رسالة في جواب سائل عن ثلاث مسائل ( الحجة الدامغة ● )
من مصنفات السيد الاجل الاوحد المرحوم
السيد كاظم بن السيد قاسم الحسيني الرشتي اعلي الله مقامه
[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم و به نستعين
الحمد لله رب العالمين و الصلوة و السلام علي خير خلقه و مظهر لطفه محمد و آله الطاهرين و لعنة الله علي اعدائهم و مبغضيهم و منكري فضائلهم اجمعين .
اما بعد فيقول العبد الجاني و الاسير الفاني المقيد بوثايق الآمال و الاماني كاظم بن قاسم الحسيني الرشتي ان هذه كلمات ذات تبيين امليتها جوابا لمسائل اتتني من بعض الاخوان الذي لميتبين له بعد الحق المبين و لميميز بين الغث و السمين ( و خل ) اراد بذلك الاستبصار بتهذيب البيان الوافي و الاسترشاد بتحرير القواعد من الكلام الكافي ليصل الي منتهي المطالب و نهاية المآرب من الورود علي شرايع اليقين و الخروج عن لواقح الفتن مما يرد علي القلب من الظن و التخمين و قد اتتني مسائله وفقه الله و سدده في وقت تراكم الاشغال و تزاحم موجبات الاختلال و تبلبل البال و عروض الامراض المانعة من استقامة الحال و حصول الجواذب من كل جانب و انا في هذه الحالة كما قال الشاعر :
كم بجنبي للصبابة واد كل آن حمامة نواح
و لكن لايسع ترك الجواب لمكان الاسترشاد و الاستبصار و لكني آت بما هو الميسور لانه ( اذ خ ) لايسقط بالمعسور و الي الله سبحانه ترجع الامور .
قال سلمه الله تعالي : يا سيدي اشكل علي امور لانعرفها بينها لي ان كنت من اهله انشاء الله لكن بلسان المتعارف و لسان القوم لا بلسان يثني الاشكال بل باوضح بيان و دلائل من الكتاب و السنة لايحتاج الي مبين آخر [ص 3] و لايجر الكلام الي كلام آخر توجر انشاء الله .
اقول قوله سلمه الله ان كنت من اهله ، دليل لما ذكرنا من عدم تبين الامر له و عدم وضوحه لديه فيجب ان نبين له فاقول اما انا فلست بأهل لأن يتوجه الي بالمسائل و لا ان يطلب مني البراهين و الدلائل و لست من فرسان هذا الميدان و لا من سباق هذا الرهان ما انا و ما خطري و لكني حيث قابلت شمس هداية انوار آلمحمد الاطهار عليهم سلام الله في آناء الليل و ( الليل و اطراف خل ) النهار و انقطعت اليهم و اعرضت عن كل ما سويهم و نصبت هدايتهم عليهم السلام بين عيني و جعلت القرآن امامي و صحاح احاديث آل الله ( آلمحمد خل ) و حسان الادلة من آيات الله محيطة ملتفة بي استشرقت بحمد الله من تلك الانوار و جست خلال تلك الديار فسقط الي من الاسرار ما تضيء بها القلوب و تشرح بها الصدور و يحل بها كل مشكل و توضح ( يوضح خل ) بها كل معضل ( معقل خل ) و قد قالوا عليهم السلام ما من احد ( عبد خ ) احبنا و زاد في حبنا و اخلص في معرفتنا و سئل عن مسئلة الا و نفثنا في روعه جوابا لتلك المسئلة و قال تعالي الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا فان قلت :
و كل يدعي وصلا بليلي و ليلي لاتقر لهم بذاكا
قلت :
اذا انبجست دموع من ( في خل ) خدود تبين من بكي ممن تباكي
و لا ريب ان للحق دلالات و علامات يصل اليها الطالب الراغب لقد قال اميرالمؤمنين عليه السلام اين يتاه بكم و فيكم عترة نبيكم اين تذهبون [ص 4] و رايات الحق منصوبة و اعلام الهداية واضحة الخطبة ، و لا شك و لا ريب ان العلماء الاعلام يكتفون في اثبات حقية مطلب اذا اقترن بدليل عقلي و لايسئلون عن غيره و لايتوقفون عن قبوله او دليل نقلي اذا كان قطعيا في المطالب التي تتعلق بغير المعلومات من الاحكام الفرعية التوقيفية سواء كانت شرعية او وضعية علي معانيها و مراتبها و اقسامها فاذا كان المطلب مقترنا بدليل عقلي و نقلي من محكمات الكتاب و السنة دون متشابهاتهما فلا ريب ان ذلك اولي بالقبول و احري بالاذعان و التصديق فاذا كان الدليل العقلي المحض يكفي في اثبات الحق فالدليل العقلي المقترن بالنقلي المعتضد بالشواهد و الآيات و الامثال و العلامات اولي افمن يهدي الي الحق احق ان يتبع امن لايهدي الا ان يهدي فما لكم كيف تحكمون و نحن بحمد الله لاندعي امرا و لا مطلبا الا و نأتي بالدليلين بواضح البيان و لايح البرهان فمن هذه الجهة فلو ( لو خ ) سألتني لوجدتني اهلا للسؤال و مااخطأت حقيقة الحال فاني انقل عن آلمحمد المفضال مما وصل الي من بعض فواضل جودهم و كرمهم فعنهم اقول و اليهم استند و بهم اعتمد و علي الله اتوكل و منهم استرشد و من الله التوفيق و التسديد ( السداد خل ) في المبدء و المعاد :
اليكم و الا لاتشد الركائب و منكم و الا لاتنال الرغائب
و فيكم و الا فالحديث مخلق و عنكم و الا فالمحدث كاذب
