[ص 1]

رسالة في جواب سائل عن خمس و عشرين مسألة

من مصنفات السيد الاجل الاوحد المرحوم

الحاج سيد كاظم بن السيد قاسم الرشتي اعلي الله مقامه

[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين و الصلوة و السلام علي خير خلقه و مظهر لطفه محمد و آله الطاهرين و لعنة الله علي مبغضيهم و منكري فضائلهم اجمعين ابد الآبدين .

اما بعد فان العبد الجاني و الاسير الفاني كاظم بن قاسم الحسيني الرشتي يقدم العذر الي ذلك الجناب المستطاب المرجع لاولي الافئدة و اولي الالباب من تأخير رسم الجواب و عدم البسط في المقال و شرح حقايق الاحوال و ذكر خفايا المطالب و الاسرار بجوامع الاستدلال لما انا عليه من توارد الاعراض و الامراض و توفر الاشغال و مقاساة الشدايد و الاهوال و مكابدة ما يطرء من الجهال و مدافعة معارضاة اهل الضلال و كثرة ما اشاهد من اهل النفاق و دواعي تبلبل البال و توفر موجبات اختلال الاحوال فاني قد ابتليت بوقت قد مد الجور باعه و اسفر الظلم قناعه و دعي الغي اتباعه فلبوه من كل جانب و اوان و اجابوه باللسان و الجنان فالمستكن في القلب من الاحوال العجيبة و المعاني الغريبة كيف يتأتي بيانه و الحال هذه و المستجن في الصدر من لطايف الصور و الحقايق كيف يمكن ابرازه لمن هذا اوانه و زمانه و قد احببت ان تأتيني هذه المسائل في غير هذه الحالة لاؤدي بعض حقها من التحقيق و اوصل السالك سبيل المعارف و الحقايق سواء الطريق و لكني آت الآن بما هو الميسور المقدور و ما اتمكن من رسمها في السفر مع تبلبل البال بمعاناة الحل و الارتحال و اكتفي بالاشارة و الوح بصريح العبارة [ص 3] اعتمادا علي ذلك الفهم العالي و الادراك السامي و جعلت سؤاله ايده الله و ابقاه متنا و جوابي كالشرح له ليطابق كل جواب بسؤاله .

قال سلمه الله تعالي : المسئلة الاولي - هل يصدر من الواحد اكثر من واحد ام لا .

