رسالة شرح الحديثين في جواب الحاج محمدحسن الكاشاني
من مصنفات العالم الرباني و الحكيم الصمداني
مولانا المرحوم الحاج محمد خان الكرماني اعلي الله مقامه
الحمد لله و سلام علي عباده الذين اصطفي .
و بعد يقول العبد الاثيم و الفاني الرميم محمد بن محمدكريم انه قد عرض عليّ جناب عالي الجناب و زبدة الاحباب و نخبة الانجاب الاخ الاولي الآميرزا عليرضا حفظه الله تعالي ابن المرحوم المبرور العالم النقاد الآميرزا عبدالجواد الولياني رحمة الله عليه حديثين شريفين صعبين مستصعبين من فضايل سيدة النساء و آية الله في الدنيا و نور الله في الآخرة و الاولي فاطمة الزهراء صلوات الله عليها و ذكر ان جناب الاخ الصفي المؤتمن و الولي المؤمن الممتحن صاحب المحامد في السر و العلن الحاج محمدحسن ايده الله ابن المرحوم الزكي الحاج محمدعلي القاساني (ره) طلب مني شرحهما و قد كنت مشتغلا بتصانيف و تأليفات مع ما بي من اختلال الحال و تشتت الخيال و تفرق البال لما يكون الاعلم به الرب المتعال و مع ذلك لماكن متمكنا من اجابة مسؤله و ايتاء [ص 3] مأموله مع ان الحديثين من الاحاديث الصعبة المستصعبة التي قال مولانا ابوجعفر عليه السلام لجابر يا جابر حديثنا صعب مستصعب امرد ذكوان وعر اجرد و لايحتمله والله الا نبي مرسل او ملك مقرب او مؤمن ممتحن فاذا ورد عليك يا جابر شئ من امرنا فلان له قلبك فاحمد الله و ان انكرته فرده الينا اهل البيت لاتقل كيف جاء هذا و كيف كان و كيف هو فان هذا والله الشرك بالله العلي العظيم انتهي ، و لايمكن شرحهما علي ما ينبغي في الطروس و تبيانهما في الدروس مع ان معرفتهما خاصة مبتنية علي معرفة علوم كثيرة منها علم القضاء و القدر و البدأ و العود و الحكمة الالهية بالمعني الاخص و الحكمة الطبيعية و علم الفلسفة و علم الضم و الاستنتاج و علم التقارب و التباعد و يحتاج معرفة هذه العلوم الي علوم اخر من باب المقدمة اخاف ان يستوعر من ذكرها القلوب و يستوحش النفوس كما استوحشوا من ذكر ابي اعلي الله مقامه بعض العلوم التي يبتني معرفة معراج النبي صلي الله عليه و آله و المعاد علي معرفتها لان الخلق جهال ضعفاء و مع ذلك يحبون ان يحمدوا و ينسبون انفسهم الي العلم و يهوون ان يصدقوا و لذلك هم محرومون عن اكثر العلوم فاذا صدقوا العالم علمه يلزمهم الاقرار بجهلهم فينكرون عليه كبرا و عدوانا و هم غافلون عن ان انكار الجاهل علي العالم لايزيد العالم الا عزا و يلزم الجاهل ذلة و بالجملة كتمان العلم في الصدور اولي من بثه [ص 4] في السطور و مع ذلك كله انا قد اجبت طلبته تعظيما لشأنه و تأدية لحق اخوته و لكني اعتذر اليه من بيان المطالب علي التفصيل فانه غير ميسر لنا في هذا الزمان و الدهر الخوان و للحيطان آذان و كذلك اعتذر من توضيح البيان و الشرح بالفارسية فان بيان المسايل الحكمية سيما المعارف الالهية باللسان العجمي في غاية الصعوبة مع انه لايمكن اداء حق البيان بهذا اللسان الالكن و يصعب معه الاستشهاد بالآيات و الاخبار و يبقي اغلب المطالب بلا برهان فان الانسان ان روي الآثار علي ما ورد لايكاد يفهم العجم الجاهل بالعربية معناها و ان فسرها يطول به المقال و ان روي ترجمتها ربما يختفي بعض نكات البيان و لذلك كتبت هذا الشرح بالعربية و لكني اجهد في ان اوضح المطلب بقدر الامكان و اختار الالفاظ المتداولة في اللسان حتي يعرف المراد كل من له ادني قريحة ثم انه سلمه الله روي الحديثين من ناسخ التواريخ و هو قد روي الاول منهما من مجالس الصدوق و الثاني من تفسير الفرات و لعدم كون مصنفه من اهل الاخبار و الآثار و ان كان عارفا بالتواريخ حافظا للاشعار و لذلك لايكاد يعتمد الفقهاء علي روايته الا ما صح عندهم سنده انا اروي الاول من المجالس و الثاني من البحار لانه ليس عندي تفسير الفرات و ان كان في موضع منهما اختلاف بين الكتب التي هما فيها اشير الي محل الاختلاف و لا بد من ان اقدم بيانا لاستيناس النفوس [ص 5] الوحشة و استعداد القلوب النفرة لفهم المطالب فان حكمة آلمحمد عليهم السلام بعيدة عن الاذهان غريبة عند اهل الظاهر العارين من الايقان و ربما يسمعون شيئا من اهل العرفان فينكرون عليهم من غير انصاف بمحض الاعتساف مع ان شأن من يدعي التشيع التصديق لآلمحمد الاطهار عليهم السلام مخازن علم الجبار و التسليم للاخيار و القبول من حملة الآثار و لكن العيون رمدة و العقول سفيهة و قد ينكر العين ضوء الشمس من رمد ، و
علي نحت القوافي من مواقعها و ما علي اذا لميفهم البقر
المقدمة - اعلم ان الدار الآخرة دهرية و عرصتها فوق عرصة الدنيا بالبداهة و يشهد بذلك العقل و النقل و مواليدها ايضا دهرية و تراكيبها ايضا معنوية دهرية و لاتشبه الدار الدنيا و لا مركباتها و لا مواليدها و بيان ذلك علي التفصيل يليق بغير المقام و لكن لا بد من الاشارة علي نهج الاختصار بقدر ما يقتضيه المقام فاعلم ان هذه الدنيا من العرش الي الفرش دار الاعراض كما قال الامام عليه السلام كل ما بالجسم ظهوره فالعرض يلزمه ، و لا شك ان هذا العالم عالم الاجسام فهي ملازمة للاعراض مبتلاة بالامراض و ذلك مشهود لكل عاقل خبير و ناقد بصير الاتري ان كل مادة جسمية تظهر في اعراض تسعة تلزمها و لاتكاد تظهر بغيرها و لاتعين بسواها و هي الكم و الكيف و المكان و الزمان و [ص 6] الوضع و الملك و هو الجدة و الاضافة و الفعل و الانفعال فكل جسم لا بد له من هذه الاعراض و لايتعين بغيرها و كلها عرضي له زايل و صورته الذاتية نفس امكان الاعراض و لذلك يقال في حده ان الجسم جوهر قابل و لذلك نقول انه بنفسه لايقوم الا في ضمن الاعراض الا ان مقامه في غيبها و يسمي بالدهر و لاتقوم الدهريات في مقام بانفرادها عارية من تلك الاعراض اذ كلها كليات و هي مطلقات مبهمات فلاتقوم معها و لا فوقها و لا دونها و الا لزم كونها محدودة بها و لكنها في غيبها بلا تحديد و ان فهمت ذلك ظفرت بفهم مسايل كثيرة ثم ان هذه الاعراض التي تعرض المادة الجسمية كلها خارجة من ذاتها زايدة عليها الاتري انها تتغير و تتبدل و الجسم باق بحاله مثال ذلك التراب فانه يتصور بصور مختلفة عديدة و تزول عنه و هو باق في كل الاحوال علي هيئته الترابية و كذلك الامر في كل العناصر و الافلاك و ذلك امر مشهود لدي العاقل و من عرفه بالكشف او التجارب عرف ان جميع هذه الصور المشهودة كلها عرضية زايلة و الدهر غير العرض بالبداهة فانك تري ان الاعراض محدودة و الدهر غير محدود بها و هي زايلة موقتة و هو باق دائم و لايمكنني الآن بسط هذه المسألة و لكني اريك مثالا لتقف علي المراد في الجملة انظر الي هذه المياه الدنياوية فانها محدودة بحدود امكنتها و اوقاتها و كيوفها و كمومها لاتجاوزها و هي زمانية [ص 7] و لاترتفع من الزمان البتة و فوقها الماء المطلق الدهري و هو نفس الجسم البارد الرطب السايل و هو فوق جميع هذه الحدود الاتري انه ظاهر بصورته في جميعها و لايتغير بتغيرها