اقول و لما كانت الملائكة في السماء الرابعة اشد ادراكا و اعظم معرفة بالله و باسمائه و صفاته ماظنت في نور محمد صلي الله عليه و آله كما ظنت اولئك الملئكة لقصورهم بالنسبة الي اهل البيت المعمور فان قلت ان العالي اذا اشرق نوره علي السافل فلا بد للسافل من ذلك التوهم لانه فوق مقامه و ادراكه فيظن ان هذا هو الذي لايحاط به علما كما قالت الملئكة لما راوا انوارهم سلام الله عليهم في عالم الانوار فظنوا كلهم ان هذا هو نور الله عز و جل قد تجلي لهم فقالوا لا اله الا الله لتعلم الملئكة انهم عليهم السلم عباد مربوبون فكيف صار في هذا المقام توهمت ملئكة السموات الثلث بخلاف الرابعة قلت اذا كان الاشراق في مرتبة ذات العالي بطل السافل و احترق و اذا كان في مرتبة ذات السافل من حيث العالي ظن السافل انه العالي و ان كان الاشراق في مقام المعني اي عقل السافل فالواقفون مقام الاجمال لايتوهمون ذلك لان لهم نظرا اعلي يرون [ص 90] به تعالي العالي عن ذلك و اما الواقفون مقام الصورة و الكثرة و الاختلاف و يشرق عليهم ظهور من عالم الوحدة و الاجمال يسري فيهم ذلك التوهم لانهم لايرون مقام الخلق حينئذ الا مقام الكثرة و الاختلاف فاذا ظهرت لهم الوحدة و ان كانت شمولية انبساطية يتوهمون ان ذلك هو الرب عز و جل و لما كان النبي صلي الله عليه و آله قاصدا مقام الصلوة و هو مقام العقل مقام الاجمال مقام الوحدة بالاضافة اشرق نوره صلي الله عليه و آله علي الملئكة حسب ( من خل ) مقامها لا مقامه علي ذلك الطور فلميثبت له الا الملئكة الواقفون مقام الاجمال و هو اهل السماء الرابعة لانها مقر الشمس و هي ابن العرش الذي هو ظهور العقل فافهم انما قال جبرئيل الذي هو لسانه صلي الله عليه و آله في هذا المقام حي علي الصلوة حي علي الصلوة الي قد قامت الصلوة لان ذلك مبدء مقام الصلوة لما ذكرنا من ان الشمس وجه من العقل فالاعلام للصلوة انما يكون اوله و مبدئه هناك و انما ذكر في هذه السماء الفصول الثلثة بالتكرار لان في الشمس ثلثة وجوه ذاتية و ثلثة وصفية كما تقدم ان الشمس تستمد من ذات العقل و صفته و من ذات النفس و صفتها و من ذات الطبيعة و صفتها و نسبت الصلوة الي النبي صلي الله عليه و آله و الفلاح الي الولي عليه السلم حيث قالوا بمحمد تقوم الصلوة و بعلي الفلاح لان الصلوة في مقام العقل و هو صلي الله عليه و آله ظاهر بمقتضي مقامه من رتبة الاجمال فالفلاح حينئذ بعلي عليه السلم لان العبد لايفلح بعد الايمان بالنبي صلي الله عليه و آله الا بعد الايمان بعلي عليه السلم و ان صلي و [ص 91] صام و اتي بجميع الفرايض و النوافل و ذلك ظاهر ان شاء الله ثم لما اقترن الايمان بالنبي بالايمان بالوصي عليهما السلم تم ركن الدين و قد قامت الصلوة ثم لما اثبت حكم النبوة و الولاية توجه الي الله سبحانه و انه الاصل لا سواه ثم قال الله اكبر الله اكبر ثم اشار الي فناء الكل و اضمحلاله و اثبات التوحيد و انه لايقصر النظر الا اليه و لايعتمد الا عليه اذ ليس ما سواه شيء و لا ماعداه موجود فقال لا اله الا الله و اعلم ان ما ذكره الامام عليه السلم و ان كان علي الظاهر بيان علة الاقامة وحدها دون الاذان مع انه عليه السلم بصدد بيان الاذان و يشهد عليه قوله عليه السلم ما تقول هذه الناصبة في اذانهم و صلوتهم و لكنه عليه السلم اشار الي الاذان و علته و سره ايضا لمن القي السمع و هو شهيد لان كل سماء لها ظاهر و باطن و روح و جسم فالاذان مقام الظاهر و اعلام الجسد و الجسم للتوجه الي الصلوة و لذا يستحب جهر الصوت فيه و ادائه بالثاني لاسماع الظواهر لغلظتها و قلة انتباهها و لذا كان التكبير هناك اربع مرات و الاقامة لاسماع البواطن و اعلام اهل عالم الغيب من الروح و النفس للتوجه الي الصلوة و لذا يستحب فيه الادراج و الاسراع و عدم التوقف لرقة البواطن و سرعة انتباهها و توجهها لذوي