اقول اما في الامكان فلايمكن لان الواحد الحقيقي في عالم الامكان ممتنع الوجود لان الحادث له جهتان احديهما الدلالة علي مبدئه و الثانية ظهور كينونة نفسه بابداء شئوناته المختلفة مما ينزه مبدئه عنها مثلا الجسم له مقامان احدهما مقام انه اثر مخلوق فيدل علي خالقه و مؤثره و ثانيهما مقام ان له حيز و صورة و حدود و اجزاء و قرانات و تركيبات و لا شك انه بهذه الجهة حجاب من مبدئه ينزه خالقه و صانعه عن تلك الصفات و الاقتضاءات و هكذا الكلام في النفس و الروح و العقل و غيرها مما يوجد في الامكان المتحقق بكن فيكون و متعدد الجهات مركب مختلف فالحادث محال ان يكون بسيطا واحدا من جميع الجهات و لذا قالوا ان كل ممكن زوج تركيبي و حيث لا وحدة في الامكان وجب ان يقال اطلاق الواحد علي الممكن اضافي نسبي و الا فلا واحد الا الله سبحانه فوجب تقييد الواحد الامكاني بالواحد من حيث الوحدة فنقول ان الواحد من حيث الوحدة لايصح ان يصدر منه الا الواحد كذلك لما علم بالضرورة ان بين الصادر و المصدر يجب ان يكون مناسبة تصحح صدور ذلك الصادر عنه لا غير و الا لصح صدور كل شئ من كل شئ و هو في البطلان بمكان الاتري ان الحار من حيث هو [ص 4] كذلك لايصدر منه البارد و الرطب من حيث هو كذلك لايصدر منه اليابس و الحمرة من حيث هي كذلك لاتصدر منه البياض كالبياض و الحمرة من حيث هي لاتصدر منها الحمرة كالحمرة و هكذا فلا بد من جهة خاصة في المصدر بها يصح صدور ذلك الصادر منه و هو معلوم واضح لمن انصف و تدبر و هو اجماع من جميع العقلاء من الحكماء و غيرهم حيث قالوا الواحد لايصدر منه الا الواحد الا ان خلافهم في ان المناسبة مع ذات المصدر او فعله و به امتاز المحق من المبطل فحينئذ لايمكن ان يتعلق جعله من حيث مناسبته لمجعول خاص بتلك الجهة و الحيثية بغير ذلك المجعول فان ذلك الغير اما ان يكون مساويا مع ذلك المجعول من جميع الجهات ارتفعت الاثنينية و ان كان مغايرا جاء التناقض و اجتماع الضدين فيكون حين يصدر الاسود من حيث هو منه يصدر منه اللااسود و تجويز ذلك مكابرة للضروري و مصادمة للبديهي و يلزم من ذلك جواز صدور كل شئ و لايقول به عاقل فاذن لايمكن ان يصدر من الواحد من حيث هو كذلك اكثر من واحد من حيث هو كذلك فالكاتب من حيث هو كاتب لايصدر عنه القيام و القائم من حيث هو كذلك لايصدر عنه القعود و هكذا في جميع الافعال و الاحوال و اليه الاشارة في قوله تعالي لمن يعقل ماجعل الله لرجل من قلبين في جوفه و القلب هو الفاعل و ان كان بواسطة الجوارح هذا حال الممكن الحادث المخلوق و لما كان حقيقة الممكن هي الفقر و الاحتياج و صفاته و جهاته صفات الفقر و الاحتياج و حقيقة الواجب هي الغني و [ص 5] الاستقلال و صفاته صفات الغني و الاستقلال وجب ان لايوصف كل منهما بما يوصف به الآخر فيجب نفي صفات الممكن و احواله و صفاته الذاتية فالممكن و صفاته بجميع شئوناته و اطواره و مقتضياته صفات سلبية للواجب سواء كانت صفات كمال او نقص و هو قوله تعالي سبحان ربك رب العزة عما يصفون و قول مولينا الرضا عليه السلام كلما في المخلوق يمتنع في خالقه فاذا امتنع شئ في الامكان من ظهور آثار القدرة لايجب ان تمنع في الواجب لما ذكرنا من ان الممكن و احواله فقر و الا لزم مساوات الفقير مع الغني بالذات بل ما يتعلق باظهار القدرة مما لايستلزم نقص وجب ان يكون واجبا في الواجب لعموم قدرته و سعة رحمته و لذا تصفه بانه قريب من حيث بعده و بعيد من حيث قربه عال من حيث دنوه دان من حيث علوه ظاهر في عين خفائه و خفي في عين ظهوره بلا اختلاف جهة و لا حيث مع انه في الممكن ممتنع فاذا جاز ذلك وجب ان يكون ما امتنع في الممكن من صدور اكثر من واحد من الواحد وجب ان يمتنع ذلك في الواجب و الا لساواه و قد نص علي ما ذكرنا مولانا الصادق عليه السلام في دعاء كل يوم من شهر رمضان في قوله عليه السلام لايشغله علم شئ عن علم شئ و لا خلق شئ عن خلق شئ فاذا لم‌يشغله خلق شئ عن خلق شئ فحين صدور شئ عنه يجب ان يصح صدور غيره عنه و الا لشغله خلق شئ عن خلق شئ فاذا طابق العقل و النقل و الوجدان يجب التصديق له و التسليم و الاذعان فاذن يجب ان يكون الله سبحانه قادرا علي ذلك [ص 6] اي ان يصدر عنه سبحانه اكثر من واحد و هو المطلق و هذا كلام جري علي ظاهر المقال من دليل المجادلة بالتي هي احسن الذي هو اضعف جهات الاستدلال و اما اذا نظر الي ما هو المعروف في الفطرة الاولي عند اهل البصيرة الالهية و ما جري علي السنة العلماء فهذا الكلام ساقط من اصله لان الذات من حيث هي لايباشر الخلق و لايتصل به و لايقترن به و لاتجتمع معه فلا نسبة و لا اقتران و لا انفصال و لا اتصال و لا تباين و لا تساوي و لا عموم و لا خصوص انقطعت عنده سبحانه النسب و الاضافات و عدمت عنده جهات القرانات و هو سبحانه احدي الذات و ذلك معلوم بضرورة الاسلام و الايمان و الفاعل من حيث هي فاعل لايكون الا بالفعل لان المشتق لايصدق الا بالمبدء و هو الفرع لاتفاقهم علي ان الاشتقاق اقتطاع فرع من اصل فوجب ان يكون الاسم الفاعل متاخرا عن الفعل و الفاعل الموجد المصدر لايكون الا متعلقا و مشتقا و هو لايكون الا متاخرا و قد اجمع علي ذلك اهل المنقول من اهل العربية و اللفظ لايخالف المعني و الاسم علي طبق الحقيقة فلنقطع الكلام و قد اشبعنا الكلام في هذا المقام في عدة مواضع من رسائلنا و مصنفاتنا و اجوبتنا للمسائل و قد جعلنا هذه المسئلة من الضروريات بالادلة القطعية من العقلية و النقلية و الآن ليس لي اقبال شرحها و تحقيقها مع انه يؤدي الي تطويل المقال و يخرجنا عما نحن فيه و بالجملة قولهم ان الواحد لايصدر منه اكثر من واحد ان كان مرادهم انه لايمكن ان يصدر من الواحد الذي هو الله سبحانه اكثر من واحد فغلط واضح [ص 7] فانه سبحانه لايقاس بخلقه و ما دل علي امتناع شئ في الامكان لايدل علي امتناعه في القديم بل كلما يمتنع في الامكان يجب اثباته في القديم الا ان يستلزم نقص في اثباته في القدم مثل الكثرة و العدم و اللاشيئية و امثالها فان كلها نقص في حقه تعالي فقولهم ان الكثرة في عين الوحدة و الوحدة في عين الكثرة و الجمع بين الوجود و العدم و الشيئية و اللاشيئية يمتنع في الامكان فيجب اثباته في القديم ساقط من اصله لما بينا ان الكثرة و العدم نقص و اثباته عليه سبحانه محال من هذه الجهة و الا فاي مجال للعقل في ادراك ما يستحقه سبحانه من الصفات و الكمالات و ما يثبته العقل كله يرجع الي الكمال و النقص و قد قال اميرالمؤمنين عليه السلام انما تحد الادوات انفسها و تشير الآلات الي نظائرها فالادوات و الآلات الامكانية كيف تصل الي القديم الحق سبحانه و تعالي و قد قال مولانا الصادق عليه السلام ان كلما ميزتموه باوهامكم في ادق معانيه فهو مخلوق مثلكم مردود اليكم و قد قامت ضرورة الدين علي ان الذات الحق سبحانه لاتدرك و البراهين العقلية لاتصل اليه و ذلك معلوم واضح لمن جانب التقليد و ان كان مرادهم ان مع امكان صدور الاكثر من واحد منه تعالي ماصدر منه سبحانه الا الواحد فهو صحيح لا لامتناع ذلك عليه سبحانه بل لان صنعه سبحانه و ايجاده لما كان يجب ان يكون علي احسن ما يمكن و اشرف و الطفرة في الوجود باطلة و قاعدة امكان الاشرف متجهة فوجب ان يكون اول ما صدر عنه سبحانه واحدا لانه اشرف من الكثرة و البساطة اشرف من التركيب [ص 8] فلايمكن في الحكمة العدول منه الي غير الاشرف لانه ترك الاولي و لايجوز علي الله سبحانه لانه سبحانه عاقب انبيائه بترك الاولي و هو سبحانه لايفعل ما يعيب عليه غيره و هو سبحانه يقول اتامرون الناس بالبر و تنسون انفسكم فاول ما صدر في الجعل الاول يجب ان يكون واحدا و لكن الواحد الحقيقي كما ذكرنا سابقا غير موجود في عالم الامكان فذلك الواحد المجعول اولا ليس بواحد حقيقي لايمكن فرض الكثرة فيه بحال من الاحوال فهو بالنسبة الي كلما عداه واحد و لكنه في نفسه متكثر و بالنسبة الي ماعداه بسيط و ان كان في نفسه مركبا و هذا هو حكم الواحد الذي في مبدء الاعداد فانه متكثر قد غلبت عليه جهة الوحدة نعم وحدته بالنسبة الي باقي الاعداد و الا فلا واحد الا الله سبحانه و علي ما ذكرنا فابن امرك فانه القول الفصل و المذهب الجزل فلو شافهنا جنابك لاوضحنا لك الامر الا ان الاشارة الي المراد و قد فصلنا هذه المسئلة و شرحناها كمال الشرح و اجبنا عن جميع ما يرد عليها في كتابنا اللوامع الحسينية .

قال سلمه الله تعالي : ما اول صادر عن الله جل جلاله .

