قال سلمه الله تعالي : المسئلة الثامنة - في قوله تعالي كمثل الشيطان اذ قال للانسان اكفر فلما كفر قال اني بريء منك اني اخاف الله رب العالمين كيف يكون الكفر العارضي المجتث اشد من الكفر الاصلي الذاتي .
اقول اعلم ان حقيقة كل شيء مركب من الوجود و المهية و لا حقيقة للشيء من حيث هو سواهما و لايقوم الحادث الا بجزئين متضادين يؤلف منهما و لايمكن فرض بساطة حادث من الحوادث و الا لكان قديما و الوجود جهة الميل الي الخير و النور و المهية جهة الميل الي الشر و القبيح فان مال احدهما الي مقتضاه مال الآخر بضد ذلك الاقتضاء فان غلب احدهما علي الآخر تبعه الآخر بالعرض فداعي الخير جزء ذات الشخص كداعي الشر فالكافر حين كفر كان كفره حين كفر ذاتيا لا عرضيا كالسرير فان ذاته مركب من الخشب و الهيئة فاذا كسر و صنع صنما تغيرت تلك الهيئة فصارت ذاته الثانية مؤلفة من الخشب و الهيئة الصنمية فالسعادة و الشقاوة جزءان لمهية الشيء في الخلق الثاني و اما [ص 221] الكفر العرضي فبان يكون الشخص في حد ذاته و خلقته في العالم الذر قد قبل النور و الهداية و الايمان ثم بعد ذلك لما اماته الله تعالي و رجعه الي طين الطبيعة صار له لطخ و خلط مع الكفار فاظهر الكفر لما فيه من ذلك اللطخ و الفساد فلما خلص عن تلك الغرائب و تصفي عن تلك الاعراض اظهر الايمان الاصلي و كذلك الحكم في الكفر و الايمان فالايمان قد يكون مستقرا و قد يكون مستودعا كالكفر فالانسان في هذه الآية ان كان هو ابوجهل كما في بعض التفاسير في وقعة بدر هو الكفر الاصلي لانه لعنه الله مااظهر الايمان بوجه ابدا و ان كان هو ذلك الراهب المسمي ببرصيصا فكذلك ايضا لكنه كان عنده الايمان العرضي المستودع فصار الشيطان سببا لاظهار ما كان كما كان و ليس للشيطان تسلط علي اعظم من ذلك كما حكي الله سبحانه عنه و قال الشيطان لما قضي الامر ان الله وعدكم وعد الحق و وعدتكم فاخلفتكم و ما كان لي عليكم من سلطان الا ان دعوتكم فاستجبتم فلاتلوموني و لوموا انفسكم ما انا بمصرخكم و ما انتم بمصرخي اني كفرت بما اشركتموني من قبل الآية ، فليس الشيطان علة للكفر بل انما هو داع اليه فاجابه و لو شاء ان لايجيب لمافعل و اما قوله اني بريء منك فهو الاشارة الي قوله تعالي و اذ تبرء الذين اتبعوا من الذين اتبعوا و راوا العذاب و تقطعت بهم الاسباب لان الداعين الي الباطل كانوا يوعدون التابعين بالنصر و الظفر في الدنيا و الآخرة فلما اتاهم ما يوعدون من العذاب و الهلاك طلب التابعين ( التابعون خل ) النجاة و النصر من المتبوعين تبرؤا منهم اذ لايقدرون علي حيلة و لايهتدون سبيلا [ص 222] فتبرء كل واحد منهم عن صاحبه و هو قوله تعالي الاخلاء يومئذ عدو الا المتقين لان الايتلاف و المحبة و الوفاء و النصر و الظفر انما يكون اذا كان الشخص متعلقا بغصن الشجرة الطيبة التي اصلها ثابت و فرعها في السماء و هو قوله تعالي و اعتصموا بحبل الله جميعا و لاتفرقوا و اما اذا كان متعلقا بغصن الشجرة الخبيثة المجتثة من فوق الارض فلاتستقر فيقع المتشبث بها في الهلاك و الدثور فلا نجاة و لا ظفر بالمراد فيكون ذلك سببا للعداوة و الشحناء و البغضاء فيتبرء كل منهم عن الآخر كلما دخلت امة لعنت اختها اما المتبوعون فهم و ان كانوا عالمين في اول الامر انهم لايقدرون علي شيء فهم المتبرءون في الباطن و لكنهم لما انقطعت حيلتهم اظهروا التبرئ و لكونهم قد نالوا مرادهم من التابعين في اضلالهم و اغواءهم و ادخالهم النار و اما التابعون فلما يجدون مما حل بمتبوعيهم من الدثور و الهلاك و العذاب و ذلك واضح ظاهر و اما قوله اني اخاف الله رب العالمين فعلي ظاهره لان الخبيث وعد ذلك الراهب بان ينجيه من تلك المهلكة اذا سجد له فلما سجد له و كفر و حل ساحته العذاب و الهلاك فقال مااقدر علي تخليصك و مايمكنني مقاومة ما قدر الله تعالي لك من العذاب و النكال في الدنيا و الآخرة فلو رمت ( رمت ذلك خل ) لهلكت و اخاف من ذلك فلاانال بذلك حظي من الخلود الدائم في الدنيا لاغواء عباد الله و خوفه من الله تعالي مما يحل به ما يقطعه عن الدنيا لا انه يخاف من نكال الآخرة و هو و ان كان يخاف لكنه آثر لذة الدنيا علي تلك البليات نعوذ بالله منها لعنه الله فما اصبره علي النار [ص 223] و كذلك الحكم و المعني لو كان المراد اباجهل الملعون فان مقصوده لعنه الله في الكل واحد و لايريد الا الدنيا .
قال سلمه الله تعالي : المسئلة التاسعة - لو بطلت صلوة الطواف للجهل باحكامها و لميتفطن حتي رجع الي محله و مكانه فهل يجب عليه الرجوع الي مكة و الصلوة خلف المقام او يقضي حيثما ذكر .