و قوله سلمه الله تعالي لكن بلسان المتعارف و لسان القوم ، ماادري اي عرف يريد و اي قوم يسئل فان كان العرف العام المشترك بين كل الناس فهذا [ص 5] ليس الا البديهيات و المعلومات و المسائل العاميات و بهذا العرف لايعرف ازيد من البديهيات و الضروريات ( الضروريات و اما العلماء و الخواص فمتعارفهم مختلف و السنتهم متفاوتة و لكل اصطلاح خل ) و لكل قوم لسان لايشبه لسان الآخر الاتري ان لسان اهل النحو لايشبه لسان اهل الصرف و لسانهما لايشبه لسان اهل المنطق فاذا تكلم المنطقي عن عرفه و لسانه لايفهمه النحوي و اذا تكلم المنجم بعرفه و لسانه لايعرفه ( لايعرفه المنطقي و لا الهندسي و اذا تكلم الحكيم بعرفه و لسانه لايعرفه خل ) الفقيه و اذا تكلم الفقيه بعرفه و لسانه لايفهمه ( لايعرفه خل ) الحكيم و هكذا كل طائفة متعارف عندهم لسان و لهم ( عندهم خل ) عرف يتكلمون به لايفهمه غيرهم الا من بيانهم و ارشاداتهم و هداياتهم فلولا ان يبين اهل كل لسان مراده لايعرفه اهل لسان الآخر و يتكلم مع كل احد بلسانه فقوله سلمه الله تعالي بلسان المتعارف و لسان القوم قول غريب و كلام عجيب لأن العرف متفاوت و الالسنة مختلفة و هو قوله تعالي و من آياته خلق السموات و الأرض و اختلاف السنتكم و الوانكم و الاختلاف عام لأنه مصدر مضاف كما انه يشمل اللغات يشمل الاصطلاحات فالالسنة مختلفة و العرف متفاوت و الكلام بما يفهمه كل عرف و كل لسان في الزايد من البديهيات ماجرت عليه عادة الله و عادة آل الله صلي الله عليهم الاتري ان القرآن ( الاتري القرآن خل ) مع ان الله سبحانه قال كتاب احكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير و مع هذا كله تري ما عليه الناس من الاختلاف و التناقض في كل آية آية و كلمة كلمة حتي آل الامر انهم ( الامر الي انهم خل ، الامر الي ان خ ) قالوا ان القرآن ظني [ص 6] الدلالة يعني محكماته و اما المتشابهات فلاتدل علي معني محصل و كذلك الاحاديث تري ما عليه الناس من الاختلاف في فهمها و لست ادري ان الله و اوليائه تكلموا بلسان القوم ام لميتكلموا و من القوم هل الائمة ( الامة خل ) ام غيرهم فان كان غيرهم فلايخاطبونهم و ان كانوا هم و الائمة قد تكلموا بلسانهم فلم هذا الاختلاف و كلهم عربيون فهل الله و رسوله صلي الله عليه و آله و اوليائه عليهم السلام قصروا في الاداء بالمتعارف و بلسان القوم ام القوم قصروا في التفهم و التبيين ( التبين خل ) فان قلت الاول ( بالاول خل ) كفرت مع ان الله سبحانه و تعالي قال و ماارسلنا من رسول الا بلسان قومه و ان قلت بالثاني فالتقصير ليس من المبين بل من السامع حيث لميتفهم و لميتوجه و قد قال الشاعر :
و من حضر السماع بغير قلب و لميطرب ( فلميطرب خل ) فلايلم المغني
فالذي يجب علي العالم ان يأتي بالكلام علي القواعد المقررة و القوانين المضبوطة المتلقاة من اهل العلم عليهم السلام فان عرف السامع بالتوجه و الاقبال لفهم المراد و الاصغاء مع الانصاف لادراك المقصود فقد فاز بالنصيب من المعلي و الرقيب و الا فلايلوم الا نفسه و لايعاتب الا شخصه و قد قال الشاعر و نعم ما قال :
علي نحت القوافي من مواقعها و ما علي اذا لمتفهم ( لميفهم خ ) البقر
فانت اذا سمعت الخطاب و عرفت المراد علي الوجه الصواب فهنيئا لك علي ما اعطيت من نعمة الفهم و الادراك و ان لمتعرف ( لمتفهم خ ) المراد و انت من اهل الانصاف اسئل ثانيا و ثالثا و رابعا و خامسا بعين الانصاف متجنبا [ص 7] عن جادة الجور و الاعتساف حتي تنال المراد من فهم المراد و لاتستنكف من الطلب و السؤال فان الله تعالي يقول فاسئلوا اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون و يجب السؤال الي ان يحصل العلم لقد قال الشاعر :
اطلب و لاتضجرن عن مطلب فآفة المطلوب ان تضجرا
الاتري الحبل و ترداده في الحجر الصم لقد اثرا
و قد قال مولانا الصادق عليه السلام ان الرزق مقسوم مضمون قد قسمه عادل بينكم و سيفي و ان العلم مكنون مخزون قد امرتم بطلبه فاطلبوه و الناس في التفهم لهم مراتب فمنهم من يفهم الكلام بأدني اشارة و منهم من يحتاج الي صريح العبارة و منهم من يحتاج الي التكرار مرة ثانية و منهم من يحتاج اليه ثالثة و رابعة علي حسب تفاوت الناس في العقول كما شرح مولينا الصادق عليه السلام ( ذلك مما خ ) يطول الكلام بذكره .
و قوله سلمه الله تعالي لا بلسان يثني الاشكال جوابه ، ان المتكلم يتكلم بصريح المقال بما لايعتريه الاشكال و لكن اذا اعتراه الاشكال من جهة السامع و عدم تفطنه ( بالمراد خل ) فيثني الاشكال و يثلث فليسئل ( فيسئل خل ) حتي يزول كما جرت عليه الخطابات الالهية و الكلمات المعصومية علي قائلها آلاف الف سلام و تحية .