اقول لما قضت الضرورة بان الطفرة في الوجود باطلة و ان ما قرب من مبدئه كان اشرف مما بعد عنه وجب ان ينظر الي اشرف الموجودات و افضلها فان وجد فذاك اول الصادر فنقول انه قد قام الاجماع من المسلمين و من الفرقة المحقة ان محمدا صلي الله عليه و آله اشرف الموجودات و افضلها و لم‌يخلق الله سبحانه خلقا افضل و لا اشرف و لا [ص 9] اكرم منه و كلما خلق الله سبحانه من خلقه و ان عظم مقامه و جل شانه دون مقامه و مرتبته فلا فخر قبل فخره و لا شرف قبل شرفه و لا سؤدد قبل سؤدده و هو سيد الموجودات و اشرف الكائنات و خيرة الله في جميع البريات بجميع المقامات و لا شك في ذلك و لا ارتياب عند كافة اهل الاسلام و عند الفرقة المحقة يشارك النبي صلي الله عليه و آله اميرالمؤمنين و اولاده الطيبون عليهم السلام في تلك المزايا و الشرف و هو و هم سلام الله عليهم مساوون في الحقيقة و الذات و ان كان النبي صلي الله عليه و آله له الفضل من باب التشكيك لا غير ذلك و قد نص الله سبحانه ان اميرالمؤمنين عليه السلام نفس النبي صلي الله عليه و آله في آية المباهلة و نص ايضا سبحانه و تعالي ان الولد جزء لوالده في قوله تعالي و جعلوا له من عباده جزءا و قوله تعالي ذرية بعضها من بعض و من تبعيضيته و الجزء من سنخ الكل و الجزء و الكل حقيقة واحدة و ما عند القوم من ان الجزء مقدم علي الكل تصديق ذلك يستلزم بطلان ما اجمع المسلمون و الفرقة الناجية علي اثباته و هو عدم تقدم آل‌محمد سلام الله عليهم جدهم صلي الله عليه و آله في الوجود و تأخرهم عنه ايضا لايجوز بنص القرآن حيث جعل الولد جزء لولده ( لوالده ظ ) فلم‌يبق الا انهم عليهم السلام في الوجود مساوقون لوجوده صلي الله عليه و آله و هو قوله عليه السلام كلنا محمد اولنا محمد آخرنا محمد اوسطنا محمد و اليه الاشارة في الزيارة و اشهد ان ارواحكم و نوركم و طينتكم واحدة و في الاحاديث الكثيرة الدالة علي ان محمدا و عليا صلي [ص 10] الله عليهما و آلهما كانا نورا واحدا في الاصلاب الطاهرة و الارحام المطهرة الي ان افترقا في صلب عبدالله و ابوطالب و امثالها مما يدل صريحا علي انهم عليهم السلام حقيقة واحدة ظهرت باربعة‌عشر فالحقيقة واحدة و الحدود مختلفة كاختلاف حدود الانسان الا ان حقيقة الانسان ظهرت بحدود مختلفة في افراد غير متناهية و تلك الحقيقة ظهرت بحدود مختلفة في افراد متناهية و هي اربعة‌عشر و هذه الاربعة‌عشر لهم حقيقة واحدة قد تعلق بها جعل واحد كحقيقة الانسان فانها حقيقة واحدة تعلق بها جعل واحد و افرادها حصص من تلك الحقيقة و التفاوت بين الافراد من حيث الحدود و العوارض الخارجية و اما هي فحقيقة واحدة تصدق علي الافراد علي المتواطي كما قالوا فاذا ثبت و وضح بالضرورة ان محمدا و آله المعصومين سلام الله عليهم هم افضل الخلق و اشرفهم و اعلاهم فلايخلو اما انهم هم الصادر الاول من حيث الحقيقة و الذات و المجعول الاول و المخلوق الاول و اول ما تعلق به الجعل و الايجاد و الصدور اولا بل الصادر الاول و المجعول الاول غيرهم و هم في اواسط الوجود و اواخره او اول اضافي فان كان الاول ثبت المطلب و حصل المقصود و ذلك ما كنا نبغي و ان كان الثاني جائت الطفرة و بطلت قاعدة الامكان الاشرف و كان ما بعد المبدء انور و اشرف مما قرب عنه و ما قرب الي المبدء اخس مما بعد عنه و الفاعل ما كان عالما بالاشرف حتي يوجده اولا او كان عالما فرجح مرجوحا و فضل مفضولا و اتي بخلاف الحكمة و ترك الاولي في الاحداث و الايجاد و جعل [ص 11] الاصل فرعا و الفرع اصلا و قدم ما حقه التاخير و اخر ما حقه التقديم او ان الخلق حقيقة واحدة فلاتكون كاملة و لاتكون الفاعل كاملا لان الكامل اذا لم‌يكن له جمال و نور لم‌يكن كاملا و لما ان الفاعل انما يعرف كماله بفعله و نقص الفعل دليل علي ضعف الفاعل و قلة نوره او علي بخل الفاعل و حرصه علي جميع ما عنده او مانع يمنعه عن الاتيان بما هو الاكمل الانور الاتم و الكل باطل لايلتزم به من كان له ادني روية و شعور و ادراك و حيث بطل الثاني ثبت الاول و هو المقصود فكان محمد و آله صلي الله عليهم هم حقيقة واحدة هي الصادر الاول فان قلت ان الشرافة قد تكون من جهة سبقه في الوجود و قد يكون من جهة الرتبة الجامعية و لعل هم عليهم السلام شرافتهم من جهة الاولي دون الثانية قلت الرتبة الجامعة انما تتحقق عند تنزل الحقيقة الاولي العليا الي مراتبها و مقاماتها بحكم الاقبال و الادبار فهي واحدة في المبدء الاول و متكثرة في الكون الثاني و ذلك لاينافي كونه اولا بل لايكون الشئ ذا مراتب الا بتنزله من المرتبة الاولي الي كينونات قد حصلت بالتنزل بلحوق الحدود و الاعراض و الاضافات كالحبة المزروعة المتنزلة الي مراتبها في اطوار الشجرة و الاغصان الي