النفوس المطمئنة فمقام اجسام الافلاك مقام الاذان و ارواحها مقام الاقامة و العرش محل الصلوة و العبادة لانها لاتكون الا بعد خرق الحجب و ابطال ما سوي المعبود جل و علا حتي لايري نورا سوي نوره و لايشاهد ظهورا غير ظهوره و ترك قد قامت الصلوة في الاذان لانه بعد ليس مقام [ص 92] الصلوة و زادوا التكبير فيه حرصا للاسماع و كون الظاهر معجونا من اربع طبايع الظاهرة باحكامها و زادوا التهليل في الاذان في آخره لما ذكرنا من وقوع الكثرة في انفسها و في روابطها و قراناتها و اما الاقامة فهي و ان كانت مشتملة علي الروابط و القرانات الا انها ضعيفة يكتفي لها بتهليل واحد فحيث بلغ بنا الكلام الي هذا المقام فلا باس بالاشارة الي تفسير الاذان و الاقامة علي ما رواه الصدوق (ره) في التوحيد باسناده عن زيد بن الحسن قال حدثنا موسي بن جعفر عن ابيه جعفر بن محمد عن ابيه محمد بن علي عن ابيه علي بن الحسين عن ابيه الحسين بن علي عليهم السلم قال كنا جلوسا في المسجد و صعد المؤذن المنارة فقال الله اكبر الله اكبر فبكي اميرالمؤمنين عليه السلم و بكينا ببكائه فلما فرغ المؤذن قال عليه السلم اتدرون ما يقول المؤذن قلنا الله و رسوله و وليه اعلم فقال لو تعلمون ما يقول لضحكتم قليلا و لبكيتم كثيرا فلقوله الله اكبر معان كثيرة منها ان قول المؤذن الله اكبر يقع علي قدمته و ازليته و ابديته و علمه و قدرته و حلمه و كرمه و جوده و عطائه و كبريائه فاذا قال المؤذن الله اكبر فانه يقول الله الذي له الخلق و الامر و بمشيته كان الخلق و منه كل شيء للخلق و اليه يرجع الخلق و هو الاول قبل كل شيء لميزل و الآخر بعد كل شيء لايزال و الظاهر فوق كل شيء لايدرك و الباطن دون كل شيء لايحد فهو الباقي و كل شيء دونه فاني و المعني الثاني الله اكبر اي العليم الخبير علم ما كان و ما يكون قبل ان يكون و الثالث الله اكبر اي القادر علي كل شيء يقدر علي ما يشاء [ص 93] القوي بقدرته المقتدر علي خلقه القوي لذاته قدرته قائمة علي الاشياء كلها اذا قضي امرا فانما يقول له كن فيكون و الرابع الله اكبر علي معني حلمه و كرمه فحلم كأنه لايعلم و يصفح كأنه لايري و يستر كأنه لايعصي لايعجل بالعقوبة كرما و صفحا و حلما و الوجه الآخر في معني الله اكبر اي الجواد جزيل العطاء كريم الفعال و الوجه الآخر الله اكبر فيه نفي كيفيته كأنه يقول الله اجل من ان يدرك الواصفون قدر صفته الذي هو موصوف به و انما يصفه الواصفون علي قدرهم لا علي قدر عظمته و جلاله تعالي الله عن ان يدرك الواصفون صفته علوا كبيرا و الوجه الآخر الله اكبر كأنه يقول الله اعلي و اجل و هو الغني عن عباده لا حاجة به الي اعمال خلقه و اما قوله اشهد ان لا اله الا الله فاعلام بان الشهادة لايجوز الا بمعرفته من القلب كأنه يقول اعلم ان لا معبود الا الله و ان كل معبود باطل سوي الله عز و جل و اقر بلساني بما في قلبي من العلم بانه لا اله الا الله و اشهد ان لا ملجا من الله الا اليه و لا منجا من شر كل ذي شر و فتنة كل ذي فتنة الا بالله و في المرة الثانية اشهد ان لا اله الا الله معناه اشهد ان لا هادي الا الله و لا دليل لي الا الله و اشهد الله باني اشهد ان لا اله الا الله و اشهد سكان السموات و سكان الارضين و ما فيهن من الملئكة و الناس اجمعين و ما فيهن من الجبال و الاشجار و الدواب و الوحوش و كل رطب و يابس باني اشهد ان لا خالق الا الله و لا رازق و لا معبود و لا ضار و لا نافع و لا قابض و لا باسط و لا معطي و لا مانع و لا دافع و لا ناصح و لا كافي و لا شافي و [ص 94] لا مقدم و لا مؤخر الا الله له الخلق و الامر و بيده الخير كله تبارك الله رب العالمين و اما قوله و اشهد ان محمدا رسول الله يقول اشهد الله اني اشهد انه لا اله الا هو و ان محمدا عبده و رسوله و نبيه و صفيه و نجيه ارسله الي كافة الناس اجمعين بالهدي