و لايتبدل بتبدلها و هو ثابت في جميع ازمنتها و لاينقضي بانقضائها و لايمر عليه اوقاتها فهو ابدا علي هيئته و لايبيد و لايهلك و هو في كل آن غض طري اذ لايخلقه الملوان و لايتجدد عليه الحدثان اذ لميخلق لزمان دون زمان كما قال عليه السلام في صفة القرآن اذ سئل عن سر تجدده و عدم بلاه بتكرر القراءة كما هو عادة الناس في جميع الحوادث الدنيوية فقال (ع) لانه لميخلق لزمان دون زمان بل هو باق ابدا الي يوم القيمة ما دام بقاء الشريعة ، فافهم و اعتبر فالماء هو ماء في زمان آدم و يومنا و نسبته الي المياه الثابتة في زمانه الي زماننا بالسواء و كل ما فني ماء او استحال الي غيره يكون الماء الكلي الدهري باقيا في غيب الدنيا و ذلك صفة جميع الدهريات فمن ذلك اعرف ان جميع هذه الاعراض متممات للماء المطلق و هو غيرها مع انه ظاهر فيها و لو كان مصورا بصورة من تلك الصور لماكان يظهر في البواقي الاتري ان الماء المالح لايكون ماءا حلوا و الماء الابيض لايكون ماءا احمر و ماء البحر لايكون ماء النهر و كذلك ماء الامس لايكون باليوم و لكن حقيقة الماء سارية في الكل و ذلك اعظم شاهد علي ان الصور الدنيوية لاتعرض الدهريات ابدا و كذلك الامر في زيد الاخروي فان زيدا له [ص 8] اخروية و هي دهرية مطلقة و مثالية و هي نورها المتألق و فعلها المتعلق بالدنيا و دنيوية و هي هذا البدن المحسوس من اعلي مقامه الي اسفل مرتبته و اعلاه الدخان الصاعد الي اعلي نقرات دماغه و اسفله اللحم و العظم و البدن الدنياوي نسبته الي زيد الاخروي كنسبة المياه الجزئية الي الماء المطلق الاتري ان زيدا زيد من اول عمره الي حين موته و لايزيد عليه و لاينقص منه و لايشيب و لايهرم و لايضعف و لايقوي و لايهزل و لايسمن و لايصح و لايمرض و لكن جميع هذه الاعراض تعرض البدن و هو الذي يتغير و يتبدل و لكن زيدا ثابت قايم بصورته الزيدية من بدء عمره الي موته و بهذه الصورة يحشر و ينشر و يثاب و يعاقب و الصور العرضية كلها زايلة و زيد الاخروي يجمع جميع المراتب من الفؤاد الي الجسم بحسبه و كلها بالنسبة الي مظاهرها في البدن دهرية ثابتة باقية مخلدة و بذلك يشهد صحيح الاخبار و دقيق الاعتبار و كذلك الامر في جميع الملك فالمحشور من هذا الخلق من الآباء العلوية و الامهات السفلية و المواليد المخلقة و غير المخلقة جميعها دهرياتها لا زمانياتها نعم الزمان برمته ايضا خلق يحشر كساير الخلق بالدهرية و معرفة ذلك عسير جدا و لايمكن كشف هذه المسألة علي نحو الحقيقة فاذا عرفت هذه المقدمة فاعلم ان المواليد الدنيوية لاتحشر بهذه الصور الزمانية اذ هي ملازمة الزمان كما قال الله تعالي يومئذ لا انساب بينهم و قال تعالي [ص 9] لقد جئتمونا فرادي كما خلقناكم اول مرة و الانساب في الآية الاولي في الظاهر بمعني النسب الظاهري و في الباطن عام يشمل جميع النسب الزمانية اذ لو بقيت علي حالها للزم بقاء النسب الظاهري كالابوة و البنوة و امثالهما و كذلك حشرهم فرادي يدل علي ذلك و قد ثبت في الحكمة ان الناس في القيامة يحشرون بصور اعمالهم و ورد ذلك في الاخبار ايضا و نص عليه الله عز و جل في كتابه اذ قال سيجزيهم وصفهم و قال و ماتجزون الا ما كنتم تعملون فافهم ذلك فالصور الدنياوية لاتصعد الدنيا و الاشارة الي برهان ذلك بالعقل في الجملة ان الصور حدود المواد فهي علي حسبها اذ كل مادة لاتصلح للتحدد بكل صورة البتة فان المادة اللطيفة نهاياتها لطيفة و المادة الكثيفة نهاياتها كثيفة و المادة الكلية نهاياتها كلية و المادة الجزئية نهاياتها جزئية و ذلك امر معلوم مسلم و لا شك ان المواد الدهرية كلية معنوية فلاتحدد بالحدود الشخصية الاتري ان الجسم المطلق باطلاقه لايطول و لايقصر بالكموم المعلومة و لايتكيف بكيفيات شخصية نعم الجسم المطلق بعد ظهوره في القوابل الشخصية و المواد الجزئية يتهيأ بالكموم الشخصية و الكيفيات المقيدة فان التراب مثلا بعد التعين بالترابية الشخصية يقبل صورة الكأس المعين و الكوز المعلوم و لكن الجسم بجسميته لايصير كأسا و لا كوزا و امثل لك مثالا آخر في الظاهر حتي تتيقن بالمسألة و هو ان الصورة المائية تعرض [ص 10] عناصرها و صورة الجمد تعرض الماء و لاتعرض عناصره اي الماء و صورة التثليث تعرض الجمد لا الماء فان الماء لايقف بنفسه علي التثليث و التربيع و التخميس فكل مادة لاتصلح في الصلوح القريب للتصور بكل صورة نعم في الامكان البعيد يصلح كل شئ لكل شئ
كل شئ فيه معني كل شئ فتفطن و اصرف الذهن الي
و بمحض الصلوح لايكاد يتصور فان التراب يصلح للصورة الانسانية و لكنه لايتصور بها الا بعد صعوده في مراتب فاذا كان الامر هكذا في المواد الدنيوية فما ظنك بالمواد العلوية و لذلك قلنا بان بناء العوالم لايستقيم الا بالتنزل و الترتب فاذا عرفت هذا البرهان الشريف و البيان اللطيف فاعلم ان المواد الدنيوية لاتصعد الدنيا البتة كما قال الله تعالي و ما منا الا له مقام معلوم و قال كما بدأكم تعودون و قال مولانا اميرالمؤمنين عليه صلوات المصلين في صفة العالم العلوي صور عالية عن المواد عارية عن القوة و الاستعداد ، و المراد من المواد المواد الدنيوية و قال الشيخ الاوحد اعلي الله مقامه كل شئ لايتجاوز ما وراء مبدئه ، فهذه المواد لازمة محلها و لايصعد منها الي العالم الاعلي الا ما نزل عنها و هو لطايفها فاذا لمتصعد اليها بانفسها كيف يتصور صعود صورها فان هذا الجسم الجزئي اذا لميصعد من الدنيا لايكاد يصعد بياضه و حرارته و طوله البتة نعم يصعد منه لطيفة كلية و لها صورة بحسبها فاذا قلنا ان هذا النبات مثلا يحشر في القيمة [ص 11] لانريد منه ان عناصره المركبة في الدنيا بصورتها تحشر و لكن نريد منه ان المادة اللطيفة النازلة من القيمة تصعد اليها بما يناسبها من الصور و كذلك الامر في الحيوان و الانسان فعلي ذلك كل ما يكون له ذكر شخصي في القيمة يحشر فيها متشخصا و كل ما يكون ذكره هنا كليا يعود بالكلية و غير ذلك غير معقول فاصغ لما اقول حتي تفوز بالمأمول و لذلك قال مولانا اميرالمؤمنين (ع) ان النباتية و الحيوانية تعود اذا عادت عود ممازجة لا عود مجاورة و الانسان يعود عود مجاورة لا ممازجة و لذلك خص في الشرع القيمة بالانسان و الحشر و النشر به دون الباقي نعم روي في بعض الضعاف ان بعض الحيوانات يحشرون و يمكن الاستدلال عليه بقوله تعالي اذا الوحوش حشرت فان كانت الرواية صحيحة و الآية دالة تدل علي ان حشرها في اسافل القيمة و لكن الظاهر ان المراد من الوحوش الاعداء و يدل علي ذلك الاخبار الصحيحة و يدل علي ذلك ساير الآيات ايضا و في بعض الروايات المعتبرة ايضا روي حشر بعض الحيوانات و دخولها الجنة و ذلك ايضا علي وجه يمكن لا بغيره و بسط الكلام فيه لايناسب المقام و بالجملة هذه قاعدة كلية جرت علي قلمنا هنا بتقدير الله تعالي و ان عرفها الطالب يعرف حق المسألة في المعاد و ان حفظتها يظهر لك ايضا ما سنبينه في هذا الشرح .
