظنون لصارت مثل الدنيا فاسدة و تبيد الاتري انهم يظنون ان الاشخاص يركبون من ابدان عنصرية بنسب دنياوية فانظر بعقلك لو كان الامر هكذا لصارت الآخرة دنيا و يبطل التركيب باقل زمان فاذا قال العاقل انهم يصفون و يلطفون يستوحشون و يقولون انكر المعاد الجسماني و ذلك لانهم ظنوا ان كل جسم لا بد و ان يكون غليظا كثيفا مثل العناصر الدنياوية و بالجملة فجميع ما تسمعه من امثال ذلك كلها [ص 115] امثال ضربوها للناس و مثل ذلك في الجملة ان الرجل البالغ اذا اراد ان يبين حلاوة الجماع و لذته للطفل لايمكنه لانه لا مشعر له يدركها و لا شهوة حتي يقدر علي تصور ذلك فلا بد له ان يضرب له مثلا ليعرف لذة نوعية فيقول ان الجماع حلو كالسكر مع ان الواقع ليس هكذا الا انه ضرب مثلا نوعيا و كذلك اهل العلم يبينون لاهل الدنيا ان في الآخرة نساءا حوراء عيناء و يجامعها المؤمنون و يلتذون و ذلك لان عند اهل الزمان ذلك اشهي نعمة لهم و لكن العاقل يعرف ان ذلك وجه نعمة من نعم الجنة و ليس لها لفظ يعبر عنها يدل عليها بالمطابقة بوجه يعرفه الجاهل فيعبر عنها بهذا اللفظ و مثال آخر ان العالم يلتذ بعلمه في نفسه اشرف لذة و يعيش بها و لايدرك الجاهل ذلك ابدا و اذا اراد ان يبين وجه التذاذه للجهال يقول ان في نفسي بستانا كاشرف بساتينكم و آكل باكورتها في كل يوم طعمها طعم البطيخ رايحتها رايحة المسك و هكذا و الجاهل ربما يزعم ان في صدره جنة هكذا فافهم فقد اسقيتك ماءا غدقا و كذلك ائمتنا بينوا جنتهم بالفاظ مأنوسة متداولة لعل الناس يقفوا علي شئ في الجملة و مع ذلك لم‌يبخلوا عن البيان و جعلوا قراين في كل مقام يظهر للعاقل المرام فاذا عرفت ذلك فاعلم ان في مقام التمثيل يجوز للحكيم ان يعبر عن مراده بامثال مختلفة من جهات مختلفة لان عين المثال لايكون مرادا و المقصود غيره و لكنه يريد تقريب ذهن فالعالم اذا عرف مسألة و [ص 116] التذ منها في نفسه مرة يقول استقيت لبنا و مرة يقول شربت سكرا و مرة يقول ماءا عذبا و مرة يقول اكلت طعاما لذيذا و مرة يقول شربت شربة من ماء الحيوان او ماء العسل و ربما يقول سرت في ميدان وسيع و مرة يقول صعدت جبلا و مرة يقول صعدت الي السماء و مرة يقول استضأت بسراج او نجم او قمر و هكذا و هكذا و كلها حق و صدق و ليس شئ منها بيان حق ما رآه و