قال سلمه الله تعالي : ما الحكمة في غيبة امام زماننا عليه السلم و عجل الله فرجه مع ان في ظهوره عليه السلم رفع الفساد و استلزام قطعية الاحكام الواقعية الالهية و غيبته تستلزم العمل بالظن و الشك و عدم الاطمينان بصحة العمل .
اقول اعلم ان الله سبحانه خلق الخلق علي الحق و ابي الا ان يظهر حكمه و يعلن امره و يبين حجته و يعرف الخلق اسرار حكمته كما قال عز و جل و ما كان الله ليضل قوما بعد اذ هديهم حتي يتبين لهم ما يتقون [ص 191] و قال عز و جل و علي الله قصد السبيل و قال عز و جل لاتحرك به لسانك لتعجل به ان علينا جمعه و قرآنه فاذا قراناه فاتبع قرآنه ثم ان علينا بيانه فلذلك بعث سبحانه رسلا و حججا مبشرين و منذرين و اختار لنفسه خلفاء راشدين و هداة مهتدين ( مهديين خل ) اذ تلقي الفيض و الامر و النهي منه سبحانه بلا واسطة ممتنع علي اليقين و ذلك لئلايكون للناس علي الله حجة و ليعرفوا موصولهم و مفصولهم و يكونوا علي بصيرة في امر معبودهم و كيفية التوجه اليه تعالي بصافي سريرتهم و خالص طويتهم و لكنه سبحانه حكم ايضا علي نفسه حكما حتما ان لايجبر احدا و لايلجاه الي التكليف و الايمان ليهلك من هلك عن بينة و يحيي من حي عن بينة كما قال عز و جل لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فهذان الاصلان لايتخلفان و لايختلفان ابدا فاذا بعث الله سبحانه الداعي بالحق الي الحق علي الامم فرعيته لايخلون عن حالات ثلثة احديها انهم يطيعونه اجمعين بصافي طويتهم و خالصي سريرتهم و لايخالفونه ابدا و الثانية انهم يعصونه و يخالفونه اجمعين و لايطيعونه ابدا في حال من الاحوال و الثالثة ان بعضهم يطيعونه و الآخرون يعصونه و يخالفونه و هذا القسم علي قسمين اما ان يكون المطيعون اغلب و اكثر ام العاصون و المطيعون ايضا علي قسمين اما انهم يطيعونه في كلما امر و نهي ام لا بل يطيعونه في البعض و يعصونه في البعض الآخر و المعصية لاتخلو عن ( من خل ) حالتين اما ان تكون لغلبة شهوة النفس لا لانه يراها حسنة و اما ان تكون للعناد و الجحود و مشاهدة كونها حسنة فهذه حالات [ص 192] كل واحدة منها تكون منشأ تأسيس حكم وجودي و تشريعي اما في الحالة الاولي فيجب علي الداعي الخليفة من الله سبحانه ان يظهر لرعيته و يبين لهم احكام شريعته الواقعية الاولية التي اختار الله سبحانه لبريته بمقتضي كينونتهم الصافية المقتضية للعبودية المحضة فيوردهم الي محض الحق و صريح الحكم بغير اختلاف و لا تعدد و لا تناقض و لا تشابه و لا تغير و لا نسخ و لا نفي و لا اثبات و يربي الرعايا و يبلغهم الي غاية الكمالات و منتهي الدرجات من تصفية بواطنهم و تعليمهم العلوم الالهية الغيبية الحقيقية من معرفة سر الخليقة و باطن الحقيقة و بواطن مقامات التوحيد و مراتب التفريد و التجريد اما في الحالة الثانية فيجب ان يهلكهم الله سبحانه و يبطل النظام لانه لا بد للامام عليه السلم ان يكون له شيعة يقول بقوله و يعمل بعمله ليكون ذلك موضع نظره و توجهه الي العالم و لما كان ذلك لايقوم لكونه مدنيا بالطبع الا بساير ( ساير خل ) الخلق من السموات و الارض و الجبال و البحار و ساير اصناف الكائنات من الاشخاص و الافراد و الانواع و الاجناس فلذلك الواحد المؤمن يقيم الله سبحانه الوجود و ينزل المطر من السماء و ينبت النبات و يدير الافلاك فاذا لميكن احدا يتبع الامام عليه السلم فيعود الي مركزه و يعبد ربه و يعرض عن غيره فيفسد الحركات و يبطل السموات كما ان القلب المعنوي اذا اعرض عن هذا البدن الجسمي الحسي يبطل و يفسد فيموت و لايعرض عن البدن الا اذا فسد البدن و ليس له محلا للظهور و الامام عليه السلم قلب العالم كما دل عليه العقل و [ص 193] النقل و لذا لما اراد الله سبحانه خراب هذه الدنيا و اتيان يوم القيمة يامر محمدا و آله صلي الله عليه و آله ان يرفعوا الي السماء و يقطعوا التفاتهم و نظرهم عن اهل الارض و السماء فتنفطر السموات و تموت الكائنات و اما في الحالة الثالثة ففي الحالة الاولي منها اي يكون المطيعون اكثر و اغلب من العاصين يجب علي الامام عليه السلم ان يظهر لرعيته المطيعين و لايعبؤ بالعاصين لكونهم شرذمة قليلين بل عليه ان يدعوهم الي الحق و يتمم حجته عليهم فان اطاعوا فهو المطلوب و الا طهر وجه الارض عن لوث خبثهم ان كانوا كما قال تعالي حكاية عن نوح و لايلدوا الا فاجرا كفارا و الا فان كان اصلابهم النطف الطيبة الطاهرة فيدعهم اذلة صاغرين و يبين للمؤمنين الاحكام القطعية الواقعية الاولية علي القطع و اليقين و لايتركهم سدي مهملين كما يفعله الامام عليه السلم و عجل الله فرجه عند قيامه و اوان استيلاء سلطانه و اما في الحالة الثانية من الثالثة كما في هذا الزمان و الزمان المتقدم و المتاخر كما اخبر الله سبحانه عنهم و قال ام تحسب ان اكثرهم يسمعون او يعقلون ان هم الا كالانعام بل هم اضل و قال عز و جل و لقد ذرانا لجهنم كثيرا من الجن و الانس لهم قلوب لايفقهون بها الآية ، و قال عز و جل و قليل من عبادي الشكور و قال و ماآمن معه الا قليل و امثالها من الآيات الواردة في ذم الكثرة و مدح القلة و هو المحسوس المشاهد فانا نجد اهل الحق المتمسكين به بالنسبة الي اهل الباطل المتمسكين به كالشعرة البيضاء في البقرة السوداء بل ربما اقل [ص 194] و قد قال مولينا الباقر عليه السلم الناس كلهم بهايم الا المؤمن و المؤمن قليل و المؤمن قليل و في رواية اخري المؤمنة اعز من المؤمن و المؤمن اعز من الكبريت الاحمر و هل راي احدكم الكبريت الاحمر فاذا كثر اهل الباطل و غلب عليه فلا شك انه يبذل كل جهده في ابطال الحق و اهله و اطفاء نور الله و محو كلمة الله فاذا ظهر الامام عليه السلم في مثل هذه