رفع شبهة - لاتزعم من بياني هذا ان المعاد لايكون جسمانيا و قد اشرت الي ذلك هنا و لكن ازيدك [ص 12] توضيحا ان الجسم له حقيقة ثابتة في الاعلي فانه جوهر قابل و كل ما سوي العقل جوهر قابل و لكنه نزل في الدنيا و ظهر بهذه الاجسام المشهودة و ما يلزم الدنيا منها هو هذه الحدود الدنيوية و لكن لها حقايق اخروية فللدار الآخرة عرش و كرسي و افلاك و عناصر جميعها جسمانية و لمواليدها ابدان جسمانية الا انها لاتكون عرضية دنياوية و نحن بعد ما نزهنا الآخرة عن الاعراض الدنيوية زعم الناس انا نقول ان المعاد لايكون جسمانيا و ذلك لانهم يزعمون ان حقيقة الجسم هي ما يرونه في الدنيا مع ان ما يرونه عرض الجسم لا نفسه بل لايرون الا الاجسام التعليمية و هي الهندسة لا الجسم الطبيعي و محل الكلام هو الجسم الطبيعي لا غير فتدبر و يكفي هذا القدر من البيان في المقام ان شاء الله .
اقول الحديث الاول : روي الصدوق عليه الرحمة عن محمد بن ابرهيم قال حدثنا ابوجعفر محمد بن جرير الطبري قال حدثني ابومحمد الحسن بن عبدالواحد الخزاز قال حدثني اسمعيل بن علي السندي عن منيع بن الحجاج عن عيسي بن موسي عن جعفر الاحمر عن ابيجعفر (ع) .
شرح : محمد بن ابرهيم ابن اسحق الطالقاني اكثر الصدوق من الرواية عنه مترضيا و لعله من مشايخه رضوان الله عليهم حكي ابوعلي ان الظاهر ان كنيته ابوالعباس و لقبه المكتب كما يظهر من غيبة الصدوق و قال جزم جده (ره) في حواشي النقد بانه من [ص 13] مشايخه و محمد بن جرير هو ابن رستم امامي ثقة و لعله صاحب الايضاح روي عنه الحسن بن حمزة و اما الحسن بن عبدالواحد فقال ابوعلي انه ابواحمد و هو الزربي و من ترجمة الشيخ ما يدل علي جلالته و لميظهر لي الحق في كنيته انه ابواحمد او ابومحمد و في جميع نسخ المجالس ابومحمد و كذا في العوالم و كذلك الاختلاف في الزربي و الخزاز و لكن الظاهر انه واحد اذ لايتعدد عبدالواحد و قال ابوعلي ان الشيخ (ره) مدحه و علي اي حال لايضر بصحة الخبر بعد صحة مضامينه و رواية الصدوق له من غير انكار و اسمعيل بن علي السندي لااعرفه فان اسمعيل بن علي اسم جماعة موثقين و غير موثقين و لمينسب احدهم الي السند و لعله مصحف المسلي و الله اعلم و في منتهي المقال اسمعيل بن علي المعلي يسند عنه الصدوق و في الالقاب قال لقب اسمعيل بن علي مسلي و لعل الاول غلط و كذلك قال المجلسي في رجاله و كل ذلك شاهد ان السندي مصحف و منيع بن الحجاج ايضا لميذكر في الرجال و المذكور في ما عندنا من كتب الرجال منيع بن رقاد من اصحاب مولانا ابيعبدالله الحسين و مولانا السجاد صلوات الله عليهما و كذلك عيسي بن موسي غير مذكور و المذكور هو عيسي بن المستفاد ابوموسي و هو موثق و بعضهم قال عيسي المستفاد ابوموسي و يحتمل ان يكون الاصل عيسي ابوموسي و صحفه نساخ المجالس و الله اعلم و اما جعفر الاحمر فهو ابن زياد [ص 14] ابوعبدالله حكي ابوعلي عن الصدوق عليه الرحمة انه شيعي و عن ميزان الاعتدال انه ثقة صالح الحديث صدوق شيعي و من رؤسائهم حبسه ابوجعفر مع جماعة من الشيعة في المطبق و بالجملة رجال الخبر بعضهم مشتبهون و لكن يكفينا في صحته عدم انكار الصدوق له بل روايته في اماليه التي يريد تنبيه اصحابه و تعليمهم بها و نقل الحديث الصحيح و نشر العلم ادل دليل علي صحتها فلا مجال لاحد لانكار هذه الرواية و يشهد بصحتها ايضا رواية مولانا ابيجعفر (ع) عن جابر عن رسول الله (ص) فان من كان متجسسا في الاخبار ناظرا في الآثار يعرف باليقين انه ليس من دأب الائمة رواية الحديث عن الصحابة عن رسول الله (ص) اذ لا واسطة في عالم الحقيقة بينهم و هم بانفسهم يأخذون عنه (ص) و كلفوا بهداية الخلق و علي غيرهم تصحيح ما سمعه من رسول الله (ص) بتصديقهم و ليس علي احد تعليمهم و نقل الرواية لهم الا بامرهم اذ هم الحجة علي من سواهم و لكنه صلي الله عليه لما اراد ذكر فضل امه صلوات الله عليهما و رأي ان الناس لايتحملون بل ينكرون عليه حديثه لقلة ايمانهم اسنده الي جابر الذي كان معروفا بالصدق معظما عندهم لانه كان من كبار الصحابة فتدبر .
قال عليه السلام سمعت جابر بن عبدالله الانصاري يقول قال رسول الله صلي الله عليه و آله اذا كان يوم القيمة تقبل ابنتي [ص 15] فاطمة علي ناقة من نوق الجنة الخبر .