لايعرفه الا من شرب من كأسه و تنعم بنعمته و كذلك نعم الجنة ان في ذلك لذكري لمن كان له قلب او القي السمع و هو شهيد ففاطمة عليها السلام تتنعم باشرف النعم و تنزل المنزلة الرفيعة و قد عبروا عن نعمها بالفاظ ثم ان المعبر حكيم و بحكمته قد احسن التعبير و لم‌يكتف بمحض التمثيل بل اختار لكل مقام اسماء مناسبة فافهم و بيان وجوه المناسبة طويل يناسب غير هذا المقام فاذا عرفت ذلك فاعلم ان قوله يأتيك زوقائيل الخ ، اشارة الي صفة مركبها فانك قد عرفت سابقا وجه الاحتياج الي المركب و عرفت ايضا حقيقة المركب و هي بعينها ما ذكرنا سابقا الا ان في الخبر الماضي بين بعض صفة المركب و هنا قال انه نجيبة من نور و النجيب الفاضل من كل حيوان الا ان مركبها انثي و من الابل القوي و يحتمل ان يكون المراد الناقة و ذلك اقرب الي الحكمة و اصلها من نور الله تعالي و نوق الجنة كلها من نور و في الباطن يقال ان النجيب هو الكريم و قال عليه السلام و سوف ينجب من يفهم ، و النجباء قوم من شيعتهم [ص 117] و مركب فاطمة انسان من شيعتها لعلو شأنها فان الانسان يركب الحيوان و الحيوان يركب النبات و النبات يركب الجماد فولي الله و حجته يركب الانسان مع ان الحشر حشر الانسان و الحيوانات لاتعود في مقامهم و لها موقف دون المحشر فافهم ان كنت تفهم و الا فاسلم تسلم و هذا المركب مركب من نور آل‌محمد عليهم السلام و له زمام من لؤلؤ و قد عرفت ان زمامه عقله فانه يأمره و ينهاه و زوقائيل عبد من عباد الله و ملك يقوده و لعله من تبعة جبرائيل و ذلك مقتضي الحكمة و المحفة مركب من مراكب النساء تركبها النساء كالهودج الا انها لا قبة لها و قد مثل لها في الحديث السابق بالقبة و لا فرق في الواقع بينهما و قال هاهنا انها من ذهب و قال هنالك انها قبة من نور و مرجع المطلب الي واحد لانك قد عرفت اصل المقصود و اما وجه التعبير بالذهب فظاهر لاولي البصيرة فان لهذه المحفة وجوه مناسبة بالذهب منها ان الذهب بين المعادن اشرفها و تركيبه تركيب خلود بالنسبة الي ساير المعادن بل هو اكسير اقعده عن العمل بعض الاعراض القليلة لو ازيلت و طهر عنها لصار اكسيرا فعالا و هو الحجر الحقيقي و كذلك محفة فاطمة عليها السلام فانها صورتها عليها السلام الظاهرة و لذلك قال مولانا سيدالشهداء عليه السلام :