الحالة لايخلو اما ان يظهر بالقوة و البطش الشديد و القهر و الغلبة او يظهر بالسكوت و الامهال و الاهمال ففي الصورة الاولي يلزم قبيحان احدهما الالجاء و الاكراه المنفيان في الدين بحكم العقل و النقل فان الامام اذا ظهر و قهر كل من يخالفه فلا شك ان المخالفين لايقدرون حينئذ علي المخالفة خوفا علي انفسهم من القتل و الهلاك فيتبعون و قلوبهم كارهة فاذا بقي هؤلاء علي هذه الحالة الي ان يدركهم الاجل و يقطع بهم الامل فاين يسكنون في الآخرة هل في الجنة ام النار و الاول قبيح لان الجنة دار طيبة طاهرة مصفاة عن جميع الكدورات و الشبهات فلاتكون مسكنا للارجاس الانجاس المعاندين لله و لرسوله و الثاني ايضا كذلك لانه لميظهر منهم شيء يؤدي الي النار فيكون لهم حجة علي الله سبحانه و هو سبحانه لايعامل الخلق بعلمه و الا لماجاز بعث الرسل و انزال الكتب لانه تعالي بالمطيع و العاصي من غير التكليف الظاهري و هذا في الحكمة قبيح و الديانة به باطلة فاسدة و الثاني ان النطف قد اختلطت فصارت من النطف الخبيثة في اصلاب المؤمنين و من النطف الطيبة في اصلاب الكافرين و المنافقين كما قال عز و جل يخرج الحي من [ص 195] الميت و يخرج الميت من الحي و هذا ظاهر معلوم فاذا قتل الكفار باجمعهم فقد قطع الفيض عن تلك النطف الطيبة و الذوات الطاهرة فكانت لها حجة علي الله و اذا بقي المؤمنون فقد يحصل منهم الكفار و يعود المحظور و اذا قتل المؤمن الذي في صلبه الكافر لميجز و لاتزر وازرة وزر اخري و في الصورة الثانية اي ظهور الامام عليه السلم بالسكوت و الاهمال و المداراة لايخلو اما ان يكون بعده امام يقوم مقامه و يجري حكمه و امره ام لا بل الامر قد انتهي اليه و لاتقتضي الحكمة الالهية و المصالح الربانية وجود امام غيره فعلي الاول يجب ان يظهر بلا غلبة و قهر و يظهر الحق مهما يمكنه بالمداراة و اعلان كلمة الحق باي وجه يمكن بحيث لايلزم الالجاء الي ان يقتل روحي له الفداء و هنا تفصيل شريف في كيفية ظهور الائمة عليهم السلم واحدا بعد واحد الي ان قتلوا و سر قتل بعضهم بالسيف و بعضهم بالسم و قد اشرت الي شيء من ذلك في رسالتنا اسرار الشهادة فمن اراد حقيقة الامر فليرجع هناك و علي الثاني كما في هذا الزمان فان الادلة القطعية من العقلية و النقلية قد دلت علي ان اولياء ( اوصياء خل ) محمد صلي الله عليه و آله يجب ان يكون اثنيعشر لايزيدون علي ذلك و لاينقصون و هذا حكم قد كتب الله سبحانه بقلم الصنع و الاختراع و الابتداع علي الواح حقايق الكائنات و ذوات الموجودات قد ذكرنا الدليل علي ذلك في ما كتبنا من الدليل العقلي علي اثبات النبوة الخاصة المحمدية صلي الله عليه و آله و الولاية الخاصة العلوية و الذرية الطيبة الطاهرة و امامنا صلي الله عليه و [ص 196] علي آبائه الطاهرين هو تمام الاثنيعشر فيه يقوم الوجود و يعبد المعبود و يظهر الركوع و السجود فلو ظهر كما ظهر آباؤه الطاهرون سلام الله عليهم لقتل كما قتلوا اذ لايجوز ان يظهر بالغلبة و القهر لئلايلزم الالجاء و قطع الفيض فاذا ظهر بغير ذلك لهموا بقتله كما هموا و الاحاديث و التواريخ مشحونة بذلك فاذا منع عن نفسه القتل بان يرفع التاثير عن السيف و السم و ساير الآلات و المعالجات التي بها يكون القتل لاختلف الناس فيه فهم بين قائل بانه رب كما قالوا في جده اميرالمؤمنين عليه السلم و آبائه الطاهرين مع عدم منعهم القتل عن انفسهم بل بمجرد الظهور و اظهار خوارق العادات فما ظنك فيه لو ظهر و منع عن نفسه القتل فيكون الخطب اعظم و الداعي اقوي و بين قائل بانه ساحر كما قالوا في جده و آبائه و بين قائل بامامته مع الكراهة اذا لميقدر علي رده بكل حيلة و دفعه بكل وجه و بين متحير واقف لتشابه الامور و وقوع الاختلاف فكان بذلك سبب ضلال الخلق بعد ان اتي لهدايتهم فان قلت ان هذه الاختلافات قد وقعت في آبائه عليهم السلم فلمتمنعهم الظهور باشخاصهم الشريفة قلت لكنهم عليهم السلم لما قتلوا ارتفعت عنهم شبهة الربوبية اذ لو كانوا اربابا لدفعوا عن انفسهم القتل و رضوا لانفسهم البقاء فعلم بذلك ان تلك الافعال و خوارق العادات انما هي بامر قادر حكيم كان يجريها في ايديهم لا انهم مستقلون بذلك و الا لدفعوا عن انفسهم الموت و القتل و كذلك شبهة السحر بتكرر ظهور الائمة عليهم السلم و بياناتهم و اخلاقهم و عاداتهم يظهر بطلانها و مجمل [ص 197] القول ان كل واحد منهم صلي الله عليهم كان يظهر علي مقتضي كينونة ذلك الزمان و اشخاصه فاذا حصلت شبهة و واهمة في الخلق علي مقتضي ذلك الظهور فيرفعها الامام اللاحق عليه السلم مثلا قام النبي صلي الله عليه و آله بالسيف اذ لولا ذلك لماعلت كلمة الاسلام و لمابلغت النبوة الي جميع الانام و لكن كان في قيامه صلي الله عليه و آله بالسيف و القهر و الغلبة توهم الالجاء و غيره مع انه عليه السلم سن الجزية و قبل الفدية رفعا لهذه الواهمة و لكنها ماارتفعت عن امر وصيه اميرالمؤمنين عليه السلم بالسكوت و عدم القيام لتخرج ضغاين الصدور فلو كان النبي صلي الله عليه و آله مستمرا ماظهرت خباثة الامة و كانوا موسومين بالامة المرحومة و لو كان اميرالمؤمنين عليه السلم يعمل كعمله عليهما السلم عاد المحذور الاول فسكت فاصلح بسكوته تلك الثلمة التي وقعت بحربه صلي الله عليه و آله ثم لما راي عليه السلم ان الناس بطول المدة انكبوا علي النفاق و استحكمت علائق الشقاق و الدين كاد ان يندرس و الاسلام آن ان ينطمس قام بالامر و السيف فقتل الناكثين و القاسطين و المارقين فصار في رعيته ما صار في امة ابن عمه عليهما السلم فلو كان عليه السلم دائما مستمرا علي تلك الحالة كانت رعيته في الباطن كفارا و في الظاهر مسلمين كما قال الصادق