و دين الحق ليظهره علي الدين كله و لو كره المشركون و اشهد من في السموات و الارضين من النبيين و المرسلين و الملئكة و الناس اجمعين اني اشهد ان محمدا سيد الاولين و الآخرين و في المرة الثانية اشهد ان محمدا رسول الله يقول اشهد ان لا حاجة لاحد الي احد الا الي الله الواحد القهار مفتقرة اليه سبحانه و انه الغني عن عباده و الخلايق اجمعين و انه ارسل محمدا الي الناس بشيرا و نذيرا و داعيا الي الله باذنه و سراجا منيرا فمن انكره و جحده و لميؤمن به ادخله الله عز و جل نار جهنم خالدا مخلدا لاينفك عنها ابدا و اما قوله حي علي الصلوة اي هلموا الي خير اعمالكم و دعوة ربكم و سارعوا الي مغفرة من ربكم و اطفاء ناركم التي اوقدتموها علي ظهوركم و فكاك رقابكم التي رهنتموها بذنوبكم ليكفر الله عنكم سيئاتكم و يغفر لكم ذنوبكم و يبدل سيئاتكم حسنات فانه ملك كريم ذو الفضل العظيم و قد اذن لنا معاشر المسلمين بالدخول في خدمته و التقدم الي بين يديه و في المرة الثانية حي علي الصلوة اي قوموا الي مناجاة ربكم و عرض حاجاتكم علي ربكم و توسلوا اليه بكلامه و تشفعوا به و اكثروا الذكر و القنوت و الركوع و السجود و الخضوع و الخشوع و ارفعوا اليه حوايجكم فقد اذن لنا في ذلك و اما قوله [ص 95] حي علي الفلاح فانه يقول اقبلوا الي بقاء لا فناء معه و نجاة لا هلاك معها و تعالوا الي حيوة لا موت معها و الي نعيم لا نفاد له و الي ملك لا زوال عنه و الي سرور لا حزن معه و الي انس لا وحشة معه و الي نور لا ظلمة معه و الي سعة لا ضيق معها و الي بهجة لا انقطاع لها و الي غني لا ذلة معه و الي صحة لا سقم معها و الي عز لا ذل معه و الي قوة لا ضعف معها و الي كرامة يا لها من كرامة و عجلوا الي سرور الدنيا و العقبي و نجاة الآخرة و الاولي و في المرة الثانية حي علي الفلاح فانه يقول سابقوا الي ما دعوتكم اليه و الي جزيل الكرامة و عظيم المنة و سني النعمة و الفوز العظيم و نعيم الابد في جوار محمد صلي الله عليه و آله في مقعد صدق عند مليك مقتدر و اما قوله الله اكبر الله اكبر فانه يقول الله اعلي و اجل من ان يعلم احد من خلقه ما عنده من الكرامة لعبد اجابه و اطاعه و اطاع امره و عرفه و عبده و اشتغل به و بذكره و احبه و انس به و اطمان اليه و وثق به و خافه و رجاه و اشتاق اليه و وافقه في حكمه و قضائه و رضي به و في المرة الثانية الله اكبر فانه يقول الله اكبر و اعلي و اجل من ان يعلم احد مبلغ كرامته لاوليائه و عقوبته لاعدائه و مبلغ عفوه و رضوانه و نعمته لمن اجابه و اجاب رسوله و مبلغ عذابه و نكاله و هوانه لمن انكره و جحده و اما قوله لا اله الا الله معناه لله الحجة البالغة عليهم بالرسول و الرسالة و البيان و الدعوة و هو اجل من ان يكون لاحد عليه حجة فمن اجابه فله النور و الكرامة و من انكره فان الله غني عن العالمين و هو اسرع [ص 96] الحاسبين و معني قد قامت الصلوة في الاقامة اي حان وقت الزيارة و المناجاة و قضاء الحوائج و درك المني و الوصول الي الله عز و جل و الي كرامته و غفرانه و عفوه و رضوانه انتهي ، انما ترك الراوي لهذا الحديث ذكر حي علي خير العمل للتقية و قد روي في خبر آخر ان مولينا الصادق عليه السلم سئل عن معني حي علي خير العمل فقال خير العمل الولاية و في خبر آخر خير العمل بر فاطمة و ولدها عليها و عليهم السلم انتهي ، فظهر لك مما بينا و فصلنا ان الاذان انما هو اعلام في عالم الشهادة علي الولاية و اقامة حدودها التي حددها الله تعالي و هي الصلوة و الاقامة اعلام في عالم الغيب علي الولاية و اجمال لما اشتمل عليها الصلوة بحدودها بل هي عبارة اخري لنداء المنادي في العالم الاول الست بربكم و محمد نبيكم و علي و الائمة من ولده و فاطمة الصديقة اوليائكم و الصلوة ايضا تلك النداء و اجابة المنادي فافهم فلنرجع الي ما كنا فيه من ذكر الحديث .