فضة قد خلصت من ذهب فانا الفضة و ابن الذهبين

و وجه مناسبة اخري لونها فانها الزهرة الزهراء و لونها اصفر لان [ص 118] صورة الفاطمية مقام ارض العقل علي ما عرفت سابقا و ارضه تتصل بالارواح و لون الروح اصفر كما بينا فارض العقل ايضا مايلة الي الصفرة و هي مقام حجاب الزبرجدة التي وقف النبي (ص) دونها و نظر الي ربه من مثل سم الابرة و هو مقام الربوبية و الحقيقة الغيبية التي قال وليه اميرالمؤمنين (ع) ظاهري امامة و وصية و باطني غيب ممتنع لايدرك ، و وجه آخر ان الذهب بين المعادن متعلق بالشمس و هي كوكب الطبيعة و المحفة ايضا مقام الصورة و هي الطبيعة لها عليها السلام و حقيقتها مكنونة مستورة في تلك الطبيعة كاللؤلؤ في صدفه و هذا الذهب هو من نور الله فلايعارض ما مر او نقول في وجه الجمع ان القبة هي كساء الهودج و ما يضرب عليه ليكون سترا و اصل الهودج هو محل الجلوس و في الخبر الاول بين كون القبة من نور و سكت عن ذكر نفس الهودج و هنا بين مادته فافهم .