شرح : الناقة هي الانثي من الابل خصت بها لشرافتها من انواع الابل و بعض المناسبات المعنوية مما سنذكرها و لكنه صلي الله عليه و آله صرح بانها من نوق الجنة و من ذلك يظهر عظمة امر فاطمة عليها السلام و خطر مقامها و اعلم اولا ان الناس يحشرون يوم القيمة رجالا الا جماعة مخصوصون فانهم يحشرون ركبانا لتعظيم شأنهم كما روي في العوالم عن الرضا عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله يا علي اذا كان يوم القيمة كنت انت و ولدك علي خيل بلق متوجين بالدر و الياقوت فيأمر الله بكم الي الجنة و الناس ينظرون و عنه عن آبائه عن علي عليهم السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله ليس في القيمة راكب غيرنا و نحن اربعة قال فقام اليه رجل من الانصار فقال فداك ابي و امي انت و من قال انا علي دابة الله البراق و اخي صالح علي ناقة الله التي عقرت و عمي حمزة علي ناقتي العضباء و اخي علي بن ابيطالب علي ناقة من نوق الجنة و بيده لواء الحمد الحديث ، و عن عباس قال سمعت رسول الله صلي الله عليه و آله يقول ايها الناس نحن في القيامة ركبان اربعة ليس غيرنا فقال له قايل بابي انت و امي يا رسول الله من الركبان قال انا علي البراق و اخي صالح علي ناقة الله التي عقرها قومه و ابنتي فاطمة علي ناقتي العضباء و علي بن ابيطالب علي ناقة من [ص 16] نوق الجنة الحديث ، و في رواية اخري عن رسول الله صلي الله عليه و آله قال لعلي عليه السلام اذا كان يوم القيمة جئت انت و شيعتك ركبانا علي نوق من نور البرق يطيرهم في ارجاء الهواء ينادون في عرصة القيمة نحن العلويون فيأتيهم النداء من قبل الله انتم المقربون الذين لا خوف عليكم اليوم و لا انتم تحزنون انتهي ، فظهر من هذه الاخبار ان الراكب لاينحصر في مولاتنا فاطمة سيدة النساء عليها السلام بل ظهر من حديث الرضا عن رسول الله صلي الله عليه و آله ان الائمة عليهم السلام جميعهم يحشرون راكبين بل ظهر من الرواية الآخرة عن رسول الله صلي الله عليه و آله ان الشيعة ايضا راكبون و لا تعارض بين هذه الاخبار و لكن النفي و الاثبات بملاحظة الحيوث و الجهات فاما حديث الرضا (ع) في ركوب اهل البيت فلايعارض الباقي لانه محض اثبات ركوبهم و لاينفي ركوب السايرين و اما الحديثان النافيان عن غير الاربعة فيحملان علي عدم ركوب الباقي بهذه الصفة او بملاحظة اختلاف العرصات ففي عرصة يقوم الاربعة و في عرصة يقوم الباقون و رسول الله صلي الله عليه و آله معهم او بملاحظة ان اميرالمؤمنين عليه السلام هو اصل الائمة و مبدؤهم و مؤثر الشيعة و منيرهم صلوات الله عليهم جميعا و باثباته يثبت الكل و بنفيه ينفي الكل ذكر اسمه في الخبرين و لميذكر الباقين و اما تخصيص العضباء في خبر بحمزة و في خبر بفاطمة عليها [ص 17] السلام فلاختلاف المقام فان مقام فاطمة عليها السلام في اعلي الدرجات و لايقوم حمزة معها اذ هو من شيعته و في عالم حمزة يكون ظهورٌ ايضا للعضباء فيجوز ان يكون حمزة ايضا راكبا لها و مثال ذلك انه يقال ان من عمل هذا العمل يحشر مع ابرهيم عليه السلام و لايراد من ذلك انه يقوم في درجته فاذا عرفت ما بيناه فاعلم ان مراده (ص) في هذا الخبر من كونها علي ناقة من نوق الجنة انها راكبة عليها و الركوب بمعني العلو كما قال في المعيار ركب الدابة و عليها و السفينة و فيها كسمع و المصدر كسرور و مقعد علاها و قال قيل مر بنا راكب اذا كان علي بعير خاصة فاذا كان علي ذي حافر فرس او حمار قلت مر بنا فارس و عن بعضهم لايقال لصاحب الحمار فارس و لكن يقال حمار كشداد ، هذا في ظاهر المعني و لكن لا بد لنا من معرفة الحقيقة و قد ظهر لك مما مر في المقدمة ان لكل عالم لوازم و لاتجاوزه و كل شئ لايتجاوز ما وراء مبدئه فالدنيا لكونها عالم الاعراض يكون جميع ما منها و اليها عرضية و نسبها و قراناتها جميعها اضافية نسبية و لايتجاوز شئ منها الدنيا الدنية فلكل شئ في الدنيا امكنة و اوقات و نسب و اضافات عرضية و هي زايلة فانية و اذا رجع الي ما منه بدئ لايكاد يعود معه اعراضه اذ هي لها مباد خاصة بها فزيد مثلا في الدنيا يجلس في مكان عرضي هو غيره يحل فيه بالعرض و في زمان خاص يعرضه و هو في كل حال متجدد و كذلك [ص 18] له نسب اخري عرضية و جميعها عارضة له في الدنيا و قد كان قبل الدنيا معري عن جميعها منزها عنها و سيعود الي ما كان و يظهر لك حكم جميع الاعراض من قوله عليه السلام في حكم المسح علي الخفين ما معناه اذا رجع كل شئ الي اصله الي اين يرجع المسح ، و حاصل المراد ان الجلود ترجع الي الحيوانات لا الانسان و لا بد ان يمسح الانسان بدنه حتي يؤثر في نفسه لسر الارتباط الثابت بين النفس و البدن و الخف و اللباس من الاعراض التي لاترتبط بالنفس فالعمل عليها لايصل الي نفس الانسان الا بوسايط بعيدة فلاينفعها المسح علي الخف و اللباس و كذلك ساير العبادات كالسجدة علي العمامة مثلا و بالجملة هذه الاعراض لازمة محلها و منها المركب فانه ليس الا كالمكان العرضي و لايصل الي النفس مع انه من الحيوانات و هي عودها ممازجة و هي معدومة في مقام النفس فلاتكاد تصل اليها ابدا فلايعقل الركوب عليها في القيامة و كذلك الركوب العرضي بمعني العلو العرضي و لايتصور هنا اذ لكل شئ مقام خاص به و لايكاد يتصل شئ بشئ بالعرض و لايرتبط به ابدا و ان قلت فما معني ركوب صالح علي ناقته و ركوب حمزة او فاطمة عليها السلام علي العضباء اقول اما ناقة صالح فليست من نوق الدنيا فانها آية الله التي ظهرت في الدنيا و لذا نسبها الله تعالي الي نفسه فقال ناقة الله و سقياها و بعد ما ظهرت في الدنيا تغلظت و تجلت في بعض الاعراض و اذا عادت [ص 19] عادت الي ما منه بدأت و اما العضباء فهي ناقة النبي صلي الله عليه و آله و يعيدها الله تعالي كرامة للنبي (ص) بحيث يمكن و هي رجوعها بالآئية اي يرجع ما كان فيها من آية الله و لذلك قد توصف بالنورانية و قد تنسب الي الجنة فالعضباء العايدة هي هي من حيث الآئية و هي غيرها من حيث الطبيعة و معني ركوبها او ركوب غيرها العلو الحقيقي و ان قلت ما معني ما ورد ان الاضحية مركب الانسان في القيامة اقول لميريدوا من ذلك ان نفس الاضحية ترجع الي الانسان بالضرورة و لكن بتوجه الانسان الي الاضحية و ذبحها امتثالا لامر النبي (ص) يحصل للانسان كمال خاص و كماله صفته و الصفة مركب للموصوف اذ الموصوف يعلو عليه و يسير به فيما يشاء فافهم و بيان هذه المسألة علي نحو الحقيقة مشكل جدا و لكني لاابخل عن الاشارة و تهذيب العبارة فاعلم ان الله سبحانه قدر في خلقه ان يظهر العوالم العالية في المقامات الدانية لاسرار جمة ليس هنا محل ذكرها و كل مقام ادني يصير