اقول روي ابنبابويه في الفقيه في الصحيح عن جميل بن دراج عن احدهما عليهما السلم ان الجاهل في ترك الركعتين عند مقام ابرهيم عليه السلم بمنزلة الناسي انتهي ، و لا فرق بين ان يتركهما عمدا جاهلا او يفسدهما جهلا فان الفاسدة هي الجارية مجري المتروكة قطعا و اما الناسي ففرضه الرجوع الي مكة و الصلوة عند المقام لان ذلك هو مقتضي الامتثال لقوله تعالي و اتخذوا من مقام ابرهيم مصلي و الامر حقيقة في الوجوب و لما في صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما عليهما السلم عن رجل طاف طواف الفريضة و لميصل الركعتين حتي طاف بين الصفا و المروة ثم طاف طواف النساء و لميصل الركعتين حتي ذكر و هو بالابطح فصلي اربعا قال عليه السلم يرجع فيصلي عند المقام اربعا و عن احمد بن عمر الحلال قال سالت اباالحسن عليه السلم عن رجل نسي ان يصلي ركعتي طواف الفريضة فلميذكر حتي اتي الي مني قال يرجع الي مقام ابرهيم عليه السلم فيصليهما و عن ابنمسكان في حديث آخر ان كان جاوز ميقات اهل ارضه فليرجع و ليصلهما فان الله تعالي يقول و اتخذوا من مقام ابرهيم مصلي و هذه الاخبار كما تري صريحة في المراد و موافقة [ص 224] لكتاب الله سبحانه فوجب اتباعها و القول علي مقتضاها و اما اذا لميتمكن و شق له الرجوع فليصليهما حيث يذكرهما يدل علي ذلك ما رواه ابوبصير قال سئلت اباعبدالله عليه السلم عن رجل نسي ان يصلي ركعتي طواف الفريضة خلف المقام و قد قال الله تعالي و اتخذوا من مقام ابرهيم مصلي حتي ارتحل فقال عليه السلم ان كان ارتحل فاني لااشق عليه و لاآمره ان يرجع و لكن يصلي حيث يذكره و عن معوية بن عمار قال قلت لابيعبدالله عليه السلم رجل نسي الركعتين خلف مقام ابرهيم فلميذكر حتي ارتحل من مكة قال عليه السلم يصليهما حيث ذكر و ان ذكرهما و هو بالبلد فلايبرح حتي يقضيهما و عن هشام بن المثني قال نسيت ركعتي الطواف خلف مقام ابرهيم حتي انتهيت الي مني فرجعت الي مكة فصليتهما فذكرنا ذلك لابيعبدالله عليه السلم فقال افلاصلي حيث ما ذكر انتهي ، و هذه الاخبار كما تري صريحة الدلالة في عدم وجوب العود الي المقام و الصلوة فيه فيحمل علي ما اذا شق عليه و لميتمكن من الرجوع كما يشير اليه قوله عليه السلم في الحديث المتقدم لااشق عليه و لاآمره بالرجوع و ذلك ظاهر ان شاء الله تعالي قال في المدارك و شرط الشهيد (ره) في الدروس في الصلوة في غير المقام تعذر العود اليه و اوجب العود الي الحرم عند تعذر العود الي المقام و جعل صلوتهما حيث شاء من البقاع انما هو مع تعذر العود الي الحرم و لمنقف علي مستنده اقول الظاهر ان مستنده ان تعين الصلوة في المقام و وجوبها قد ثبت بنص الكتاب و السنة كما اشرنا اليه سابقا فلايعدل عنه [ص 225] الا لعذر يمنع الوصول الي ذلك المكان فاذا تعذر ذلك يتعين اقرب المواضع اليه فالاقرب و الا لميحصل القطع ببراءة الذمة قطعا و يؤيده قوله عليه السلم اذا امرتكم بامر فاتوا منه ما استطعتم و قوله عليه السلم لايسقط الميسور بالمعسور و قوله تعالي و اتقوا الله حق تقاته و قوله تعالي و اتقوا الله ما استطعتم فاذا لميتمكن من الوصول الي ذلك المكان فيتعين اقرب المواضع اليه كالمسجد ثم الحرم ثم في غيره من البقاع و قاعدة اصالة البراءة لاتجري في هذا المقام و المستفاد من الاخبار السالفة و غيرها غايته الاذن في غير المقام و لعل ذلك عند التعذر بل هو الظاهر في قوله عليه السلم و لااشق فلايحصل حينئذ القطع بالبراءة الا علي هذه الصورة و نقل عن الشيخ في المبسوط انه اوجب الاستنابة في صلوة الركعتين اذا شق الرجوع و رواه في التهذيب عن عبدالله بن مسكان قال حدثني من سئله عن الرجل نسي ركعتي طواف الفريضة حتي خرج فقال يوكل قال في المدارك و هذه الرواية ضعيفة بالقطع و الارسال و من رجالها محمد بن سنان و هو ضعيف اقول اما محمد بن سنان فالاصح انه ثقة عدل جليل الشان عظيم المنزلة كما ذكرنا في كثير من مباحثاتنا و اما القطع و الارسال فلايضران لكونه مؤيدا و منجبرا بالخبر الصحيح المروي في الفقيه عن عمر بن يزيد عن ابيعبدالله عليه السلم ان كان قد مضي قليلا فليرجع و ليصليهما او يامر بعض الناس فليصليهما عنه و لكن الظاهر من الخبرين التخيير لا الترتيب كما ذهب اليه الشيخ الا بمعونة ما ذكرناه مستندا للشهيد (ره) الحاصل من تصفح [ص 226] اخبار هذا الباب بنظر الاعتبار وجد ان من لميشق عليه الرجوع ليصليهما عند المقام و من شق عليه ذلك فليصليهما حيث ذكر و لايظهر منها الترتيب الذي ذكره الشهيد و الشيخ الا ان الاحوط و الاولي مراعاة الترتيب كما ذكره الشهيد و الاستنابة عند عدم التمكن من الرجوع و الصلوة حيث ذكر و حيث شاء عند عدم التمكن من الاستنابة كما ذكره الشيخ (ره) و بذلك افتي شيخنا و مولينا و سندنا و استادنا الشيخ احمد بن المقدس الشيخ زينالدين الاحسائي و لا شك ان هذا هو الاحوط و به يحصل القطع ببراءة الذمة و اما كونه هو المتعين فلي فيه تأمل و الله العالم بحقايق احكامه .
قال سلمه الله تعالي : المسئلة العاشرة - في الشخص كان اول بلوغه ذاهلا عن انه يجب عليه اخذ مسائله ( مسائل خل ) اما بطريق التقليد او الاجتهاد و ان الناس صنفان مجتهد و مقلد و كان يعمل الاعمال حسب ما يسمع من الناس الي بلوغه اثنين و عشرين سنة فسمع بعد ذلك ان العمل يجب ان يكون بطريق الاجتهاد او التقليد و لكنه كان ذاهلا و غافلا عن انحصار الامر في ذلك الي بلوغه الي ستة و عشرين سنة ثم بعد ذلك لقي المجتهد و عرف الانحصار و اخذ منه كتاب فتواه و بني علي تقليده و عزم علي انه اذا احتاج الي مسئلة من المسائل بل ينظر في ( الي خل ) كتابه و يعمل عليه و في هذه الصورة هل يجب عليه قضاء الاعمال التي اوقعها قبل التقليد ام لا و علي الاول يقضي كم سنة من سني عمره لانه الآن قد بلغ الي اربعين سنة ثم هل يكفي اخذ الكتاب معه و النظر اليه مهما احتاج ام [ص 227] يجب عليه حفظ المسائل كلها لتصح عباداته و ساير اعماله ام لا .