عليه السلم ان عسكر اميرالمؤمنين عليه السلم كان يوم صفين خمسينالفا و لميكن فيهم خمسون يعرفون حقه و حقه امامته انتهي ، فبعد ما قتل عليه السلم امر وصيه و ولده الحسن عليه السلم بالكف عن القتال فخرجت ضغاين الصدور [ص 198] و اظهر ما كان مكنونا في مستجنات الضمير ثم بصلح الحسن عليه السلم دخلت الشبهة شبهة حقية المخالفين في قلوب المخالف و الموالف و لميبق مؤمن الا و قد شك امر عليه السلم وصيه و اخاه الحسين عليه السلم بالقتال و توطين النفس للشهادة فلو ان الحسن عليه السلم كان باقيا علي الدوام و لميكن بعده الا قيام القيامة لمتزل ( لميزل خل ) الخلق علي تلك الحالة فلميتبين للناس الغي من الهدي و البصيرة من العمي و ذلك خلاف ما اجري الله سبحانه عادته عليه من اعلان ( باعلان خل ) امره و ابلاغ حجته و اعلاء كلمته فقام الحسين عليه السلم فقتل و ظهرت العلامات و برزت الآيات و تبين للخلق انهم الحق و اهله و ان اعدائهم الباطل و اهله و تبين لهم عذر الحسن عليه السلم للصلح فتنورت القلوب المطيعة و شرحت الصدور المنيرة ( الستنيرة خل ) و عرفوا حقية آلمحمد عليهم السلم فجحدها الاكثرون و ثبت عليها الاقلون و لكن من جهة غلبة سلطان الظلم و الجور لميعرف الخلق عبادة ربهم و الخضوع بين يديه و امتثال اوامره و اول ما يجب للخلق كمال الخضوع و الانقياد و الاعتراف بالذنب و المداومة علي العمل و لما كان اظهار هذا المعني بطريق الامر و البيان الواضح لميمكن لاستيلاء الظلمة الفسقة امر وصيه و ولده علي بن الحسين عليهما السلم باظهار العبادة و الخضوع و الخشوع و المناجاة و التوجه و الانقياد و البكاء من جهة خوفه تعالي و محبته و الشوق اليه و الي لقاء حضرته فعلم عليه السلم الناس بذلك حقيقة العبودية و التوجه لدي جناب الربوبية و لما كان محض الخضوع و الخشوع لايكفي بل لا بد من [ص 199] العمل و الطاعة علي وفق محبة الله سبحانه ظهر الصادقان عليهما السلم بذلك فاظهرا للخلق طريقة العبادة و الطاعة و كيفيات الاعمال من الفرايض و المستحبات فلما انتشر نورهما و علت كلمتهما و ثبت علومهما امر مولينا الكاظم عليه السلم بالكف عن الكلام و تحمل محنة السجن لتبين الذين انتفعوا بعلمهما عن غيرهم فتفرقت الناووسية و الفطحية و الاسمعيلية و الخطابية و غيرهم و كذلك اندرست الاصول التي كتبوها في عصر الباقر و الصادق عليهما السلم لمصالح عظيمة لايسعني الآن بيان شرذمة منها ثم من جهة اختفاء سيدنا الكاظم عليه السلم اجتمعت عنده اموال كثيرة و لميتمكن من انفاقها علي شيعته فجعلها في يد اناس ليظهر منهم ما لميظهر منهم لو لمتكن تلك الاموال في ايديهم كعلي بن ابيحمزة البطائني و عثمان بن عيسي الرواسي و امثالهما من الكلاب الممطورة امر وصيه و ولده علي بن موسي عليهما السلم ان يطالب منهم تلك الاموال حتي يظهر باطنهم و يعلم خبث سريرتهم الحاصل كل واحد من الامام اللاحق يصلح و يزيل ما كان يحدث في الرعية باعتبار ظهور الامام السابق علي الوجه الاكمل المقتضي للظهور في ذلك الزمان الي ان انتهي الامر الي امام زماننا روحي له الفداء و عجل الله فرجه و ليس بعده امام حتي يزيل الشبهات التي حصلت من جهة ظهوره و لايرتفع تلك الواهمة و الشبهة الا برفع العلة و كل هذه الاختلافات انما حصلت لاجل منع الامام عليه السلم القتل و الموت عن نفسه الشريفة فلاتزول الا برفع المنع و هو يستلزم القتل و الموت و ليس بعده من يقوم [ص 200] مقامه فيختل النظام و يفسد العالم و يهلك الخلق قبل النضج و الاعتدال و يمنع الفيض عن النفوس الكاملة المستعدة للكمال و لاتقوم الحجة علي الناقصين اذا قالوا و احتجوا لو كنا في الدنيا و لنا امام يهدينا لكنا نعبد الله و نوحده فلميبق الا ان يقتل عليه السلم او يخفي نفسه الشريفة عنهم و لا شك ان بقتله تبطل السموات و الارض و تندك الجبال و تغور المياه و بحياته و خفائه عليه السلم تبقي الدنيا و يبقي الخلايق و يعتدل نضج كينونتهم الي ان تثمر اما ثمرة طيبة او حنظلة مرة فهنالك يقوم فيعطي كل ذي حقه حقه و يسوق الي كل مخلوق رزقه فافهم و هذا هو سر الغيبة و الحكمة فيها و وجه آخر نقول ان الاصل الثانوي قد اقتضي غيبة جميع اهل الحق خصوصا آلمحمد عليهم السلم و ذلك لامور استحكمت في العالم الاول عالم الذر لان الله سبحانه جعل للحق دولة و للباطل دولة في الدنيا و لما كان الباطل مجتثا زائلا و الحق اصيلا ثابتا قدم دولة الباطل و اهله علي الحق و اهله فقال تعالي الحمد لله الذي خلق السموات و الارض و جعل الظلمات و النور فتقدمت الظلمة علي النور و الليل علي النهار و النطفة و العلقة و المضغة علي الصورة الانسانية و حالة الصبي علي البلوغ و هكذا في المراتب كلها فاذا كانت هذه الايام و الازمان لدولة الظالمين فلا بد لاهل الحق من الخفاء و الاختفاء و الغيبة و لكن الله سبحانه لما ابي الا ان يقيم الحجة علي الخلق من المؤمن و الكافر يظهر اهل الحق بقدر الضرورة اللازمة التي تبقي بها اسم الاسلام و الايمان علي الوجه الظاهر المعروف [ص 201] المتعارف اتماما للحجة علي الكافرين و اكمالا للنعمة علي المؤمنين فاذا حصل هذا المدعا اخفاهم الله عن اعين الظالمين ما دام دولة الفاسقين تنزيها لهم عن ملاقاة تلك الفسقة و معاشرة اولئك الظلمة كما قال الشاعر :
لله تحت قباب الارض طائفة اخفاهم عن عيون الناس اجلالا