محلا لظهور الاعلي و هو يظهر عليه كظهور النار علي الشعلة و هذا السر سار في جميع الملك و لكن الانسان الذي هو مجموع صور العالمين و المختصر من اللوح يكون حاكيا لجميع المراتب فانظر الي نفسك ان الله سبحانه خلق اول ما خلق بدنك من العناصر و سواك و عدلك في اي صورة ما شاء ركبك و بعد ما اكمل الصورة الجمادية تعلق بها النفس النباتية و هي [ص 20] صورة كلية بالنسبة مستعلية علي الجمادية مسلطة عليها و يصير البدن الجمادي بمنزلة الكرسي لها و هي تستوي عليه و تحكم علي اخلاطه و بعد ما كملت النباتية و رفعت عن درجة ساير النباتات يظهر عليها الحيوانية و تركب عليها و تأخذ زمامها و تأمرها و تنهاها و كذلك الامر في كل روح من الارواح العالية فالمقام الادني في كل مقام يصير محلا و مركبا للمقام الاعلي الا ان بعض المراكب عرضي زايل كالنباتية للحيوانية و الحيوانية للانسانية و لذلك نقول ان الروح الحيوانية في الواقع كدابة تركبها و النباتية مرج دابتك و انت تنزل منها و ترجع الي عالمك و لكن الانسانية تكون للعقل مثلا مركبا ذاتيا لانها لاتفني و تكون معه دايما و لايكاد يظهر العقل بدونها في عالم اذ العقل بمنزلة المادة للنفس الانسانية و النفس بمنزلة الصورة و قد ثبت في الحكمة ان المادة مادة في ضمن الصورة و الصورة صورة علي المادة و اما قبل ظهور المادة في الصورة فهي طبيعة سابقة كلية غير مخصصة و كذلك العقل قبل الظهور في النفس فؤاد و هو حقيقة الطبيعة و امكان الكل و بعد ما تجلي في النفس صار عقلا و لذلك قال عليه السلام في النفس الانسانية موادها التأييدات العقلية فعلها المعارف الربانية ، فالعقل راكب علي النفس و النفس مركوبته و كذلك الفؤاد ظهوره في العقل و لايقوم بانفراده اذ هو امكان صرف و وجود جايز و لا بد لظهور الامكان من كون و قد قال الله تعالي [ص 21] انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون فالشئ هو الكاين و الامكان لا شئ و لذا قال عليه السلام ان الشئ مخلوق من لا شئ و غير ذلك غير متصور فاللاشيء قيامه في الشئ و ان كان قايما بالمؤثر قيام صدور فافهم فانه دقيق فالفؤاد راكب في العقل و العقل سفينته او مركبه و به يسير في جميع العوالم كما قال مولانا الحسين عليه السلام الهي امرتني بالرجوع الي الآثار و كسوة الانوار فارجعني اليك منها كما دخلت اليك فيها الدعاء ، و كسوته الانوار ليس الا للرجوع الي الآثار و السير فيها في السفر الثالث و الرابع و النور بلحاظ يسمي بالمركب و بلحاظ يسمي بالكساء و اصحاب الكساء دخلوا في الظاهر تحت كساء النبي و في الباطن تحلوا بنوره و اتصفوا بصفته و لذلك صار اجتماعهم تحت كساء واحد فخرا لهم و مختصا بهم دون غيرهم و لو كان الاجتماع محض النوم تحت لباس واحد من قطن الدنيا لماكان فخرا لهم اذ جميع نساء النبي (ص) كن ينمن معه تحت كسائه و ردائه و ملحفته فتدبر فاصحاب الكساء خصوا بهذا الفضل العظيم بحيث انه روي في فضل استماع حديث الكساء ما اشتهر لامر آخر و هو ما ذكرناه ان الله سبحانه جعلهم من خاصة النبي و جعل لهم من فضله ما فضلوا به علي العالمين و صاروا بذلك نفسه و جزءه و بالجملة فهذا الكساء في الواقع صورة النبي (ص) التي يحشر بها و يحشر اصحاب الكساء علي صفته ثم ان آيات الله و فعله لاتقوم من غير مظهر من مقامات العبودية فان الظهور تمام البطون و البطون [ص 22] تمام الظهور كليات الحكمة ما لمتكن تامة في ظهورها تامة في بطونها كانت الحكمة ناقصة من الحكيم قال الصادق عليه السلام العبودية جوهرة كنهها الربوبية فما فقد في العبودية اصيب في الربوبية و ما خفي في الربوبية وجد في العبودية ، فلا بد و ان يظهر الآيات في مواقعها من مقامات العبودية فمقام العبودية مركب للآيات و مقام الآية راكبه و اما الذات تقدست اسماؤه فلاتكون راكبة و لا مركوبة كما ورد في اخبار عديدة انها لاتكون حاملة و لا محمولة و اما قوله تعالي الرحمن علي العرش استوي فهو في صفة الرحمن و هو الرحمة التي وسعت كل شئ و المراد من العرش الملك و المراد ان رحمته تعالي عامة مع ما ورد ان معني ذلك انه استولي علي ما دق و جل او احتوي علي الملك و ذلك غير الركوب فان الركوب صفة المحدود فان الراكب ينتهي الي المركوب و المركوب ينتهي الي الراكب الاتري ان الراكب لايكون مركوبا لمركوبه و الذات لاتنتهي اليهما الاتري انك تقول ان الراكب ركب بمشيته و حوله و قوته و المركوب حمله و مشي بمشيته و حوله و قوته فافهم هذا و كل محدود متنقص و كل متنقص قابل للزيادة و تعالي عن ذلك علوا كبيرا فاذا عرفت ذلك و تبينت ما هنالك فاعلم ان الانسان في نفسه يكون جامعا لجميع المراتب و بذلك يسمي انسانا كما قال عليه السلام في صفة الانسانية ما معناه انها انموذج صور العالمين و هي المختصر من اللوح المحفوظ و قال مولانا [ص 23] اميرالمؤمنين (ص) في الاشعار المنسوبة اليه :
اتزعم انك جرم صغير و فيك انطوي العالم الاكبر
و لذلك قلنا ان الصورة الانسانية هي الصورة الكلية الجامعة لجميع المراتب و اثبتنا ذلك ببراهين نيرة فالانسان الكامل اذا حشر في القيامة يكون له جميع المراتب الثمانية بل العشرة و جميعها ذاتي له اذ المقامات العرضية ليست الا كمرايا عرضية و هي لاتكون من نفس الشئ و لا اليها مثال ذلك الشعاع الظاهر من قرص الشمس في المرآة فان المرآة ليست من الشمس و لا اليها و لاتكون جزء الشعاع و لا منه و ان اثرت في الشعاع في الجملة و لكنها ترجع الي الاحجار بما لها و منها و يرجع الشعاع الي الشمس كما سطع منها و لكن الشعاع الظاهر في المرآة له بنفسه مادة و صورة و معنوية و صورية و انية و وجود و جميع ذلك من ذاتياته اذ لايكون الشئ شيئا الا بها فلميصدر من الشمس الا هكذا و قد اخطأ من قال ان فوق الجسمانيات مجردات صرف فان جميعها مركبات و الله سبحانه لميخلق شيئا فردا قايما بذاته دون غيره للذي اراد من الدلالة عليه و اما ما ورد في العالم العلوي صور عالية عن المواد ، يعني منها العالية عن المواد الجسمانية لا كل مادة و الله تعالي قال و جعلنا من الماء كل شئ حي و قال عليه السلام في صفة النفس و هي من العالم العلوي موادها التأييدات العقلية ، و ورد اخبار كثيرة في خلق اول ما خلق الله من [ص 24] النور و خلق الشيعة من شعاعهم و ورد اخبار كثيرة في الطين و لا شك انها مواد للخلق و هي فوق عرصة الاجسام فلكل شئ مادة بلا شك و لكل مادة صورة فالشعاع الظاهر في المرآة له مادة و صورة و ليس مادته المرآة فاذا كسرت يرجع بمادته و صورته و كذلك جميع المراتب ثابتة له اذ هي مما به الشئ شئ و لذلك نقول ان بعد فناء البدن و فساد تركيبه يبقي للانسان جسمانيته فيكون