قوله بين يديك الخ ، اما الملئكة و عددهم فظهر شرحها مما مضي و اما الوية التسبيح فاعلم ان اللواء بمعني العلم جمعه الوية قال في المجمع العرب تضع اللواء موضع الشهرة و منه قوله لواء الحمد بيدي يريد انفراده بالحمد يوم القيمة و شهرته به علي رؤس الخلايق ، اقول يحتمل ان يكون المراد انهم يسبحون الله تعالي و يشتهرون بذلك او يكون المراد ان لكل خير جندا و لهم لواء يمشون تحته البتة و اللواء في يد اقواهم و اشجعهم و اكبرهم بعد رئيسهم و اذا كان الجند جماعتهم كثيرين و طوايفهم مختلفين و طبقاتهم مختلفة يكون الالوية متعددة البتة و الوية التسبيح مع [ص 119] فاطمة عليها السلام بيد ملئكة مخصوصين و هم قوم من شيعتهم كما ورد في الكروبيين و خصوا بالتسبيح لما شاهدوا من تنزه الله و تقدسه في خلقها كما ان لواء الحمد في يد اميرالمؤمنين (ع) لان الحمد اشرف الثناء و اجمله و اختاره لنفسه و قال سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام علي المرسلين و الحمد لله رب العالمين فنزه نفسه عن جميع الصفات و اختار الحمد و هو ظاهر في الولاية الكبري مع ان الولي هو النعمة العظمي كما قال ثم لتسألن يومئذ عن النعيم و قال الامام في شرحه انه ولايتنا بل الولي هو المنعم في الواقع كما اثبتنا ذلك في ساير رسايلنا و مباحثاتنا و لست هنا بصدد شرحه فهو صاحب لواء الحمد و هو حق التوحيد او توحيد الصفات خاصة و النبي (ص) صاحب لواء توحيد الذات فافهم و فاطمة عليها السلام لكونها ظهور العصمة تكون حاكية للتنزه و التقدس فجندها جند التسبيح و التقديس .

قال صلي الله عليه و آله فاذا جد بك السير استقبلتك سبعون الف حوراء يستبشرون بالنظر اليك بيد كل واحدة منهن مجمرة من نور يسطع منها ريح العود من غير نار الخبر .

شرح : الجد كضد بمعني الاجتهاد و جد بك السير اي اسرعت و اجتهدت و الحور كسبب شدة بياض العين في شدة سوادها و ان تستدير حدقتها و ترق جفونها و يبيض حواليها او اسوداد العين كلها كعيون الظبا قالوا و لايكون في بني آدم حور و انما قيل للنساء حور العيون لانهن شبهن [ص 120] بالظباء و البقر و الحور جمع حوراء و عين بكسر العين جمع عيناء اي حسنة العينين و ذكر بعض المفسرين ان حور عين اي واسعات العيون و في الخبر الحور العين خلقهن من تربة الجنة النورانية و يري مخ ساقيها من وراء السبعين حلة و في خبر عن النبي صلي الله عليه و آله ان الجنة و الحور العين خلقتا من نور ابي‌عبدالله الحسين عليه السلام و هو افضل منهما و في خبر عن الرضا (ع) انهن خلقن من الزعفران و التراب ، و الكل حق و لا تعارض بينها اما قوله ان الحور العين و الجنة من نور الحسين عليه السلام فلانهما من نور الولاية و سيدنا ابوعبدالله عليه السلام حمل امر الولاية و اعباءها و اظهر حق الامامة و لذا صار ملقبا بابي‌عبدالله و جميع ايمان المؤمنين ببركته و الجنة التي هي ثواب الايمان و جزاء المؤمنين ببركته و لولاه لمااستحق احد حقيقة الايمان و مادخل الجنة و الرضوان هذا في الظاهر و في الباطن هو عليه السلام افني نفسه في الله حتي صار باقيا بالله و قد قال تعالي في القدسي و من قتلته انا ديته ، و لذا ورد من زار الحسين بكربلا فقد زار الله في عرشه ، فصار منير كل خير و اصله و رزقه الله بذلك الجنة و الحور و خلقهما من نوره فمن تنور بنوره يكون من اهل الجنة فافهم ذلك و اما ان الحور من الجنة او من تراب الجنة فلاينافي ذلك اذ الجنة ايضا من نوره و ورد ايضا ان الجنة من نور العرش و هو ايضا عين هذا المطلب اذ قلب المؤمن عرش الرحمن و قال عز و جل ماوسعني ارضي و لا سمائي و لكن وسعني [ص 121] قلب عبدي المؤمن ، و هو المؤمن الحقيقي و اما ما ورد ان الحور خلقن من الزعفران و التراب فذلك ايضا عين المطلب فانه عليه السلام عرش الله و هو العقل و قد نزل نوره في عالم الروح و هو ارض الزعفران و هي من نور العقل الذي هو حقيقة ابي‌عبدالله و الحور من عالم النفس و النفس خلقت من تراب الروح و هو ارض الزعفران و هو الطين الذي خلق منه آدم عليه السلام و لم‌يعرفه ابليس و استكبر و قال خلقتني من نار و خلقته من طين مع ان ناره كانت مستنبطة من شجرة النفس و شجرة النفس كانت نابتة من الارض التي خلق آدم منها و بالجملة طال بنا المقال مع ان مرادي الاجمال ، و المجمر الذي يوضع فيه الجمر بالبخور يذكر و يؤنث كالمجمرة و سطوع الرائحة ارتفاعها و يقال سطعتني رايحة المسك اذا طارت الي انفه اذا عرفت المعني فاعلم ان مولاتنا فاطمة عليها السلام باعمالها الحسنة و اخلاقها الجميلة و عباداتها الفاضلة و طاعاتها الكاملة تستحق نعما كثيرة من ربها لايحصي عددها و لكن آل‌محمد عليهم السلام كان بناؤهم علي ذكر ما يتحمله الناس و كانوا يكتمون من العلم اكثره و لم‌يكونوا يفشون من الفضايل التي شرفهم الله بها الا كما قال مولانا سيد الساجدين :

