قال سلمه الله تعالي : ما محل الجنة و النار الآن و يوم القيمة و ما وقود النار الآن .
اقول اما محل جنة الدنيا الآن فمن وراء جبل قاف من جانب المغرب الي ما شاء الله و اما محل نار الدنيا فمحلها في حضرموت و هي واد باليمن و في تلك الوادي واد سوداء غبراء يقال لها برهوت و في برهوت بئر تصعد منها لايزال دخان اسود اغبر منتن يقال لها بلهوت و عيون بقر و هي تمتد الي جبال الشام الي جبل اسمه كمد و هذا الجبل ليس من ارض الشام لانها الارض المقدسة و هو واقع علي ظاهرية الشام كالارض السبخة و الماء المالح في الاراضي الطيبة كارض النجف الاشرف و ارض كربلاء علي ساكنيهما آلاف التحية و الثناء و جنة الدنيا اصلها وادي السلام ارض كربلاء بحدود الحرم ففي ارض الطف قطب الجنة و لذا كانت مسكن الحسين عليه السلام لان الجنة بارضها و سمائها انما [ص 30] خلقت من نور الحسين عليه السلام فافهم ضرب المثل و في ارض النجف تفاصيل اصولها و لذا تاوي الارواح الي وادي السلام كل جمعة و الظاهر انها تأتي لزيارة الرب هناك ليزدادون في النعيم المقيم ثم تمتد من وادي السلام الي ماوراء جبل قاف من ناحية المغرب الي ما شاء الله و اما جنة الآخرة فهي في باطن كربلاء و وادي السلام الي جهة المغرب من جابلصا و جابلقا و نسبة جنة الآخرة الي جنة الدنيا الي هذه الدنيا اذ ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و هكذا نسبة نار الآخرة الي نار الدنيا نسبة نارها الي الدنيا حرفا بحرف و ها انا اضرب لك مثلا تعرف به حقيقة الامر و لايخفي عليك بعد ذلك شئ من احوال الآخرة و هو ان الجنين في بطن الام لا شك انه في عالم الاجسام و لايستريبه عاقل فاذا نضجت طينته و استوت قابليته خرج من بطن الام الي هذه الدنيا فيري سعتها و احاطتها ما لايقاس بما في البطن و هكذا نسبة هذه الدنيا الي الآخرة اي الي البرزخ الذي فيه جنة الدنيا و نارها فانها بطن الام بالنسبة اليها و كذلك نسبة جنة الدنيا و نارها بالنسبة الي جنة الآخرة و نارها فان الموت ولادة كما ان الولادة موت و الكل انتقال من عالم الي عالم و حيث كان الانتقالات في قوس الصعود كان المنتقل اليه اوسع و اعظم من المنتقل عنه كما كان الامر في النزول بالعكس و لما كان الصعود عود الي ما نزل منه كان العالم المنتقل اليه عين المتنزل منه و هكذا فالجنة و النار في محلهما و نحن ننتقل اليه و الخلق ينتقلون اليهما بولادتهم عن بطن الام التي هي الدنيا ثم عن بطن الام الاخري التي هي [ص 31] البرزخ فالجنة و النار الاصليين اللتين هما في الآخرة هما المسكن المالوف و الموطن المعروف فافهم راشدا و اشرب عينا عذبا صافيا و اما وقود النار الآن هو كما قال سبحانه وقودها الناس و الحجارة فان العصاة من اهل النار الآن في النار و لايحسون بها لما هم عليه من سكر الاغترار بهذه الدنيا و احوالها و زخارفها و شهواتها اماسمعت الله سبحانه يقول الذين ياكلون اموال اليتامي ظلما انما ياكلون في بطونهم نارا و يقول سبحانه يصلونها يوم الدين و ما هم عنها بغائبين و يقول ايضا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين و هكذا امثالها من الآيات فان الامام عليه السلام قد ذكر ان في القرآن نحوا من ثلثين آية تدل علي ان اهل النار في النار الآن و ذلك لا شك فيه و لا ريب يعتريه و ذلك مقتضي حكمة الله سبحانه و تعالي ان يصنع كل احد بما هو عليه من سعادة و شقاوة و ما يستحق باعمالهم و احوالهم و اقوالهم الناس مجزيون باعمالهم ان خيرا فخيرا و ان شرا فشرا و لكن الناس اكثرهم لايشعرون لهم قلوب لايعقلون بها و لهم اعين لايبصرون بها و لهم آذان لايسمعون بها اولئك كالانعام بل هم اضل اولئك هم الغافلون فافهم .
قال سلمه الله تعالي : هل نور القمر من نور الشمس كما تقوله الحكماء ام له نور علي حدة .
اقول قال مولينا الباقر عليه السلام ان الله سبحانه تعالي خلق الشمس من سبع طبقات طبقة من النار و طبقة من صفو الماء و جعل سبحانه طبقة [ص 32] من هذه و طبقة من اخري حتي اذا كانت الطبقة الاولي الظاهرة المرئية جعلها من نور النار و لذا كانت الشمس حارة مشرقة مضيئة و كذلك القمر خلقه كذلك الا انه تعالي جعل الطبقة الاولي الظاهرة من صفاء الماء و لذا كان ظاهر القمر باردا يؤثر البرودة و الرطوبة في العالم ، نقلت معني الحديث . فكانت الشمس ظاهرة بالحرارة و اليبوسة التي من شأنها الاشراق و الانارة لانها حلية الفاعل و صفته و ظهور اثره و كان القمر ظاهرا بالبرودة و الرطوبة التي هي حلية القابل و صفته و ظهور اثره و حقيقتهما واحدة و طبقات وجودهما غير مختلفة الا ان ظاهرهما مختلف ليكونا مثالا و مثلا للذين خلقت السموات و الارض و ساير الموجودات لهما و لما كانت البرودة و الرطوبة ليس فيهما انارة و اضائة بقي القمر يستمد النور من الشمس و ياخذ عنه و هو قوله تعالي جعل الشمس ضياء و القمر نورا و الضوء و النور اذا اجتمعا افترقا فيكون المراد بالضياء هنا المنير و بالنور الشعاع و اذا افترقا اجتمعا فيطلق احدهما علي الآخر كقوله تعالي الله نور السموات و الارض و قول اميرالمؤمنين عليه السلام انا من محمد كالضوء من الضوء و اطلق الضوء علي النور في الحديث كما اطلق النور علي الضوء في القرآن و حيث كانت الشمس مثالا للنبوة و القمر مثالا للامامة و الولي يستمد من النبي وجب ان يكون القمر يستمد من الشمس و لاينافي كونهما حقيقة واحدة كما ان النبي و الولي كذلك الا ان الفرق كما بينا .
قال سلمه الله تعالي : هل الاسم عين المسمي ام غيره .