المعاد جسمانيا اذ النفس لاتقوم بلا جسم و كذلك تثبت لها مثال و طبع و عقل و روح و غيرها و الحقيقة هي المسلطة عليها الظاهرة نعم درجات الاناسي متفاوتة بحسب الفعلية و القوة فان منهم من صار فيه جميع المراتب بالفعل و منهم من لميخرج من قوته الا بعض المراتب و لكل درجات مما عملوا و حقيقة كل احد آخر روح من الارواح المستخرجة من كمونه و لذلك تسمي باسمه و امثل لك مثالا لان المطالب الحكمية تظهر في ضمن الامثال انور و لذلك قال عليه السلام الحق يعرف بالمثل ، انظر الي هذا التراب فانه مجموع صور العالمين لما اثبتنا في الحكمة انه تنزل جميع العوالم و جميعها في قوته و ادل دليل علي ذلك انه يصير صاحب جميع المراتب اما بالاستحالة او الحكاية كما لايخفي علي العارف و لو لمتكن في قوته لماخرجت منه ابدا و لكن ما لمتخرج ساير المراتب من قوته يسمي ترابا اذ [ص 25] ليس فيه بالفعل غيره و حقيقته الترابية اذ هو وجود ترابي و اذا صعد من هذه الدرجة و خرج من قوته المعدنية يصير وجودا معدنيا فحقيقته ح المعدنية و كذلك الامر في كل مقام الي ان يخرج من قوته الآئية فيصير حقيقته آية الله و تلك الحقيقة هي النفس المشار اليها بانا و الناس زعموا ان كل من يقول انا يشير الي حقيقة واحدة و ضلوا و اضلوا بذلك و لكن حق القول ما ذكرت لك و الله علي ما اقول شهيد فالمعبر عنه بانا في كل احد حقيقته الخاصة به لا غير و بذلك يختلف الدرجات في عرصات القيمة و يقوم الناس صفوفا و ما منا الا له مقام معلوم و انا لنحن الصافون و لكل درجات مما عملوا و لو كانت الحقايق في درجة واحدة لقاموا باجمعهم صفا واحدا و العقل و النقل يحكم بخلاف ذلك و كذلك درجات الجنة متعددة و دركات النار متفاوتة و ابوابها مختلفة و لكل باب منهم جزء مقسوم فتدبر فاذا عرفت ذلك فاعلم ان في القيمة جماعة لميخرج من مكمن امكاناتهم الا مرتبة واحدة و ساير مراتبهم بالقوة و هي اسفل الدرجات و هي الجمادية الثابتة للنفس و هم بمنزلة الاحجار الطبيعية الا انها شاعرة حية و هي من اهل النار و ذلك قول الله وقودها الناس و الحجارة و قولنا انها احياء لقوله تعالي ان الدار الآخرة لهي الحيوان و لو لمتكن احياءا لماشعرت الحساب و العذاب و العقاب و قد اثبتنا في الحكمة ان جميع الملك احياء ذووا العقول و بينا ذلك في الدروس و بعض الرسايل و ان [ص 26] شئت برهانه فاطلبه من مظانه حتي تقف علي الحق و من الناس من خرج من قوته النباتية و ذلك قول الله تعالي انبتكم من الارض نباتا و قال و آية لهم الارض الميتة احييناها و اخرجنا منها حبا فمنه يأكلون و النباتية راكبة للجمادية الا انها ضعيفة و هي في الحقيقة الصورة الجامعة و لذلك لاتسمي في الحكمة راكبة و ما قلنا سابقا في التمثيل السابق ان النفس النباتية راكبة و الجمادية مركوبتها كان مرادنا محض علوها التركيبي اعني انها صورة جامعة للاجزاء و الا فهي في الواقع من عرضها و من الناس من لميخرج من كمونها الا النباتية و الحيوانية فحقايقهم حيوانات عرصة النفس و ذلك قوله تعالي ان هم الا كالانعام بل هم اضل و قال كأنهم حمر مستنفرة و ورد اخبار كثيرة ان اعداء آلمحمد عليهم السلام حيوانات و هؤلاء الجماعات كلهم اهل النار في ظل ذي ثلث شعب لا ذلول و لايغني من اللهب و الحيوانية راكبة للنباتية الا انها راكبة القصب فلاتعد من الراكبين و الاولي بحالها و وصفها ان يقال انها راتعة كما في ظاهر الحيوة الدنيا لان مركوبها مرتعها و هي محتاجة اليها و تستمد منها و ليس بيدها زمامها بل هي مقهورة مغلوبة لها و الراكب غالب قاهر علي مركوبه يسير به حيث ما شاء و يصرفه عما يشاء فلذا لانقول ان الحيوانية راكبة مع انها مستعلية في الواقع علي النباتية و من اهل العرصة من خرج من قوته الانسانية و هي من نور الله تعالي و امره و لاتكون مقهورة [ص 27] للحيوانية اذ ليست حاصلة منها و ان كانت ظاهرة فيها بخلاف النباتية فانها طوافي الجمادية و لطايفها و الحيوانية فانها ايضا حاصلة من النباتية اذ هي الحرارة الغريزية و الطبيعة الخامسة و اما الانسانية فهي خارجة من الحيوانية و ان كانت المراتب الحقيقية اتحادها اكثر بالنسبة الي الاعراض فنباتيتها و حيوانيتها اشبه بالانسانية من حيوانية البدن الدنيوي و نباتيته الا ان الامر في الغيب و الشهادة بالسواء و ماتري في خلق الرحمن من تفاوت فالانسانية لكونها خارجة من الحيوانية نقول انها راكبة في الواقع و هي مسلطة عليها و بيدها زمامها تمشي بها حيث شاءت و حيوانيتها ايضا تدخل الجنة اذ هي النفس التي خاطبها الله في كتابه بقوله يا ايتها النفس المطمئنة ارجعي الي ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي و ادخلي جنتي فالاناسي و هم الشيعة راكبون علي دواب الجنة و هي منورة بنورهم ضيئة بضوئهم و كذلك حكم العقل فانه راكب الانسانية و الفؤاد و الآية علي ما عرفت سابقا فلذلك خص الركوب بالشيعة و الانبياء و الائمة عليهم السلام و الخاتم فاما الشيعة فهم اصحاب النفوس الانسانية و قد ركبوا دوابهم في القيامة و يدخلون الجنة راكبين و الانبياء هم اصحاب العقول فانه ورد في الخبر ان الله لايبعث رسولا الا بعد كمال عقله و هم ركب علي النفوس و الائمة صلوات الله عليهم اولوا الافئدة من حيث الآئية و هم ركب علي العقول و هكذا فاذا عرفت هذا البيان الشريف [ص 28] اللطيف الذي لميسمع مثله في خطاب و لميكتب نظيره في جواب فاعلم ان فاطمة عليها السلام راكبة العقل المستنير بنور الله اذ هي من سنخ الائمة الاطياب صلوات الله عليهم و العقل راكب النفس الانسانية فالمجموع يسمي مركبا لها و لان مجموع هذه المراتب مراتب شخص الانسان قد يقال انه مركب واحد و هذه المراتب اعضاؤه و مشاعره كما تري في الانسان فانه يكون صاحب ارواح عديدة و كل روح منها مستقل في امره و مع ذلك يقال انها مشاعره فلذلك نقول ان تمام المراتب الدانية عن الحقيقة الفاطمية (ص) مركبها و قد يسمي بالناقة لجهات اما اختيار سنخ الابل فلانه من آيات الله تعالي كما قال افلاينظرون الي الابل كيف خلقت حيث خلقت لجر الاثقال الي البلاد النائية فجعلها عظيمة باركة للحمل ناهضة بالحمل منقادة لمن اقتادها طوال الاعناق لتنوء بالاوقار و ترعي كل نابت و تحتمل العطش الي عشرة فصاعدا ليتأتي بها قطع البراري و المفاوز مع ما لها من منافع اخر و لذلك خصت بالذكر و هي في الواقع سفينة البر و لذلك قرنها الله بها و قال و عليها و علي الفلك تحملون و هي حليمة لاتغضب و مع ذلك تنقاد و تطيع فكل من اخذ زمامها تسير معه حتي ان فأرة تقود قطارا منها و جميع ذلك صفة مركب فاطمة (ع) فانه العابد المطيع المنقاد لامر الله تعالي و مع ذلك