ان ترجع الي ما كانت اولا فلا فرق في المقامين و كل شريف يجب ان يكون اولا و ان كان آخرا و كل آخر هو شريف يجب ان يكون اولا و كل خاتم هو الفاتح كما ان كل فاتح هو الخاتم فهم سلام الله عليهم مبدء الوجود و مصدر الغيب و الشهود فان قلت انك ذكرت في المسئلة الاولي ان مبدء الخلق [ص 12] و الصادر الاول يجب ان يكون واحدا فلو كان الصادر الاول هم اهل البيت عليهم السلام ناقض كلامك قلت لا تناقض اصلا لانا بينا ان الواحد الحقيقي الذي لا شوب للكثرة فيها لايمكن في عالم الامكان و الحدوث و لذا قالوا كل ممكن زوج تركيبي فالواحد الاول الذي هو المجعول الاول حقيقة واحدة الهية اولية و الكثرات شئون ذلك الواحد اماسمعت الله يقول خلقكم من نفس واحدة و خلق منها زوجها و بث منها رجالا كثيرا و نساء كثيرا و قال تعالي و ما خلقكم و لا بعثكم الا كنفس واحدة و قال تعالي و ما امرنا الا واحدة كلمح بالبصر و قال تعالي ماتري في خلق الرحمن من تفاوت فالمبدء الاول حقيقة واحدة و لما كان تلك الحقيقة انما وجدت بكن فيكون فمن حركة الامر هو الاسم الفاعل تحدث الحرارة و من سكون المجعول و كونه متعلق الامر و الفعل تحدث البرودة و من نسبة الفعل الي المفعول تحدث الرطوبة مع الحرارة لانها وجه الفاعل و من نسبة المفعول الي الفاعل تحدث البرودة مع اليبوسة فحصلت الطبايع الاربع و قارنت بالوجوه الثلثة للشئ الحاصلة من اصل التركيب و هي الجزءان مع الهيئة التركيبية و المجموع سبعة و هذه السبعة ثنيت بالاجمال و التفصيل و الغيب و الشهادة فكانت اربعة‌عشر و هي السبع المثاني و هذه الوجوه في المبدء اجمالية غير ظاهرة قد غلبت عليها جهة الوحدة كما تقول رجل صفراوي او سوداوي علي انه لايخلو من ساير الطبايع و انما سميته بالطبيعة الغالبة و كذلك القول في الحقيقة المحمدية فانها واحدة لا تعدد فيها كالواحد الذي في مبدء [ص 13] الاعداد فاذا نظرت اليها من جهة مبدئها و من جهة انها هي المبدء كانت واحدة و هي من نفسها و تفاصيل احوالها كانت متعددة الاتري ان الواحد بالنسبة الي غيره واحد و بالنسبة الي نفسه جميع الكثرات انما تتولد منه فانك اذا نظرت الي نفسها وجدته ثلثة من حيث الجهة العليا و السفلي و الجامعة بينهما الرتبة الجامعة و الثلثة اذا نظرت الي نفسها و نسبت بعضها ببعض و ضربتها في نفسها ظهرت تسعة فاذا اضفت اليها الواحد الاول وجه المبدء كانت عشرة و اذا لاحظت نسبة بعضها ببعض و ضربتها في نفسها كانت مائة و اذا كعبت العشرة كانت الفا و هكذا فجميع الكثرات انما تولدت من الواحد بما كان مذكورا فيه بالذكر الاجمالي فهو واحد في الظهور و متكثر في البطون كما هو شان الامكان فالحقيقة المحمدية صلي الله عليه و آله لامكانها لا بد ان تكون متكثرة و لكن لكمالها و شرافتها يجب ان يكون في اشرف مقامات الكثرة من اقرب الكثرات الي الواحد و لما كانت السبعة هي العدد الكامل و كمالها في تثنيتها كما برهن في محله و حقق في موضعه وجب ان لاتزيد كثرة تلك الحقيقة الوحدانية الاولية الالهية و تعددها عن اربعة‌عشر بحكم مستقر و امر مقدر فظهر لك كمال الظهور ان الحقيقة المحمدية صلي الله عليه و آله اول الصادر و هي واحدة في الحقيقة و اربعة‌عشر في الظهور و الروات الكثيرة البالغة حد الاستفاضة بل حد التواتر مشاهدة عليه و قد طرق سمعك احاديث خلق انوارهم و انها كانت قبل الخلق و رواية جابر بن عبدالله الانصاري عن النبي صلي الله [ص 14] عليه و آله انه قال اول ما خلق الله نور نبيك يا جابر و رواية عباس بن عبدالمطلب و رواية ابن‌مسعود و غيرها من الروايات التي كادت تبلغ حد التواتر و في الزيارة الجامعة فبلغ الله بكم اشرف محل المكرمين و اعلي منازل المقربين و ارفع درجات المرسلين حيث لايلحقه لاحق و لايفوقه فائق و لايسبقه سابق و لايطمع في ادراكه طامع و غيرها من الروايات و لاينبغي ان يشك في انهم هم الصادر الاول مؤمن موحد يؤمن بالله و رسله و خلفائه فان الضرورة قاضية بذلك و العقل و النقل متفقان بما هنالك ثم اعلم انه قد اختلفت الروايات في الصادر الاول ففي بعضها انه العقل كما في قوله عليه السلام اول ما خلق الله العقل و في بعضها انه عقل محمد صلي الله عليه و آله و في بعضها انه روحه صلي الله عليه و آله و في بعضها انه الماء و في بعضها انه الهواء و في بعضها انه النار و في بعضها انه المشية و في بعضها انه الاختراع و الابداع و في بعضها انه النور و في بعضها انه نور محمد صلي الله عليه و آله و في بعضها انه النفوس المقدسة المطهرة و هذه الروايات مشهورة معروفة قد وقع نظر جنابك عليها فلايحتاج الي ذكرها و تكرارها ليكون كناقل التمر الي هجر و هذه الاختلافات مرجعها شئ واحد و الاختلاف انما هو في التعبير كقول الشاعر :