اقول قال شيخنا و مولينا و استادنا اطال الله بقاه و جعلني في كل مكروه و محذور فداه ان الرجل اذا عمل برهة من الزمان غير مقلد للفقيه فان كان علم بوجوب التقليد علي غير المجتهد في جميع تكاليفه العملية فاعماله باطلة ان خالفت المعروف من المذهب بلا خلاف و ان وافقت فكذلك علي الاصح الاحوط و ان لميعلم و اوقعها مخالفة لظاهر الشرع فهي باطلة و عليه الاعادة و ان كانت موافقة لظاهر الشرع فالمشهور ان عليه الاعادة و الذي يظهر لي و يقوي في نفسي انها مجزية لانه هو المعروف من آثار اهل العصمة عليهم السلم فانهم قد اثنوا علي من اصاب و ان لميأخذ ذلك عن اجتهاد او تقليد فان الرجل يأتيهم عليهم السلم و يقول فعلت كذا فان وافق قالوا احسنت و اقروه و لميأمروه بالاعادة و قد انزل الله في البراء بن معرور ان الله يحب التوابين و يحب المتطهرين لما استنجي بالماء و قال صلي الله عليه و آله بعمار حين اراد التيمم و لميعلم كيفية التيمم و تمعك ، تمعكت كما تتمعك الدابة و اعادة صلوة المسيء في صلوته و ان وقوع ذلك في زمن الائمة عليهم السلم كثير و لميامروا احدا بالاعادة او القضاء و لمينقل عن احد منهم ذلك انتهي كلامه رفع الله اعلامه و هذه المسئلة و ان اختلفت فيها العلماء و صارت معركة للآراء الا ان ما ذكره اطال الله بقاه هو المختار المنصور و تفصيل المقال في هذه الاحوال يؤدي الي الاطناب و لايسعني الآن بيانه فاقتصرت بالاشارة و علي هذا في المثال المفروض [ص 228] يجب علي الرجل قضاء الصلوة و الصيام و ساير الاعمال مما بين البلوغ الي حدود ستة و عشرين ان لمتوافق ما هو المعروف المشهور من المذهب في الفرقة المحقة لانه الي حدود اثنين و عشرين و ان تنبه لكنه لميتنبه الي انحصار الامر و الله سبحانه لايؤاخذ الا بعد البيان و علي الله قصد السبيل ثم ان علينا بيانه فيكون حكمه حكم من لميسمع و اما الذي سمع و علم الانحصار و علم فقره و حاجته في المسائل الي غيره و مع ذلك تكاهل فهو كالمعاند فعليه القضاء وافق ام خالف لانه قد اتي البيت من غير بابه و عمل العمل و هو غير موقن بصحته و غير عالم بانه ممتثل اذ لميأخذ عمن يعتقد انه يجب الاخذ عنه فلايدري حين يفعل ان ما يفعل صحيح ام فاسد حق ام باطل فهو حين العمل غير معتقد ببراءة الذمة و الامتثال فتقع اعماله كلها باطلة بخلاف الغافل المحض فانه حين العمل مطمئن القلب ساكن الخاطر عالم بانه ممتثل امر الله و عامل بقول الله فان كان موافقا تم ركنا عمله فصح و ان كان مخالفا انهدم احد ركنيه لان صحة العمل منوطة بموافقة مراد الشارع و طمانينة القلب انه من الله سبحانه و انه عامل بقوله و ماش بحكمه فمن نظر في الاخبار و جاس خلال تلك ( هذا خل ) الديار وجد ان طمانينة القلب و سكون الخاطر في الاعمال و العبادات من اعظم المهمات و عناية الشارع عليه ما ( عليها خل ) اكثر و اشد من غيرها كما في الحديث ( حديث خل ) المشق و غيره و ليس لي الآن اقبال تفصيل هذه الاحوال فاذا بطل احد الركعتين ( الركنين خل ) لايقوم العمل وحده فيفسد لعدم حصول القابلية فانه له مادة و صورة مادته امر الله و صورته قبوله [ص 229] بسكون القلب و اطمينان الخاطر فعند فقدان احدهما يفقد الشيء فافهم و قولكم و هل يكفي اخذ الكتاب جوابه انه يكفي ذلك لان المراد معرفة المسائل مهما احتاج اليها غير المسائل الضرورية التي لا بد منها في كيفية صورة العمل و اما غيرها من المسائل التي ترد احيانا فلايجب استحضارها جميعا لان الملة الحنفية السهلة السمحاء تأبي عن ذلك و كذا قوله تعالي يريد الله بكم اليسر و لايريد بكم العسر ، و ماجعل عليكم في الدين من حرج مع ان سيرة المسلمين جرت علي خلاف ذلك و لااظن احدا من المجتهدين قد استحضر جميع المسائل كلها في خاطره فضلا عن المقلدين فضلا عن اهل هذا الزمان لغلبة تفرق حواسهم و كثرة شئوناتهم و تكليف ذلك عليهم لا شك انه عسر شديد و حرج بعيد .
قال سلمه الله تعالي : المسئلة الحاديةعشرة - في الرجل اذا قلد المجتهد في حيوته فبعد موته هل يجب عليه العدول عنه الي الحي و ان كان الميت اعلم و افضل ام يبقي علي تقليده حتي يجد الاعلم فيعدل او يستمر ابدا و لايجوز له العدول و ان وجد الاعلم بينوا توجروا ادامكم الله و اعزكم و ابقاكم .