يتحمل جميع المشاق و يحمل اثقال الخلق لان جميع الامور بتدبيره و بغيره لايحصل مراد و لايكمل [ص 29] تدبير شئ ابدا ثم انه اختار الناقة من بين اقسام الابل لانها تكون صاحبة جميع هذه الصفات مع كثرة درها و منفعتها و ولادتها و لذلك نسبها الله الي نفسه و قال ناقة الله و سقياها و قد اُوّلت بالامام كما ورد عن ابيعبدالله عليه السلام في خبر و قوله فقال لهم رسول الله هو النبي (ص) ناقة الله و سقياها قال الناقة الامام الذي فهم من الله و سقياها اي عنده مستقي العلم فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسويها قال في الرجعة و لايخاف عقبيٰها قال لايخاف من مثلها اذا رجع انتهي ، و قد كني الله تعالي عنه بالناقة تعبيرا عن الحامل لا المحمول كما تقول للبدن انه انسان و ذلك شايع و اما حقيقة الامام فلاتوصف و قرينة ما ذكرنا في ظاهر الآية موجودة اذ قال عنده مستقي العلم ، و العلم من نفسه و عقله و كذلك ما قال في رجعته فان الرجعة ايضا في المثال لا الذات فعلي ذلك نقول ان مركوب فاطمة عليها السلام ناقة و هي من نوق الجنة و هي من النور اي نور الله تعالي و نورهم و شعاعهم اذ جميع مراتبهم الدانية الظهورية شعاع حقيقتهم و قد يقال انها ناقة رسول الله اذ هما من نور واحد و قال صلي الله عليه و آله فاطمة بضعة مني فمن آذاها فقد آذاني ، فهي تركب ما ركبه رسول الله صلي الله عليه و آله و من باب مطابقة الظاهر للباطن نقول ان ناقته في الآخرة ايضا عضباء و وجه توصيفها بالعضباء اما كونها مشقوقة الاذن او كونه لقبها قال في العوالم نقلا من النهاية كان اسم [ص 30] ناقته العضباء هو علم لها منقول من قولهم ناقة عضباء اي مشقوقة الاذن و لمتكن مشقوقة الاذن و قال بعضهم انها كانت مشقوقة الاذن و الاول اكثر و قال الزمخشري هو منقول من قولهم ناقة عضباء و هي قصيرة اليد و حكي في المجمع عن المصباح انها سميت بذلك لنجابتها و شرافتها اقول لكل ذلك وجه فان مركبها قد يوصف بالعضباء لكونه مشقوقة الاذن فان لاذنها شقين شقا الي الشهادة ليعرف به العالم الظاهر و شقا الي الغيب ليعرف به الغيب و قد يوصف به لقصر يده فان الناقة اذا كانت قصيرة اليد تكون اسرع و قد يوصف به لنجابته و العضب في اللغة القطع و الشتم و التناول و الضرب و الطعن و الرجوع و الازمان و يجوز توصيفه به بمعني التناول فانه الذي يتناول ما يشاء و يعطي ما يشاء و هو الذي يرجع و يكر فهو الكرار غير الفرار فافهم هذه النكات الشريفة .
قال صلي الله عليه و آله مدبجة الجنبين خطامها من لؤلؤ رطب قوائمها من الزمرد الاخضر ذنبها من المسك الاذفر عيناها ياقوتتان حمراوان الحديث .
شرح : قوله مدبجة الجنبين كمعظمة المزينة بالديباج و هو الثياب المتخذة من ابريسم سدي و لحمة معرب ديبا و المراد انها زينت بالديباج اي كسي عليها الديباج و خص الجنبين في الظاهر بملاحظة ان جلها يلقي علي ظهرها و سنامها فيغطي جنبيها او يكسي قتبها و يلحم بالديباج و اما في الحقيقة و الباطن فاعلم ان [ص 31] اللباس و الحلي ما يظهر علي ظاهر الحيوان و الانسان و يزين به و يستر به جسده و ذلك في عالم الاجسام الاكسية المتخذة و اما في عالم الآخرة فالخلق عراة و حفاة من الثياب و النعول الدنيوية كما يظهر من الاخبار و لايسترون بشئ منها الا ان يغطيهم نور الله و يشملهم كسوة رحمة الله فيستر عورتهم و يؤمن روعتهم فمن له عمل صالح يستره لان العمل هو الصفة و الصفة تظهر علي ظاهر الموصوف فيظهر بها و يتجلي بها فالصفة في الواقع لباس للموصوف فانه يحتجب بها كما ورد ان فاطمة عليها السلام قالت لابيها يا ابت اخبرني كيف يكون الناس يوم القيمة قال يا فاطمة يشتغلون فلاينظر احد الي احد و لا والد الي الولد و لا ولد الي ابيه و امه قالت هل يكون عليهم اكفان اذا خرجوا من القبور قال يا فاطمة تبلي الاكفان و تبقي الابدان تستر عورة المؤمنين و تبدي عورة الكافرين قالت يا ابت ما يستر المؤمنين قال نور يتلألأ لايبصر اجسادهم من النور و عن ابيعبدالله عليه السلام قال سأل علي عليه السلام رسول الله (ص) عن تفسير قوله يوم نحشر المتقين الآية ، قال يا علي ان الوفد لايكونون الا ركبانا اولئك رجال اتقوا الله فاحبهم الله و اختصهم و رضي اعمالهم فسماهم الله المتقين ثم قال يا علي اما و الذي فلق الحبة و برأ النسمة انهم ليخرجون من قبورهم و بياض وجوههم كبياض الثلج عليهم ثياب بياضها كبياض اللبن عليهم نعال الذهب الحديث ، و عن ابيجعفر عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله [ص 32] يأتي يوم القيمة قوم عليهم ثياب من نور علي وجوههم نور يعرفون بآثار السجود الحديث ، و قال في آخره اولئك شيعتنا و علي امامهم ، فظهر من هذه الاخبار ان الثياب الدنيوية لاتعود و اهل العرصة عراة الا من غطاه نوره و هو صفته و اما ناقة مولاتنا عليها السلام فقد عرفت انها انسان في الواقع و له كساء من نور و قد عبر عنه بالديباج لان الحرير فضل وجود الحيوان و كساء اهل الجنة ايضا صفاتهم و هي آثار الانسانية و فضلها و لذلك تكون سبب الحيوة و البقاء كما قال الله في كتابه استجيبوا لله و للرسول اذا دعاكم لما يحييكم و هو يدعو الي العمل الصالح فالعمل الصالح هو الذي يحيي الانسان و هو صورة روح الايمان و يحشرون الناس علي صور اعمالهم كما في الكتاب و السنة و اذا كانت الاعمال هي الثياب فهي من حرير لا قطن و لا كتان فناقة فاطمة مزينة بالديباج فافهم و اعرف قدر هذه الحكم و اما شرح ساير الفقرات فيحتاج الي بيان حكمي من علم المبدأ فاعلم ان الله سبحانه كان قبل ان يكون كان و قد تجلي اول ما تجلي بمشيته التي هي فعله و كان تجليه لها بها لا بفعل غيرها فان نفسها معني قولنا تجلي كما قال الامام عليه السلام خلق الله المشية بنفسها ثم خلق الاشياء بالمشية ، و هي امره الفعلي لا غير كما يظهر من الاخبار و الآثار و قد خلق به اي بامره اول ما خلق الوجود الجايز و هو الماء الاول و الامكان الذي خلق منه كل شئ و قد يسمي بالفؤاد لانه قلب العالم و النفس لانها عين كل شئ و الحقيقة لانها ذات كل [ص 33] الخلق و الامر المفعولي لانه للفعل مفعول مطلق و هو بمنزلة الدخان للنار و قد اشتعل بالمشية و قد عبر الله عنه بالزيت حيث قال يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية و لا غربية يكاد زيتها يضيء و لو لمتمسسه نار نور علي نور يهدي الله لنوره من يشاء و يضرب الله الامثال للناس و الله بكل شئ عليم فان الشجرة هي المشية و زيتها الفؤاد المستنبط منه و يكاد يضيء و لو لمتمسسه نار التجلي و هي نفس المشية او تكون الشجرة هي الفؤاد و النار نار المشية و لكل وجه و بالجملة