[ص 33] اقول لا ريب ان الاسم دليل المسمي و علامته و آيته و الآية صفة ذي الآية و حقيقة الدلالة دلالة الاثر و لايعقل ان يكون الاسم عين المسمي الا باعتبار ظهور الشئ بنفسه لنفسه او لعلته فانه في هذا المقام من جهة اسم و من جهة مسمي و اما في دلالة الاثر علي المؤثر و السافل علي العالي كيف يكون الاسم عين المسمي و الا للزم ان يكون الاثر عين المؤثر و هو في البطلان بمكان و قد قال مولانا الرضا عليه السلام ان الله خلق اسماء لنفسه ليدعوه بها خلقه فاول ما اختار لنفسه العلي العظيم فاذا كان الاسم مخلوقا دليلا علي الله تعالي فكيف يعقل ان يكون هو الله و قد قال الصادق عليه السلام في حديث هشام يا هشام الخبز اسم للماكول و الماء اسم للمشروب و الثوب اسم للملبوس و الاسم غير المسمي يا هشام ان لله تسعة و تسعين اسما فلو كان الاسم عين المسمي لكان كل اسم اله و قال ايضا عليه السلام فمن عبد الاسم دون المسمي فقد كفر و لميعبد شيئا و من عبد الاسم و المسمي معا فقد اشرك و من عبد المسمي دون الاسم فذاك التوحيد و في رواية اخري و من عبد المسمي بايقاع الاسماء عليه فذاك التوحيد و في زيارة اميرالمؤمنين (ع) السلام علي اسم الله الرضي و وجهه المضيء و عن الصادق عليه السلام علي ما في الكافي نحن الاسماء الحسني التي امركم الله ان تدعوه بها و بالجملة لاينبغي الشك في ان الاسم غير المسمي لان الاسم ما انبأ عن المسمي و الخلق كلهم آثار دالة علي الله سبحانه تعالي و الكل اسماؤه و الامام عليه السلام هو الاسم الاعظم و النبي صلي الله عليه و آله هو الاسم الاعظم [ص 34] الاعظم الاعظم و الذكر الاعلي الاعلي الاعلي و هذا معلوم واضح و لكن الاشكال في محل نزاع القوم و المراد من هذا النزاع فان كان المراد من الاسم الاثر الدال علي المؤثر فاي عاقل ينازع في ان الاثر عين المؤثر الاعلي مذهب وحدة الوجود الذين لايرون هناك اثرا و لا مؤثرا بل حقيقة واحدة سارية في الحدود كالبحر في امواجه و ان كان بالاسم المفاهيم الذهنية و الصور المنتزعة من اللفظ الحاصلة في الذهن فهناك و ان كان لهم نزاع في ان الشئ بحقايقها معراة عن الحدود الخارجية تدخل في الذهن او باشباحها و لكن اطلاق الاسم لاينصرف الي هذا المفهوم الذهني و لايقع اطلاق الاسم عليه و ان كان المراد من الاسم الاعيان الثابتة من حيث ظهور الوجود فيها و كون كل واحد منها مظهر مقام من المقامات الالهية و هذه قد وقع الخلاف في انها هل هي عين الذات و الاعيان مستجنة في غيب ( غيبها ظ ) كما هو مذهب كافة الصوفية و من يحذو حذوهم كما قال شاعرهم :
فلولاه و لولانا لماكان الذي كانا
و انا عينه فاعلم اذا ما قيل انسانا
الي ان قال :
فاعطيناه ما يبدو بنا فينا و اعطانا
و كنا فيه اكوانا و ازمانا و اعيانا
الابيات ، و قال آخر الاعيان الثابتة مستجنة في غيب الذات استجنان الشجرة في النواة ، و قال آخر الاعيان الثابتة مستجنة في غيب الذات و مندرجة فيها اندراج اللوازم في الملزومات ، و قال هذا الآخر في موضع آخر ان هذه الاعيان ليست امورا خارجة عن ذات الحق بل هي ذاتيات و [ص 35] انيات للحق و انيات الحق لايقبل الجعل و التغيير و التبديل و الزيادة و النقصان ، و قال في موضع اخر و الاعيان الثابتة عينه الغير المجعولة ، و هكذا من ساير اقوالهم ام لا بل الاعيان امور حادثة و اذكار امكانية محلها وجه الاسفل من المشية و بها ظهور الاسماء الالهية و اصل نزاعهم انما يكون من هذا المقام فان الاشاعرة و الصوفية عندهم ان تلك الاعيان عين الذات و عند اهل البيت عليهم السلام و اتباعهم من الامامية كالاثناعشرية و من يتبعهم من ساير الفرق ان هذه الاعيان حادثة مخلوقة هي منشأ الاسماء و الصفات و لكن فيه ايضا تكلف لان ذلك العين الثابت ليس هو الاسم و انما الاسم ظهور الحق فيه فالمغفرة ليست اسما و انما الاسم ظهور الحق بالغفران الذي اشتق منه الاسم الغافر و بالجملة المسئلة في تحرير محل نزاعهم غير منقحة و لو اردنا تحقيقها و تفصيلها يطول بنا المقال و ليس لنا ذلك الاقبال لاسيما في السفر لمعاناة الحل و الارتحال و ساير دواعي الاختلال و اقتصرنا علي الكلام علي موضع السؤال .
قال سلمه الله تعالي : كيف تزيد صدقة الرحم العمر و لكل اجل كتاب .
اقول لا شك ان لكل اجل كتاب و لا منافاة في ذلك فان هذه الزيادة ايضا في الكتاب فان في اللوح المحفوظ مكتوب فيه جميع ما يجري علي الشئ في الحادث بجميع صفاته و اسبابه و احواله و متمماته و مكملاته و شرايطه و علله و معداته و جميع ماله و منه و عليه و به و فيه و لديه و هكذا ساير اطواره من الاحوال التدريجية و جهات التدريج و [ص 36] تحقق الاشياء شيئا بعد شئ كل ذلك في كتاب من قبل ان تراها لعلمه السابق و اللاحق و المساوق و حيث علم سبحانه انه يصل رحمه بالصدقة عليها باختياره و ارادته و شهوته طاعة لله كتب له ذلك فان فعل و زاد فهو في كتاب و ان لميفعل و لميزد فهو في كتاب فان هذا الكتاب له اوراق و كل ورقة موضع اثبات نوع من الحقايق ففي احديها مكتوب فيها اشياء لاتزيد و لاتنقص و لاتتغير و لاتتبدل بل لايمكن التغيير و التبديل و هي ثبت الامور التي وقعت فان ما وقع لايمكن ان لايقع و في الثانية منها مكتوب فيها اشياء لاتزيد و لاتنقص و لاتتغير و لاتتبدل و لكنه يمكن في حقه ذلك امكانا و لايوجد كونا مثل سعادة الابالسة و شقاوة الانبياء و عدم تحقق القيامة للمكافات و الجزاء و عدم ظهور الامام القائم للانتقام من الاعداء و هذه و ما ضاهاها مكتوب في هذه الورقة و لايقع عليها المحو و الاثبات ابدا في الحكمة و ان كان يمكن في ذلك في القدرة و في الثالثة منها مكتوب الاشياء التي تمت شرايطها و وقعت اسبابها علي مسبباتها و عللها علي معلولاتها و مضي التقدير فيها و حتم الامر عليها لكن في بقائه يجري عليها المحو و الاثبات و هذه الاقسام الثلاثة كلها من المحتومات الا ان في الاولي لايمكن المحو و في الثانية لايقع و في الثالثة يقع و في الرابعة منها مكتوب فيها الاشياء المشروطات و الحوادث المقدرات و ان الشئ الفلاني سبب للآخر او شرط له و علة له فاذا وقع الشرط علي المشروط يقع كذا من الآثار و هذه غير محتومة و كل ما وقع الشرط علي المشروط يحتم و كلما لميقع فلا و الانبياء [ص 37] عليهم السلام يخبرون بالذي حتم و اما عما في الورقة الرابعة فلايخبرون الا اذا علموا ان اسباب وجودها و شرايطها قد تمت و لا مانع لها في الغيب و الشهادة وحده و هذا القسم ربما يتخلف اخبارهم كما اخبر النبي صلي الله عليه و آله عن موت ذلك الحطاب و قصته معلومة و هناك ورقة خامسة جامعة لهذه الاوراق كلها و تلك لايعلمها الا الله و الائمة عليهم السلام يزدادون من تلك الورقة و اليها الاشارة بقوله تعالي ثم قضي اجلا و اجل مسمي عنده فالاجل المقضي ما في الورقة الثالثة و المسمي ما في الورقة الخامسة و هذه الاحوال التي تجري من الخيرات التي تزيد و تنقص بعد حتم غيرها كل ذلك في ذلك الكتاب و الي ما ذكرنا من التفصيل الاشارة بقوله تعالي لكل اجل كتاب .