اقول العلماء قد اختلفوا في هذه المسئلة فهم بين مانع لتقليد الميت مطلقا بدوا و استمرارا و بين ناف بدوا و موجب استمرارا الي ان يجد الاعلم فيوجب العدول اليه و بين موجب للاستمرار مطلقا و ان وجد الاعلم و غير ذلك من الآراء المختلفة و الاقوال المتشتة و الذي انا عليه و ادين الله به ما عليه جمع كثير من العلماء و جم غفير من الفقهاء هو [ص 230] القول الاول بالمنع من تقليده مطلقا و وجوب العدول الي الحي سواء كان الحي اعلم ام لا و العلماء قد ادعوا عليه الاجماع حتي قال بعضهم ان حرمة تقليد الميت كان مما يتفرد به الشيعة عن مخالفيهم و لايزالون يعرفون بذلك و جواز تقليد الميت كان من متفردات مذهب العامة و كانوا يعرفون به و لولا في ذلك الا تفرد العامة به و اتفاقهم عليه و عدم ورود نص قاطع و تحقق اجماع من الفرقة المحقة بالجواز لكان كافيا و مستقلا في المنع من تقليد الميت مطلقا لان الرشد في خلافهم مع ورود الاخبار المصرحة بالمنع و ان العلم يموت بموت حامليه كما في البحار عن روضةالواعظين قال النبي صلي الله عليه و آله ان الله تعالي لاينتزع العلم انتزاعا و لكن ينتزعه بموت العلماء و فيه ايضا عن تفسير الامام قال ابومحمد الحسن العسكري عليه السلم حدثني ابي عن جدي عن ابيه عن رسول الله صلي الله عليه و آله ان الله لايقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس و لكن يقبضه بقبض العلماء فاذا لمينزل عالم الي عالم تصرف عنه طلاب حطام الدنيا الحديث ، و فيه و في الكافي في حديث كميل عن اميرالمؤمنين عليه السلم الي ان قال عليه السلم كذلك يموت العلم بموت حامليه الحديث ، و لا شك ان التقليد خلاف الاصل و لذا اوجب الحلبيون الاجتهاد عينا و لميرخصوا لاحد التقليد و علي فرض ثبوت التقليد و كون وجوب الاجتهاد كفائيا وجب الوقوف في ما خالف الاصل علي حد ما دل عليه الدليل القاطع و لايطرد في جميع الاحوال و كل الافراد كما هو الظاهر المعلوم و ما دل [ص 231] عليه الدليل و غاية ما ثبت به و استفيد منه هو ثبوت تقليد الاحياء و ما سوي ذلك فلميقع عليه دليل لا من اجماع لبداهة الخلاف و كون المشهور علي المنع و لا من نص من كتاب او سنة يخصص الاصل الاول او يعمم الاصل الثاني في كل افراده بل المستفاد منه المنع كما سمعت الاشارة اليها و لا من عقل مقطوع به و ما ذكروا من حصول الظن بقول الميت و الظن عند فقدان العلم حجة و ان الميت كان يجوز الرجوع اليه حال حياته فكذا بعد موته بحكم الاستصحاب باطل للمنع من حجية الظن مطلقا الا ما قام عليه الدليل القاطع و هو الظن الحاصل من الكتاب و السنة و اقوال اهل اللغة و امثالها و اما ماعداه فلايجوز التعويل عليه و الركون اليه لان الظن لايغني من الحق شيئا و ليس هنا موضع اجراء الاستصحاب لتغير الموضوع المستدعي لتغير الحكم يقينا و القول بانه يستلزم العسر و الحرج المنفيين في الشرع ممنوع لانه بعد موت المجتهد يحضر عند الآخر و يعرض عليه عمله الذي كان يعمله سابقا فما يوافق رايه يقره عليه و ما يخالفه ينبهه عليه و ليست المخالفة اكثر من الموافقة ليصعب عليه التعلم و اذا لميتمكن من الحضور ياخذ من الواسطة الثقة او من كتابه فاذا لميتمكن من الحي بنفسه او بواسطته او بكتابه فليرجع الي الاحتياط ان تمكن منه لقوله عليه السلم عليك بالحايطة من دينك و ان اشتغال الذمة يستدعي البرائة اليقينية و ان لميتمكن من الاحتياط يعمل بما هو المشهور بين الفقهاء في المسئلة لقوله عليه السلم خذ ما اشتهر بين اصحابك و اترك الشاذ النادر [ص 232] فالمجمع ( فان المجمع خل ) عليه لا ريب فيه و العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص المورد و المحل و حكم المقلد عند فقد المجتهد مثل حكم المجتهد عند فقد ظهور الامام عليه السلم و ان لمتكن المسئلة مشهورة بل كانت خلافية فان كان يمكنه التاخير و ليس موضع الحاجة وجب لقوله عليه السلم فارجه حتي تلق امامك و ان لميمكنه التاخير فان كان من باب المعاملات يرجع الي الصلح و التراضي وجوبا و الا فعليه ( فعليه التخيير و الاخذ بايهما شاء و اراد من باب التسليم لقوله (ع) ما معناه بايهما اخذت خل ) من باب التسليم وسعك ثم انك ان اتقنت ما ذكرنا سابقا في سر الغيبة و لزوم حاجة الناس للعمل بالظن و انسداد باب العلم عرفت ان المجتهد ليس الا لسان الامام عليه السلم و مرآة تحكي الامام عليه السلم و ان الاحكام تابعة لصفات المكلفين بل هي صفات المكلفين و تختلف بحسب الاوقات و الازمان و الاماكن و القرانات و الاوضاع و خلط الكفار بالمؤمنين و المنافقين بالمسلمين و استيلاء سلطان الجور و غلبته و عدم الاستيلاء و عدم الغلبة و الامام عليه السلم هو الناظر العالم بهذه الصفات و هذه الاحوال فيجري رعاياه و غنمه علي حكم تلك الاقتضاءات و هي تختلف و قد قال تعالي ان الله لايغير ما بقوم حتي يغيروا ما بانفسهم و هذا هو علة اختلاف المجتهدين و تشتت آراءهم و تبدلها و تغيرها و هو عليه السلم يجري تلك الاحكام علي الرعايا بالسنة المجتهدين من اهل الاستيضاح و البيان فاذا مات المجتهد انقطع ذلك اللسان فلايصلح لان يكون محلا لظهور الامام عليه السلم فتبطل حكايته و اخباره فلا بد من العدول اليه و الاصغاء لحكم الامام عليه السلم بلسانه و هو الفقيه الحي و [ص 233] علي هذا استقر الوجود و اتسق النظام فان الاحكام كلها تكوينية كانت ام تشريعية من الله سبحانه الحي القيوم الدائم فلاتصح ان تكون الوسايط بينه و بين عباده في ما يؤدي اليه امواتا فان الميت يضاد الحي و جهته تخالف جهته و سيره يخالف سيره فاتي مع ذلك الاتفاق الاتري ان الامام عليه السلم اذا مات لو لميكن مكانه امام آخر يحفظ حكم الله و وحيه لساخت الارض و بطلت الاحكام و هلكت الخلايق فلو جاز ان يكون الميت واسطة يجب ان لايخرب العالم اذا مات الامام عليه السلم و ليس المجتهد في ما فيه اليه الوساطة باقوي من الامام عليه السلم حتي ان ما دخل و ظهر في الوجود بمقتضي وساطة الامام ينهدم و يفني و يعدم بخروجه عن الدنيا و يحتاج الي مثله حي حافظ و لايبطل ما كان المجتهد فيه واسطة ان هي الا قسمة ضيزي بل لاينطبق القول بتقليد الميت الا علي مذهب العامة المنكرين للوسايط الاحياء و اما علي مذهب الشيعة فلا اذ لو يبقي ما اتي به المجتهد محفوظا بعد موته لكان محفوظية ما اتي به النبي صلي الله عليه و آله من الاحكام الوجودية و الشرعية بالطريق الاولي فلماذا تسيخ الارض باهلها و تبطل الحركات و السكنات و تضمحل العلوم و الموضوعات فضلا عن الاحكام و الشرعيات اذا لميكن امام و وصي يقوم مقامه و يحل محله و حكم الله سبحانه في الجميع واحد و حكم المجتهد بالنسبة الي الامام مثل حكم الامام بالنسبة الي الله سبحانه قال عليه السلم شيعتنا آخذون بحجزتنا و نحن آخذون بحجزة ربنا و الحجزة النور و قال عليه السلم انا لاشد اتصالا بالله من [ص 234] شعاع الشمس بالشمس فافهم و اتقن فاذن فالقول بتقليد الميت ساقط من راسه سواء كان ابتداء او استمرارا و يجب العدول عنه سواء وجد الاعلم ام لميوجد و لايقال ان العدول عن الاعلم الي غيره يستلزم تفضيله عليه و الله سبحانه مارضي بالتساوي حيث يقول قل هل يستوي الذين يعلمون و الذين لايعلمون لانا نقول ان المجتهد اذا مات انقطع علمه الذي يصل الينا لانه كان حاملا حاكيا لا اصلا مؤسسا فبعد موته لميصح ان يكون لسانا فلايصح الرجوع اليه لان الرجوع اليه من حيث كونه حاكيا لا من حيث هو هو فلا دلالة للآية علي المراد اصلا فافهم و كأني بك تستهزئ بي و تقول ان هذه كلمات لميذكرها احد من العلماء و انا اقول كما قال المتنبي :
و هب اني اقول الصبح ليل ايعمي الناظرون عن الضياء .