و قوله سلمه الله تعالي بل باوضح بيان ، مثل كلامه السابق فانه لا كل بيان واضح عند المتكلم هو الواضح عند المخاطب ( السامع خ ) فان المطالب مختلفة و التعبيرات متفاوتة و ليس كل ما لاتعرفه من قصور في فهمك او فتور في ذهنك بل لأن من المطالب ما لايعرف الا بدليل الحكمة و انت تريد ان تعرفه بدليل المجادلة فلنتدركه ابدا و منها ما لايدرك الا بدليل المجادلة و انت تريد ان تدركه بدليل [ص 8] الحكمة و الموعظة الحسنة فلنتدركه ابدا و منها ما لا كيف له و انت تريد ان تعرفه بالكيف و منها ما هو خارج عن مدرك الظاهر و لايدرك الا بالسر و الباطن و انت تريد ان تعرفه بلسان ( لبيان خل ) الظاهر فلنتعرفها ( فلنتعرفه خ ) ابدا و منها ما لا صورة له و انت تريد ( ان خ ) تعرفه بالصورة فلنتعرفه ابدا و منها ما يتوقف علي ذكر مقدمات كثيرة و انت تريد ان تدركه بغير تلك المقدمات فلنتدركه ابدا و العبارة قد تكون غير مأنوسة عندك او انها ناقصة و امثال ذلك من الامور المانعة عن ادراك المطلوب فكيف يكون مع ذلك اوضح بيان مع هذه الموانع و الامور فالذي علي العالم هو ان يبين المقصود علي ما هو عليه من القواعد و القوانين المقررة لادراك ذلك الشيء فالذي يطلبه من تلك القوانين و القواعد يفهمها و الامر عنده واضح كالشمس في رابعة النهار و الذي لايراعيها فيبقي لديه الاشكال و يكثر عليه الداء العضال فلاينجو و لايخلص منه الا ان يأتي من بابه و يسئل ( يسئله خل ) عن اصحابه و يراعي قواعده فأنت اذا اردت ان تبصر بالسمع او تسمع بالعين او تشم بالفم او تذوق بالانف لنتحصل ابدا و هو قوله تعالي و أتوا البيوت من ابوابها و انا انشاء الله تعالي مبين لك ما سئلت باوضح بيان يمكن في المقام بالادلة الساطعة و البراهين اللامعة من الكتاب و السنة ( و خل ) اسئل الله التوفيق في فهمها و دفع العوارض عنك في ادراكها انه ذو الفضل العظيم و المن الجسيم .
قال سلمه الله تعالي : منها ان من الضروريات دينا و مذهبا ان نبينا صلي الله عليه و آله افضل الانبياء بل افضل البرية بل اشرف الممكنات [ص 9] و من بديهيات الكتاب و السنة انه صلي الله عليه و آله و امته مأمورون بمتابعة ملة ابرهيم ما المراد بملة ابرهيم التي امرنا بمتابعتها هل المراد بها الاصول او الفروع او ( و خل ) المجموع و علي كل التقدير ( علي التقادير خل ، علي التقديرين خ ) كيف التوفيق بين القول بكون شريعة نبينا صلي الله عليه و آله و ملته ناسخة لجميع الشرايع و الملل السابقة و بين كونه صلي الله عليه و آله مأمورا بوجوب متابعة ملة ابرهيم فان قلت المراد بها الاصول خاصة قلت فما وجه الاختصاص مع ان الاصول بالنسبة الي الكل علي نسق واحد لايتفاوت في الشرايع لأن المراد منها بالنسبة الي الشرايع هو التوحيد و ان قلت ان المراد بها الشرائع خاصة لأن بعض الآداب و السنن من شريعة ابرهيم عليه السلام باق في شريعة نبينا صلي الله عليه و آله قلت الامر بالنسبة الي الشرايع السابقة الاخر كذلك فما وجه التخصيص و ان قلت المراد المجموع من حيث المجموع قلت يعود الكلام كما زبر و ان اغمضنا عن جميع ما ذكر فكيف التوفيق بين القول بالافضلية و كونه صلي الله عليه و آله مأمورا بمتابعة ملة ابرهيم عليه السلام و هل وجوب متابعة ملة ابرهيم عليه السلام الا كون ابرهيم اماما عليه صلي الله عليه و آله و هو مناف للافضلية .
اقول لا شك و لا ريب ان نبينا صلي الله عليه و آله افضل الانبياء عليهم السلام بل اشرف الممكنات و الموجودات و الممكنات كلها من اشراقات نور وجوده و اشعة غيبه و شهوده و لولاه لماكان كون و لاوجد عين و هذا من المعلومات و قد دلت عليه الادلة القطعية من العقلية و النقلية و [ص 10] اطبقت عليه الامامية و اتفقت معهم ( عليهم خل ) الاشاعرة و اما المعتزلة و القاضي ابوبكر و عبدالله الحلبي و غيرهم ذهبوا الي ان الملائكة افضل و ( او خل ) اشرف من الانبياء و من نبينا صلي الله عليه و آله و ذكروا لهم ادلة و حججا و قد ذكر المجلسي (ره) في البحار في مجلد احوال الانسان حججهم و براهينهم علي التفصيل فأمة محمد صلي الله عليه و آله طائفة منهم غير مقرين بافضليته صلي الله عليه و آله و اشرفيته عن ( علي خ ) جميع الممكنات فقوله سلمه الله من الضروريات دينا و مذهبا ، فيه غموض اما مذهب الامامية كما ( فكما خل ) ذكرت من انهم يفضلونه صلي الله عليه و آله بحقيقة ما هو اهله علي جميع الموجودات و الممكنات و الضرورة هنا قائمة و اما ضرورة الدين فان اراد به ما يرادف المذهب فلا بأس و ان اراد به دين الاسلام كما هو مقتضي مقابلته مع المذهب فالضرورة لاتتحقق الا باعتراف جميع المقرين بمحمد صلي الله عليه و آله من جميع الفرق و المذاهب و اهل كل فرقة عالمهم و جاهلهم رجالهم و نسائهم دنيهم و شريفهم فاذا تخلفت طائفة منهم لاتتحقق به الضرورة كما هو مقتضي مؤدي لفظ الضرورة فالمعتزلة ( هم خل ) فرقة من فرق الاسلام بل هم و الاشاعرة فرقة واحدة من فرق الثلثة و السبعين و هم قد خالفوا في افضلية نبينا صلي الله عليه و آله علي جميع الموجودات لأنهم فضلوا الملائكة عليه فكيف يمكن دعوي الضرورة الا ان تخرج المعتزلة من الاسلام و هو خرق للاجماع المركب فان من قال بكفر المخالفين حكم علي الجميع اشعريا كان ام معتزليا و من قال باسلامهم [ص 11] ( فقد خل ) حكم علي الجميع كذلك و لا احد من المسلمين قال بكفر المعتزلة دون الاشاعرة فاذا ( فان خ ) دعوي الضرورة و الحالة ( الحال خ ) هذه غفلة بينة واضحة و لكن الحق ما ذكرت من ان نبينا صلي الله عليه و آله افضل الانبياء فيكون افضل الموجودات كلها لأن الانبياء افضل من سواهم و قد قال رسول الله صلي الله عليه و آله مخاطبا ليهودي يا يهودي لاينبغي ان اصغر ما عظمه الله من قدري ان الله تعالي اوحي الي يا محمد فضلك علي الانبياء كفضلي و انا رب العزة علي كل الخلق .