قال عليه السلم حكاية عن النبي صلي الله عليه و آله فسجدت لله شكرا فقال يا محمد ارفع راسك فرفعت راسي فاذا اطناب السماء قد خرقت و الحجب قد رفعت ثم قال لي طاطا راسك و انظر ما تري فطاطات راسي فنظرت الي بيتكم هذا و حرمكم هذا فاذا هو مثل حرم ذلك البيت يتقابل لو القيت شيئا من يدي لميقع الا عليه فقال لي يا محمد صلي الله عليه و آله هذا الحرم و انت الحرام و لكل مثل مثال ثم قال لي ربي عز و جل يا محمد صلي الله عليه و آله مد يدك فيتلقاك ما يسيل من ساق العرش الايمن فنزل الماء فتلقيت [ص 97] باليمين فمن اجل ذلك صار اول الوضوء باليمني ثم قال لي يا محمد صلي الله عليه و آله خذ هذا الماء فاغسل به وجهك و علمه غسل الوجه فانك تريد ان تنظر الي عظمتي و انت طاهر ثم اغسل ذراعيك اليمين و اليسار و علمه ذلك فانك تريد ان تتلقا بيديك كلامي و امسح بفضل ما في يديك من الماء راسك و رجليك الي كعبك و علمه المسح براسه و رجليه و قال اني اريد ان امسح راسك و ابارك عليك فاما المسح علي رجليك فاني اريد ان اوطئك موطأ لميطأه احد قبلك و لايطأه احد غيرك فهذا علة الوضوء و الاذان .
اقول قد سبق الكلام عن علة الوضوء مفصلا مشروحا فراجع .
قال عليه السلم ثم قال تعالي استقبل الحجر الاسود و هو بحيالي و كبرني بعدد حجبي فمن اجل ذلك صار التكبير سبعا لان الحجب سبعة و افتتح القراءة عند انقطاع الحجب فمن اجل ذلك صار الافتتاح سنة و الحجب متطابقة ثلثا بعدد النور الذي انزل علي محمد ثلث مرات فلذلك كان الافتتاح ثلث مرات فمن اجل ذلك كان التكبير سبعا و الافتتاح ثلث مرات .
اقول اعلم ان الامام عليه السلم لميصرح بذكر النية لبيان انها ليست امرا جسمانيا ملفوظا حتي يامره صلي الله عليه و آله بالتلفظ به و لا امرا محدودا تصوريا حتي يامره بتصورها و اخطارها بالبال بل انما هي قصد بسيط صرف التوجه الي الله عز و جل بسر العبودية و هو قد حصل عند الامر باستقباله الحجر و في حديث آخر قال يا محمد صلي الله عليه و آله ادن من صاد و توضا لصلوة الظهر فالنية لاتفارق الفعل ابدا الا اذا لميكن ذلك [ص 98] الفعل عن شعور و هي سارية في الفعل من البداية الي النهاية الا ان الفاعل حين الفعل مرة دائم اللحاظ لذلك الداعي و السبب فيكون الفعل بذلك حيا تام التاثير و مرة ربما يلتفت الي الغير لا بقصد الاعراض بل لدواعي الاغراض و الشهوات كامثالنا في صلوتنا و ساير عبادتنا لعدم التفاتنا دائما الي الوجه الذي له امرنا بالفعل فيكون الفعل حينئذ حيا لكنه غير تام التاثير كالنائم فانه حي لكنه مطروح لا يؤثر شيئا و النية هي عقد العزيمة علي العبودية و الانقياد و التسليم و الخضوع و الخشوع و الذلة و الفقر و المسكنة و امثالها من احوال الامكان المستودعة في سر الانسان و انما خص الحجر الاسود بالاستقبال لانه اشرف مواضع البيت نسبته اليه كنسبة الفص الي الخاتم و الحجر الاسود و هو القلب سواده لعلة الادبار و قوله انا و الا فهو نوراني كما ياتي ان شاء الله تعالي في مبحث الحج و توجه العبد الي الله انما هو بقلبه لا غير قال تعالي انا عند المنكسرة قلوبهم اي بذلة العبودية و الاعتراف بالفقر و المسكنة و الفاقة و اما المتكبر المعرض عن الحق سبحانه لما نسوا الله فنسيهم و التكبير هو الاعتراف بان لا مستقل الا هو و لا موجود في الحقيقة سواه فمع هذا الاعتقاد و النظر يحرم عليك كلما يشغلك عن ربك فانما هو صنمك فكلما ذكر الشارع عليه السلم من المنافيات و مبطلات الصلوة من الحدث و الكلام بغير