اني لاكتم من علمي جواهره كي لايري العلم ذو جهل فيفتتنا

و قد تقدم في هذا ابوحسن الي الحسين و وصي قبله الحسنا

يا رب جوهر علم لو ابوح به لقيل لي انت ممن يعبد الوثنا [ص 122] 

و لاستحل رجال مسلمون دمي يرون اقبح ما يأتونه حسنا

و بالجملة لم‌يكونوا يظهرون علمهم و فضلهم علي الحقيقة و لكنهم يذكرون بقدر تحمل الناس فالحور التي رزقها الله سيدتنا فاطمة عليها السلام لايحصي عددها الا الله تعالي و لكن ذكر صلي الله عليه و آله هنا بقدر ما يتحمل الخلق و يقضون العجب مما فضلهم الله به فذكر من المستقبلات سبعين الف اما المراد من الاستقبال في عالم الحقيقة فهو الاقبال و النزول من العالم الاعلي لان الانتقال المكاني غير ميسور في عالم الحقايق فان الحركات الجوهرية بخلاف الاعراض مع ان اصل الحركة الجوهرية محل النظر الا بوجه تأويل مناسب فالحور المخلوقات من نور مولانا الحسين (ع) لاتنتقل في عالم القيامة من مكان الي مكان و لكنها تنزل من وجهه الذي هو منير الكل الي الاسفل و هو وجه الله الباقي فاذا صعدت فاطمة عليها السلام في صعودها لتلحق مقامها الاول بابيها و بعلها و بنيها يقبل اليها الحسين عليه السلام من العرش اذ ورد اخبار كثيرة تدل علي انه في العرش و لاينافي ذلك ايضا حشره و نشره في المحشر فان الحشر و النشر مخصوص بالمجالي التي يعرضها الفناء بنفخ الصور لا الوجه الباقي بعد فناء كل شئ و هو حقيقة الامام عليه السلام فانها باقية قبل الصور و معه و بعده و تتجلي الي المحشورين بحسب شأنهم و فاطمة الزهراء صلوات الله عليها تشاركهم في تلك الحقيقة لان كلهم من نور واحد الا انهم بحسب المجالي متعددون فالحقيقة ناظرة الي مجلي [ص 123] الفاطمية في حشرها كما ان الفاطمية تشتاق الي مجلي مولانا الحسين عليه السلام لتنظر اليها في العرصة فاذا تجلي اليها الحسين عليه السلام تستقبلها حور حسان و هن بملاحظة سبعة آلاف و بملاحظة سبعون الفا بعدد الدرجات و مر دستور معرفة العدد سابقا و بايديهن مجامر تعبير عن حسن رايحتهن و ان بسطوع انوارهن يتعطر المحشر و لما كان الدأب في العرب التبخير بالعود في المجامر كما هو الآن و من اكرامهم للضيف التدهين و التدخين ذكر ذلك خاصة و لكن بين ان المجامر ليست من الفلزات او الاتربة او غيرها و لكنها من نور الله سبحانه و كذلك ليست فيها نيران لان النار من سخط الله و من اسباب التفتيت و الافساد مع انها من الطبيعة و مادة الشيطان فقال انه ليس فيها جمر و لكن يسطع منها ريح العود من غير نار و اختار لفظ العود خاصة لحكم منها انه ريح طيب يقوي القلب و منها ان العود نبت ينبت من الارض كما ان البدن ينبت فبينهما مناسبة تامة يستلذ منه و لذا ورد الحث علي تخضير الميت و ورد ان الجريدتين ترفعان عذاب القبر و كذلك العود له نوع تقوية للبدن و البخور الذي يؤتي به لتبخير فاطمة عليها السلام ايضا من تراب الجنة و يقوي فاطمة لانها من الجنة كما ورد عن الرضا عليه السلام قال قال النبي صلي الله عليه و آله لما عرج بي الي السماء اخذ بيدي جبرئيل فادخلني الجنة فناولني من رطبها فاكلته فتحول ذلك نطفة في صلبي فلما هبطت الي الارض [ص 124] واقعت خديجة فحملت بفاطمة عليها السلام ففاطمة حوراء انسية فكلما اشتقت الي رايحة الجنة شممت رايحة ابنتي فاطمة و في رواية ادناني جبرئيل من شجرة طوبي فناولني من ثمارها فاكلته فحول الله ذلك ماءا في ظهري ، ففاطمة طينتها البشرية من ثمار الجنة و لذا تتقوي و تستأنس بالحور و البخور من الجنة ثم اعلم ان للحور درجات فمنهن جزئيات اذ هي ثواب الاعمال و صور الخيرات فالغالب عليها الملكية و الجزئية و منهن كليات و هن انسيات كما ورد في الخبر ان النساء المؤمنات حور فلايستبعد ان يكن المستقبلات في المقام جزئيات و بعدها من النساء الصالحات المؤمنات القانتات العابدات فافهم .

قال صلي الله عليه و آله و عليهن اكاليل الجوهر مرصعة بالزبرجد الاخضر فيسرن عن يمينك فاذا سرت مثل الذي سرت من قبرك الي ان لقيتك استقبلتك مريم بنت عمران في مثل من معك من الحور فتسلم عليك و تسير هي و من معها عن يسارك ثم تستقبلك امك خديجة بنت خويلد اول المؤمنات بالله و برسوله و معها سبعون الف ملك بايديهم الوية التكبير .