قال سلمه الله تعالي : ما حقيقة العقل حتي يتبين اقباله و ادباره .
اقول العقل نور الهي بدء من الاختراع الاول جوهر مجردة عن المادة الملكوتية و الجسمانية و الشبحية البرزخية و عن المدة المقدارية المثالية و المدة الزمانية اول نور مشرق من صبح الازل و آدم الثالث و اول ولد تولد من آدم الثاني الذي هو الوجود المقيد اعني الماء النازل من سحاب المشية الذي به كل شئ حي و من حوائه ارض الجرز ارض القابلية اي الماهية الاولي و هو اول غصن اخذ من شجرة الخلد و هو القلم في قوله تعالي ن و القلم و ما يسطرون و هو اول خلق من الروحانيين عن يمين العرش و هو النور الابيض الذي منه البياض و هو روح القدس و هو الملك المسدد للانبياء و هو العمود من النور الذي [ص 38] يري الامام عليه السلام احوال الخلايق و هو النفس الرحماني الثاني و هو عبد من عباد الله قائم في طاعة الله صورته هيكل التوحيد و صفته الرضا و التسليم و مقامه الركوع و طبيعته البرودة و اليبوسة في ظاهر ذاته و البرودة و الرطوبة في ظاهر فعله و الحرارة و اليبوسة في اصل ذاته و الحرارة و الرطوبة في مقام قراناته و اتصالاته في اقباله و ادباره و ادراكه المعاني الكلية المجردة عن الصور النفسية و المثالية و الجسمية و دليله الموعظة الحسنة و سبيله اليقين و طريقته التقوي و علم الطريقة و صفته الاستقامة و مكانه كل الممكن المكون الموجود بالوجود الكوني و وقته الدهر و هو الوقت الثابت المستمر الذي يجمع المختلفات الزمانية و يفرق مجتمعاتها و لونه البياض في صفته و السواد في ظاهر ذاته و الحمرة في باطن حقيقته و الصفرة في مبدء ادباره و مقبل علي الله عز و جل و منقطع عن كل ما سواه قاصر نظره اليه فانما خلقه الله سبحانه قبل الاكوان و اوجده قبل اطوار الاعيان قال له سبحانه اقبل اي الي الخلق لاظهار نعمة الله و اعلان كلمته و اثبات شواهد قدرته فاظهر الله سبحانه باقباله الذي هو ادباره عنه حقايق الاكوان و مستجنات غيوب الاعيان ففي كل مرتبة نازلة اظهر قشره و استتر في لبه الي ان ظهرت القشور المتراكمة فخفي اللب المقصود بالحقيقة ثم امره سبحانه بالاقبال فكان اقباله بحسب الاسباب الظاهرية و الباطنية بظهور الاسباب عند بلوغ الولدان الحلم فهناك اول ظهوره و مقام كمال الولد فيكلف ليكون سببا لكمال الظهور و مستشرقا بشوارق النور فهو في اول ظهوره عقل للملكة اي [ص 39] للاستعداد و التهيؤ القريب الي كمال الظهور فاذا قوي في العلم و العمل كان اقدم للفعل ان يكون جميع مداركه و احواله حاضرة لديه و هو ناظر الي جميع الاحوال السفلية و مطلع علي مراتب الوجودات المقيدة و اذا قوي ايضا بالعلم و العمل كان عقلا مستفادا فيعود الي بدئه و يحصل له الاتصال بعالم لا نهاية فيقف حينئذ علي باب فوارة النور فلا غاية لادراكاته و لا نهاية لظهوراته و هذا هو العقل الكلي في العالم الاكبر و ما في الاشخاص الانسانية شان من شئونات ذلك العقل الكلي و قبسة من انواره و هذا الذي في الانسان هو مدار التكليف و السعادة و الشقاوة و الثواب و العقاب و لما كان كل شئ مركبا من النور و الظلمة و هما متعادلان متعاكسان في الفعل كان للعقل ايضا ضد و هو ماهيته لكنها ضعيفة مغاوية لتراكم الانوار فيه لكونه من الخلق الاول و لكن العبد اذا انهمك في المعاصي و اعرض عن الله عز و جل و بارزه بالعصيان و الطغيان يضعف ذلك النور و يخفي فبقدره تقوي تلك الظلمة و تظهر الي ان يذهب النور بالكلية و لميبق له اثر و تاثير الا بقدر ما يمسك الوجود و تكثر الظلمة و تقوي الي ان يذهب النور بالكلية و يكون لها التاثير و الاثر فيخفي الوجه الاعلي من العقل الذي هو النور الذي به عبد الرحمن و اكتسب الجنان و تطهر ( تظهر ظ ) النكرا و الشيطنة فيبقي للشخص حينئذ ادراك و تميز و يدرك الكليات و يفهم الدقايق و يقع عليه التكليف لكنه لايميل الي الخير و لايحبه و لايقبل علي الله سبحانه و لا علي اوليائه و انما هو يبغضهم و هو قوله عليه السلام انه ما عبد به الرحمن [ص 40] و اكتسب به الجنان قيل و الذي في معوية قال عليه السلام تلك النكري و الشيطنة و ليست بعقل لكنها شبيهة للعقل و ذلك هو ما ذكرنا لك من تعاكس الضدين اللذين تركب منهما الشئ فضد النور الكلي ظلمة كلية فافهم و قد يطلق العقل ما سوي الخارج من الحواس الباطنية كما اذا قالوا المقبول في مقابلة المحسوس .
قال سلمه الله تعالي : ما الفرق بين القضاء و القدر و الامضاء و المشية و الارادة .