و قوله سلمه الله تعالي و من بديهيات الكتاب و السنة انه صلي الله عليه و آله و امته مأمورون بمتابعة ملة ابرهيم ، فيه غفلة ظاهرة لأن ظاهر كلامه كما هو صريح ما بعده ان هذه التبعية مختصة بابرهيم دون غيره من الانبياء عليهم السلام و الامر ليس كذلك فان الآيات الواردة في هذا الباب علي ثلثة وجوه :
الاول ما يدل علي لزوم تبعية نبينا صلي الله عليه و آله لجميع الانبياء كما قال تعالي في سورة الانعام و تلك حجتنا آتيناها ابرهيم علي قومه الي ان قال تعالي و وهبنا له اسحق و يعقوب كلا هدينا و نوحا هدينا من قبل و من ذريته داود و سليمان و ايوب و يوسف و موسي و هرون و كذلك نجزي المحسنين و زكريا و يحيي و عيسي و الياس كل من الصالحين و اسمعيل و اليسع و يونس و لوطا و كلا فضلنا علي العالمين و من آبائهم و ذرياتهم و اخوانهم و اجتبيناهم و هديناهم الي صراط مستقيم ذلك هدي الله الي ان قال اولئك الذين هدي الله فبهديهم اقتده و الاقتداء في الظاهر هو المتابعة بل [ص 12] اعظم و اشد فيها ففي هذه الآية امر الله سبحانه ( سبحانه نبيه صلي الله عليه و آله خل ) ان يقتدي بهدي جميع الانبياء و يتبعهم و قال ايضا في سورة آل عمران قل آمنا بالله و ما انزل علينا و ما انزل علي ابرهيم و اسمعيل و يعقوب و الاسباط و ما اوتي موسي و عيسي و النبيون من ربهم و هذه الآية ظاهرة في التبعية لباقي الانبياء عليهم السلام فان الايمان بالنبي ظاهر في متابعته ،
الثاني ما يدل علي لزوم تبعية نبينا صلي الله عليه و آله ملة ( لملة خل ) ابرهيم و الآيات الدالة علي هذا المعني كثيرة منها قوله تعالي ان ابرهيم كان امة قانتا لله حنيفا الي قوله تعالي ثم اوحينا اليك ان اتبع ملة ابرهيم حنيفا و ماكان من المشركين و منها قوله تعالي قل صدق الله فاتبعوا ملة ابرهيم حنيفا و ماكان من المشركين و منها قوله تعالي و قالوا كونوا هودا او نصاري تهتدوا قل بل ملة ابراهيم حنيفا و منها قوله تعالي و من احسن دينا ممن اسلم وجهه لله و هو محسن و اتبع ملة ابرهيم حنيفا و منها قوله تعالي قل انني هداني ربي الي صراط مستقيم دينا قيما ملة ابرهيم حنيفا ( حنيفا و ماكان من المشركين . خل ) و منها قوله تعالي قد كانت لكم اسوة حسنة في ابرهيم و الذين معه الي ان قال لقد كان لكم فيهم اسوة حسنة لمن كان يرجو الله و اليوم الآخر ،
الثالث ما يدل علي ( الي خل ) ان ما اوحي الله الي سائر الانبياء هو الذي اوحي الي نبينا صلي الله عليه و آله و الآيات كثيرة منها قوله تعالي شرع لكم من الدين ما وصي به نوحا و الذي اوحينا اليك و ما وصينا به ابرهيم و موسي و عيسي ان اقيموا الدين و منها قوله تعالي مايقال لك [ص 13] الا ما قد قيل للرسل من قبلك فحصر الامر اي امر ما اوحي الي النبي فيما قيل للرسل من قبله و الجمع المحلي باللام يفيد العموم فيكون كلما قيل للنبي صلي الله عليه و آله من قبل الله و من قبل المخلوق هو عين ما قيل لجميع الرسل و الانبياء من قبله صلي الله عليه و آله و منها ظاهر قوله تعالي ماكان علي النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل و كان امر الله قدرا مقدورا و منها قوله تعالي انا اوحينا اليك كما اوحينا الي نوح و النبيين من بعده و اوحينا الي ابرهيم و اسمعيل و اسحق و يعقوب و الاسباط و عيسي و ايوب و يونس و هرون و سليمان و آتينا داود زبورا و رسلا قد قصصناهم عليك من قبل و رسلا لمنقصصهم عليك و كلم الله موسي تكليما و منها قوله تعالي يريد الله ليبين لكم و يهديكم سنن الذين من قبلكم و منها قوله تعالي قل ماكنت بدعا من الرسل و قوله تعالي لميكن الذين كفروا من اهل الكتاب و المشركين منفكين حتي تأتيهم البينة رسول من الله يتلو صحفا مطهرة فيها كتب قيمة و امثالها من الآيات فانها كلها ظاهرة الدلالة واضحة المقالة ان ما ( المقالة بأن كلما خ ) اوحي الله الي سائر الانبياء هو الذي اوحاه الي نبينا صلي الله عليه و آله فاذا عرفت هذه الوجوه الثلثة ( من الآيات خل ) عرفت انه و ان اندفع بهذا احد اشكالات جنابك و هو انحصار تبعيته ( انحصاره بتبعيته خل ) صلي الله عليه و آله و امته بملة ابرهيم (ع) كما توهمه جنابك السامي لكنه قد اتسعت دائرة الاشكال بالنسبة الي تبعيته صلي الله عليه و آله لجميع الانبياء و اقتدائه بهم بعين ما ذكرته في ملة ابرهيم عليه السلام [ص 14] حرفا بحرف لأنه صلي الله عليه و آله لا ريب في افضليته من جميع الانبياء بدليل خاتميته و ثبوت ان كل خاتم هو الفاتح فكيف يجوز تبعية من هو الافضل للمفضول و هذا شيء يأباه العقل و النقل كما ذكر جنابك في ابرهيم خاصة ثم في الوجه الثالث يرد اشكال آخر قد ذهل جنابك عنه حيث ان التابع غير المتبوع فاذا كان الموحي الي الانبياء هو الذي اوحي الي نبينا صلي الله عليه و آله فأين التبعية و الفرعية ثم انه كيف يصح هذا مع ان شريعته صلي الله عليه و آله ناسخة لجميع الشرايع فكيف يكون عين تلك الشرايع و ما هذا الا مناقضة ظاهرة ثم يرد هنا ( هناك خل ) اشكال آخر من آيات