شرح : نقلت هذه الفقرة من العوالم و البحار لان كلتا النسختين اللتين كانتا عندي مصحفة ، اقول الاكاليل جمع اكليل كازميل و هو التاج و شبه عصابة تزين بالجوهر و المرصعة بمعني المركبة او المقدرة و المراد ان تلك الاكاليل محلاة بالزبرجد و لم‌يعين عليه السلام [ص 125] لون الجوهر و بمقتضي الحكمة و كونها من اهل اليمين يحتمل ان يكون من الدرة البيضاء لانها من نور العقل و لونه ابيض الا انها محلاة بالزبرجدة الخضراء لنزوله الي النفس و لون النفس اخضر فان الجنة في عرصة النفس كما عرفت سابقا و هي تسير من جهة اليمين لانها من جهة العقل و من عند الرب تعالي او تكون سبب اليمن و البركة و اما استقبال مريم و خديجة في مثل المقام و معرفة حق المسألة فنحتاج الي بيانين اما استقبالها بعد السير بهذا القدر فذلك لان الحشر يكون من قبر الطبايع فبعد ما خرج الانسان من قبره يسير صاعدا في الدرجات و في سيره يمر بكل عالم من العوالم و مقام من المقامات و في كل عالم يري اهله الواقفين فيه كما كان في معراج رسول الله صلي الله عليه و آله انه كان يري في كل سماء جماعة مخصوصين من الملئكة و الانبياء و كذلك الامر في المعاد فانه (ص) عرج من سبيل النزول في طريق العود فافهم فاذا سار الساير من قبر الطبايع الي سماء المثال و منه الي عرصة المادة يجد هنا جماعة من الملئكة و من الحور العين فاذا صعد منها ايضا الي عرصة الطبايع و منها الي النفوس يجد هنا الاناسي اذ هي عرصة الجمع و يري هنا من الحور اكملها و اعلاها ففاطمة عليها السلام لما سارت الي عرصة المادة استقبلتها جمع من الحور العين النازلات الي عرصة المادة و هن جزئيات و اذا صعدت منها مقدار ما سارت من عرصة الطبايع تري هنا الاناسي و اول من تلحق بها [ص 126] مريم و خديجة لما سيظهر ان شاء الله فانك اذا عددت المراتب من الجسم الي المادة و من اسفل المادة الي النفس تراها متساوية فتدبر و بوجه آخر نقول انها اذا صعدت من العناصر التي هي قبر الانسان تستقبله ملئكة السماوات فاذا صعدت الي فلك القمر فلك الحيوة و وصلت الي اعلاها تستقبلها الحور و هي بملاحظة تعد من المثال الظاهر في الزهرة و اما عطارد فهو في عالم الحقيقة ارفع من الزهرة لمعنويتها و الزهرة قريبة من الحس و بعد ما سارت طول فلك الزهرة تصل الي الشمس المادة و الطبيعة الثانية و ظاهر العرش و هي مقام ابرهيم خليل الرحمن و موسي كليمه و قد رآهما رسول الله (ص) هنا ليلة المعراج فتستقبلها في المقام مريم ام نبي الله عيسي و اصله و محله و خديجة امها و اصلها و مادتها فافهم ان كنت تفهم و اما وجه تقدمهما علي حواء و آسية فذلك عسير و اسأل الله ان يوفقني علي البيان بحوله فاعلم ان الخلق لهم درجات و مراتب فمنهم جزئيون و منهم كليون و الكلي يكون سعة وجوده اكثر و حيوته ادوم و الجزئي بخلاف ذلك و ذلك بحسب فعلياتهم فمن فعليته كثيرة له حياة و بقاء في اكثر المراتب حتي انه ربما يحيي في البرزخ بل و دون البرزخ الاتري انه ورد في شأن العلماء ان اعيانهم مفقودة و امثالهم في القلوب موجودة و ورد ان المؤمن حي في الدارين و ورد في شأن المؤمنين ان منهم من اذا مر علي قبره حمل حنطة يعلم عددها فالله اكبر ما اعظمه من [ص 127] شأن و اجله من مقام و لكن الناس اكثرهم لايعقلون فالكليون بعد موتهم و في حشرهم يحيون في اكثر المراتب و يسيرون و الجزئيون بحسب شأنهم و آخر المراتب في