اقول هذه الاسماء كلها للفعل من حيث تعلقاته في مراتب الشئ الي ان يكمل فان الشئ لايوجد في الكوني الا بمادة و صورة نوعية و شخصية و قران تلك الصورة بالمادة لتمامه و اظهاره مشروح العلل مبين الاسباب و لما كان الشئ بجميع اركانه حادثا و الحادث لايوجد الا بفعل المحدث وجب اولا ان يتعلق الجعل بهذه المراتب لتمامه و الفعل المتعلق بكل مرتبة منها لاسم خاص غير الاسم الفعل من حيث تعلقه بمرتبة اخري و ان كان كل واحد منها يطلق علي الآخر اذا انفرد بالذكر فالفعل المتعلق بمادة الشئ المعبر عنها بالكون يسمي مشية و اليه الاشارة بقول مولينا عليه السلام في حديث يونس اتدري ما المشية قال لا قال عليه السلام هي الذكر الاول و لا ريب ان الشئ مبدء ذكره و اوله وجود المادة و قبل ان توجد مادته لا ذكر له و لا تحقق و المشية علي قسمين امكانية و كونية فالمشية الكونية هي التي ذكرناها و الامكانية سابقة عليها و هي المتعلقة بامكان الاشياء و ذكرها و صلاحيتها لتعلق الفعل [ص 41] اليه مثاله حركتك من حيث هي هي قبل تعلقها بمتعلق خاص من الاحوال النفسانية الغيبية و الجوارحية الشهودية تجدها صالحة للتعلق بكل ما يمكن ان يصدر عنك و يذكر كله علي التفصيل بوجه الوحدة فيها و لميبق الا ذاتك و الذي يمتنع صدوره عنك و كل ما سوي هذين مذكورين في نفس تلك الحركة كمذكورية الاعداد كلها في الواحدة و هذه هي المسماة بالمشية الامكانية و ما ذكرناه اولا يسمي بالمشية الكونية الامكانية تسمي ايضا بالكلمة التي انزجر لها العمق الاكبر و عالم الامر و العلم السابق و الولاية المطلقة و الاسم الذي مستقر في ظله فلايخرج منه الي غيره و امثالها من الاسماء و الفعل المتعلق بالصورة النوعية الكلية فذلك يسمي بالارادة و هي قد اشار اليه مولانا الرضا عليه السلام في حديث يونس قال اوتدري ما الارادة قال لا قال هي العزيمة علي ما يشاء و العزم هو الثبات و التثبت و التحقق و ثبات المادة و تحققها لاتكون الا بلحوق الصورة عليها و ان كانت نوعية اجمالية و الفعل المتعلق بمقادير الصورة الشخصية و الهندسة الايجادية من مدة الفناء و البقاء و الآجال و الارزاق و ساير ما يتعلق بها من زمان و مكان و كم و كيف و جهة و مرتبة و ساير الحدود و الاوضاع يسمي بالقدر و هو قوله عليه السلام القدر هو الهندسة و وضع الحدود و الفعل المتعلق بالزام هذه الحدود و الصور المادة الثانية و جعلها بهذا الاقتران شيئا واحدا يستحق اسما واحدا تام التركيب و الحدود يسمي بالقضاء و هو التركيب فبالقضاء يتم الشئ فاذا قضي فلا بداء في [ص 42] تكوين الشئ فان الشئ قد تم و كمل بالقضاء فالقدر يوجد و يحصل حدود الشئ و اجزائه و القضاء يركبه و يتممه و هو قوله تعالي هو الذي خلقك فسويك فعدلك في اي صورة ما شاء ركبك اي خلق مادتك بالمشية و سويك اي هياك للتصوير و التخطيط و التحديد بالارادة فعدلك يعني عدل حدودك و اجزائك علي حسب كينونتك بالقدر و في اي صورة ما شاء ركبك مما تقتضي كينونة ذاتك بالقضاء ففي القضاء اتمام و عقد ثان و بالقدر حل ثاني و بالارادة عقد اول و بالمشية حل اول و حلين مع عقدين لا بد منهما فحلله و اعقده و حلله و اعقده و الامضاء هو الفعل المتعلق باظهار الشئ مشروح العلل مبين الاسباب تام الخلقة كامل الصنعة فهذه الخمسة اربعة منها اركان الشئ و الخامس اظهاره فالامضاء انما يقع يوم السبت و القضاء يوم الجمعة و اول اقتران القدر بالقضاء يوم الخميس و تمام التقدير يوم الاربعا و ظهور الارادة في القدر يوم الثلثا و تمام تحقق الارادة يوم الاثنين و ظهور المشية الذكر الاول يوم الاحد فافهم و اغتنم و اشكر الله و من هذا البيان التام ظهر لك ان القدر مقدم علي القضاء و هو المعروف عن ائمتنا عليهم السلام كما قال مولانا الكاظم عليه السلام بعلمه كانت المشية و بمشيته كانت الارادة و بالارادة كان القدر و بالقدر كان القضاء الحديث ، و الروايات بهذا المعني كثيرة بل لاتجد غيرها مما يدل علي غير ما تدل عليه فلاتغتر اذن بقول من يزعم ان القضاء مقدم علي القدر و ان القضاء حكم اجمالي و القدر تفاصيل ذلك الحكم و ان كل ذلك خرص و تخمين لايقوم [ص 43] به البرهان .
قال سلمه الله تعالي : معرفة الله تعالي فطرية ام كسبية .