القرآن و ذكر الله و الانحراف عن القبلة و الفعل الكثير و القهقهة و البكاء لامور الدنيا و الشك و امثالها مما هو مذكور في الكتب الفقهية كلها شواغل عن الله و عن ذكره و هي [ص 99] منافية للولاية التي اصلها و مبناها و مقتضاها و مادتها ابتغاء وجه الله و عدم نسيانه في حال من الحالات و المصلي حين الصلوة صفة الولي في كل الاوقات و ذكر كل واحد من المنافيات و بيان كونه شاغلا مما يطول به الكلام و الاشارة الاجمالية كافية لاهلها ان شاء الله و لذا سمي التكبير بعد النية اي مساوقا لها بتكبيرة الاحرام و الواجب الركن هو واحد لجريان الحكم الاجمالي في كل المقامات و لكن لما كانت الحجب سبعة و هي حجاب اللؤلؤ و حجاب الذهب و حجاب الزمرد و حجاب الياقوت و حجاب العقيق و حجاب الزبرجد و حجاب الالماس و لا بد من خرق هذه الحجب السبعة فالانسب و الاليق ان يكبر لخرق كل حجاب ليكون ابلغ في التوجه و مشاهدة ظهور الكبرياء لنفي الاغيار و تصفية الاكدار ان ذلك لذكري لاولي الابصار و لما كان هذه الحجب السبعة تجمعها باجمعها ثلثة مقامات و عوالم عالم الجبروت و عالم الملكوت و عالم الملك صارت الادعية ادعية الافتتاح ثلثة و قد سئل هشام بن الحكم اباالحسن موسي بن جعفر عليهما السلم عن علة التكبيرات السبع قال عليه السلم يا هشام ان الله تبارك و تعالي خلق السموات سبعا و الارضين سبعا و الحجب سبعا فلما اسري بالنبي صلي الله عليه و آله و كان من ربه كقاب قوسين او ادني رفع له حجاب من حجبه فكبر رسول الله صلي الله عليه و آله و جعل يقول الكلمات التي تقال و جعل في الافتتاح فلما رفع له الثاني كبر فلميزل كذلك حتي بلغ سبع حجب و كبر سبع تكبيرات الحديث ، و قد روي لتكبيرات السبع وجه آخر و علة اخري عن ابيجعفر [ص 100] عليه السلم قال خرج رسول الله صلي الله عليه و آله الي الصلوة و قد كان الحسين بن علي عليهما السلم ابطأ عن الكلام حتي تخوفوا ان لايتكلم و ان يكون به خرس فخرج رسول الله صلي الله عليه و آله حامله علي عنقه و صف الناس خلفه فاقامه رسول الله صلي الله عليه و آله علي يمينه فافتتح رسول الله صلي الله عليه و آله الصلوة فكبر الحسين عليه السلم حتي كبر رسول الله صلي الله عليه و آله سبع تكبيرات و كبر الحسين عليه السلم فجرت السنة بذلك قال زرارة فقلت لابيجعفر عليه السلم فكيف نصنع قال تكبر سبعا و تحمد سبعا و تحمد الله و تثني عليه ثم تقرء ه ، فان كان المصلي قد جعل التكبيرة الاولي هي تكبيرة الاحرام فتكون الحجب مقامات فوق العقل و هي المفعول به و المفعول المطلق و المصدر و المراتب الاربع للفعل من النقطة و الالف و الحروف و الكلمة و هذه حجب لا بد ان ترفع و تخرق ليحصل للمصلي مقام الوصول و يكون حينئذ لسان الله حتي يقرء
و لذا قال عليه السلم فلما فرغ من التكبير و الافتتاح قال الله عز و جل الآن وصلت فسم باسمي فقال صلي الله عليه و آله بسم الله الرحمن الرحيم فمن اجل ذلك جعل بسم الله الرحمن الرحيم في اول السورة ثم قال له احمد لي فقال الحمد لله رب العالمين و قال النبي صلي الله عليه و آله في نفسه شكرا فقال الله يا محمد اقطعت حمدي فسم باسمي من اجل ذلك جعل في الحمد الرحمن الرحيم مرتين فلما بلغ و لا الضالين قال النبي صلي الله عليه و آله الحمد لله رب العالمين شكرا فقال العزيز الجبار قطعت ذكري [ص 101] فسم باسمي فمن اجل ذلك جعل بسم الله الرحمن الرحيم بعد الحمد في استقبال السورة الاخري فقال له اقرء قل هو الله احد كما انزلت فانها نسبتي و نعتي .