فغيبة الامام عليه السلم لاتحتاج الي دليل و انما المحتاج الي الدليل ظهور باقي الائمة عليهم السلم و قد اشرت الي شيء من ذلك فراجع تفهم و قد سئلني بعض الناس عن الدليل علي حياة الامام عليه السلم و بقائه فان البدن العنصري لايتحمل هذا الدوام عادة قلت له انا لانحتاج الي الدليل علي بقاء القائم عليه السلم و حياته فان الامام عليه السلم خلق من مادة الحياة و عين الحيوان و ليس عنده ما يقتضي التفكيك و التفريق من الاعراض و الغرايب مثل اجسام المؤمنين في الجنة فبدن الامام عليه السلم في هذه الدنيا مثل ابدان الخلق في الجنة بل العكس فلايحتاج حياته عليه السلم الي اقامة الدليل نعم اذا انت لا بد لك من السؤال عن الدليل فاسئل عن موت ساير الائمة عليهم السلم كيف ماتوا مع انه ليس عندهم ما يقتضي الموت فسكت و اذعن لما سمع الحق و كذلك امر الغيبة و هنا وجوه اخر من دليل الحكمة و سر الخليقة في علة الغيبة طويت ذكرها خوفا من التطويل و صونا لها عن اصحاب القال و القيل و اما ما ذكرت من ان في ظهوره عليه السلم رفع الفساد و قطعية الاحكام فغلط باطل لان في ظهوره عليه السلم في هذه الصورة اي غلبة المخالفين العاصين علي المطيعين المؤمنين عين الفساد لاستلزامه [ص 202] قتله المستلزم لفساد العالم و خرابه و دثوره او لوقوع الخلق في شبهة الربوبية و السحر و وقوعهم في الالجاء و لميكن لها رافع الا ازالة العلة التي صارت سببا لها و هي منع القتل عن نفسه و رفعه لايكون الا بالتمكين من قتله و فيه الفساد الاعظم الاكبر و رفع الفساد انما يكون اذا كان مطاعا نافذ الحكم و هو خلاف المفروض بل الفساد المترتب علي وجوده و ظهوره من تهجم المخالفين عليه لقتله و قتل شيعته و انصاره و اعوانه اعظم مما اذا كان غايبا فانهم حينئذ لايلتفتون الي الشيعة و الضعفة كما قال الحسين عليه السلم لاصحابه ليلة عاشوراء ان القوم مايريدون غيري و انتم في حل من بيعتي فتفرقوا فانهم اذا اصبحوا و وجدوني لايلتفتون اليكم و لايتعاقبونكم و هو كما قال روحي له الفداء و نجده عيانا فان المخالفين انما يخافون من استيلاء الرئيس و اخذ الرياسة عنهم فاذا اختفي الرئيس و هم آمنون من خروجه عليهم فلايتعرضون و لايلتفتون الي التبعة و اما الفساد الواقع في الدين و في الشريعة التي بيد شيعته عليه السلم فاذا اراد ان يزيله و يدفعه و راي الصلاح في ذلك ازاله و دفعه و لايمنعه الغيبة عن ذلك لانه اذا غاب عن الخلق فالخلق غير غائبين عنه كما قال عليه السلم في توقيعه للمفيد (ره) انا غير مهملين لمراعاتكم و لا ناسين لذكركم و لولا ذلك لاصطلمتكم اللاواء و احاطت بكم الاعداء الحديث ، فهو عليه السلم المانع لرعيته و شيعته التابعين له ما راي صلاحهم في ذلك من المضار و المفاسد بل لايوقعهم الا في ما يصلحهم و اما قطعية الاحكام و ظنيتها فلاتتعلق بظهوره [ص 203] عليه السلم و غيبته فانه اذا اراد ان يوصل الرعية الي مقام القطع و اليقين اوصله و لاتضره الغيبة بل مبنا امر القطع و الظن سر آخر نذكره ان شاء الله في المسئلة الرابعة فمن طلب الحق و الصدق بخلوص النية و صافي الطوية و حسن السريرة اوصله اليه و ان لمير شخصه و من لميكن صادقا في الطلب او طالبا للحق لاينفعه و ان شاهده عليه السلم و خاطبه مشافهة و في الدعاء ماضرني غيبتي و لانفعهم حضورهم قال عليه السلم ما من عبد احبنا و زاد في حبنا و اخلص في معرفتنا و سئل مسئلة الا و نفثنا في روعه جوابا لتلك المسئلة و قال الله سبحانه و تعالي الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا الحاصل ان الامام عليه السلم ناظر عليك و شاهد و انت بمرءي منه و مسمع فما وجدك اهلا له اعطاك من الاحكام الوجودية و التشريعية و ما هو علي الغيب بظنين و رؤيتك ليست شرطا في تدبيره لك كما ان الله سبحانه يدبرك و يفيض عليك من خزائنه من جوده و كرمه و انت لاتراه و الملائكة يدبرونك بامر الله و حكمه و مشيته و انت لاتراهم و الجن يتصرف فيك ما تشاء و انت لاتراهم و الامام عليه السلم وجه الله و بابه و عينه و جنبه و الملائكة خدامه و الجن في حيطة تصرفه و تملكه يعطي ما يشاء ( يشاء كما يشاء خل ) بما ( بمن خل ) يشاء و يمنع ما يشاء بما يشاء كما يشاء لمن يشاء و الله سبحانه ملكه خزائن رحمته و اعطاه مقاليد حكمته فخيره بالمن و العطاء فقال سبحانه و تعالي هذا عطاؤنا فامنن او امسك بغير حساب ثم امر الخلق بان يقبلوا منهم ما يعطيهم و لايعترضوا عليه فقال عز من قائل ما آتيكم الرسول فخذوه و [ص 204] ما نهيكم عنه فانتهوا فمن طلبه وجده و من اعرض عنه لميخرج عن حيطة تصرفه و حكمه .
قال : المسئلة الرابعة - ما الحكمة في انسداد باب العلم مع ان وجوب اللطف علي الحكيم الفياض يقتضي انفتاحه لتكون ( ليكون خل ) العباد عملهم علي القطع و اليقين لا علي الظن و التخمين .
اقول اعلم ان الله سبحانه و تعالي خلق الخلق في العالم الاول بعد ما عرض عليهم التكليف بالاقرار له بالربوبية و لمحمد و آله صلي الله عليه و آله بالطاعة خلقهم علي هيكلين هيكل التوحيد و هو هيئة الايمان و الطاعة و التقوي و الخير و النور و الجامع لها الصورة الانسانية طينة عليين و ذلك بمقتضي اقرارهم و اجابتهم بالاخلاص و الخضوع و هيكل النفاق و الشرك و هو هيئة الكفر و المعصية و اضداد ما ذكر و ما لميذكر و الجامع لها الصورة الشيطانية الابليسية ثم جعل للطائفة الاولي اعمالا و احكاما يترقون بها الي المقامات العالية و الدرجات المتعالية و يصلون بها غاية ما خلقوا لاجله و جعل للطائفة الثانية اضداد ما للاولي بحقيقة ما هم اهله و هذه الاحكام هي الاحكام الواقعية الاولية التي لاتتغير و لاتتبدل لانها علي مقتضي الكينونة و المساوقة للخليقة فلاتفارق ما دامت الذات موجودة ثم بعد ما قضي الله سبحانه نزول الخلق الي هذه الدنيا فانزلهم اليها حصل بين الطائفتين قران و اقتران و مزج و امتزاج و خلط و اختلاط فحصل لصاحب هيكل التوحيد الذاتي الذي به يوحد الله تعالي و يحب الخير و اهله و يبغض الشر و الباطل و [ص 