اقول ان الممكن الحادث حيث لاتمكنه معرفة الحق سبحانه لان القديم عن قدمه و الحادث لايصعد الي رتبة الازل و المعرفة بغير ذلك محال و الله سبحانه انما خلق الخلق لمعرفته كما قال عز ذكره كنت كنزا مخفيا فاحببت ان اعرف فخلقت الخلق لكي اعرف فوجب علي الله سبحانه ان يعرف نفسه خلقه بتعريفه لهم نفسه و بدون لميعرف احد ربه و هو قوله عليه السلام في الدعاء بك عرفتك و انت دللتني عليك و دعوتني اليك و لولا انت لمادر ما انت و قوله عليه السلام اعرفوا الله بالله و قوله عليه السلام ان الله اجل ان يعرف بخلقه بل الخلق يعرفون به و اذا وجب علي الله سبحانه ان يعرفهم نفسه وجب ان يكون تعريفه اياهم اجلي و اوضح مما يمكن ان يكون من التعريف و لما كان التعريف علي قسمين حالي و مقالي اجلاهما الحالي و اخفاهما المقالي و اكملهما الجمع بينهما ففعل سبحانه و تعالي و له الحمد و الشكر و عرفهم نفسه اياهم بالتعريف الحالي بان خلق صفة معرفته و ما يريد من الخلق من اوامره و نواهيه و علومه و اسراره بحيث اذا نظر الناظر اليها يعرفها من غير معلم بل يكون صفة معرفته واضحة ظاهرة جلية بحيث لايخفي علي احد من المخلوقين و لما كان الوصف بالتعريف الحالي كلما قرب الي من وصف له و عرف له اكمل و اوضح و اتم للحجة و اكمل لايضاح الحجة و ادخل لاتمام النعمة وجب عليه سبحانه ان [ص 44] يجعل صفة معرفته بالبيان الحالي قريبة اليهم مرفوعة الحامل بينهما و بينهم لاتمام الحجة بينهما و اكمال النعمة و لما انه لا شئ اقرب الي الشئ من نفسه اليه جعل سبحانه و له الشكر و الحمد حقايق الاشياء بيانا حاليا و وصفا الهيا وصف نفسه لهم بهم و خلقهم علي هيئة و فطرة كينونة اذا نظروا اليها و تاملوا فيها تبين لهم صفات الحق سبحانه من توحيده لاركانه و اسمائه و صفاته و خلفائه و جميع ما تناط معرفته تعالي به فكل شئ من انس و جن صفة معرفته تعالي و هيكل توحيده و لذا قال عليه السلام من عرف نفسه فقد عرف ربه و قال صلي الله عليه و آله اعرفكم بنفسه اعرفكم بربه و ذلك التوصيف و التعريف هي فطرة الله التي فطر الناس عليها و صبغة الله التي صبغهم بها و من احسن من الله ثم حملوا ثم دلهم سبحانه عليه في كتابه بقوله الحق و في انفسكم افلاتبصرون و قال عز و جل سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق و قال ايضا و يضرب الله الامثال للناس و مايعقلها الا العالمون و قال سبحانه و كاين من آية في السموات و الارض يمرون عليها و هم عنها معرضون و قال تعالي اولمينظروا في ملكوت السموات و الارض و ان عسي ان يكون قد اقترب اجلهم و قال تعالي قل انظروا ماذا في السموات و الارض و امثالها من الآيات الناصات علي ان صفة معرفته سبحانه تعالي و اودعها في حقيقة كل شئ و حيث ان الخلق لما نزلوا الي هذه الدنيا و اشتغلوا عن الله بهوي انفسهم و نسوا الله انسيهم انفسهم و عموا عن رشدهم و جهلوا ما عندهم [ص 45] و طلبوا ما عندهم من غيرهم بعث الله سبحانه انبياء مذكرين باقين علي الاشهاد الاول لما اشهدهم علي انفسهم و بقوا يذكرون الخلق ما نسوا و يعلمونهم ما جهلوا و يامرونهم بالرجوع الي انفسهم حتي يجدوا ما عندهم و يعرفوا بذلك ربهم فمن قال ان معرفة الله فطرية و اراد هذا المعني بان كينونة الاشياء مجبولة مفطورة علي معرفته سبحانه فقد صدق و اصاب و من قال انها كسبية ان اراد تلك المعرفة و ان كان الخلق مفطور عليها لكنها يحتاج الي تدبر و نظر و تفكر في نفسه و ما فيها من عجايب الخلقة من قول اميرالمؤمنين عليه السلام :
دوائك فيك و ماتشعر و دائك منك و ماتبصر
اتزعم انك جرم صغير و فيك انطوي العالم الاكبر
و انت الكتاب المبين الذي ( باحرفه يظهر المضمر )
و قال ايضا علي ما في الغرر و الدرر الصورة الانسانية هي اكبر حجة علي خلقه و هي الكتاب الذي كتبه بيده و هي الهيكل الذي بناه بحكمته و هي مجمع صور العالمين و هي المختصر من اللوح المحفوظ ، و امثالهما من الروايات فقد اصاب و نطق بالصواب و هو السر في الاتيان بالسين الاستقبالية في قوله تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق مع ان تلك الآيات موجودة متحققة ثابتة لما ذكرنا لك سابقا و اما الارائة فتتوقف علي نظر المكلفين و تدبرهم و تفكرهم و تذكرهم ما عرفوا سابقا مما جبلت عليه كينونتهم حتي ينكشف [ص 46] لكم الحجاب و تنفتح عليهم الباب لظهور ذلك الجناب و هذا النظر ليس له طريق خاص لايمكن ان يتعداه الي غيره بل يحصل بالتفكر في نفسه و في العالم و التدبر في ملكوت السموات و الارض و المذاكرة مع ابناء نوعه و مزاولة الكتب و ممارستها و مشاهدة الشئ الواحد في الاشياء بجهاتها و اطوارها فهذه و امثالها اسباب لفتح باب معرفة نفسه و كشف الغطاء التي بينه و بين معرفة ربه حتي يصدق عليه قوله تعالي فكشفنا عنك غطائك فبصرك اليوم حديد و ان اراد بان معرفة الله كسبية ان تلك المعرفة لمتكن حاصلة له قبل ذلك الكسب و انما حصلت بالكسب و النظر فباطل اذ لاينفع مسموع اذا لميكن مطبوعا فيكذبه الادلة العقلية و النقلية و الشواهد الوجدانية و مقتضيات الحكمة فعلي هذا البيان التام تبين لك انه يصح ان تقول ان معرفة الله فطرية و انها كسبية و انها فطرية و كسبية و الكل صحيح علي الوجه الذي ذكرناه و الصورة التي فصلناها فافهم و لاتكثر المقال فان العلم نقطة كثرها الجهال .
قال سلمه الله تعالي : هل يجب اعادة فواضل المكلف ام لا .