اقول فلما فرغ صلي الله عليه و آله من التكبير بالتحريم علي نفسه التوجه الي غير جنابه الاقدس و الافتتاح اي افتتاح باب الوصال برفع الحجب المانعة و الغواشي الحائلة و الاعراض الواردة و الانيات المتراكمة الي ان وصل مقام كان بينهما حجاب يتلألأ بخفق و هو الحجاب بالنسبة الي مقام التوحيد و الا بالنسبة الي مقام الاسماء و الصفات و رتبة الواحدية فهو وصال لا حجاب و من هذه الجهة قال عز و جل الآن وصلت الي فسم باسمي فهو صلي الله عليه و آله اذ ذاك لسان الله سبحانه حيث يتكلم بذلك اللسان او المتكلم اي الاسم لان فاتحة الكتاب هي كتاب الله قد امر بقراءتها في مفتتح الصلوة فهو لايخلو من الحالتين او انها كلام الله في مقام الابرار و كلام الحبيب مع المحبوب في مقام المقربين كما هو المستفاد من ظاهر الحديث المبارك و الوجوه الثلثة كلها متحققة في المقامات الثلثة فافهم و لما كان ذلك المقام مقام الاسماء امره سبحانه بالابتداء بالاسم فقال فسم باسمي فقال عليه السلم و صلي الله عليه و آله بسم الله الرحمن الرحيم و لما كان الاسم ليس مقام الذات و انما هو مقام الظهور بالاثر و لميكن في ذلك المقام غير الحقيقة المحمدية صلي الله عليه و آله صاحب الولاية المطلقة فيكون هو صلي الله عليه و آله حامل ذلك الظهور و مهبط ذلك النور فتكون الباء في [ص 102] البسملة اشارة الي سر الولي و السين الي صدره و الميم الي جسمه و هو قوله عليه السلم في تفسيرها الباء بهاء الله و السين سناء الله و الميم ملك الله انتهي ، فاذا لميكن في ذلك المقام غيره صلي الله عليه و آله فيكون هو بهاء الله اي النور الانور في المقام الاعلي و هو سناء الله اي النور المقتبس من البهاء في المقام الاوسط و هو ملك الله اي تملكه اي قدرته او ملكه اي خلقه و حدثه في المقام الاسفل فبقي هو صلي الله عليه و آله ظاهرا في المقام الاعلي و ظهر مولينا و سيدنا علي بن ابيطالب في المقام الثاني اي الصدر و النفس او محل الابتداع و مرتبة الظهورات التفصيلية بالاسماء المتقابلة فهو عليه السلم الظاهر بالولاية و التدبير ( التدبر خل ) و التصرف و ان كانت الولاية لله الحق و لرسوله قال تعالي انما وليكم الله و رسوله و الذين آمنوا و مولاتنا و سيدتنا الزهراء سلام الله عليها هي الظاهرة في المقام الثالث و لذا كانت حاملة للانوار و مظهرة للآثار و المدة بين السين و الميم اشارة الي الالف المبسوطة التي هي مقام الولاية الظاهرة من السين المنقطعة الي احديعشرة قطعة فصار الجميع اربعةعشر و تم باتمامها الاسم فهم الاسم لا سويهم الا من باب الاخذ عنهم و الاقتداء بهم صلي الله عليهم و هو قول مولينا الصادق عليه السلم نحن الاسماء الحسني التي امركم الله ان تدعوه بها فهم الاسماء في مقام الفرق و التفصيل و هم الاسم في مقام الجمع و الاجمال و لما كان هناك مقام الوحدة افرد الاسم بما جمع الكل و في زيارة اميرالمؤمنين عليه السلم المروي عن الصادق عليه السلم السلام علي اسم [ص 103] الله الرضي و نور وجهه المضيء فهم الاسماء لا سويهم و ما عداهم اسماء لهم و شئون لاطوارهم فعلي هذا فان شئت سميت البسملة الاسم الاعظم فعلت و ان شئت جعلتها اقرب الي الاسم الاعظم من سواد العين الي بياضه فعلت و صدقت كما عن الرضا عليه السلم فعلي الاول تكون البسملة عبارة عنهم عليهم السلم و هم البسملة في الكتاب