و ما الوجه الا واحد غير انه اذا تعدد المرايا تعددا

و اما ما ورد انه العقل فالمراد به عقل محمد صلي الله عليه و آله فلا اسبق منه فيكون العقل عقله كما قال صلي الله عليه و آله اول ما خلق [ص 15] الله عقلي الا ان هذه الاولية اضافية لا حقيقية و هي بالنسبة الي ساير الموجودات المقيدة و الحقايق المجردة و الروحانيات المستعدة كما نص عليه مولانا الصادق عليه السلام علي ما رواه في الكافي ان العقل اول خلق من الروحانيين عن يمين العرش فالعرش هو الحقيقة المحمدية و اركانه اربعة و هي مراتب الحقيقة المقدسة من العقل و الروح و النفس و الجسم و العقل و الروح الجانب الايمن منها و النفس و الجسم الجانب الايسر و العقل الايمن الاعلي و الروح الايمن الاسفل و النفس الايسر الاعلي و الجسم الايسر الاسفل و حيث ان عقله صلي الله عليه و آله اصل للعقول و روحه اصل للارواح و نفسه اصل للنفوس و جميع ماعداها تابعة لها فكان العقل اول المخلوقات المجعولات المقيدة الظاهرة و ان كانت قبله مراتب لكنها اسباب الوجود العقل كما تقول اول ما كتبته الالف مع ان الحركة حركة اليد و القلم و الدوات و اللوح قبلها و اما ما ورد انه الروح فالمراد به العقل لان الروح برزخ بين العقل و النفس فيجري عليه حكم كل واحد منهما و اما ما ورد انه الماء فهو الماء الذي به حيوة كل شئ و قد علمت ذلك المذهب علي ان حيوة الاشياء و وجودها و تحققها و ثبوتها بالحقيقة المحمدية صلي الله عليه و آله بحيث لو لم‌يكن نظرها اليها ساخت الارض باهلها اي ساخت ارض الامكان و الاكوان و الاعيان لانها المقصود في الايجاد و ماسواها انما خلقت لها كما يفصح عنه قوله تعالي في الباطن و اصطنعتك لنفسي و قوله تعالي في الحديث القدسي لولاك لماخلقت الافلاك و الروايات الدالة علي ان [ص 16] الارض لو خلت عن الحجة لساخت باهلها و تلك الحقيقة هي المقصود للذات في خلق الذوات و الصفات و ماسواها فروع و توابع و هل يبقي الفرع بدون الاصل و التابع بدون المتبوع فهي الماء الذي منه كل شئ حي و لو كان المراد به الماء الذي هو احد العناصر ينتقض بالعنصر الآخر فانه حي و ليس وجوده به لان حيوة كل شئ بحسبه و لو كان المراد لاجل انه احد اركان وجود الشئ و عممنا العناصر بالروحاني و الجسماني ليشمل العوالم المجردة و الافلاك البسيطة فلا فائدة في الاختصاص بالماء بل كل من هذه العناصر يفيد هذه الافادة فلا معني لتخصيصه به و اما ما ورد من انه هو الهواء فالمراد بالهواء في استعمالات اهل البيت عليهم السلام في امثال هذه المقامات الشئ الموجود الغايب من غير نوع الاجسام من عالم الغيب فالنفس المجردة و الروح البسيطة يطلق عليها الهواء كما في قول مولينا الحسن عليه السلام ان الروح متعلق بالريح و الريح متعلق بالهواء و يطلق علي الغيب المطلق كما في قوله عليه السلام ما معناه كان الحق ظاهرا في عماء فوقه هواء و تحته هواء و في قول اميرالمؤمنين عليه السلام ان قلت الهواء صفة فالهواء من صنعه فبالجملة فبتتبع اخبار اهل العصمة عليهم السلام مع التدبر التام يظهر لك هذا المعني من موارد استعمالاتهم عليهم السلام و حينئذ فالمراد بالهواء هو الغيب و لا شك ان الموجودات كلما قرب الي المبدء كان ابعد عن الاوهام و الاحلام فكان غيبا و لما كانت الحقيقة المحمدية صلي الله عليه و آله اقرب الاشياء من [ص 17] الذوات و الصفات و ساير الكينونات الي الله سبحانه كان لن‌يصل الي مقامها طامحات العقول و الافهام و هو الملك في قول علي بن الحسين في الصحيفة و استعلي ملكك علوا سقطت الاشياء دون بلوغ امده و لن‌يبلغ ادني ما استأثرت من ذلك اقصي نعت الناعتين و الملك حادث مخلوق فاما ان يكون المراد به الحقيقة كان غيبا يصح اطلاق الهواء عليه و ان كان ادني منه فالحقيقة المقدسة اولي بان تكون غيبا لانه اعلي من هذا الملك الموصوف بما ذكره عليه السلام و لذا قال اميرالمؤمنين عليه السلام ظاهري ولاية و باطني غيب لايدرك و اشار ايضا اليه في بعض الفقرات من الخطبة الشقشقية لمن يعقل و يسمع و هي قوله عليه السلام ينحدر عني السيل و لايرقي الي الطير و تلك الحقيقة هي المراد بالهواء الذي هو اول ما خلق الله و اما ما ورد من انه النار فالمراد به نار المشية كما في قوله تعالي يكاد زيتها يضيء و لو لم‌تمسسه نار اي نار المشية و لما كانت تلك الحقيقة المقدسة هي الزناد القادح بتلك النار كانت المشية وجها من وجوهها و الاولية اضافية او ان المراد بالمشية الفعل الذي به ايجاد الاشياء و هي يد الله الباسطة فالمراد بها تلك الحقيقة ايضا لانها يد الله الباسطة و عينه الناظرة و جنبه القوي و صراطه السوي و اما ما ورد من انه النور فالحقيقة المقدسة هي النور المطلق و الضياء الازهر و النور الذي اشرق به الوجود فامتاز الغيب من الشهود و تبين الموجود من المفقود و هم مثل نور الله الذي ضربه الله سبحانه في الكتاب العزيز الله نور السموات و الارض مثل [ص 18] نوره كمشكوة فيها مصباح ، و اما ما ورد من انه هو الاختراع و الابتداع فان الاختراع و الابتداع من اسامي الارادة كما في قوله ( قول ظ ) مولينا الرضا عليه السلام الاختراع و الابداع و الارادة معناها واحد و اسمائها ثلثة و الارادة اما هي المشية كما في احد اطلاقاتها او بحكم المشية كما ذكرنا فراجع و اما ما ورد من انه نور محمد صلي الله عليه و آله فهو الاصل و الاضافة بيانية و نور محمد صلي الله عليه و آله نور علي اميرالمؤمنين و نوره نور الائمة الطاهرين فالنور واحد و الحقيقة غير متعددة فالاحاديث و الروايات و اما ما ورد من انه النفوس المقدسة المطهرة فهم سلام الله عليهم تلك النفوس المقدسة المطهرة التي طهرهم الله تطهيرا علي الحقيقة فطهارتهم و طهارة غيرهم علي التبعية فالاحاديث و الروايات غير مختلفة المراد و انما الاختلاف في التعبيرات لحكم خفية و اسرار دقيقة غيبية يضيق الصدر باظهارها و لايضيق بكتمانها و هذا مختصر المقال في جواب هذا السؤال و لولا الكسالة و الملال و قلة الاقبال لاريتك من عجايب المقال في شرح هذه الاحوال ما لا عين رات و لا اذن سمعت و لاخطر علي قلب بشر و لكن الامور مرهونة باوقاتها .

قال سلمه الله تعالي : هل تفني الارواح بعد مفارقتها للابدان ام لا .