اقول لايجب ذلك كما قال المحقق الطوسي (ره) في التجريد لايجب اعادة فواضل المكلف و الا لميكن فرق بين الدنيا و الآخرة لان الدنيا انما كانت لظهور هذه الفواضل و لذا تري انها تعتور عليه بلا حصول تغيير في ذاته و بيانه ان الله سبحانه تعالي خلق بدن الانسان من عناصر الاربعة و هذه العناصر لاتتم به الخلقة و لاتكمل به الصنعة الا ان تكون بينها اقتران و اجتماع علي وزن مقدر و كيل مستقر يحصل به المزاج و تحفظ [ص 47] به الصورة النوعية فعلي هذا يختلف ميزانها بحسب الكم و ان اعتدل بحسب الكيف علي الاصح عندنا فعناصر الاربعة علي الهيئة الاعتدالية التي بها يحصل المزاج و يقوم بها الجسم و يصون عن التهافت و الاضمحلال و تنحفظ بها كينونته و تسلم بها سريرته و طويته هي المسماة بالعناصر الغريزية فحرارتها حرارة و رطوبتها رطوبة غريزية و برودتها غريزية و يبوستها يبوسة غريزية و الاخيرتان و ان انكرهما الاطباء الا انه علي النهج الذي ذكرنا لاينكرونه و انكاره في انكارهم علي النهج الذي هم يقولون عندنا كلام و مناقشة و بالجملة فالعناصر التي بها قوام البدن و حفظ صورة النوعية هي المسماة بالغرايز و بها يتحقق الجسم و باختلال بعض منها ذاتا و صفة او مقدارا يختل او ينعدم فما تقوم به البدن و الجسم هي تلك العناصر الاصلية الالهية الغريزية و بها يكون البدن في كمال الاعتدال و قوة المزاج و الصحة و العافية و جودة التركيب و تناسب الاعضاء و حسن الشمايل و امثالها من امثالها الحقيقية و لما جعل الله سبحانه تعالي هذه الدار دار الابتلاء و الامتحان و الفتن و جعل المكلف مختارا و ميسرا في اجراء مقتضياته و ميولاته و شهواته كان المكلف بحسب عدم اعتداله و عدم مراعاته لحال الستة الضرورية التي بها تقوم المزاج و اعتداله كان تغلب علي كل عنصر من تلك العناصر ما يخرجه عن الوزن المقدر اما بزيادة من ذلك العنصر كيفا و مقدارا او بنقصان منه بزيادة ما يضاده من غيره و هذه الزيادة تسمي بالغرايب و هي الفواضل و هي التي وجودها يوجب الامراض [ص 48] و الاسقام و تشويه فالاختلال بالاعضاء و عدم تناسبها و ساير احوالها فوجود هذه الفواضل و الغرايب مضر بمقتضي تلك الغرايز و لذا تري الطبيب عند غلبة الصفراء الحاصلة بزيادة عنصر النار علي القدر الذي يقوم به البدن بسقيه المبردات مقدار ما تنقص تلك الحرارة الغريبة الزائدة و يرجع البدن الي اعتدال و عند غلبة السوداء الحاصلة بزيادة التراب عن القدر الموزون المقدر بقوام البدن بسقيه المرطبات فيرجع الي الاعتدال و الصحة و كذلك عند غلبة البلغم و الدم و الحاصل وجود هذه الغرايب و الفواضل مضرة للبدن و مخرجة اياه عما هو عليه من الاقتضاءات و الشئونات الحقيقية الاصلية فلو امكن الانسان بطبيب حاذق و معالجات حقيقية ان تدفع تلك الغرايب عن نفسه و لاتعود اليه لفعل و كان محمودا و لكن حيث ان الدنيا ليست بدار استقامة و لا بدار المقامة و الستة الضرورية للبدن ما تجري علي جهة الاستقامة و الاعتدال كان دفع هذه الغرايب بالمرة شئ عزيز الوصال بعيد المنال الا بالنسبة الي اهل الجزيرة الخضراء و التسعة و الثلثون عالما التي هي وراء جبل قاف اذا ما عرتهم العوارض و لااعتورت عليهم الغرايب لاعتدال طبايعهم و استقامتهم و توجههم الي الملأ الاعلي الموجب لصفاء المزاج و تلك الغرايب بل الفواضل هي علة الفساد و الابادة و الفناء و الاضمحلال فاذا انتقلت الابدان و الاجساد الي الدار الآخرة التي هي الحيوان فلا موجب لوجود تلك الاعراض التي هي علة الفساد و الفناء فاعادتها نقص غرض الحكيم فانه سبحانه اعادها للحيوة و الدوام الابدي كما قال عز و جل و ان [ص 49] الدار الآخرة لهي الحيوان و هذه الغرايب و الفواضل موجب و سبب للابادة و الموت و هو سبحانه جعل العالم عالم الاسباب و يجري افعاله بها فاذا وجدت اسباب الفناء في دار البقاء لزم التضاد و هو محال علي الله سبحانه مع ان هذه الغرايب التي هي الفواضل لا دخل لها في كينونة البدن و لا هي من عرضياته اللازمة و انما هي اعراض توجب الفساد و الله سبحانه قبيح عليه ان يعيدها في دار البقاء و الصلاح و هو معلوم بالضرورة عند كل عاقل فضلا عن العالم فضلا عن الكامل فقولكم هل تجب اعادة فواضل المكلف ام لا جوابه انه لايجوز و الا لكان للقبيح و ناقضا لغرض الايجاد و لميصح قوله تعالي كما بدءكم تعودون و التوالي كلها باطلة و الملازمة ظاهرة و لما كانت هذه الغرايب هي العناصر الحاصلة عن زيادة القدر الموزون و تحفظ البدن سماها شيخنا العلامة اعلي الله مقامه بالجسد الثاني و سماها تلك الغرايز التي هي قوام البدن بالجسد الاول و قال ان الجسد الثاني لايعود يرجع عناصر الي اصله فلاتعود و يريد منه الغرايب فان الحرارة الغريبية ترجع الي عناصرها كالتراب و الماء و الهواء و هي ليست من البدن و لا له و لا اليه و انما هي كالثوب تنزعه ثم لاتلبسه ابدا و هذا مذهب جميع اهل الاسلام بل جميع اهل الملل و الاديان .
تنبيه اعلم ان الجسد قد يطلق علي الجسم التعليمي و المراد به الصورة فان الصورة العارضة للجسم الاصلي الذي هو الجسد الاول قد تختلف مع بقاء الجسد فان اهل الدنيا يرجعون و يعودون في الآخرة علي صور [ص 50] شتي غير صورتهم الدنياوية فقبيح الصورة اذا واظب علي قرائة سورة يوسف يحشر يوم القيمة علي صورة يوسف و كذلك اذا واظب علي قرائة سورة يس يخرج من قبره و يتلألأ كالبدر في ليلة تمامه و هكذا من ساير الاحوال الطيبة التي هي بغيرها في الدنيا و كذلك بالعكس فان حسن الصورة يرجع يوم القيمة قبيح الصورة و هو قوله تعالي و نحشره يوم القيمة اعمي قال رب لم حشرتني اعمي و قد كنت بصيرا قال كذلك اتتك آياتنا من قبل فنسيتها و كذلك اليوم تنسي و المتكبر يحشر يوم القيمة كصورة الذر و له ضرس كجبل احد و امثالها من الصورة المختلفة التي اخبر عنها اهل البيت عليهم السلام فالصورة تختلف و اصل المادة التي هي العناصر الغريزية موجودة تظهر بصور اعمالها ان خيرا فحسن الصورة في الصورة الانسانية و ان شرا فعلي اقبح صورة من الصور الشيطانية البهيمية و هو قوله عز و جل و جائت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد فافهم و ثبت ثبتك الله .
قال سلمه الله تعالي : ما معني قوله عليه السلام لك يا الهي وحدانية العدد .