التكويني المصدرة فيه و تلك البسملة غيب في هذه البسملة اللفظية في الكتاب التدويني و اصل لها و تلاحظها فيها من دون مشاهدة الثانية و ملاحظتها كما اذا توجهت الي نفس المقابل في المرآة من دون التفات اليها اصلا و علي الثاني تجعل الثانية محلا لظهور الاولي و حاكية لها و هي اقرب من سواد العين الي بياضه لان ذلك قرب الملاصقة و هنا قرب المداخلة لا كدخول شيء في شيء فافهم و الله اسم للذات المستجمعة لجميع الصفات الكمالية من صفات القدس و الاضافة و الخلق و هذه الذات هي المعتبرة في المشتقات عند اشتقاق الاسماء و ليست رتبة الاحدية و انما هي رتبة الواحدية و قد شرحنا حقيقة هذا المطلب في كثير من مباحثاتنا و رسائلنا و اجوبتنا للمسائل علي كمال التفصيل ، و قال مولانا الصادق عليه السلم علي ما رواه في التوحيد في تفسير الله الالف آلاء الله علي خلقه من النعيم بولايتنا و اللام الزام خلقه ولايتنا و الهاء هوان لمن خالف ولايتنا انتهي ، و الآلاء جمع مضاف يفيد العموم و الخلق مصدر مضاف يفيد العموم ايضا فانظر ماذا تري فان بالبيان يرتاب الجاهلون و يسلك سبيل الانكار الملحدون فاخفائه في الصدور خير من [ص 104] ابرازه في السطور ، و الرحمن هي الرحمة العامة الواسعة الشاملة لجميع الموجودات مما ظهرت علي العرش فاعطي الرحمن بها كل ذي حق حقه و ساق بها الي كل مخلوق رزقه و الرحمن اسم للذات المستجمعة لجميع الصفات الكمالية من صفات الاضافة و الخلق دون القدس فيكون انزل من الاسم الله بمرتبة واحدة فالرحمة ( و الرحمة خل ) الواسعة هي الواو المحيط بكل ذرات الوجود و حقايق الاشياء من الغيب و الشهود و هي مقام الربوبية اذمربوب المقترنة بالاشياء المربوبة و هي التي هي كنه العبودية كما في مصباح الشريعة العبودية جوهرة كنهها الربوبية اه و تعالي الله سبحانه عن الاقتران و الاتصال علوا كبيرا و هي الوصف الذي رجع الاشياء منه اليه كما في قول اميرالمؤمنين عليه السلم في الخطبة اليتيمية رجع من الوصف الي الوصف و هي الملك الذي دامت الاشياء فيه كما في قوله عليه السلم فيها و دام الملك في الملك و هي المخلوق الذي انتهت الاشياء اليه كما في قوله عليه السلم فيها و انتهي المخلوق الي مثله و الجاه الطلب الي شكله و هي ظاهرة في كل ذرات الوجود في الاشقياء و السعداء و اهل الجنة و اهل النار و ظهورها في الاشياء في جميع مراتبها بحسبها حتي في عالم الالفاظ الاتري ظهور الاسم الاعظم العلي الذي هو اول الاسماء و ظاهر الله كما في معاني الاخبار عن مولينا الرضا عليه السلم ان اول ما اختار الله لنفسه العلي العظيم لانه علي علي كل شيء فاسمه العلي و معناه الله و هذا الاسم المبارك حامل لتلك الرحمة و به ظهرت فكانت الاشياء تحكيها بحاملها الحاصل ان هذا الاسم المقدس [ص 105] يظهر في سر كل اسم من الحق و الباطل ظهور سر الايجاد و اسم الموجد في كل شيء شريف و كثيف و القاعدة في ذلك اذا اردت استخراج اسم العلي من كل اسم فاحسب عدد ذلك الاسم فضاعفه ست مرات ثم زد واحدا علي الحاصل و اضرب الحاصل بعد الزيادة في العشرة و اجمع الحاصل ثم اطرحه عشرين عشرين فاضرب الباقي في احدعشر يستنطق اسم علي و السر كله في ضربه في احدعشر الذي هو عدد الاسم الاعظم هو فبذلك ظهر سر السريان و اما في ما عدا ذلك العدد فخارج عن الاستقامة الحقيقية فافهم فاني في ذكر هذه الكلمات و اداء هذه الاشارات كما قال الشاعر و نعم ما قال و قد اجاد في المقال :