اقول جواب هذه المسئلة يحتاج الي معرفة الفناء و الروح اما الفناء فاعلم انه يطلق علي امور الاول الدثور و الاضمحلال و التغيير و الاحتياج الثاني انحلال التركيب و ذهاب الهيئة الاعتدالية المورثة لتحقق المزاج الموجب لفقد الحواس و الشعور و الادراك الثالث العدم و الخروج [ص 19] عن عالم الكون الي عالم الامكان و هو العدم الامكاني الرابع العدم المحض و الهلاك ايضا يطلق علي هذه المعاني و لايحتاج هذه الاستعمالات الي شاهد من كلماتهم لانها في الظهور بحيث لايحتاج الي الدليل و اما الروح فله اطلاقات كثيرة في استعمالات اهل البيت عليهم السلام و اطلاقاتهم لكنا نعرض عن تلك الاطلاقات و نتكلم في الروح الذي هو محل السؤال اي المقارنة للبدن و المفارقة عنها فنقول حيث ان الطفرة باطلة بالضرورة و امكان الاشرف و تكوينه مما لا بد منه الحكيم الكامل العالم الغير المحتاج القوي القادر الغير المعارض و قد نص الله سبحانه عليه بقوله الحق و ان من شئ الا عندنا خزائنه و ماننزله الا بقدر معلوم و قد افرد الشئ و جمع الخزائن لبيان ان الشئ الواحد يتنزل من عالم اعلي الي عالم اسفل كما هو مدلول النزول و لا ريب ان النزول لايكون الا من العالي الي السافل و لا ريب ان العالي اشرف عن ( من ظ ) السافل فاذا عرفت ذلك فاعلم ان حقيقتك التي بها انت المضاف اليها كل شئ الدالة بالاضافة علي انها غير المضافات لضرورة المغايرة بين المضاف و المضاف اليه فتقول روحي و نفسي و جسمي و عقلي و كوني و مكاني و زماني و غيرها من النسب و الاضافات و تلك الحقيقة هي الاسم الذي بالحروف غير مصوت و باللفظ غير منطق و بالشخص غير مجسد و باللون غير مصبوغ بريء عن الامكنة و الحدود مبعد عنه الاقطار محجوب عنه حس كل متوهم مستتر غير مستور كما قال مولانا الصادق عليه السلام علي ما رواه ثقة الاسلام في الكافي و غيره في غيره [ص 20] و لما كانت الادوات انما تحد انفسها و الآلات انما تشير الي نظائرها و اراد الله سبحانه ان يريد بها قدرته و آثار صنعه و يعلمها اسمائه و صفاته فامرها بالادبار و التنزل الي العوالم و المراتب و المقامات فعند نزولها الي كل مرتبة المعبر عنها بالخزينة اتصفت بصفاتها و لبست لباسها و تحلت بحليتها ليتعدد بذلك انحاء علومها في اطوارها و مراتبها ليظهر بها جلال الله و جماله و عظمته و لما رايناها قد تنزلت الي عالم الاجسام و تحلت بحلية الجسم علمنا قطعا انها قد مرت بعوالم اعلي منها و نزلت من الاعلي الي الاسفل الي ان وصلت الي العالم الجسماني المحدود بالعوارض فاول ما تنزلت اليه عالم العقول و سياتي لك ذكر العقل و حقيقته ثم تنزلت الي عالم الارواح مقام الرقائق و ورق الآس ثم تنزلت الي عالم النفوس و تشخصت و تمايزت و استحقت للتكليف من الله سبحانه تعالي فكلفها فقبلت او انكرت فجري عليها حكم القبول و الانكار علي نهج الاستقرار و الاستيداع ثم لما اقتضت الحكمة انزالها الي هذه الدار مقام الاجسام محل النقش و الارتسام لمصالح كثيرة ذكر منها الامام عليه السلام علي ما رواه الصدوق في علل الشرايع و لما كان عالم الاجسام في كمال التدنس و الكثافة و عالم النفوس المعبر عنها بالارواح في بعض الاطلاقات في كمال التجرد و الشرافة فالاتصال بين هذين العالمين لا بد من وجود عالم برزخ بينهما لاتكون في الكثافة مثل الاجسام و لا في الرقة و اللطافة مثل النفوس و هو المسمي بعالم المثال و عالم الاظلة في بعض الاطلاقات فالنفس المعبر عنها بالروح قد [ص 21] تعلقت بالمثال و تحلت بحلية عالمه و لبست لباسه ثم تعلقت بالجسم و لما اراد الله سبحانه تعالي اماتة الشخص لمصالح كثيرة و مقتضيات عظيمة لايسعنا الآن ذكرها لادائه الي التطويل فاول ما ينزع عنه لباس الجسم و بقيت النفس لابسة حلية المثال مستقرة في عالمه و موجودة فيه نعم انتزعت عن البدن الجسماني فالبدن اضمحل و دثر و ذهبت الصورة التركيبية و لم‌يقدر ان يحفظ الصورة النوعية ففني الجسم و بقيت الروح في عالمه فهي اما منعمة او معذبة او ملهي عنها الي تفصيل ربما نذكره فيما بعد فان اريد بالفناء المعني الاول اي الدثور و الاضمحلال و الاحتياج و التغيير من حال الي حال فهذا المعني ثابت للروح قبل مفارقتها للبدن و بعد مفارقتها عنه اذ لا شك ان كل ممكن حادث محتاج فقير يمده الله سبحانه بمدده آنا فآنا فهو لايزال في تغيير و استبدال انظر الي السراج و اعتبر حاله و زواله و فنائه و احتياجه الي المدد آنا فآنا و انحفاظ صورته النوعية تفهم ما اقول و ان اريد بالفناء انحلال التركيب و اختلال المزاج و فقد الشعور و الادراك فهذا المعني لايحصل للروح بعد مفارقتها عن البدن فان روح المؤمن اذا كان ممن محض الايمان محضا في حظيرة القدس جنة الدنيا تتنعم فيها و تاتي كل يوم او يومين او ثلثة ايام او يوم الجمعة او يوم العيد او كل سنة علي حسب منازلهم و فضائلهم الي وادي السلام و تبقي هناك من طلوع الفجر الي ان يصير ظل كل شئ مثله ثم ينادي بها جبرئيل فيرجع بها الي الجنة و ينزلها منزلها التي اعد الله سبحانه له و ياتيها [ص 22] رزقها كل غداة و عشي و اليه الاشارة في صريح قوله تعالي و لاتحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتا بل احياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتيهم الله من فضله الآية ، و قوله تعالي جنات عدن وعد الرحمن عباده بالغيب انه كان وعده مأتيا لايسمعون فيها لغوا الا سلاما و لهم رزقهم فيها بكرة و عشيا و لا شك ان في الجنة الآخرة ليس بكرة و لا عشيا و انما هي ظل ممدود و نور موجود و ان كانت الروح ممن محض الكفر محضا فيؤتي بها في بئر بلهوت بوادي برهوت في ارض حضرموت و لم‌تزل تتعذب فيها و هكذا الحال في اهل الجنة و النار الي ظهور دولة آل‌محمد الاطهار عليهم السلام بالعشي و الابكار فترد الارواح التي في جنة الدنيا و نار الدنيا الي ابدانها و اجسادها و ترجع الي ان تموت او تقتل و تذوق اهل النار العذاب الادني في الدنيا باجسامهم و اجسادهم و تستمر بهم الحال علي هذا المنوال الي ان ينفخ في الصور فاذا نفخ في الصور فصعق من في السموات و الارض اي سماء المقبولات و ارض القابليات و تموت الارواح و الاشباح و النفوس و العقول و كل شئ سوي وجه الله بمعني اضمحلال التركيب و تفرق الاجزاء و ذهاب الصورة النوعية و تكون حال الارواح و باقي المجردات بين النفختين كحال الاجسام و الاجساد في هذه الدنيا عند مفارقة الارواح عنها حرفا بحرف لان نسبة الاجزاء الروحانية و العقلانية و الجسمانية من حيث التركيب و الجزئية واحدة في كل بحسبه ففناء الارواح بمعني الثاني انما تكون بين النفختين لا غير الا ارواح المستضعفين فانها ماحيت حتي [ص 23] تموت بل اذا مات المستضعف تبقي روحه ميتة عديمة الحس و الشعور الي ان ينفخ في الصور النفخة الثانية نفخة الدفع و ان اريد بالفناء المعني الثالث فلايصح كالرابع بالطريق الاولي لقوله عليه السلام ماخلقتم للفناء بل خلقتم للبقاء و انما تنتقلون من دار الي دار و ذلك هو مقتضي الحكمة الالهية و كينونة الايجاد و الموجودات الغيبية و الشهودية و تفصيل المقال في هذا الاحوال يؤدي الي تطويل المقال و فيما ذكرنا كفاية لاولي الدراية .