اخر و هو قوله تعالي و ماارسلنا من رسول الا ليطاع باذن الله فاذا كان الرسول هو المطاع فكيف يكون مطيعا ضرورة ان التابع مطيع للمتبوع و اختصاص الطاعة بالذي ارسل اليه اي الرعية لتكون المطاعية اضافية خلاف الاصل لأن الاصل حمل الكلام علي حقيقته ( و خل ) حيث لميذكر متعلق الطاعة يجب ان يكون عاما في كل شيء اذ لميذكر ان الرسول مطاع في مقام دون مقام حتي يكون مطيعا في مقام و مطاعا في مقام و قوله تعالي ماكنت بدعا من الرسل و ماادري ما يفعل بي و لا بكم ان اتبع الا ما يوحي الي فاذا كان النبي صلي الله عليه و آله لايتبع الا الموحي اليه من شريعته فكيف يتبع ملة غيره من ابرهيم عليه السلام و سائر الانبياء عليهم السلام فان قلت علي ظاهر الآية الاولي ان الرسول لايكون الا مطاعا و انت عممت هذه المطاعية و جعلتها حقيقية ( حقيقة خ ) يلزم ان لاتكون الشرايع ستة ( سنته خ ) و ان يكون كل نبي صاحب شريعة جديدة ضرورة ان غير صاحب الشريعة يكون [ص 15] مطيعا لصاحب الشريعة و تابعا لملته و شريعته قلت لايلزم ذلك فان الرسول مبعوث من الله سبحانه ( و خل ) لكنه سبحانه امره ان ( امر بأن خ ) يعمل علي موجب تلك الشريعة و ليس معني ذلك ان صاحب الشريعة مبعوث عليه و لا انه تابع له بل النبي مبعوث من الله ( سبحانه خل ) و لكن عمله علي مقتضي تلك الشريعة التي اتي بها صاحبها لا انه ( لأنه خل ) تابع له و مطيع لامره بل انما هو تابع وحي الله الذي اوحيه ( اوحي خل ) اليه من العمل علي مقتضي تلك الشريعة علي حسب مقتضيات موضوعات و كينونات الرابعة ( الرعية خل ) مثاله ان السلطان يبعث حاكما الي بلد ( بلدة خل ) او قرية و يعطيه قانونا يأمره ان يعمل عليه مع الرعية ثم يبعث حاكما ( حكاما خل ) الي بلاد اخر من قبله و يأمرهم ان يعملوا علي ذلك القانون الذي ( من خ ) عند ذلك الحاكم فاولئك الحكام كلهم منصوبون عن السلطان و الطريقة طريقته ( طريقة السلطان خل ، طريقة واحدة خ ) و ان كان حمله ذلك الحاكم فهم المطاعون و لايطيعون الا السلطان ( للسلطان خل ) و كذلك اولوا الشرايع هم حملة ذلك القانون و سائر الانبياء بمنزلة الحكام فالانبياء و الرسل لايكونون الا متبوعين و هو قوله تعالي انا انزلنا التورية فيها هدي و نور يحكم بها النبيون الذين اسلموا و بالجملة لايكون النبي من حيث انه نبي الا متبوعا مطاعا و لايصح ان يكون تابعا مطيعا و هذا الذي ذكرناه هو تقرير الاشكال الذي اورده جنابك اما الجواب فهو كلمة واحدة اقرره لك و ابينه فاصغ اليه بسمع الانصاف و انظر بعين البصيرة و تجنب عن جادة الجور و الاعتساف لتري الامر ظاهرا واضحا و الحكم لامعا لايحا فنقول ان التبعية لها معنيان و [ص 16] لها اطلاقان احدهما تبعية يكون التابع مقهورا مغلوبا محكوما عليه و المتبوع قاهرا غالبا حاكما له علي التابع الرياسة و الحكومة و هذه الرياسة قد تكون رياسة علية بأن يكون التابع شعاعا للمتبوع و قد يكون ( تكون خل ) قطبية كرياسة القلب و متبوعيته للاعضاء و الجوارح و هذا المعني هو الظاهر من العرف في الجملة بحسب ظاهر النظر و ثانيهما تبعية يكون التابع ظاهرا بعد المتبوع لا ان يكون مقهورا مغلوبا لديه ( له خ ) بل العبارة الحقيقية في التابع بهذا المعني ان تقول انه الثاني السالك سبيل الاول و هذا المعني هو الظاهر من اهل اللغة قال في القاموس تبع ( تبعه خل ) كفرح تبعا و تباعة مشي خلفه و مر به فمضي معه فالتابع بهذا المعني لايكون ادني من متبوعه فان الذي اتي به المتقدم لما جاء المتأخر سلك ذلك المسلك و مشي علي ذلك المنهج و لايلزم ان يكون السالك لمسلك الاول ادني من الاول او يكون الاول الذي سلك مسلكا اقوي من الثاني كما يقال ان فلان الفقيه انما اتبع طريقة المجتهدين او المجتهد الفلاني في كيفية الاستنباط باتباعه في مسلكهم و اقتدائه به او بهم في هذا المنهج لايلزم ان يكون يقلدهم او يقلدوه او لايخالفهم و لايخالفوه بل المقصود في هذه التبعية انه يسلك ذلك المسلك و يمشي علي ذلك المنوال و لايخالف طريقتهم و لايترك سنتهم و لكنه يعمل بما ادي اليه نظره و يحكم بما ذهب اليه فكره ( ذكره خل ) من مقتضي الطريقة التي سلكها من طريقتهم و السنة التي اقتدي بها من سنتهم و بالجملة كل من سبق الي طريقة و قاعدة و قانون فاذا جاء الآخر و اخذ تلك الطريقة و سلك ذلك المسلك و [ص 17] مشي علي ذلك المنهج يقال انه اتبعها و ان لميعمل الا بقوله و لميتبع الا ما ادي اليه فهمه و نظره و هذا معلوم ظاهر و قد دل علي ذلك بصريح الدلالة قوله تعالي قل ماكنت بدعا من الرسل يعني طريقتي ليست مخالفة لطريقتهم و سنتي ليست منافية لسنتهم بل انا علي سنن الانبياء و مسلكهم فيما سلكوا به من دعويهم النبوة و ارشادهم الخلق الي التوحيد و التفريد و سلب الانداد و نفي الاضداد لله سبحانه و ان يكون معصوما مطهرا منزها مسددا و ان لايقول الا عن الله و لايتبع الا وحي الله و لايتقول علي الله و ان يكون جميع اوامره و نواهيه و رخصه و عزائمه بأمر من الله بانزال ملك مسدد