205] اهله هيكل النفاق العرضي الذي به يعصي الله سبحانه و يتجرء عليه و يخالفه و يميل الي الباطل و يوافقه الا المعصومون الباقون علي الهيكل الاول و لميتلوثوا بالهيكل الثاني العرضي و حصل لصاحب هيكل الكفر الذاتي الذي به يعاند الله سبحانه و يشرك معه غيره و يبغض الخير و اهله و يكره الحق و اهله و يحب الفساد و الباطل و الشر و اهله هيكل التوحيد العرضي الذي به يفعل بعض افعال الخير كصلة الرحم و الرحم علي الفقراء و المساكين الا المنافقون الذين مااطاعوا الله طرفة عين و هم ليس عندهم الهيكل الثاني العرضي فبعد هذا المزج و الاختلاط لميمكن اجراء تلك الاحكام الصرفة لان الموضوعات التي هي مواقع الاحكام ما بقيت علي صرافتها و اختلطت بغير جنسها و سنخها و قد قال سبحانه و تعالي ان الله لايغير ما بقوم حتي يغيروا ما بانفسهم و لما كانت تلك الهياكل العرضية غير ثابتة لعرضيتها و دوام تجددها و عدم استقرارها و استمرارها فتختلف احكامها و اعمالها فثبت لك ان الاحكام علي قسمين احكام اولية واقعية لكل شيء عند الله سبحانه علي طبق الكينونات الحقة الاولية و احكام الثانوية واقعية علي طبق الكينونات الثانوية فما دام حكم الخلط و اللطخ و المزج باقيا كانت الاحكام مختلفة و لميتعين العمل بالاحكام الاولية في الكل الا في بعض المواضع عند ضعف العرضيات في المواد المخصوصة الا انه يجب حفظ تلك الاحكام في الفرقة الناجية اي يكون واحد منهم يقول به و يعمل عليه لئلايبطل النظام و يدور الفلك علي الدوام و ان كان ذلك القائل نادرا شاذا غير معروف و لا مشهور قال [ص 206] النبي صلي الله عليه و آله لاتزال طائفة من امتي علي الحق حتي تقوم الساعة و لايلزم ظهور تلك الاحكام في واحد بل يكفي في الكل فاذا فهمت هذا القدر من الكلام فاعلم ان الذي يقول بان باب العلم مسدود ما الذي اراد بالعلم فان كان مراده سد باب العلم بالاحكام الواقعية الاولية فهو صحيح و لكن زمان انسداده كان الوقت الذي خرج ابونا آدم عليه السلم من الجنة و قتل قابيل هابيل و تلك الباب ماانفتحت ابدا الي زماننا و لذا تري نسخ الشرايع و محوها و الاحكام المتبدلة المتغيرة في كل شريعة مع ان الحكم الاولي الواقعي لميتغير و لايتبدل ( لميتبدل خل ) و لايزيد و لاينقص و لايطرء عليه حكم النسخ فاذا اخبر نبي من الانبياء امته بحكم من الاحكام كانت الامة يقطعون و يجزمون ان هذا هو حكم الله في حقهم و لكنهم ماكانوا قاطعين بانه هو الحكم الذي لايتغير و لايتبدل و لايختلف لجواز ناسخ و ماح له نعم قد يحصل لهم الظن بذلك و قد لايحصل لهم ذلك ايضا و ماكانوا متعبدين الا بما ياتيهم من الحكم الخاص بهم و ان كان مختلفا لان الموضوعات مشوبة بالمزج و هي دائمة التغير فالاحكام تابعة لها في ذلك كالمصلي حال الصحة يصلي قائما و في حال المرض جالسا و مضطجعا و ايماء و الحاضر يصلي اربعا و المسافر اثنين و هكذا و بالجملة العلم بتعين الحكم الواقعي الالهي في غير الضروريات لايتيسر لكل احد و ذلك باب مسدود لايفتحها الا القائم المنتظر عجل الله فرجه لانه روحي له الفداء لايخرج الا بعد ان تصفو الهياكل عن شوب المزج و الخلط و اللطخ فيجري عليه الحكم الواقعي الاولي و اما قبل ظهوره فلا و [ص 207] كذلك نبينا صلي الله عليه و آله قد اتي و ظهر بالاحكام الثانوية و جعل الاحكام الاولية عند خلفائه و نوابه يظهرون منها ما يشاؤن و يخفون منها ما يشاؤن حسب ما يعلمهم النبي صلي الله عليه و آله بتعليم الله سبحانه و ان اراد بالعلم المسدود بابه العلم بالاحكام الواقعية الثانوية المختلفة المعبر عنها بالاحكام الظاهرية فهو باطل فاسد فان الله سبحانه و تعالي اجل و اعظم من ان يخلق الخلق لغايات عظيمة و كلفهم للبلوغ الي تلك الغايات و الوصول الي تلك السعادات و يجعل لهم حججا بالغة و حكاما قوية ثم يخفي عليهم تكاليفهم و اعمالهم و يبهم عليهم امور دينهم و دنياهم و لايبين لهم ما يتقون و يجعلهم سدي عميانا في عماءهم يترددون و يجعل لهم ادلة ظنية مايعلمون ان هذا هل هو الدين ام لا و هل هذا هو المنجي في المعاد ام لا فاين اذن حجته البالغة و اين حكمته العامة الشاملة و اين رحمته الواسعة و المكتوبة ما هكذا ربنا و لا هكذا حججنا و خلفاؤنا و هو سبحانه يقول و علي الله قصد السبيل ، ان علينا جمعه و قرآنه فاذا قراناه فاتبع قرآنه ثم ان علينا بيانه و لما كان الخلق جهالا ناقصين لايعرفون ما ينفعهم عما يضرهم و ما يصلحهم عما يفسدهم عند الخلط و المزج جعل الله سبحانه لهم اطباء ماهرين شاهدين عليهم يوردونهم ما هو صلاح معاشهم و معادهم و لما كانت الطبايع مختلفة و الغرايز متفاوتة و حكم اللطخ ليس علي نهج واحد فيجعلون الاختلاف في الاحكام نظرا الي ما هو الاصلح للنظام كما قال مولينا الصادق عليه السلم راعيكم الذي استرعاه [ص 208] الله امر غنمه اعلم بمصالح غنمه ان شاء جمع بينها لتسلم و ان شاء فرق بينها لتسلم و لذا تريهم عليهم السلم في مسئلة واحدة يجيبون باجوبة مختلفة لاشخاص مختلفة بل لشخص واحد ايضا كما في الحديث المشهور سؤال علي بن يقطين عن مولينا الكاظم عليه السلم عن الوضوء فاجابه بالامر علي ما تصنعه العامة ثم بعد ذلك نهاه عن ذلك و امره بان يتوضا كما هو المعروف عند الشيعة القصة مشهورة و كل ذلك نظرا الي ما هو الصلاح لاختلاف الاوضاع و الموضوعات و هذا الذي ذكرنا لا اشكال فيه و لا احد يخالفه عند حضور الامام عليه السلم و انما الاشكال في غيبته عليه السلم اما مطلقا كما هو في هذا الزمان او عن الذين لميحضروا كزمان ائمتنا سلام الله عليهم بالنسبة الي اقصي بلاد الصين و الفرنج و امثالهما فنقول قد دلت الادلة العقلية و النقلية كما ذكرناها مشروحة