اقول يريد بذلك عليه السلام تنزية الحق سبحانه عن وحدة العدد لان وحدة العدد وحدة في مبدء الاعداد و فيه ذكر جميع الاعداد و ما من العدد الا و يذكر فيه بالنسبة مثلا ان الواحد نصف الاثنين و ثلث الثلاثة و ربع الاربعة و هكذا الي آخر مراتب الاعداد الغير المتناهية و آخر مقاماتها بدوا و عودا و هذه الوحدة ليست بحقيقية و انما فيها ذكر [ص 51] الكثرات التي هي الاعيان الثابتة و الكثرة في الوحدة شان الامكان و انما هي وحدة مشوبة بالكثرة و اما وحدة الحق سبحانه فلا شوب للكثرة فيها بحال من الاحوال و طور من الاطوار و لما كان الامكان ملك الله سبحانه و الملك خلق و اثر لايجري عليه ما هو اجراه و لايتصف به ما هو انشاه قول مولانا سيد الساجدين لك يا الهي وحدانية العدد و اللام للتمليك و الاختصاص يعني ان وحدانية العدد ملكك و خلقك فلايوصف بها لان الاثر فقر و المؤثر غني فلايوصف صفته الفقر بالغني بالذات فلايتوهمن متوهم ان وحدة العدد من صفاته سبحانه تعالي لانها من ملكه فلايوصف المالك الجاعل الخالق به يوصف به المملوك المجعول المخلوق و هذا رد علي القائلين باثبات الاعيان الثابتة في الازل فانها لاتكون الا في مقام الوحدة العددية بل كل وحدة فيها ذكر الكثرة عددية و ان اختلف الاصطلاح بجعل الوحدة اقساما متعددة مثل الوحدة الحقيقية و الوحدة الانبساطية و الوحدة الجنسية و الوحدة النوعية و الوحدة الشخصية و الوحدة العددية و التحقيق ان الوحدة حقية و هي وحدة ذات الله و وحدة حقيقية و هي الوحدة الفعلية من قوله تعالي و ما امرنا الا واحدة و وحدة عددية و هي وحدة فيها ذكر الغير و هي علي اقسام انبساطية و هي التي لا ثاني لها في جميع الاكوان و جنسية و هي التي لا ثاني لها بالنسبة الي افرادها و له ثان بالنسبة الي جنسها و نوعية و هي كالجنسية الا انها احد افرادها و الحكم واحدة في اصل الوحدة و شخصية و هي وحدة فرد من نوع و وحدة نوع من جنس و وحدة جنس من [ص 52] منبسط فان كل مرتبة منها فرد لاعلاها فالشخص فرد للنوع و النوع فرد للجنس و الجنس فرد للحقيقة الجامعة المبسوطة علي جميع اطوار الوجودية بلا كيف و لا اشارة فالوحدة الشخصية تشملها جميعا بهذا الاعتبار و عددية و هي الظاهرة المعروفة بين الناس من العوام و الخواص من الوحدة الظاهرة بالواحد الذي هو مبدء الاعداد المتلو بالاثنين المتلو بالثلثة المتلوة بالاربعة و هكذا الي ما لا نهاية و اما عند الخصيصين فكلما سوي الوحدة الحقيقية وحدة عددية علي الوجه الذي ذكرنا و لذا قال عليه السلام لك يا الهي وحدانية العدد و خص الوحدة العددية بالذكر دون باقيها مع تنزهه سبحانه عن الجميع و اما الواحد ( الوحدة ظ ) الحقيقية و ان كان الحق سبحانه منزه عنها في ذاته لكنها هي من صفات افعاله بخلاف الوحدة العددية باقسامها فانها من صفات مفعولاته فافهم .
قال سلمه الله تعالي : ما معني قوله عليه السلام في دعاء المشهور بدعاء كميل فغرني بما اهوي و اسعده علي ذلك القضاء .
اقول اما قوله عليه السلام فغرني بما اهوي ظاهر و اما توهم انه ينافي العصمة فتوهم لانه من قبيل حسنات الابرار سيئات المقربين و من قبيل قول الشاعر :
لقد قلت مااذنبت قالت مجيبة وجودك ذنب لايقاس به ذنب
و اما معني الفقرة الثانية فقد بينا سابقا و اشرنا الي انه لايكون شئ في عالم الامكان الا بمشية و ارادة و قدر و قضاء و امضاء لكن هذه الافعال لاتوجب الالجاء في الذات و الفعل و انما يتيسر لما خلق من اجرائه علي [ص 53] جهة الاختيار و اثبات ميولاته علي نحو شهواته فهو سبحانه تعالي يقضي ما يعلم انه بشهوته و ميله و اختياره الحسن او السيئ يرتكب ذلك الشئ فالقضاء الخاص حافظ و ماعدا لا ملجأ و جابر و قاسر و لذا قال عليه السلام و اسعدني علي ذلك القضاء و لميقل و الجأني الي ذلك القضاء فالمساعدة من الله بحفظ الشئ و حفظ اعماله و افعاله فيما يشاء و يريد بما يشاء و يريد حاصله و لولاها لبطلت الاشياء و فسدت الغرايز و اضمحلت الطبايع و ذهبت الميولات و عدمت الصفات و الذوات او جاء الالجاء و الاضطرار اللذان ينزه عنهما خالق الارضين و السموات و هو قوله عز من قائل كلا نمد هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربك و ماكان عطاء ربك محظورا فمساعدة القضاء لاتنافي شيئا من قواعد الاسلام و المذهب و هو ظاهر انشاء الله تعالي .
قال سلمه الله تعالي : ما الجمع بين الاخبار الواردة في شان الائمة عليهم السلام اذ في بعضها انهم يزدادون في كل ليلة جمعة و في بعضها لولا انا نزداد لنفد ما عندنا و في بعضها انهم اذا شاؤا علموا علموا و في بعضها انهم يعلمون علم ما كان و ما يكون .
اقول اما ما ورد من انهم يزدادون في كل ليلة جمعة فالمراد به الامور التي ماكانت موجودة في عالم الكون بوجه من الوجوه و وجدت و تمت فاحكام الاسبوع انما تتم في ليلة الجمعة و تاتيهم الملئكة و يخبرهم بجميع الاشياء التي نزلت من عالم الغيب العدم الامكاني الي عالم الوجود فيما يتعلق بذلك الاسبوع كلها يخبرونهم عليهم السلام بها و بها يزدادون [ص 54] في كل ليلة جمعة و كلما يتعلق باحوال السنة من الآجال و الارزاق و الفقر و الغني و ساير الذوات و الصفات و الجواهر و الاعراض مما تنزل من عالم الغيب الذي ذكرناه الي خزانة الوجود و الشهود تنزل الملئكة و الروح في ليلة القدر و يخبر بها امام العصر و اما ما يتعلق بكل آن فان من الامور التي توجد في يوم الشان من الحوادث و الوجودات و الفيوضات التي يوجدها الله سبحانه تعالي و ينزلها من فوارة القدر بامر مستقر فياتيهم سلام الله عليهم العلم بها في كل آن و بهذا البيان التام اجمع بين الروايات التي وردت في ان العلم الحقيقي الذي يحسبونه عليهم السلام علما هو ما يتجدد عندهم في كل آن فآن لان فيض الله لاينقطع و فوارة الحدوث و الايجاد دائمة الفوران و يد الله سبحانه ماغلت كما هو توهمته اليهود من امة موسي و في امة محمد صلي الله عليه و آله مقابلون لتلك الفوارة فياتيهم في كل آن بجميع مراتبهم علي حسب مقام ذلك العلم و المعلومات فمنها نكت في القلوب و منها نقر في الآذان و منها