و روح مؤيد و ان يكون له وصي منصوب عن الله معصوم مطهر بتطهير الله واع ما حمله رسول الله صلي الله عليه و آله من احكام الشريعة و اطوار الملة فهذه هي الطريقة التي عليها جميع الانبياء و المرسلين و هذه سنتهم و هي ملتهم و الاعتقاد بهذه الامور اعتقاد رعيتهم فلما سبقت الانبياء عليهم السلام ( في الظهور خل ) في القوس الصعودي و كان رسول الله صلي الله عليه و آله آخرهم و خاتمهم و اتي بعدهم اقتص اثرهم و سلك مسلكهم و اقتدي بهديهم من الاتيان بهذه الامور التي لاتثبت النبوة الا بها و لاتظهر الا بسلوكها و لذا ان الجاثليق الذي اتي من الروم مع مائة نفس من العلماء و الاساقفة و وصل الي المدينة و كان قد توفي رسول الله صلي الله عليه و آله و سئل عن وصيه القائم مقامه ارشدوه الي ابيبكر فلما ادخل ( ان دخل خ ) عليه و سئله انك خليفة رسول الله صلي الله عليه و آله [ص 18] قال نعم ثم قال هل اوصي اليك رسول الله صلي الله عليه و آله امر امته قال لا بل اجتمع علي المسلمون و اختاروني عليهم خليفة و مضي رسول الله صلي الله عليه و آله و لمينصب خليفة فقال له الجاثليق قد تناقض كلامك مرة تقول انا خليفة رسول الله صلي الله عليه و آله و مرة تقول ان النبي صلي الله عليه و آله مااستخلف بل اختاروني ( اختارني خل ) قومي و رضوا بي خليفة فأنت اذا خليفة قومك لا خليفة النبي صلي الله عليه و آله ثم التفت الجاثليق الي اصحابه اولئك الاساقفة و قال لهم ان هذا الرجل لميكن نبيا لأنه لميقتص اثر الانبياء و لميقتد بهديهم و لميسلك سبيلهم فانا قرأنا في الكتب السماوية انه لايموت نبي الا و يجعل له وصيا بعد موته و لميدع رعاياه سدي مهملين و هذا لما لميجعل لشريعته حاملا و لميعين له وصيا غانما ( عالما خل ) علمنا انه ليس علي سنن الانبياء بل كان رجلا حكيما فساس ( ساس خل ) الناس بتسخيره و سخرهم بتدبيره و بالجملة النبوة لها قوانين و قواعد و كليات يجب ان يجري عليها جميع الانبياء فاذا خالفوا شيئا منها عرفنا انه ليس بنبي لا ان كل واحد منهم من اولي الشرائع يتبع الآخر في خصوصيات الشريعة و جزئيات الاحكام التي للائمة ( للأمة خل ) كما يقال ان المجتهد لايكون مجتهدا الا اذا عرف النحو و الصرف و اللغة و المنطق و المعاني و البيان علي الخلاف و علم الكلام و علم تفسير آيات الاحكام و علم الرجال و علم متون الفقه لتحصيل الاجماع و معرفة الشهرة و علم الاصول و ان تكون ( يكون خل ) له القوة القدسية و استنباط الاحكام من الكتاب و السنة و الاجماع و دليل العقل فاذا جمع هذه الخصال و سلك [ص 19] هذه الطريقة ( الطريقة و اقتص هذا الاثر فهو المجتهد و كل من يأتي فيما بعد ليجب ان يسلك هذه الطريقة خل ) و يقتدي بهذه الهداية و يقتص هذا الاثر و ليس ذلك تقليدا لهم في جزئيات الاحكام بل يخالفهم بل ربما يخالف مشهورهم اذا دل الدليل المعتبر عندهم فان ( فاذا خل ) لميسلك هذا المسلك و لميقتد ( لميهتد خ ) بهذه الطريقة فليس بمجتهد بل يجب هجره و عدم الاعتناء ( به خل ) و كذلك النبوة لها علامات و دلالات فلكل ( فكل خل ) نبي لا بد ان يتبعها و يقتص اثر الانبياء منها ( فيها خل ) و يسلك مسلكها و يهتدي بهديها فالله سبحانه امر نبيه صلي الله عليه و آله ان اتبع تلك الطريقة و اقتص ذلك الاثر و يقتدي ( و اقتد خل ) بتلك الهداية حتي ان الذين آمنوا بالرسل و اعتقدوا بالكتب يعلمون ان الذي انت عليه هو الذي كانت الانبياء عليهم السلام عليه من علامات النبوة و اسباب الهداية حتي يعلموا انك لاتقول الا عن الله و ( ان خل ) شريعتك ناسخة لتلك الشرايع و ان دعوتك امة النبي الذي قبلك ينسخ ( بنسخ خل ) شريعته و العدول عن ملته دعوة عن حق الي حق و عدول عن حق الي حق و لذا قال ( الله خ ) تعالي قل ماكنت بدعا من الرسل الي ان قال ان اتبع الا ما يوحي الي فقد بين الله سبحانه ان النبي صلي الله عليه و آله علي طريقة الانبياء الماضين و علي سيرتهم و مسلكهم و لايتبع الا ما يوحي اليه و كان مما يوحي اليه ان شريعته ناسخة لتلك الشرايع و ملته نافية لتلك الملل و متابعته ( فمتابعته خل ) لهم في الكليات التي بنيت عليها الشريعة الالهية و لذا قال سبحانه و تعالي تفصيلا لذلك المجمل و شرحا لذلك المبهم شرع لكم من الدين ما وصي به نوحا الي ان قال ان اقيموا الدين [ص 20] فبين سبحانه ان ما وصي به نوحا و الذي اوحي الي رسول الله صلي الله عليه و آله و ما وصي به ابرهيم و موسي و عيسي هو اقامة الدين عن الله رب العالمين و دين كل نبي عن الله ما نطقت به شريعته و حكمت به ملته و يزيد ( تزيد خ ) ما ذكرنا توضيحا و تصريحا قوله تعالي قد كانت لكم اسوة حسنة في ابرهيم و الذين معه اذ قالوا لقومهم انا برآء منكم و مما تعبدون من دون الله كفرنا بكم و بدا بيننا و بينكم العداوة و البغضاء ابدا حتي تؤمنوا بالله وحده الا قول ابرهيم لأبيه لاستغفرن لك و مااملك لك من الله من شيء ربنا عليك توكلنا و اليك انبنا و اليك المصير ربنا لاتجعلنا فتنة للذين كفروا و اغفر لنا