في الجزء الثاني من شرح الخطبة الطتنجية ان الامام عليه السلم هو وجه الله الذي لا تعطيل له في كل مكان و هو عين الله الناظرة و كل الخلق مما دخل عالم الكون و الوجود عنده عليه السلم كالدرهم بين يدي احدكم لانهم الاشهاد و الاعضاد و الحفظة و الرواد و بهم ملا الله السموات و الارض حتي ظهر ان لا اله الا الله فالعالم الفقيه المستوضح اذا كان صادقا في محبتهم اي عادلا طالبا لرضاء الله سبحانه معرضا عن هواه اذا نظر في احاديثهم اي الاحاديث المنسوبة اليهم عليهم السلم فلا شك انهم عليهم السلم يرونه و يعرفون مراده فان كان ما نسب اليهم ليس منهم فوجب عليهم ان يردوه و يردعوه لانه من [ص 209] رعيتهم و عليهم رعايته و حمايته و الحماية و الرعاية لاتستلزم المشاهدة و الرؤية و هم عليهم السلم قادرون علي ذلك بانحاء كثيرة باظهار حديث آخر او آية من القرآن او اجماع او شهرة او دليل عقل معارض لذلك مؤيد باخبار اخر او الهام في القلب او ضرب مثال او بيان حال او تلويح او اشارة او عموم او خصوص او غير ذلك من الانحاء و الامور التي يجدها الفقيه اذا راجع في الفقه عند الاستنباط و قد دلت الاخبار المتكثرة المتظافرة المتواردة ان الارض لاتخلو من حجة كيما ان زاد المؤمنون ردهم و ان نقصوا اتمه لهم و لا ريب ان الجمع المحلي باللام يفيد العموم الافرادي لا الجمعي كما اذا قلت اكرم العلماء فان المراد به كل فرد فرد لا مجموع العلماء فاذا ثبت هذا بالتلويح و الاشارة فالمستوضح المستنبط حين طلب الحق منهم و وجد خبرا و حديثا منهم عليهم السلم فلايخلو ان ذلك الحديث منهم ام لا بل موضوع عليهم و علي الاول هل هو من الحكم المراد من رعيتهم و شيعتهم ام جري ذلك منهم عليهم السلم مجري التقية و علي كل التقادير فالمناسب الموافق لمصلحة العالم الناظر و جميع من ياخذ منه هل هو ذلك ام لا اذ قد يكون ذلك الخبر منهم و من احكامهم و لكن الناظر ليست مصلحته العمل بذلك الحكم لما قلنا من سر الخلط و اللطخ في ذلك الوقت و قد تكون المصلحة لغيره ان يعمل عليه و قد تكون المصلحة له لكن في غير ذلك الوقت كنسبة الطبيب مع المرضي و تبدل معالجاته و تغيرها و اختلافها بحسب تبدل مزاج المرضي و تغيره كما هو المعروف ( المعلوم خل ) المشاهد [ص 210] و قد قال مولينا الرضا عليه السلم قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هيهنا فالامراض الجسمانية دليل الامراض الروحانية و المعالجات دليل تلك المعالجات و الاطباء دليل اولئك الاطباء حرفا بحرف فاذا كان كذلك فاذ لميكن ذلك الخبر مناسبا لحال ذلك الفقيه يظهرون له القراين الحالية و المقالية و المرجحات علي ترك العمل بذلك الخبر و الاعراض عنه فيردعونه عن ذلك الحكم و ان كان هو المراد منه علي ما يفهم يسكتون عنه فسكوتهم دليل علي تقريرهم اذ لايتصور جهلهم عليهم السلم بذلك الفقيه و ذلك النظر و الفهم و ذلك الحديث لما اقمنا عليه من البراهين القطعية من العقلية و النقلية و لايتصور القول بعدم اقتدارهم علي المنع و الردع اذ لا شك انهم عليهم السلم اقدر من الملئكة و كل الخلق في اصلاح رعاياهم و هم لايشعرون باحداث القراين من اظهار كتاب او اصل او قول قائل او الهام او غير ذلك مما اشرنا الي شيء من ذلك و لايتصور ايضا اغراءهم عليهم السلم ( السلم جهال خل ) رعاياهم و ضعفاء شيعتهم علي الباطل لانهم اتوا لهداية الخلق لا لاضلالهم اين اذن قوله عليه السلم انا غير مهملين لمراعاتكم و لا ناسين لذكركم و لولا ذلك لاصطلمتكم اللاواء و احاطت بكم الاعداء فلميبق الا القول بانهم عليهم السلم اقروه علي ذلك و هو التقرير الذي اجمع العلماء علي حجيته و ليس للتقرير معني غير ذلك و لا احد شرط في التقرير كون المقرر له مشاهدا للمقرر و لا فرق بين مجلس الامام و اقصي بلاد الفرنج لان العالم كله بيت له عليه السلم و جميع الوجود [ص 211] مجلسه القريب و البعيد عنده علي حد سواء انظر الي الشمس فانها في السماء الرابعة و تشرق علي الارض و السماء فاذا قربت اليها جسما كثيفا اشرقت عليه و اذا بعدت عنها في الارض السابعة من غير حجاب اشرقت عليه و لايتفاوت للشمس علي الظاهر في القرب و البعد فافهم ضرب المثل فما لايجد الفقيه محيصا عنه هو الحكم الواقعي الثانوي له قطعا يقينا و لايقطع علي انه هو الحكم الاولي قد يكون و قد لايكون فاين الظن بالحكم الظاهري و اين العلم بالحكم الواقعي الاولي و تخصيص المجتهد بالاستيضاح مع اشتراك المكلفين كلهم في ذلك لاجل انهم يحكون المثال و صالحون لان يكونوا السنة للامام عليه السلم بخلاف غيرهم و ان كان نورهم يشرق علي الكل علي حد سواء مثال ذلك الشمس فانها تشرق علي جميع الاجسام الكثيفة باشراق واحد الا ان المرايا و البلور و ساير الاجسام الصيقلية تحكي مثال الشمس بخلاف الاحجار الغاسقة و الاجسام الكدرة و هذا بعينه مثال المجتهد العالم مع المقلد الجاهل فافهم فاذا سمعت الفقهاء يقولون نحن نعمل بالظن فيريدون به الظن بالحكم الاولي و اذا سمعتهم يقولون نحن نعمل بالعلم و القطع فمرادهم به العلم بالحكم الثانوي الظاهري فمن يقول غير ما ذكرنا فقد اخطا الصواب و قولهم ان بعد غيبة الامام عليه السلم انسد باب العلم فغلط واضح لما ذكرنا و بينا و هنا تفاصيل عجيبة و مقامات ( بيانات خل ) غريبة لولا خوفي التطويل لاجلت القلم في هذا الميدان الا ان في ما ذكرنا لمن له قلب او القي السمع و هو شهيد .
[ص 212] قال سلمه الله تعالي : المسئلة الخامسة - ما التوفيق و الجمع بين قوله تعالي و ان ليس للانسان الا ما سعي و ان سعيه سوف يري ، و قوله تعالي لا راد لقضائه و لا معقب لحكمه و الحديث النبوي صلي الله عليه و آله اذا جاء القدر عمي البصر .