صوت كوقع السلسلة في الطست و امثالها من وجوه علمهم المتجدد في كل آن انظر كتاب الكافي فيما رواه ثقة الاسلام عن ابيبصير من قوله عليه السلام يا بامحمد ان عندنا الجفر و الجامعة و عندنا مصحف فاطمة و عندنا علم ما كان و ما يكون و كل ذلك يقول ابوبصير انه لعلم و يقول عليه السلام علم و ليس بذاك الي ان قال ابوبصير فاي شئ العلم اذن قال ما يحدث شيئا فشيئا و آنا فآنا نقلت معني بعض الحديث و الحديث كله عندكم موجود و بين الروايات التي [ص 55] وردت انهم عليهم السلام يزدادون في كل ليلة جمعة و الروايات التي وردت انهم عليهم السلام يزدادون في كل ليلة القدر و القرآن صريح بذلك بان احكام جميع السنة في ليلة القدر و احكام جميع الاسبوع في ليلة الجمعة و احكام جميع الليل و النهار بين الطلوعين في كل يوم و احكام الجزئيات الموجودات آنا فآنا و انما كررتها و رددتها للتفهيم و اما ما ورد من قولهم عليهم السلام لولا انا نزداد لنفد ما عندنا فليس المراد به خصوص العلم بل كل شئ فان الحادث المخلوق الممكن فقير مضطر ضعيف لايملك لنفسه نفعا و لا ضرا و لا حيوة و لا موتا و لا نشورا و هو المحتاج الي المدد آنا فآنا محتاج الي فيض جديد فلولا ذلك المدد لفني و اضمحل هذا حكم كل ممكن حادث فانه لايقوم الا بمدد جديد مثاله السراج فانه اذا انقطع عنها الدهن لنفد ما عنده و احترق و كذلك بدن الانسان لولا ما ياتيه من مدد جديد لضعف الي ان نفد ما عنده و مات الاتري انه اذا مااكل يومين كيف تنحل قواه و تضعف الي ان يموت و هلك و لما كان الامام عليه السلام هو الممكن الفقير بل هو افقر الخلق الي الله لانه فقره اليه سبحانه من وجهين و فقر غيره من وجه واحد لانهم يستمدون عنه سبحانه بما ينحفظ به وجودهم و يستمدون عنه سبحانه لامداد غيرهم و غيرهم يستمدون لحفظ وجودهم و لذا خصهم الله بالذكر و قال يا ايها الناس انتم الفقراء الي الله و فصل الضمير يفيد الحصر و هم الناس بالاصالة و شيعتهم بالتبعية و قد قال الله تعالي ام يحسدون الناس علي ما آتيهم الله من فضله قال الباقر عليه السلام نحن [ص 56] الناس المحسودون و بالجملة هم الناس في مقام المدح و في مقام الذم ظلالهم و عكوسهم فاذا تمحضوا في الفقر لاحتاجوا الي مدد جديد و لميزدادوا بالحظ الاولي لنفد ما عندهم كما هو شان الامكان و انما قالوا ذلك عليهم السلام لبيان فقرهم و حاجتهم الي الله لئلايتوهم فيه الغلو و لايقال فيهم الاستقلال يا اهل الكتاب لاتغلوا في دينكم و لاتقولوا علي الله الا الحق انما المسيح عيسي بن مريم رسول الله و كلمته القاها الي مريم و روح منه و قال تعالي و لما ضرب بن مريم مثلا فافهم ضرب المثل و تعيها اذن واعية و اما ما ورد من انهم عليهم السلام اذا شاؤا ان يعلموا علموا فذلك هو الذي لميوجد في الكون اصلا و لميدخل في العين راسا و لميتعلق به الجعل في عالم الكون بل انما هو غيب في الامكان فذلك الذي اذا شاؤا و ارادوا من الله سبحانه ان يعلمهم فعل لان لهم عليهم السلام عنده الجاه الوجيه و الشان الكبير و الامر الخطير لايردهم اذ سئلوه و لايحينهم ( لايخيبهم ظ ) عن بلوغ ما املوه لانه ما (كذا) يحبهم و يحبونه فاذا شاؤا ان يعلمهم الله مما كان في الغيب عنده في اطوار الامكان مما لميوجد في الوجود يعلمهم الله سبحانه تعالي و لايحيطون بشئ من علمه يعني من علم الغيب الا بما شاء مما شاؤا ان يعلمهم اياه لانهم المجتبون و المرتضون الذين يعلمهم الله الغيب فلايظهر علي غيبه احد الا من ارتضي من رسول و قال تعالي و ماكان الله ليطلعكم علي الغيب و لكن الله يجتبي من رسله من يشاء فاذا شاؤا ان يعلموا علموا بتعليم الله من الامور الغيبية التي لمتدخل في الكون [ص 57] و اما ما ورد من انهم عليهم السلام يعلمون علم ما كان و ما هو كائن فذلك كلما دخل في الوجود مما تعلق به الجعل فان الموجودات بدلالة العقل و النقل اشعة انوارهم و عكوسات آثارهم لانهم هم الصادر الاول فكل مخلوق تحتهم و لا شك ان العالي يحيط بالسافل فكلما دخل في خزينة من خزائن الاكوان من قوله تعالي و ان من شئ الا عندنا خزائنه و ماننزله الا بقدر معلوم سواء كان نزل من الخزانة العليا الي الخزانة السفلي بل و لايتنزل فيما بعد علي حسب تمام القابليات في الثانية فهو بالنسبة الي الخزينة العليا كان و بالنسبة الي الخزينة السفلي تكون فما كان و ما يكون مما جري عليه قلم الاختراع فعندهم عليهم السلام علمه و هذا ليس بغيب و انما هو مشهود عندهم لان عالم الكون باجمعه بيت قد خلقه الله سبحانه لهم فهم صاحبوا البيت و اهل البيت ادري بالذي فيه كيف و ان الله سبحانه ذكر في القرآن انه لا رطب و لا يابس الا في كتاب مبين و مافرطنا في الكتاب من شئ و فيه تفصيل كل شئ و كل شئ احصيناه كتابا و علم الكتاب كله عندهم علي ما نص عليه مولينا الصادق عليه السلام و قال تعالي و كل شئ احصيناه في امام مبين و كل منهم الامام المبين صلي الله عليهم الا ان يخرج من مذهب الاثنيعشرية خارج و يقول بقول اهل السنة و الجماعة ان الامام هو القرآن فاذا قال ذلك لايفيده شئ ايضا مما يروم انكاره لان علم القرآن عندهم باتفاق من جميع المسلمين فعندهم علم ما كان و ما هو كائن ابد الابد و دهر السرمد مما دخل في عالم الكون و لبس حلة العين [ص 58] و جري عليه قلم الاختراع و سطر في لوح الابتداع فملخص المقال في الجمع بين هذه الاخبار هو الذي ذكرنا لك فلاتسمع بعد هذا الي اغاليط المنكرين لفضل آلمحمد سلام الله عليهم و شبهات المشبهين و عبارات المموهين و جميع الاخبار و الاحاديث ترجع لو فرضنا بظاهرها ماينافي ما ذكرناه الي ما ذكرناه و لو كان لي مجال و للقلب سعة و اقبال لبسطت المقال في هذه الاحوال و ذكرت الاقوال و ادلتها و اشرت الي ضعف الاستدلال و لكن فيما ذكرنا كفاية و قد ذكرت في شرح الخطبة الشريفة الطتنجية عند قول اميرالمؤمنين عليه السلام و علمت ما كان و ما يكون و ما كان في الذر الاول مع آدم الاول الي قوله عليه السلام كل ذلك علم احاطة لا علم اخبار ما يشفي العليل و يبرد الغليل فاطلبه ان اردت الزيادة و الا ففيما ذكرنا كفاية .