ربنا انك انت العزيز الحكيم فلما ذكر سبحانه طريقة ابرهيم و قومه و سيرتهم ثم امر سبحانه بتأسيهم ثم كرر القول بالتأسي تأكيدا و شرحا لما يتأسي به فقال ( له خ ) سبحانه لقد كان لكم فيهم اسوة حسنة لمن كان يرجو الله و اليوم الآخر و قال ايضا سبحانه تبيينا لطريقة الانبياء و تحقيقا لما اتفقوا عليه و الطريقة التي يجب ان يسلكوها بقوله تعالي قل يا اهل الكتاب تعالوا الي كلمة سواء بيننا و بينكم الانعبد الا الله و لانشرك به شيئا و لايتخذ بعضنا بعضا اربابا من دون الله فان تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون و بالجملة فالطريقة التي يجب ان يتبعها الانبياء عليهم السلام و نبينا صلي الله عليه و آله في طريقة النبوة هي التي ذكرنا من التوحيد و نفي الشرك ( الشريك خل ) و العصمة و الطهارة في النبي و نصب الوصي عن الله سبحانه و اتباع وحي الله و العمل بما يوحي اليه مما يقتضي احوال المكلفين بالنسبة الي زمان كل نبي [ص 21] طابق غيره او خالف اتفق او اختلف و هذه هي السنة التي قد خلت من قبل و لنتجد لسنة الله تبديلا و هي السنة المتبعة و الطريقة المعتدلة فاذا خلا نبي من شيء من هذه الخصال في هذه الطريقة تبطل نبوته و لاتثبت حجته .
و قوله ( فقوله خل ) سلمه الله تعالي ما المراد بملة ابرهيم ، جوابه ما ذكرناه من انها هي السنة التي يجب ان يكون عليها جميع الانبياء من اثبات التوحيد لله سبحانه و تعالي و نفي الاضداد و الانداد و عدم اتباع الهوي ● و الوقوف علي ما يوحي اليه الله و نصب الوصي المعصوم الطيب الطاهر عن الله و عدم التقول علي الله و اظهار المعجزات من الله و هي التي اشارت اليها الآية الشريفة كما ذكرنا قبل من قوله تعالي قد كانت لكم اسوة حسنة في ابرهيم الي قوله تعالي و اغفر لنا ربنا انك انت العزيز الحكيم و محصلها التوحيد و التبري عن كل معبود سوي الله سبحانه و التجنب عن كل من لايدين بدين الله و الاعراض عن كل ما لاينسب الي الله و التوكل و الاعتصام بالله و التوجه الي الله و هذه و نحوها المستفاد من الآيات الشريفة هي ملة ابرهيم و هي ملة جميع الانبياء .
و قولكم هل المراد به الاصول او الفروع او المجموع ، جوابه ما ذكرناه من انها صفات و علامات و دلالات يجب ان يكون ( تكون خ ) الانبياء عليها حتي تثبت بها نبوتهم و تكمل بها حجتهم و تكون الرعية علي بصيرة من امرهم و مع هذا كله كل نبي يعمل علي شريعته المختصة به و لايتبع غيره لأن الرسول لايكون الا مطاعا و اما الاختصاص بابرهيم عليه السلام فسنبين وجهه عن قريب انشاء الله تعالي .
و قوله سلمه الله تعالي و علي التقادير كيف التوفيق الي آخر ، [ص 22] جوابه ان لا منافاة بين كون شريعته ناسخة لجميع الشرايع و بين كونه (ص) مأمورا بمتابعة ملة ابرهيم لأن المراد بملة ابرهيم هي ملة سائر الانبياء عليهم السلام بلا فرق و هي كليات صفات يجب ان يكون الأنبياء عليهم السلام عليها و هي شرايط النبوة و دلالات الرسالة كما مثلنا لك بالمجتهدين فان المجتهد اذا لميتبع طريقة المجتهدين و لميسلك مسلكهم و لميقتد بهدايتهم ( بهديهم خ ) من نحو الاستنباط و معرفة جهات الاستدلال لايكون مجتهدا و لايصح تقليده و العمل بقوله و اتباعه لطريقة المجتهدين لايلزم ان يكون مقلدا لهم فيما قالوا و تابعا لهم فيما ذهبوا فالمجتهد مع انه لايجوز له الا اتباع طريقة المجتهدين و السلوك لمسلكهم و الاقتداء بهم و اقتصاص اثرهم لايجوز له تقليدهم و متابعتهم في جزئيات ما يقولون او كليات ما يذهبون فمن اتباع طريقتهم ان لايقلدهم و من اتباع سنتهم ان لايأخذ عنهم الا بدليل قاطع و برهان ساطع فعند قيام الدليل لايقال انه آخذ عنهم و مقلد لهم و متبع لقولهم و كذلك الانبياء لأن المجتهدين آيات و علامات للانبياء امابلغك عن النبي صلي الله عليه و آله انه قال علماء امتي كانبياء بنياسرائيل فملة ابرهيم كملة سائر الانبياء هي الطريقة و السنة التي تتحقق بها النبوة و من ملته ( ملة ابرهيم خ ) ان لايكون نبي تابعا لنبي آخر و لايكون رسول مطيعا لرسول آخر و قد افصح عن رفع الاشكال كلام الله الملك المتعال خطابا لنبيه ( محمد خ ) المفضال عليه و آله سلام الله بالغدو و الآصال قل ماكنت بدعا من الرسل و ماادري ما يفعل بي و لا بكم ان اتبع الا [ص 23] ما يوحي الي و لما بين ( الله خ ) سبحانه انه صلي الله عليه و آله ليس ببدع من الرسل بل هو علي طريقتهم و منهاجهم و علي سبيلهم و منارهم و انه يقتفي آثارهم و يقتدي بهم قال سبحانه قل يا محمد ان اتبع الا ما يوحي الي فتبين من هذا البيان التام ان من كونه ليس ببدع من الرسل و من كونه علي طريقتهم ان لايتبع احدا من الرسل سوي ما اوحي اليه فمن متابعته لملة ابرهيم و غيره من الانبياء عليهم السلام ان يكون صلي الله عليه و آله متبعا و مطاعا و غير متبع الا لما يوحي اليه و ما اوحي اليه ان يكون شريعته صلي الله عليه و آله ناسخة لجميع الشرايع و الملل و ذلك ظاهر معلوم و انما كررت العبارة و رددت للتفهيم و التوضيح .