اقول اعلم ان الله سبحانه حكم حكما باتا ( تاما خل ) حتما و قضي قضاء لازما ان لايجبر العباد و ان يجريهم في كل شؤناتهم و احوالهم و ذواتهم و صفاتهم و افعالهم و اعمالهم علي مقتضي ميولاتهم و شهواتهم الذاتية و العرضية و اللازمة و المفارقة و يحفظ لهم اختياراتهم و شهواتهم و يرتب علي تلك الشهوات مقتضاءاتها من السعادة و الشقاوة و الخير و الشر و النعيم و الاليم و امثالها من الثمرات و النتايج و لولا ذلك لجبرهم و بذلك ظلمهم و ما ربك بظلام للعبيد فعلي ما ذكرنا تكون لله سبحانه مشيتين و ارادتين مشية حتم و هي ما ذكرنا من فعله المتعلق بايجاد الكينونات الوجودية و الشرعية علي مقتضي القوابل الناشئة من الاختيار و مشية عزم و محبة و هي محبته سبحانه الخير و النعيم لعباده و ان يفعلوا الطاعات ليستحقوا بها معالي الدرجات فربما يشاء بمشية عزم و محبة فيامر بالفعل لذلك و لايشاء بمشية حتم و هي الجارية في الاشياء علي مقتضياتها و ذلك اذا مال العبد باختياره الي خلاف ما يحب الله سبحانه محبة اولية لانه اذا مال الي جهة المخالفة فاذا ( و اذا خل ) اراد الله سبحانه ان يمنعه و يصرفه الي ما يريد فعل و لكنه حينئذ كان مجبرا فلايكون العبد حينئذ مختارا فلا ثواب له و لا عقاب عليه بل العقاب اقرب اليه من الثواب كما [ص 213] قال اميرالمؤمنين عليه السلم لكان المحسن اولي بالاسائة من المسيء و لكان المسيء اولي بالاحسان من المحسن فاذا ثبت انه تعالي يجب ان يجري العبد علي اختياره و مال العبد الي مخالفة رضاه خلاه و خذله و امده من جهة الخذلان لعدم استغناء الممكن عن المدد و هو قوله تعالي كلا نمد هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربك و ماكان عطاء ربك محظورا فحينئذ لاتقع الطاعة الموافقة لرضاه سبحانه فماشاء وقوع تلك الطاعة بمشية حتم و شاءه بمشية عزم و لو لميشا عدم وقوع الطاعة بان يمنع المدد من الوصول اليه لانعدم العبد او يجبره الي الطاعة لظلمه و هو قوله تعالي و لو شئنا لآتينا كل نفس هديها و لكن حق القول مني لاملئن جهنم من الجنة و الناس اجمعين و الي هذا المعني يشير قول الامام عليه السلم ان لله مشيتين و ارادتين ارادة حتم و ارادة عزم يامر و لميشا و ينهي و هو يشاء نهي آدم عن اكل الشجرة و شاء ان ياكلها و لو لميشا لماغلبت مشية آدم مشية الله و امر ابليس بالسجود لآدم و شاء الايسجد و لو لميشا لماغلبت مشية ابليس مشية الله فاذا فهمت هذا تبين لك ان لا راد لقضائه و لا معقب لحكمه لانه سبحانه قضي و حكم ان لايعطي احدا شيئا من الخير و الشر و النفع و الضر الا بقدر سعيه و ميله و شهوته و ان ليس للانسان الا ما سعي و ان سعيه سوف يري ثم يجزيه الجزاء الاوفي و لا راد لهذا الحكم و لا معقب لهذا القضاء لان رد هذا الحكم يستلزم الجبر المستلزم للظلم و هو سبحانه و تعالي اكرم من ذلك فلايرده و اما غيره سبحانه فلايقدر علي تغيير ما اصل و اهدام [ص 214] ما شيد و اسس و اما الحديث النبوي صلي الله عليه و آله و سلم فبيانه في قوله تعالي في الحديث القدسي ان من عبادي من لايصلحه الا الفقر فلو اغنيته لفسد عليه دينه و ان من عبادي من لا يصلحه الا الغناء فلو افقرته لفسد عليه دينه و ان من عبادي من لايصلحه الا الصحة فلو امرضته لفسد عليه دينه و ان من عبادي من لايصلحه الا المرض ( المرض فلو صححته لفسد عليه دينه خل ) فقدر الله سبحانه عليه ذلك و هذا بعض معني الحديث فاذا كان العبد بسوء اختياره عمل اعمالا لايصلحه الا المرض فقدر الله سبحانه عليه ذلك بعمله فيحول سبحانه بينه و بين الادوية و العقاقير التي ينفعه و يعمي بصره عنها و يواقع الاشياء التي تضره كل ذلك بسعيه انظر اذا كان الرجل مريضا فالطبيب ما يعطيه ما يشتهي و لو بذل المريض كل مجهوده الا اذا طاب و هكذا الحكم في الطبيب الحقيقي سبحانه و تعالي كل ذلك اصلاحا للخلق و ايصالا الي كل احد ما سعي و اراءته سعيه و الا فهو سبحانه و تعالي غني عن الخلق فكيف يمنع فيضه عن بعض دون بعض و يعطي بعضا دون بعض و ذلك واضح ظاهر ان شاء الله تعالي و هو قوله عليه السلم لو كشف لكم الغطاء لمااخترتم الا الواقع و قال تعالي بل طبع الله عليها بكفرهم و قال تعالي يهديهم ربهم بايمانهم .
قال سلمه الله تعالي : المسئلة السادسة - في مصباح الشريعة عن الصادق عليه السلم تعلق القلب بالموجود شرك و بالمفقود كفر ما معناه .
اقول مختصر الجواب عن معني هذا الحديث الشريف انه يجب ان يعتقد [ص 215] ان الله سبحانه و تعالي لاتدركه الحواس و الخواطر و الافهام و العقول و الاوهام كلما ميزتموه باوهامكم في ادق معانيه فهو مخلوق مثلكم مردود اليكم قال اميرالمؤمنين عليه السلم في الخطبة اليتيمية ان قلت هو هو فالهاء و الواو كلامه صفة استدلال عليه لا صفة تكشف له و ان قلت الهواء صفته فالهواء من صنعه رجع من الوصف الي الوصف و دام الملك في الملك و عمي القلب عن الفهم و الفهم عن الادراك و الادراك عن الاستنباط و هجم له الفحص الي العجز و البلاغ علي الفقد و الجهد علي الياس الطريق مسدود و الطلب مردود الحديث ، فاذا كان كذلك فليس هو سبحانه بموجود عند الخلق و في مشاعرهم و حواسهم و لاتجده المشاعر و لاتحده فمن تعلق قلبه بشيء موجود عنده مدرك في ذهنه و فهمه او شيء من قواه و مشاعره و توهم ان ذلك هو المعبود جل و علا فقد اشرك لانه سبحانه لاتجده الحواس بالادراك و لايعرف بالقياس فقد جعل ما تعلق ادراكه عليه ربا معه سبحانه و هو الشرك فليس هو سبحانه بموجود عند الخلق و لكنه سبحانه ليس بمفقود ليكون معدوما تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا فاذا تعلق القلب بالمفقود المعدوم فهو كفر و زندقة فهو سبحانه و تعالي ليس بمفقود و لكنه ليس بموجود حسب ما تدركه العقول و الافهام و الخواطر و الاحلام فهو الموجود و المفقود فانت حين التوجه توجه اليه سبحانه لا بنظر التحديد ( التحديد و التمييز خل ) و التشخيص ليكون وجوده مقابلا لفقدانه و فقدانه مقابلا لوجوده و وجدانه فتتوجه اليه بالوجه الذي جعله فيك و هو نفسك بلا كيف كما تتوجه الي الكاتب [ص 216] عند النظر الي الكتابة و الي البناء حين النظر الي البناء و الي المقابل حين نظرك الي المرآة و الي الشمس حين نظرك الي الشعاع و هو قوله عليه السلم مارايت شيئا الا و رايت الله معه او قبله لان المؤثر اظهر من الاثر من نفس الاثر لانه انما تحقق بفاضل ظهوره و سنا اشراقات نوره في الدعاء لايري فيه نور الا نورك و لايسمع فيه صوت الا صوتك فهو في عين خفائه ظاهر و في عين ظهوره مخفي فهو الموجود بجهة مفقوديته و المعلوم بجهة مجهوليته و لايدري كيف هو الا هو سبحانه و تعالي سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام علي المرسلين و الحمد لله رب العالمين فلايوصف سبحانه بوجدان و لا فقدان و لا نفي و لا ايجاب و لا سلب و لا اثبات قال الشاعر بالفارسية و نعم ما قال و قد اجاد في المقال في هذا المنوال :
در هويت نيست نه نفي و نه اثبات و نه سلب ز انكه از اينها همه آن بي گمان بالاستي .