الجزئية ان يحيي في القيامة الكبري الاتري ان المستضعف و المجنون و الطفل كلهم يحشرون في القيامة و لكنهم بعد الموت يبقون في قبورهم و لايحيون و لايطلعون علي المثال ابدا و بعد تنبههم يتنبهون في عرصة القيامة و لكن الكاملين يحيون و يعيشون طول هذه المدة الي القيامة فخديجة و مريم لكونهما من كبار النساء يحيين من اسفل المراتب و يذهبن الي الاعلي الي مقام معلوم و اما وجه تأخر استقبال خديجة بحسب دلالة اللفظ فيحتمل ان يكون لحرمتها و امومتها فانها مع حيوتها و وجودها في المقام لاتعد من المستقبلات او يكون المراد من العطف بثم محض التراخي في البيان و ذلك وجه و الحوريات التي تستقبل معهما اكمل بحسب الشأن من الاوليات ثم انه ذكر (ع) ان مع مريم حور بعدد الحور اللواتي كانت مع مولاتنا و مع خديجة جماعة من الملئكة فيمكن ان يكون استقبال الجميع في مقام فيكون جمع الملئكة و الحور معهما و يمكن تفرقهما و لكن ذكر الملئكة في المقام و ترك ذكر الحور لظهور كونهن و كذلك ترك ذكر الملئكة مع مريم بظهور كونهم و يمكن ان يكون وجه خصوصية في ذلك و هو تعظيم لشأن خديجة بان الجماعة معها خدامها فان الامام عليه السلام قال ان الملئكة لخدامنا و خدام شيعتنا ، او لمحض تشريفها يتبعها رجال فان [ص 128] الملئكة رجال و الحور نساء و لكل وجه و بيدهم الوية التكبير اما الملئكة الذين كانوا مع فاطمة كانت بيدهم الوية التسبيح لانهم كانوا يحكون حال فاطمة و هي مظهر التنزه و الملئكة الذين مع خديجة يحكون حالها و هي مظهر التكبر فان الكبرياء ادون من السبوحية و لذا قال الله عز و جل الكبرياء ردائي ، و الرداء ما يلبس فوق جميع الالبسة و قال له الكبرياء في السماوات و الارض و قال رسول الله (ص) في صفة السماوات و الارض اذ سئل عنهما جلال ربي جلال ربي ، و خديجة شأنها ادون من شأن فاطمة عليها السلام فانها من رسول الله (ص) كما قال فاطمة بضعة مني ، و اما خديجة و ان كانت كبيرة الا انها دون درجة فاطمة مع انها قد طلعت من سمائها و ظهر منها كبرياء الله و جلال الله بهذه الملاحظة فلذلك يكبرون الله الملئكة السايرون معها و وجه آخر ما عرفت انها اي خديجة تستقبل بنتها في السماوات و هي مظهر الكبرياء لله تعالي و بالجملة وجوه الحكمة كثيرة لكل كلام من كلماتهم و اما في الباطن فالحور نساء مؤمنات كما ورد في الخبر فان المؤمنات حور حسان و اما الحور الجزئيات فهي خيرات كما قال الله تعالي فيهن خيرات حسان و هي نساء تنبت من اشجار الجنة من حافة نهر فيها فهن ملكيات جزئيات تلتذ المؤمنون منهن كما يلتذون من الاعمال الحسنة في الدنيا و اما الحور الكليات فهي نساء مؤمنات و هن اناس و تستأنس فاطمة عليها السلام بهن اذ [ص 129] هي ايضا حوراء انسية الا ان شأنها ارفع و لايكاد يبلغ مقامها غيرها من النساء و الملئكة ايضا جماعة من رجال الشيعة فانهم عباد لله داخرون و هم العابدون الناسكون الصافون الراكعون الساجدون و هم الذين وصفهم الله في كتابه باسم الملكية اذ قال و ماجعلنا اصحاب النار الا ملئكة اي اصحاب الامام فانه عذاب الله و نقمته للكفار و لاتستغرب هذا التفسير اماسمعت في صفة اميرالمؤمنين انه رحمة الله علي الابرار و نقمته علي الفجار اماسمعت قوله انا اضراس جهنم القاطعة ، فماجعلنا اصحاب النار اي الامام اذ يعذب الله تعالي الخلق به و ايضا هو الجنة للابرار اذ ينعم الله المؤمنين بوجوده