قال سلمه الله تعالي : المسئلة الثانيةعشرة - ما تقولون في رجل لميتمكن من اقامة الادلة العقلية و النقلية لاثبات العقايد الخمسة و لكنه غير معاند للكلام الحق و لا منكر لضروري من ضروريات الدين و لو ان آخر يذكر الدليل يعرفه و يقر به لكنه لايبذل جهده ليكون راسخا في نفسه و متمكنا من ادائه حيث شاء فلو انه يبذل جهده و يستفرغ وسعه لوصل الي حد الرسوخ في النفس و الاطمينان و تمكن من اقامة الدليل لنفسه و لغيره هل هذا الشخص في ظاهر الاسلام نجس ام طاهر و هل الدليل الاقناعي كاف في معرفة الاعتقادات ام لا بد من دليل يفحم الخصم .
اقول المناط في المعارف و العقايد القطع و اليقين و اطمينان القلب بحيث [ص 235] يكون ثلج الفؤاد مطمئن القلب في ما يعتقده و يدين به و لميكن في ذلك مستند الي تقليد و الي قول احد و لايلزم اقامة الادلة المفصلة بحيث يفحم الخصم و يلزمه مثلا اذا سئلت عنه عن الله سبحانه يقول اومن به و اعتقد عليه و ان ( اذا خل ) سئلت عن الدليل يقول هكذا قطعت و علمت و لايقول ان فلانا مثلا هكذا قال و هذا المقدار يكفي في صحة اسلامه و ايمانه فان كثيرا من الناس عارفون بالمسائل و قاطعون بها و لايشكون فيها كما لايشكون في وجود الشمس في رابعة النهار و لكنهم اذا سئلوا عن الدليل عجزوا عن ذلك و كذا بالعكس و الي الفريقين اشار مولينا الصادق عليه السلم كما في الكافي ما معناه ان من الناس من لايمر بالف و لا واو الا و تجده خطيبا مصقعا و هو في قلبه اشد ظلمة من الليل الدامس و من الناس من لايقدر علي التعبير عما في قلبه بلسانه و في قلبه سراج يزهر انتهي ، و ليس شرط الايمان و الاسلام الزام الغير و الا لايكاد يوجد مؤمن و لا مسلم الا نادرا قليلا و الله سبحانه يقول عليكم انفسكم لايضركم من ضل اذا اهتديتم فقولكم لايتمكن من اقامة الادلة فان كان مطلقا و ان كان دليلا اقناعيا تطمئن به نفسه و يقطع به فيكون في عقايده شاكا او ظانا و اذا سئلته عن ذلك يقول لاادري او يقوي في نفسي و لماقطع به مما يعم به البلوي و لايثبت الاسلام بدونه و هذا لا شك بانه كافر نجس في ظاهر الاسلام ان كان مما يتعلق بالتوحيد و النبوة و المعاد او ضال خارج عن الفرقة الناجية المحقة ان كان مما يتعلق بالامامة و الولاية و العدل لان الله سبحانه لايعبد بالظن لان الظن لايغني من الحق [ص 236] شيئا و هو سبحانه يقوله فاعلم انه لا اله الا هو فان العابد بالظن لايستحق شيئا من الخير لانه ليس بثقة من ربه و لا بنبيه فلمن يعمل و علي قول من يتكل و علي اي شيء يعتمد فتقع اعماله كلها مجتثة فوق الارض ما لها من قرار فيجب علي الله سبحانه في الحكمة ان يجعل ادلة التوحيد و النبوة و المعاد واضحة ظاهرة جلية بحيث لايكون لاحد العذر في تركها لعدم البيان فان قوام امور المعاش و المعاد كلها مبنية علي تلك المعرفة فالذي لايقطع بها مع اقامة البرهان و ايضاح السبيل فهو حينئذ مقصر غير معذور و القول بمعذورية الظان في العقايد بعد تمام بذل جهده و استفراغ وسعه فاسد فان الله تعالي يقول الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا و هي محكمة مقيدة بالتاكيدات الكثيرة و هو سبحانه لايخلف الميعاد و قال عز و جل و علي الله قصد السبيل و منها جائر و قال تعالي ثم ان علينا بيانه و الحاصل ان الله سبحانه حجته بالغة لميدع لاحد العذر في معرفته و عبادته ليهلك من هلك عن بينة و يحيي من حي عن بينة و اما الاكتفاء بالظن في الفرعيات فهو ايضا راجع الي القطع لان العامل يعلم قطعا ان الله سبحانه راض عنه بذلك و اذا لميفعله قد فعل حراما مخالفا لمحبة الله سبحانه و ارادته و اما اذا لميعلم ذلك بل هو شاك او ظان فيه و لايدري هل فعله هذا يخالف محبته تعالي او يوافقها ليكون مثبتا للظن بظن آخر او بشك فهذا مما اجمع المسلمون بل المليون بل العقلاء كلهم اجمعون علي فساده فظهر لك ان الدين الحق لايبتني علي الظن و التخمين و كذا غيره من [ص 237] الامور فاذا لميحصل المكلف ذلك فهو خارج عن الدين و كافر بما اتي به سيد المرسلين و يجب الاجتناب عنه علي اليقين و اما اذا كان عدم تمكنه من اقامة الدليل بالاضافة الي الغير او الادلة التفصيلية فقد ذكرنا لك انه مسلم موحد و عدم بذل الجهد ان كان لاجل الرسوخ في نفسه و الاطمينان عند قلبه مضر ( يضر خل ) في دينه و اسلامه ان كان في المسائل الضرورية مثل معرفة الله و انه لايدرك و انه كامل ليس بناقص و انه واحد ليس بمتكثر و امثال ذلك و اما اذا كان في المسائل النظرية التي دق ماخذها و اختلف فيها الآراء و تصادمت عندها الاقوال مثل حدوث المشية و قدمها و مثل كيفية تعلق علم الله سبحانه بالمعلومات و غيرها هذا الباب فلايضر في اسلامه و دينه اذا اخطا فيها او توقف عندها و لميعرفها مع معرفته ان الله سبحانه كامل مطلق و واحد مطلق لا كثرة فيه بوجه من الوجوه .