قال سلمه الله تعالي : ما ارض الجنة و النار و سمائها .

اقول ان الله سبحانه يبدل الارض غير الارض فارض الجنة طيبة طاهرة تقية نقية زكية كالفضة الصافية حصاؤها اللؤلؤ و المرجان و نباتها الزعفران و ارضها مشرقة انور من الشمس المضيئة الآن و هي متسعة يعني تتسع هذه الارض بعد تبديلها و تصفيتها بما لايدخل تحت القياس و لايحيط بها حواس الناس و قد روي ان من ادي زكوة ماله يخلق الله سبحانه تعالي له جوادا فيقول له اركب هذا الجواد و اركض في ارض الجنة سنة فما بلغ جوادك فهو لك و انه ليقطع في اقل من طرفة عين بقدر الدنيا سبع مرات الحديث ، و هذا جزاء اداء الزكوة فقط فما ظنك باقامة الصلوة التي هي اعظم و اعظم و اعظم لانها خير موضوع و هذا هو العطية الاولي فاذا صارت الجمعة و زار محمد ( محمدا ظ ) و آله فان زيارتهم سلام الله عليهم زيارة الرب كما ان طاعتهم طاعة الرب و محبتهم محبة الرب و هكذا فيضاعف الله سبحانه تعالي عند الزيارة في [ص 24] كل جمعة ضعف ما عنده سابقا و هكذا شانه في كل جمعة و الضعف اما زيادة في المثل او زيادة بالضرب و علي التقديرين فانظر ماذا تري و الامر اعظم و اعظم و اعظم في السعة و هي الارض الدنياوية التي كانت مطوية فتتسع في الجنة الا ان سعة جنة الدنيا اكثر من الدنيا اذا كانت مستقيمة كسعتها في الرجعة بسبعين‌الف مرة و سعة جنة الآخرة اكثر من سعة جنة الدنيا بسبعين‌الف‌الف مرة و هذا كلام تقريبي و استغفر الله من التحديد بالقليل و قولي ان الارض تبدل كما في الآية الشريفة ليس تبديلا حقيقيا بحيث تكون الثانية غير الاولي بل هي هذه الارض لكنها علي حالة وقت كان طالع الدنيا سرطان و الكواكب في اشرافها و الخلق كلهم علي الخط الاعتدالي في خط الاستواء و لما تحركت الافلاك علي خلاف التوالي و حصلت الآفاق المايلة و عصي آدم ربه بمعني ترك الاولي و نسي العهد الذي اخذ عنه في العالم الاول من قوله تعالي و لقد عهدنا الي آدم من قبل فنسي و لم‌نجد له عزما و نسي بمعني ترك كما في قوله تعالي نسو الله فنسيهم لا بمعني النسيان الذي هو بمعني السهو و هو المراد بترك الاولي و اخراج آدم في ( من ظ ) الجنة فلما خرج منها قال :