قال سلمه الله تعالي : المسئلة السابعة - ما الدنيا الملعونة المذمومة و ما الدنيا المحمودة .
اقول اعلم ان الله سبحانه قد انزل الخلق من العالم الاعلي الي العالم الاسفل لتنفذ مشيته تعالي فيهم و في ايجادهم علي اكمل ما ينبغي و احسن ما يقتضيه النظام ثم لما استوفوا حظهم من هذا النزول و حصل المطلوب المقصود للنزول امرهم بالصعود الي مقامهم الاصلي و الرجوع الي مسكنهم الواقعي فصارت الخلايق خصوصا الانسان الذي هو الاشرف يمر من منزل الي منزل و يصعد من مقام اسفل الي مقام اعلي ليصلوا [ص 217] الي الاماكن الحقيقية التي قدرها الله سبحانه لهم اما الي الجنة او النار فعالم التراب منزل و البخار منزل آخر و السحاب آخر و المطر و الارض و النبات و غذاء الاب و المعدة و الكيموس و العروق و النطفة و صلب الاب و رحم المراة فالنطفة و العلقة و المضغة و العظام و اكتساء اللحم و انشاء الخلق الآخر و الجنين و بطن الام و هذا العالم اي الدنيا و كل هذه المنازل و لما كان الشخص في غير العالم الجسماني الدنياوي و كان فاقد الشعور و الادراك و التمييز لميظهر ركونه و قصد مقامه في تلك المنازل بالشعور النفساني و ان كان بالشعور الجسداني و اما اذا جاء في هذه الدنيا و ادرك الرشد و التميز فان اتخذ هذا العالم منزلا من منازله يريد قطعه و الانتقال اليه و هو نظره الي موطنه الحقيقي و مسكنه الواقعي و هو هنا مشغول بتحصيل الزاد لسفره و تعمير بيته و منزله و يسكن في الدنيا مسكن الراحل عنها القادم اليها للرحيل كما قال عليه السلم في الدعا اللهم ارحم في هذه الدنيا غربتي و عند الموت كربتي فدنيا هذا الشخص تسمي دنيا بلاغ لانها بلاغ الي الآخرة و دار رضاه سبحانه و هي التي هي مزرعة الآخرة و الموصلة اليها باحسن الوصول و لاينافي هذا النظر جمع المال من الحلال و لبس اللباس الفاخرة و المآكل الطيبة و بنيان القصور العالية اذا كانت كلها من الحلال ثم هو غير راكن اليها و لا قلبه متعلق بها كمن صادف في اثناء سفره و منازله بيتا عالية يسكن فيها و يرتحل بعد يوم عنها و كذلك الاكل و اللباس في اثناء الطريق و يكون وجودها و عدمها [ص 218] علي السواء بمعني انها اذا وجدت حمد الله و شكره و صرفه في ما امره الله به و اذا فقدت حمد الله و شكره و لاينكسر قلبه و لاينزجر خاطره و لايتعلق قلبه بشيء من ذلك و هو قوله تعالي لاتاسوا علي ما فاتكم و لاتفرحوا بما آتاكم ، و قول الصادق عليه السلم ليس الزهد ترك الحلال و لا تضييع المال بل هو ان لاتكون بما عندك اوثق منك بما عند الله و مجمل القول ان يسلك في الدنيا و جميع احوالها مسلك المسافر في المنازل قبل الوصول الي منزله الاصلي و مسكنه و هذا هو البيان الجامع الذي جمع جميع التفاصيل في هذا الباب و اما الذي ركن الي الدنيا و نظر اليها نظر من لايتوقع الرحيل عنها يلتذ بلذائذها و يشكو و يتاذي عند شدائدها همه الدنيا و همته ادراك شهواتها و الاغترار بزخرفها و زبرجها و دنيا هذا الشخص هي الدنيا الملعونة المذمومة قال تعالي انما الحيوة الدنيا لهو و لعب و زينة و تفاخر و تكاثر في الاموال و الاولاد الآية ، و هذا كمن جعل المنزل مسكنا و السفر موطنا و دليل هذا انه اذا اقبل عليه الدنيا فرح و استبشر و اذا ادبرت عنه ضاق صدره و تكدر فالذي عنده هذه الخصلة فهو اهل الدنيا الملعونة و لايلزم ان يكون صاحب اموال كثيرة و اسباب عظيمة بل و ان كان صاحب درهم واحد اذا ضاق صدره و تغير حاله عند فقدانه و استبشر عند وجدانه و هو قوله تعالي و من الناس من يعبد الله علي حرف فان اصابه خير اطمان و ان اصابته فتنة انقلب علي وجهه خسر الدنيا و الآخرة ذلك هو الخسران المبين فعلي هذا فقد يكون الرجل فقيرا و هو من اهل الدنيا [ص 219] الملعونة و قد يكون غنيا ذا ثروة عظيمة و هو من اهل الدنيا المحمودة دنيا بلاغ و هو قوله تعالي و لئن شكرتم لازيدنكم و قوله تعالي اليس الله باعلم بالشاكرين فالاعتبار بالقصد و النية و العمل تابع فمن الناس من ترك الدنيا للدنيا و هو الذي خسر الدنيا و الآخرة و من الناس من طلب الدنيا للآخرة و هو قوله تعالي من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا و الآخرة و منهم من طلب الدنيا للدنيا و هو قوله تعالي من كان يريد الحيوة الدنيا و زينتها نوف اليهم اعمالهم و هم فيها لايبخسون اولئك الذين ليس لهم في الآخرة الا النار و حبط ما صنعوا فيها و باطل ما كانوا يعملون و قوله تعالي من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا لهم جهنم يصليها مذموما مدحورا و منهم من طلب الآخرة للدنيا و هو قوله تعالي و منهم من يلوون السنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب و ما هو من الكتاب و يقولون علي الله الكذب و هم يعلمون و هؤلاء كلهم هم الضالون المضلون فاعرف حينئذ مقادير الناس و مقاصدهم و لايغرنك اعراضهم عن شهوات الدنيا و زينتها و تتوهم انهم اهل الخير و لايمنعك ( لاتمنعك خل ) ثروة الرجل و دولته و اساسه ان لاتظن به الميل الي الدنيا و تتوهم انه من اهل الباطل من اهل الدنيا فاعرفهم بالعلامة التي ذكرتها لكم عند اقبال الدنيا و ادبارها فصاحب الحالة الواحدة في المقامين هو من اهل الخير و مختلف الحالة فيهما اي المسرور عند الاقبال و المحزون عند الادبار هو من اهل الدنيا و اما العكس فهو للابدال المتقين نظرا الي ان [ص 220] زينة الدنيا لاهل الباطل و اليه ينظر قوله تعالي في ما اوحي الي عبده موسي علي نبينا و آله و عليه السلم يا موسي اذا اقبل عليك الفقر قل مرحبا بشعار الصالحين و اذا اقبل عليك الغنا فقل ذنب عجلت عقوبته و في الحديث كلما يشغلك عن فعل مستحب فهو الدنيا انتهي ، اي يكون الشاغل محض شهوة النفس لا امر آخر مستحب فافهم فقد جمعت لك بمختصر المقال جميع الاحوال و ليس الآن موضع ( موقع خل ) البسط و التفصيل فاكتفينا بالاجمال اللهم اخرج حب الدنيا من قلبي بمحمد و آله .