قال سلمه الله تعالي : المسئلة الثالثةعشرة - هل يجوز ان يصلي الاعرف الاعلم في العقايد و الاصول خلف من هو دونه فيها و ان كان اعلم بالمسائل الفقهية الفرعية ام لا .
اقول لولا ظهور الاجماع و عدم العثور و الوقوف علي قائل لكان القول بالمنع و عدم الجواز متجها لقوله عليه السلم لاتصل خلف من انت اعرف منه و قوله عليه السلم من ام في قوم و فيهم من هو اعلم منه لميزل امرهم الي سفال و امثالهما من الاحاديث و الاخبار و الاعتبارات العقلية الا انا حيث لمنجد قائلا بالمنع مع قوله صلي الله عليه و آله [ص 238] لاتزال طائفة من امتي علي الحق حتي يقوم الساعة مع ورود الاخبار الدالة علي المنع من غير معارض لها سوي العمومات قلنا بالجواز مع الكراهة جمعا بين الادلة و الاحتياط لايخفي .
قال سلمه الله تعالي : هل الاذكار و الادعية بقول مطلق افضل ام قرائة القرآن و تلاوته و هل تأذن لنا قرائة الادعية الموجودة في كتب الشيعة او تخصص الاذن ببعض الكتب دون بعض .
اقول الاخبار في هذا الباب علي الظاهر متعارضة فقد روي بتفضيل الدعاء علي القرآن كما رواه احمد بن فهد في عدة الداعي قال قال الباقر عليه السلم لبريد بن معوية و قد سئله كثرة القرآن افضل ام كثرة الدعاء فقال عليه السلم كثرة الدعاء افضل ثم قرء قل ما يعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم قال و عن النبي صلي الله عليه و آله افضل العبادة الدعاء و اذا اذن الله عبدا في الدعاء فتح له ابواب الرحمة انه لنيهلك مع الدعاء احد في الكافي عن زرارة عن ابيجعفر عليه السلم في حديث قال افضل العبادة الدعاء و فيه عن سدير قال قلت لابيجعفر عليه السلم اي العبادة افضل فقال ما من شيء افضل عند الله من ان يسئل و يطلب مما عنده الحديث ، و فيه عن ابيعبدالله عليه السلم عن اميرالمؤمنين عليه السلم احب الاعمال الي الله عز و جل في الارض الدعاء و امثالها من الاحاديث الدالة علي تفضيل الدعاء علي القرآن بالعموم و الخصوص كثيرة و قد روي ما يدل علي تفضيل القرآن علي الدعاء و علي كل عمل و عبادة كما رواه ابنفهد في عدة الداعي عن النبي صلي الله عليه و آله قال قال الله تبارك و تعالي [ص 239] من شغل بقرائة القرآن عن دعائي و مسئلتي اعطيته افضل ثواب الشاكرين و في الكافي بالاسناد عن الزهري قال قلت لعلي بن الحسين عليهما السلم اي الاعمال افضل قال الحال المرتحل قلت و ما الحال المرتحل قال فتح القرآن و ختمه كلما جاء باوله ارتحل في آخره و قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله من اعطاه الله القرآن فراي ان رجلا اعطي افضل مما اعطي فقد صغر عظيما و عظم صغيرا و في مجمعالبيان عن النبي صلي الله عليه و آله قال افضل العبادة قراءة القرآن و عن الحسن العسكري عليه السلم عن آبائه عليهم السلم في حديث قال ان فاتحة الكتاب اشرف ما في كنوز العرش الي ان قال الا فمن قرأها معتقدا لموالاة محمد و آله الطيبين منقادا لامرهما بظاهرها و باطنها اعطاه الله بكل حرف منها حسنة كل واحدة منها افضل له من الدنيا و ما فيها من اصناف خيراتها و اموالها و من استمع الي قاري يقرأها كان له قدر ما للقاري فليستكثر احدكم من هذا الخير انتهي ، و امثالها من الاحاديث الدالة علي فضيلة القرآن علي الدعاء و علي كل شيء كثيرة و العلماء قد جمعوا بين هذه الاخبار بان الدعاء ان كان قد صدر عن قلب طاهر تقي نقي خاضع خاشع مع كمال التوجه و الاقبال و الالتفات الي جهة ذي الجلال و استشعار فقره و فاقته و اضمحلاله و مشاهدة عظمة الله سبحانه و جلاله و كبريائه و استغنائه و ان لا قاضي لحاجته غيره و لا مستقل سواه و لا تذوت و تحقق لشيء من الاشياء دونه فلا شك ان هذا اعظم و افضل من كل عمل و من قراءة القرآن فان فيه ذكر القصص و الاحكام و الوعد و [ص 240] الوعيد و ساير القرانات و الاحوال و الاوضاع الوجودية الكونية ( التكوينية خل ) و التشريعية و لا ريب ان التمحض في التوجه الي جناب الحق سبحانه و الاستمداد منه خاصة اعظم و اشد من الالتفات الي الغير و ان كان به كالحضور في خدمة الملك الاعظم من السير في مملكته و قراءة طومار امره و نهيه باذنه و بامره و ان كان الدعاء بغير تلك الحالة من خلوص التوجه و الاقبال فلا شك ان الاشتغال بقرائة القرآن افضل و اعظم لانه حينئذ ذكر الله و نوره و فيه احكامه و علومه فالذي يقابل النور يستنير و هذا الوجه هو المشهور المعروف عندهم بل لاتكاد تجد غيره و هنا وجوه اعلي و ادق و اشرف اخفاؤها في الصدور احسن من ابرازها في السطور ثم ان مقتضي الحديث المشهور المتكرر المتردد في الكتب المعمول عند الاصحاب من بلغه ثواب فعمل التماس ذلك الكتاب كان له ذلك و ان لميكن كما بلغه و بمعناه احاديث اخر بعضها صحيحة جواز العمل بما في كتب الشيعة من الاعمال الفقهية ( الفقهية المستحبة المنتسبة الي ائمتهم عليهم السلام و ان كانت خل ) الطرق ضعيفة و لذا تراهم يتسامحون في ادلة السنن و المستحبات الا ان الاخذ من الكتب المعتبرة مثل كتب المجلسي (ره) و مصباح المتهجد للشيخ الطوسي و الاقبال و ساير كتب الادعية لابنطاوس (ره) هو الاولي و الاحسن و اما في غير الادعية و الاوراد و ساير المستحبات من الاعمال الواجبة او المحرمة فلايجوز التعويل علي كتاب من كتب الاموات بوجه من الوجوه لان تقليد الميت حرمته قد دل عليها العقل و النقل كما ذكرنا شرذمة منه من ان ذلك هو اجماع الفرقة المحقة و القول بالجواز [ص 241] بحال من الاحوال قول مستحدث قد حصل من الخلط و اللطخ مع المخالفين و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم .
قال سلمه الله تعالي : المسئلة الخامسةعشرة - هل يجوز للرجل ان يلبس المسح العربي في حال السعي بين الصفا و المروة ام لا و علي الثاني هل سعيه صحيح ام لا .
اقول لايحل المحرم الا بعد التقصير و هو بعد السعي فاذن لايجوز له فعل ما كان حراما عليه بعد الاحرام و المسح في زماننا هذا في اطراف العراق يطلق علي شيئين احدهما الخف الخاص بالنساء و ثانيهما الجورب المصنوع من الجلد و هو خاص بالرجال بحسب الاغلب المتداول و كيف كان فلبس الخف و الجورب حرام علي الرجال اختيارا حال الاحرام و قد وقع عليه التصريح في عدة اخبار فلو لبسه اختيارا لايبطل سعيه و عليه الفدية بدم شاة و لو لبس الخف او الجورب اضطرارا فالاقرب الاولي ان يشق ظاهر القدم لرواية ابيبصير عن ابيعبدالله عليه السلم في رجل هلك نعلاه و لميقدر علي نعلين قال له ان يلبس الخفين اذا اضطر الي ذلك و ليشق عن ظهر القدم و رواية محمد بن مسلم عن ابيجعفر عليه السلم في المحرم يلبس الخف اذا لميكن له نعل قال نعم لكن يشق ظهر القدم و هاتان الروايتان تقيدان الخبر الوارد علي الرخصة عند الاضطرار و ان كان في سندهما ضعف اذ لا دليل علي بطلانهما من كتاب و لا من سنة و لا اجماع و لا دليل عقل مع انهما مؤسستان و التاسيس خير من التاكيد و اولي به كما حقق في محله و اما [ص 242] الفدية في حال الاضطرار فالظاهر انه لاتجب و يستفاد من التذكرة الاجماع عليه حيث قال و اذا لميجد النعلين لبس الخفين باجماع العلماء ثم قال و اذا لميجد لبس الخف للضرورة لميكن عليه فدية عند علمائنا و به قال عطا و عكرمة و الثوري و الشافعي و اسحق لاصالة البرائة الي ان يثبت الاشتغال .
قال سلمه الله تعالي : المسئلة السادسةعشرة - لو ان الرجل بذل جهده و جعل همه لتحصيل مبلغ معين من الفلوس لاجل التوسعة علي نفسه او عياله فهل يعد هذا الرجل من اهل الدنيا الملعونة ام لا .
اقول التوسعة علي العيال امر مرغوب شرعا و عرفا فلايكون من اهل الدنيا الملعونة الا ان يكون مراده العجب و البطر و نسيان الآخرة فهو حينئذ من اهل الدنيا المذمومة الملعونة كما ذكرنا سابقا فراجع .
قال سلمه الله تعالي : و بين لنا الطريقة الصحيحة المجربة في الاستخارة بالسبحة و كذلك بالقرآن و ان ايهما افضل و ارجح .
اقول الطريقة ( الطرق خل ) المروية كلها صحيحة و من اخذ بواحدة منها فقد اخذ بحظ وافر الا ان عملنا في الاستخارة بالسبحة ما روي عن القائم عجل الله فرجه يقرء الفاتحة عشرا و اقله ثلثا و ادون منه واحدة و القدر عشرا و هذا الدعاء اللهم اني استخيرك لعلمك بعواقب الامور و استشيرك لحسن ظني بك في المامول و المحذور اللهم ان كان هذا الامر الفلاني قد نيطت ( نيلت خل ) بالبركة اعجازه و بواديه و حفت بالكرامة ايامه و لياليه فخر لي اللهم فيه خيره ترد شموسه ذلولا و تقعض ايامه سرورا اللهم اما امر [ص 243] فائتمر و اما نهي فانتهي اللهم اني استخيرك خيرة في عافية ثم يقبض علي قطعة من السبحة و يضمر حاجته فان كان عدد تلك القطعة زوجا فهو افعل و ان كان فردا فهو لاتفعل انتهي و قراءة هذا الدعاء و السور من المكملات و يجزيك الصلوة علي محمد و آلمحمد ثلث مرات و القبض علي السبحة و اما الاستخارة بالقرآن فقد روي لها طرق مختلفة منها ما رواه صاحب كتاب الشفاء في اخبار آل المصطفي عن كتاب الغايات لجعفر القمي صاحب كتاب العروس و المكارم عن ابيعلي اليسع و عبدالله القمي قال قلت لابيعبدالله عليه السلم اني اريد الشيء فاستخير الله فيه فلايفي و لي فيه الراي افعله او ادعه فقال عليه السلم انظر اذا قمت الي الصلوة فان الشيطان ابعد ما يكون من الانسان اذا قام الي الصلوة اي شيء يقع في قلبك فخذ به و افتح المصحف فانظر الي اول ما تري فيه فخذ به ان شاء الله تعالي و مثله روي الشيخ عن محمد بن علي بن محبوب عن احمد بن الحسن بن فضال عن ابيه عن الحسن بن الجهم عن اليسع القمي و فيه عن السراير نقلا من كتاب ابيالقاسم بن قولويه قال روي بعض اصحابنا قال كنت عند علي بن الحسين عليهما السلم فكان اذا صلي الفجر لميتكلم حتي تطلع الشمس فجاءه يوم ولد فيه زيد فبشروه به بعد صلوة الفجر قال فالتفت الي اصحابه و قال اي شيء ترون ان اسمي هذا المولود قال فقال كل رجل منهم سمه كذا سمه كذا قال فقال يا غلام علي بالمصحف قال فجاؤا بالمصحف فوضعه علي حجره قال ثم فتحه فنظر الي اول حرف في الورقة و اذا فيه و فضل الله [ص 244] المجاهدين علي القاعدين اجرا عظيما قال ثم طبقه ثم فتحه ثانيا فنظر فاذا في اول الورقة ان الله اشتري من المؤمنين انفسهم و اموالهم الآية ، قال هو والله