تغيرت البلاد و من عليها و وجه الارض مغبر قبيح

فالتغيير لايكون الا بثبوت الاصل و تبدل الاعراض فقوله تعالي يوم تبدل الارض غير الارض يعني تبدل الارض المشوبة و تتصفي عن تلك الكدورات الحاصلة من معاصي اولاد آدم و ساير العصاة المردة عن [ص 25] الابالسة و الاجنة و تبقي صافية طيبة طاهرة لا ان هذه الارض ارض اخري كيف و اهل الجنة هم اهل الدنيا و المكان لا بد ان يكون مناسبا للمتمكن فافهم فالجنة و النار هما موجودتان الآن علي ما هما عليه في محلهما و مكانهما و اما ارض النار فمقابلات ( فمقابلة ظ ) ما ذكرنا في ارض الجنة حرفا بحرف بلا زيادة و لا نقيصة و هي ارض سوداء غبراء عفنة جائفة نعوذ بالله منها و اما سماء الجنة فهي ما يظهر بعد ما تبدل السموات و تتصفي عن لوازم مقتضيات جهات الانيات و صعود ابخرة السيئات من اراضي الانيات و وصولها الي ظواهر تلك السموات و احداث الكسوف و الخسوف و ساير التغيرات و حركاتها بالتسخير و الغير المتعارف و حركات بعض الدوائر علي غير اقطابها كحرة ( كحركة ظ ) مائل القمر و تدوير عطارد و غيرهما و بالجملة لحقت السموات من عرضيات الارض ابخرة مكفهرة متصاعدات و صارت سببا لاختلاف تاثيرها و عدم صفاء مقتضياتها و اذا تصفت و تنقت عن تلك الكدورات رجعت الي اصلها و صفائها و سعتها و كينونتها الاصلية من كونها صفوة الماء اي البحر الحاصل من ذوبان الياقوتة الحمراء من خشية الله سبحانه فاذا ظهر صفائها ظهرت سعتها فصار يعطي الجنة لكل مؤمن في الجنة بقدر الدنيا بسمواتها و ارضها سبع مرات و ذلك اول العطاء و يزداد في كل جمعة عند زيارة الرب بالضعف فانظر ماذا تري ان قلت ان السؤال وقع عن حقيقة السماء و الارض و ما ذكرته وصف رسمي لا بيان حدي و الرسم لايكشف عن الواقع و لايفتح منه باب و لاينال به المراد و ضرب بينهما الف حجاب قلت ان [ص 26] هذا الجواب من قبيل قوله تعالي يسئلونك عن الاهلة قل هي مواقيت للناس و ان ابيت الا شرح الحال فاعلم بمختصر المقال ان الله سبحانه خلق ياقوتة غلظها سبع سموات و سبع ارضين لا السموات الظاهرة الآن بل السموات الاصلية التي ترجع اليها الاكوان في العود و هي التي كانت في البدو ثم نظر سبحانه الي تلك الياقوتة بنظر الهيبة فذابت و ماعت خشية لله و استشعارا لعظمته و استحقارا لنفسه و انيته كانت ماء رجراجا و بحرا مواجا فتلاطمت الامواج و ضربت بعضها بعضا الي ان تصفت و امتاز الصافي من غيره فصعدت ابخرة و هي صفو الماء و سلالته و لطيف سره و لبه حاملة لنار الهيبة التي بها ذابت الياقوتة لان العالي انما يظهر في الوجه الاعلي فلما صعدت تلك الابخرة صفت و تلطفت و رقت و انضمت الي مبدئها فقلت رطوبتها و ظهرت يبوسة مقام مبدئها فحملت تلك الحرارة العظيمة التي هي وجه باريها فانقلب البخار دخانا و هو قوله تعالي ثم استوي الي السماء و هي دخان و الماء نارا فمن الدخان الموصوف المذكور لا الدخان المظلم المكفهر المغبر خلق الله سبحانه سماء الجنة لانها اشرف المراتب و المقامات و الطفرة في الوجود باطلة و الصعود يجب ان يكون الي ما نزل منه فوجب ان يكون اول ما تعلق الجعل و الابداع من السموات العالية سماء الجنة علي ما هو عليه فانبسطت السموات و استدارت و تحققت و تكونت فمادتها صفو ذلك الماء و البحر الحاصل من خشية الله سبحانه و هيبته و عظمته و صورتها كرامة الله و صفة فضله المحيط لراهبين هيبته و [ص 27] خائفين مقامه كما قال تعالي و لمن خاف مقام ربه جنتان و هي صورة الاستدارة و هيئة الاحاطة و ظهرت فيها اسماء الله و صفاته و مظهرها الكواكب من الشمس و القمر المركوزة فيها و الكواكب حملة تلك الهيبة التي بها ذابت الياقوتة و هي الشعلات النارية المستجنة في صفو تلك الابخرة فلما سفلت خفيت و لما ارتفعت ظهرت كما هو شان كل عال بالنسبة الي سافله و الزبد الصافي الباقي من زبد ذلك البحر لا الذي يذهب بل الذي يوقد في نار العناية بالمشية الكلية ابتغاء حليته التي هي هيكل او متاع للاستمداد بتلك الامدادات الالهية و ذلك الزبد انضج و اصفي و اعدل ما يكون او يمكن ان يكون من الاجسام الباقية بعد صعود الابخرة التي بها مبدء نشو السموات الاولية فامتدت من ذلك الزبد الارض العليا و عليها جبل قاف و هي مطاف الاشباح القدسية و ماوي النفوس الطاهرة الغيبية الالهية الجسمانية و تلك الارض و السماء هي ارض و سماء الجنة ليست مائلة و اقطابها ليست مختلفة و حركاتها علي اقطابها متساوية و كلها تدور دورة متسعة غير مختلفة و لاتحتاج الي قاسر و لا مسخر بل تتبع ارادة الله بشهوة انفسها و ميل ارادتها و تأثير المنطقة و القطب واحد و مقتضي دوائر الكبار و الصغار و غير مختلف و مشرق هذه الارض و السماء يسمي جابلقا و مغربها يسمي جابلصا و سمائها تسمي هورقليا و هي لغة سريانية معناها ملك آخر و هو الذي قال تعالي يوم تبدل الارض غير الارض و السموات و هي تطهيرها بعد تلطخها بكثافات الاعراض و موجبات الامراض و تلك الاعراض و [ص 28] الروابط حيث ان آخر تصفياتها يوم القيمة و هناك يرجع كل فرع الي اصله و تبقي هذه الارض مددا لاهلها يوم القيمة لان مدد كل شئ من سنخه و لذا ورد ان هذه الارض تكون نقية ياكلها اهل المحشر الي ان يفرغوا من الحساب فاذا فرغوا من الحساب تنقطع تلك الروابط و النسب العرضية فيكون غذائهم اما من الجنة او من النار و هو قوله تعالي كلا نمد هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربك و ماكان عطاء ربك محظورا و ان اردت زيادة بيان في الكشف عن حقيقة سماء الجنة و ارضها فاعلم ان الله سبحانه اخذ قبسة من شعاع نور الحسين عليه السلام عند ما خلقه و امتحنه و استنطقه و وجده كما احب و اراد في الخلق الاول و القديم الاول فاصطفاه و اختاره و طهره و اجتباه قبل خلق العالم بمائة‌الف دهر ثم خلق سبحانه من تلك القبسة و الشعاع الياقوتة الحمراء علي ما وصفتها لك سابقا فخلق منها سماء الجنة و ارضها اما ارض النار و سمائها نستجير بالله منها فاعلم ان الله سبحانه خلق بحرا منتنا اسودا و اجراه من حرارة نار الغضب و هو المسمي بالطمطام ثم تحرك هذا البحر بقوة الظلمة من شمال الكلمة و تصادمت اجزائها و انعقدت فصارت حقيقة مظلمة سوداء مدلهمة و هي المعبر عنها بسجين و هي ارض جهنم و سمائها و ليس لها سماء الا المراتب السافلة التي تتراكم فيها انواع العذاب فقطب جهنم سمائها و ذلك القطب يدور علي اصلين خبيثين مجتثين هما مبدء الشرور و القبايح في مقابلة القطبين القطب الجنوبي و الشمالي و قطبي النار ظلمتان هما اصل جهنم و نيرانها و سلالها ( سلاسلها ظ ) و [ص 29] اغلالها و هما ظلمة ابي الدواهي و ابي الشرور و الارض كما وصفناها من ظلمتها و نتنها و شدة حرارتها محيطة بهم في ظلمات متراكمة و غواسق مدلهمة لايرون ضياء و لاينظرون الي نور صم بكم عمي مشوه الخلقة مغير الفطرة ما اسوء ما لهم و ما اصبرهم علي النار نسئل الله النجاة منها بالنبي و آله الاخيار هذا مقدار ما يمكن من بيان هذه الحقايق و كشف استار تلك الدقايق و لايسعنا الكلام ازيد مما ذكرنا اذ ما كلما يعلم يقال و لا كل ما يقال حان وقته و الي الله المشتكي خذ ما القينا اليك و الله خليفتي عليك .