كقطر الماء في الاصداف در و في فم الافاعي صار سما

افهم ذلك ان كنت من اهل الفهم و اصحابه ملئكة الرحمن اي شيعته الجزئيون و اما الكليون فشأنهم ارفع من الملكية او الكليون ايضا الا انهم ملحقون بالعالين او هم المسومون و بالجملة جهات التفسير مختلفة الا انا نريد الاجمال و اما وجه سير مريم و من معها في اليسار فيحتمل ان يكون لاجل انسانيتها فان الانسان له نفسانية و الحور الاوليات كانت مادية و المادة تنزل العقل فهي تمشي من جهة اليمين و مريم تكون صاحبة ملكة نفسانية و النفس من اليسار و الله اعلم بوجوه الحكمة و لايلزم من ذلك شرافة الحور علي مريم فان الشرف بالجامعية اماسمعت ما ورد في صفة العقل ان الله [ص 130] قال ماخلقت خلقا احب الي منك و لم‌يقل اكرم منك علي و لكنه اكرم الانسان و قد نقلته بالمعني و كذلك الامر في مريم عليها السلام فانها لانسانيتها اكرم من الحور مع انها تقوم من اليسار و اما التسليم فهو اول تحية اهل الجنة كما قال تعالي تحيتهم فيها سلام و آخر دعويهم ان الحمد لله رب العالمين و معني التسليم الدعاء بالسلامة من جميع الآفات و البلايا و الامراض و الموت اي بعد ذلك رزقك الله الراحة و الامن و السلام اسم الله و هو السلام و منه السلام يتبرك المؤمن بذكره عند لقاء اخيه المؤمن و في وقت الورود في الدار و البيت و ان كان الانسان وحده فيذكر ربه و يسأله ان يعامله و غيره بهذا الاسم المبارك فمريم اذا زارت فاطمة تسلم عليها لذلك .

قال صلي الله عليه و آله فاذا قربت من الجمع استقبلتك حواء في سبعين الف حوراء و معها آسية بنت مزاحم فتسيران هما و من معهما معك و في بعض النسخ حوراء في سبعين الف حوراء و الاول اصح .

شرح : اما وجه تأخر استقبال حواء و آسية فما عرفت انهما بالنسبة الي خديجة و مريم جزئيتان فظهورهما قبيل المحشر و عدد الحوراء في كلها بلا تفاوت اذ هي بعدد المراتب و يحتمل وجه ظاهري في التقدم و التأخر و هو ان مريم ام عيسي و حواء ام جميع الانبياء و المرسلين فحرمتها اكثر و كل من هو اعظم حرمة يكون استقبالها [ص 131] اقرب من المنزل و الوطن و اما خديجة فلمقام الامومة و كثرة الانس و الحب تستعجل و وجه آخر قرب الشرع و بعده و اتحاده و اختلافه فان خديجة كانت قبل بعث نبينا علي شرع ابرهيم و بعد البعث علي شرع نبينا فالمناسب ان تستعجل بالاستقبال و مريم كانت علي شرع موسي و عيسي و شرعهما متصل بشرع نبينا فتستبق حواء و اما حواء فهي علي شرع آدم و هو بعيد من نبينا فتبطئ في اللحوق و يبقي الاشكال في حال آسية انها لم‌تستقبل مع حواء فلعل ذلك ايضا لبعدها فانها كانت علي شرع ابرهيم في بدأ امرها البتة و في اواخر امرها ان كانت حية في زمن اتي موسي (ع) بشرع جديد و نسخ شرع ابرهيم عليه السلام رجعت الي شرعه و الا فلا و علي اي حال تكون ابعد من شرعنا و كونها مع حواء لايستلزم وقوفها معها بل لعلها تكون مقدمة علي حواء و بالجملة كل ذلك حيوث و جهات نذكرها و الله اعلم بحقيقة الامر اذ لم‌يرد حديث في وجه الترتيب حتي يصير سبب يقين الانسان بما يعرفه الا انا بينا ذلك بحسب القواعد المستنبطة من الاخبار و الآثار .