زيد فسمي زيدا و فيه عن البحار للفاضل المجلسي قال وجدت بخط شيخنا البهائي الشيخ شمس الدين محمد بن علي بن الحسن الجباعي قدس الله روحه نقلا عن خط الشيخ الشهيد نور الله ضريحه نقلا من خط محمد بن احمد بن الحسين بن علي بن زياد قال اخبرنا الشيخ الاوحد محمد بن الحسن الطوسي اجازة عن الحسين بن عبيدالله عن ابيمحمد هرون بن موسي التلعكبري عن محمد بن همام بن سهيل عن محمد بن جعفر المؤدب عن احمد بن خالد البرقي عن عثمان بن عيسي عن سيف عن المفضل بن عمر قال بينما نحن عند ابيعبدالله عليه السلم اذ تذاكرنا ام الكتاب فقال رجل من القوم جعلني الله فداك انا ربما هممنا بالحاجة فنتناول المصحف فنتفكر في الحاجة التي نريدها ثم نفتح في اول الورقة فنستدل به علي حاجتنا فقال ابوعبدالله عليه السلم و تحسنون والله ماتحسنون قلت جعلت فداك و كيف نصنع قال اذا كان لاحدكم حاجة و هم بها فليصل صلوة جعفر و ليدع بدعائها فاذا فرغ من ذلك فلياخذ المصحف ثم ينوي فرج آلمحمد صلي الله عليهم بدوا و عودا ثم يقول اللهم ان كان في قضاءك و قدرك ان تفرج عن وليك و حجتك في خلقك في عامنا هذا او في شهرنا هذا فاخرج لنا آية من كتابك نستدل بها علي ذلك ثم يعد سبع ورقات و يعد عشرة اسطر من خلف الورقة السابعة و ينظر ما ياتيه في الاحدعشر [ص 245] من السطور فانه يبين لك حاجتك ثم تعيد الفعل ثانيا لنفسك و عن البحار انه قال روي مرسلا عن الصادق عليه السلم قال ما لاحدكم اذا ضاق بالارض ذرعا ان يتناول المصحف بيده عارفا علي امر يقتضيه من عند الله ثم يقرء فاتحة الكتاب ثلثا و الاخلاص ثلثا و آية الكرسي ثلثا و عنده مفاتح الغيب ثلثا و القدر ثلثا و الجحد ثلثا و المعوذتين ثلثا ثلثا و يتوجه بالقرآن قاعدا فيقول اللهم اتوجه اليك بالقرآن العظيم من فاتحته الي خاتمته و فيه اسمك الاكبر و كلماتك التامات يا سامع كل صوت و يا جامع كل فوت و يا بارئ النفوس بعد الموت يا من لاتغشاه الظلمات و لاتشتبه عليه الاصوات اسئلك ان تخير لي بما اشكل علي به فانك عالم بكل معلوم غير معلم بحق محمد و علي و فاطمة و الحسن و الحسين و علي بن الحسين و محمد الباقر و جعفر الصادق و موسي الكاظم و علي الرضا و محمد الجواد و علي الهادي و الحسن العسكري و الخلف الحجة من آلمحمد عليهم السلم ثم تفتح المصحف و تعد الجلالات التي في الصفحة اليمني ثم تعد بعددها اوراقا ثم تعد بعددها اسطرا من الصفحة اليسري ثم تنظر آخر سطر تجده كالوحي في ما تريد ان شاء الله و هذه الطرق كلها تتخير العمل علي كل منها بحسب سعتك و اهتمامك بالحاجة و عدمها و يجزيك الصلوة علي محمد و آله و افتح المصحف و الاخذ بما في اوله من آيات البشارة و الانذار و اما الارجح و الافضل فلا شك ان القرآن هو الاولي و الافضل لمن يعرفه و يعرف اسراره و بواطنه و لطائفه و اشاراته و الا فعليك بالسبحة فانها مفتاح باب [ص 246] الخير و سر من اسرار آلمحمد عليهم السلم .
قال سلمه الله تعالي : و هل يجب العمل بحكم الاستخارة اذا كان امرا او يحرم العمل اذا كان نهيا ام لا و هل يجب في الاستخارة ان يقصد محض رضاء الله سبحانه و طاعته و محبته او يجوز في ما يتعلق باصلاح احواله .
اقول لايجب العمل بحكم الاستخارة و لايحرم تركه نعم يصيبه ضرر كما وقع كثيرا من اصحاب الائمة عليهم السلم و لميصر سبب قدح في وثاقتهم و طعن في جلالتهم مع اصالة البرائة و اجماع الفرقة المحقة و اما القصد فاعلم ان الافعال التي تريد ان تفعلها لاتخلوا اما ان تكون راجحة باصل الشرع او مرجوحة فان كانت مرجوحة فلا استخارة لان الله سبحانه اختار لك تركها حين نهاك عنها تحريميا كان ام تنزيهيا و ان كانت راجحة فان كان الرجحان رجحانا وجوبيا الزاميا فلا استخارة ايضا لانه لايسع لاحد تركه الا في الواجبات المخيرة التي اليك التعيين فحينئذ لك ان تستخير منه سبحانه و تجعل اليه خيرة التعيين و ان كان الرجحان رجحانا ندبيا فان كان منحصرا و لايعارضه مانع شرعي آخر فلا استخارة ايضا لان تركه مرجوح و قد اخبرك الله سبحانه بذلك فلا معني لتكرار المسئلة و ان كانت جهات الرجحان كثيرة و لاتعرف ايها اقرب الي صلاحك مقرونا برضاء الله سبحانه و يحصل بذلك التحير و التردد فتستخير الله سبحانه قاصدا اصلاح حالك و نفسك مقرونا برضاه سبحانه و محبته العزمية اذ كلما يخالف رضاه و محبته تعالي يجب الاعراض عنه و كذلك القول في المباحات الظاهرة فافهم راشدا .
[ص 247] قال سلمه الله تعالي : المسئلة التاسعةعشرة - ان تمن علينا بتعليم ذكر خاص مجرب لجميع الحوائج لجميع الاشخاص و يكون له حكم برء الساعة .