و قوله سلمه الله تعالي فما وجه الاختصاص ، جوابه ان لا اختصاص بابرهيم عليه السلام كما بينا لك و تلونا عليك الآيات الدالة علي وجوب متابعته صلي الله عليه و آله و اقتدائه بسنن الانبياء الذين قبله كما قال تعالي يريد الله ليبين لكم و يهديكم سنن الذين من قبلكم فبما ذكرنا تبين ان قوله سلمه الله تعالي في اول المسئلة و من بديهيات الكتاب و السنة ان نبينا صلي الله عليه و آله و امته مأمورون بمتابعة ملة ابرهيم ، بديهي البطلان كما ان قوله الاول من الضروريات دينا و مذهبا الي آخر ، ضروري الفساد كما بيناه و اوضحناه فما اسرع ما تحصل لهؤلاء الجماعة الضرورة و البداهة و ليس الا لعدم اعطائهم التأمل حقه و عدم التدبر في الكتاب و السنة فاذا كانت الآيات صريحة الدلالة علي عدم حصر الاقتداء بملة ابرهيم بل لزوم اتباعه و اقتدائه بهدي اسحق و يعقوب و نوح و داود و سليمان [ص 24] و ايوب و يوسف و موسي و هرون و زكريا و يحيي و عيسي و الياس و اسمعيل و اليسع و يونس و آباء هؤلاء الانبياء و ذرياتهم و اخوانهم اذا كانوا انبياء او معصومين و قد اثبت جميع الانبياء من الاولين و الآخرين فكيف يختص جناب مولانا سلمه الله تعالي بوجوب متابعته صلي الله عليه و آله لملة ابرهيم دون غيره ثم يدعي في ذلك البداهة ثم ينسبها الي الكتاب و السنة مع ان الآية الدالة علي لزوم الاقتداء بالانبياء هي في سورة الانعام و هي من السور المشهورة التي يتعاطي قرائتها الخواص و العوام في اكثر المهام افلايتدبرون القرآن ام علي قلوب اقفالها و بالجملة هذا الكلام ساقط من اصله و اما وجه تخصيص ابرهيم و ذكر متابعته منفردة في بعض الآيات فمن جهة ان ابرهيم عليه السلام كان مقبولا عند جميع الطوائف من كفرة اهل الكتاب و الكفار الذين ليسوا بأهل كتاب لأن ابرهيم ابو العرب و ابو العجم و ابو بنياسرائيل و من هذه الجهة كان له مزية قبول عندهم و كانوا يقبلون و يصغون الي من كان علي طريقته و سنته و ذلك معلوم و مذكور في اكثر التفاسير كتفسير الصافي و كنزالدقايق و مجمعالبيان و غيرها و كثرة الاشغال ( الاشتغال خ ) تمنعني عن ذكر ما ذكروا و نشر ما بينوا و مما ذكرنا ظهر ( تبين خ ) لك الجواب عن جميع ( وجوه خ ) الترديدات التي ذكرت و عن قولك و ان اغمضنا عن جميع ما ذكر فكيف التوفيق بين القول بالافضلية و كونه (ص) مأمورا بمتابعة ملة ابرهيم و هل وجوب متابعة ملة ابرهيم الا كون ابرهيم اماما عليه صلي الله عليه و آله و هو مناف للافضلية لأنا بينا [ص 25] لك سابقا ان التبعية لها معنيان و اطلاقان و هذا الذي فرعت عليه هو معناها بالمعني الاول و المقصود هنا المعني الثاني و ذلك لاينافي الافضلية و كون شريعته ناسخة كما ذكرنا في المجتهدين حرفا بحرف و الدليل علي ان المراد ما ذكرناه ما رواه العياشي في تفسيره عن ابيجعفر الباقر عليه السلام عن النبي صلي الله عليه و آله في حديث طويل يقول فيه ( فيه صلي الله عليه و آله خ ) و قد ذكر ابرهيم دينه ديني و دينه ( ديني خ ) دينه و سنته سنتي و سنتي سنته و فضلي فضله و انا افضل منه ، و هذا صريح في ان المراد بهذه التبعية سلوك ( سلوكه خ ) مسلكه و مسلك الانبياء لا انه يتبعه في الاحكام و مسائل الحلال و الحرام حتي ( يكون خ ) مغلوبا مقهورا عليه بل هو علي ملة ابرهيم فيما ينبغي ان يكون الانبياء و الاولياء و السعداء و الصديقين و الشهداء عليه كما قال ابوجعفر الباقر عليه السلام علي ما في كنزالدقايق عن جابر الجعفي انه (ع) قال ما من احد في هذه الامة يدين بدين ابرهيم غيرنا و غير شيعتنا و سائر الناس منها براء مع ان شريعتنا بالضرورة من الدين ناسخة لشريعة عيسي التي هي ناسخة لشريعة موسي التي هي ناسخة لشريعة ابرهيم عليه السلام فكيف يكونوا عليهم السلام و شيعتهم علي ملة ابرهيم لولا المعني الذي ذكرناه من انهم علي السنة و الطريقة التي عليها ابرهيم و سائر الانبياء من مقتضيات النبوة و ما ينبغي ان يكون عليه الرعية من الحق و التمسك به و الباطل و التجنب عنه لا علي معني التبعية التي عليها الرعية بالنسبة الي انبيائهم كما ذكرناه مكررا مرددا باوضح بيان و اكمل [ص 26] تبيان فان اشكل عليك بعد هذا البيان الواضح و البرهان اللائح من الكتاب المنير و العقل المستنير و السنة التي الي كل خير و حق تشير فاسئل الله ان يصلح وجدانك و انا كما قال المتنبي :