و قد يعبر عن هذا الفؤاد بالياقوت لانه من غاية الوحدة تلززت اجزاؤه و اتصل تركيبها فصارت صلبة و قد ثبت في علم الضم و الاستنتاج انه كل ما صار اجزاء المركب متشابهة يشتد تركيبها و يكثر اتحادها و كل ما تصير اكثر مخالفة يختلف تركيبها و يشتد تنافرها و تكثرها الاتري الي الاحجار انها اذا تركبت من رمال متعددة تصير رخوة سريعة الانكسار و لاتصلح لصنع و تدبير و اما اذا تركبت من عناصر لطيفة تتراكم اجزاؤها و تتصل و تتحد فيصعب كسرها و نحتها حتي ربما لايعمل فيها سلاح كحجر السماق و بعض الاحجار التي يصاغ منها فهور و هواوين للسحق و الصلاية و اذا صارت اجزاؤها الطف و اصفي بالانحلال و الانعقاد بالعقد الاكسيري يصير مثل الجواهر كالياقوت و الماس و اصلبها الياقوت و لذلك قال الحكماء ان الافلاك بصلابة الياقوت و مرادهم ان اجزاءها متحدة و هي بسيطة علي رأيهم و بالجملة فالخلق الاول [ص 34] لكونه اوحد من جميع الخلق لانه اول موجود و اقرب من مشية الله من جميع الخلق و هي في غاية الوحدة مع تركيبها يكون في غاية الصلابة اذ مادته عين صورته من غاية التشاكل و صورته عين مادته و قد اثبتنا هذه المسألة في ينابيع الحكمة و في رسايل اخري و ليس هنا موقع تفصيل المسألة اكثر من ذلك و اعلم ان هذا الماء لكونه اقرب الخلق من المشية يكون في غاية الحرارة فان ما من المبدأ هو الحرارة لا غير كما هو ظاهر فظاهره و ان كان ماءا بمقتضي قبوله و سرعة انفعاله الا ان باطنه نار و لذلك قال عليه السلام ما معناه في صفة العشق الذي هو صفة الفؤاد انه نار تحرق ما سوي ذكر المحبوب ، فظاهر الفؤاد الذي يتصور بالصور ماء و باطنه نار و ظاهره بارد و باطنه حار و آيته في الانسان الوسيط الماء الالهي فانه ماء في ظاهره نار في باطنه و لذلك يحيي به المولود و يكثر نفوذه و عمله و من هذه الجهة قد يسمي بالماء ذي الوجهين و لذلك سموه في الشرع بالياقوت الاحمر و ذلك ما ورد في الاخبار ان الله خلق اول ما خلق ياقوتة ثم نظر اليها بنظر الهيبة فذابت و نظره تعالي بتجليه لها بمشيته و بعد ما ذابت ظهرت بيضاء مائيا و ظهورها في بطن العقل الذي هو اول ما خلق الله من الاكوان و في عالم الشهادة ايضا تظهر بالطبيعة و لكنها في العقل بيضاء و في الطبع حمراء و يعبر عنه بالكثيب الاحمر و وجه بياض العقل ان الفؤاد بعد ما نزل بظهوره في العقل صار مادة له فانا اثبتنا ان المادة [ص 35] مادة في ضمن الصورة و اما قبل الصورة فهي طبع و طبع مجموع الملك في الواقع الفؤاد الا انه طبع من جهة الرب و يسمي بالنفس و ظهوره و انيته يسمي بالطبع و الطبع في الواقع عبودية النفس فافهم و بعد ما ظهر في عالم الغيب لصورة العقل صار مادة له و في عالم الشهادة بعد ما ظهر بصورة الامثلة الملقاة في الجسم يسمي مادة لها و المادة تكون بيضاء لانها بسبب التكون تصير ابعد من المبدأ فتصير ابرد و يختلف اجزاؤها في الجملة فيقل اتصالها و يضعف صلابتها فتكون ماءا باذن الله و لذا ورد اول ما خلق الله الماء ، و هو العقل و لونه ابيض لبرده و هو الركن الابيض من اركان العرش و هو الركن المقدم الايمن و قد يعبر عنه بالنور و قد يعبر عنه باللؤلؤة لان اللؤلؤ يخلق من المطر و العقل ايضا مخلوق من الماء النازل من سحاب المشية اي ذلك الفؤاد فانه قد يسمي بالسحاب كما ان المشية تسمي بالسماء و الاسماء متفاوتة و الحكيم يعبر عن مراده كل حين باسم كما ان الفلسفي يعبر عن مطلبه باسماء مختلفة صونا له عن الاغيار فلاتستوحش يا اخي من تأويل اسماء عديدة الي شئ واحد فان الله تعالي علم آدم الاسماء كلها و اورث آدم عليه السلام علمه العلماء من ذريته كما ورد العلماء ورثة الانبياء ، و بالجملة بعد ما كمل خلق العقل ظهر في قلبه الفؤاد لانك قد عرفت انه نزل اليه و تقطر مادة العقل من سحابه فاجتمعا في مولود واحد و قد علمت ان الفؤاد حار و هو احمر و العقل بارد و [ص 36] هو ابيض و تركبا و من تركيب البياض مع الحمرة يضعف لونها و يغلظ البياض فيسطع منهما نور اصفر و يخلق منه الروح و هو الركن المقدم الايسر من اركان العرش و هو الروح الملكوتي الغيبي البرزخ بين العقل و النفس ثم خلق الله من شعاع الروح النفس و هي مقام الصورة و التعين و هي في الواقع ظهور الفؤاد كاملا في الغيب لان العقل مادة معنوية و ان كانت مصورة بالعقلية الا ان صورتها نسبية و هو في الواقع جزء الشئ و الروح ايضا مثال لايتم بغير مرآة حاكية له و النفس مقام التمام و ظهور الكمال و قد يقال انه ليس الا العقل و النفس و النفس صورة له و هو مادة لها و اما الروح فهو الرابط بينهما و الفؤاد هو الحقيقة الظاهرة من الصورة و هذه النفس هي اللوح المحفوظ و الكتاب الذي فيه علم كل شئ و ظهور علم الله الازلي في الملك و عرصة الذر و لشدة تراكم اجزائها و كثرتها صارت مظلمة فان فيها تفصيل كل شئ و لايغادر صغيرة و لا كبيرة الا احصاها و لكنها نيرة بنور الله و لذلك يصير لونه مائيا آسمانجونيا و هو اللون الحاصل من النور و السواد كما تري من لون الادخنة الصاعدة في الجو التي يسمونها العوام سماءا فانها سوداء لتراكمها و كثرة رطوباتها و بردها و بعد ما اشرق عليها الشمس و القمر تلألأت و لمعت فظهرت آسمانجونية علي ما تري فلون النفس في نفسها ازرق و لكن يحصل من تركيب صفرة نور الروح و نور النفس لون اخضر فلذا يقال ان لون النفس اخضر و هي الركن الايمن المؤخر من [ص 37] اركان العرش و الجزيرة الخضراء و ورقة الآس و امثال ذلك من الاسماء و بها ينتهي عالم الغيب و عالم الشهادة لها بمنزلة البدن و الانية و بها يتم الوجود فان الظهور تمام البطون و البطون تمام الظهور كليات الحكمة ما لمتكن تامة في ظهورها تامة في بطونها كانت الحكمة ناقصة من الحكيم فالشهادة طبق الغيب فالطبيعة حمراء و المادة بيضاء و المثال اصفر في طبعه و لكنه يري اخضر لتراكمه و غلظته و الجسم اخضر و لذا يقال ان جبل قاف من زمردة خضراء فاذا عرفت هذا المطلب الشريف فاعلم ان كلام آلمحمد عليهم السلام ذو وجوه كثيرة و قد قال عليه السلام انا نتكلم بالكلمة و نريد منها سبعين وجها و لنا من كلها المخرج ، فلاينحصر معاني كلامهم في واحد و اثنين و لايمكن حصر كلامهم في وجه خاص و معني مخصوص الا انا نختار في المقام وجهين من التأويلات فمرة نقول ان مركب فاطمة عليها السلام جميع المراتب الثمانية و حقيقتها خارجة عنها و هي فوقها و هذا وجه خفي و مرة نقول ان مركبها مقامات الطبيعة و نفسها الغيبية راكبة عليها و هذا وجه ظاهر معروف فنقول ان ناقة فاطمة التي عرفت انها انيتها و طبيعتها و مظهرها كل عضو من اعضائها و حلة من حليها تكون بلون مخصوص فخطامها من لؤلؤ .