تعرضت في قولي بليلي و تارة بهند فلا ليلي عنيت و لا هندا
و لا يمكنني ان اصرح ما افهم فان ذلك غير ماذون فيه قال مولينا الصادق عليه السلم ما كلما يعلم يقال و لا كلما يقال حان وقته و لا كلما حان وقته حضر اهله ، و الرحيم هو الظاهر بالرحمة المكتوبة الخاصة بالمؤمنين الذين هم المقصودون في اصل الخليقة اي ظهروا بما هو المقصود بالذات في اصل الايجاد بحقيقة الانوجاد فعلي هذا فبهم يدور الفلك و لاجلهم قرنت الاسباب مسبباتها و لهم انزلت السماء بركاتها و منهم نشرت الامدادات و الافاضات الي كل الخلق و بهم سكنت السواكن و تحركت المتحركات و هؤلاء هم شيعة آلمحمد عليهم السلم اذ لولاهم ماامطرت السماء و مااخرجت الارض نباتها و لولا الشيعة لميبق لهم سلام الله عليهم نظر الي هذه الارض فساخت اذن باهلها الاتري في الامم [ص 106] الماضية بالنسبة الي انبيائهم و شاهد ما ذكرنا من الاحاديث لايستقصي و لايحصي و هو ايضا معلوم بالضرورة و الوجدان لمن راجع وجدانه فلانطول الكلام بذكر ما هو واضح ظاهر قال تعالي اشارة الي الرحمتين و رحمتي وسعت كل شيء فساكتبها للذين يؤمنون اه و لما كانت البسملة هي مقام الاسماء و هي مقدمة في الوجود و التحقق علي كل الاشياء من الذوات و الصفات و الافعال لانها علل و مبادي لمتعلقاتها من الآثار كما ورد في الادعية الكثيرة و باسمك الذي خلقت كذا و كذا و قولي الاسماء علل ليس علي اجماله بل لتحقيق الحق في المسئلة لا بد من ذكر تفصيل تركنا ذكره لئلانخرج عما نحن فيه و ان كان ذلك التفصيل نافعا و قد ذكرناه في كثير من مباحثاتنا و لما كانت الاسماء في الوجود متقدمة تقدمت البسملة في الذكر فامر صلي الله عليه و آله ان يقول بسم الله الرحمن الرحيم و قد شرحت البسملة في رسالة منفردة شرحا مبسوطا و ان كانت الرسالة ماتمت الي الآن و اقتصرت هنا بذكر اشياء لماذكرها في تلك الرسالة و لما كان الاسم لا بد له من التعلق بالاثر و هو الثناء علي المؤثر بما عنده من الجميل و الكمالات الاختيارية فان الاثر يدل علي ما منه بدئ و هو الفعل و صفاته و الكل اختياري فالاثر هو نفس الثناء و حقيقة الصفة الكمالية و اللسان المثني علي المؤثر في كل مقام بطور من الاطوار و لما كان البسملة اذا عددت حروفها كانت تسعةعشر و اذا استنطقتها كان في النطق واحد و هو حرف الالف اي الهمزة و هي لما تحركت و انبسطت كان عنها الباء و هي لما تكررت و انبسطت كانت عنها [ص 107] الدال و سر هذا التكرير بالاجمال هو ان فعل الفاعل هو الاصل الواحد لما تعلق بالاثر اي باحداثه و ايجاده بالله سبحانه و تعالي حدث امران هما مدلولا الباء فعل و مفعول مطلق اي المصدر و هما لما انبسطا و تحركا اي نظر كل منهما الي صاحبه بالامداد و الاستمداد حدثت اربعة امور بها تمام كون الشيء من حيث هو و هي مدلول الدال فالدال عن الباء و هي من الالف عن النقطة و ما ذكرنا احد الوجوه في معني هذا التكرير و الانبساط و ان كان مرجع الكل الي هذا الوجه فبالدال تم الاثر و ظهر معلنا بالثناء علي المؤثر ثم ان الاثر له مقامان مقام اجمال و هو في الحل و العقد الاولين و هو محل انمحاق الاثر من حيث هو و غلبة ظهور حكم المؤثر عليه لا غلبة اضمحلال و فناء بالكلية بل مع ذكر له في الجملة و لذا كانت الرطوبة التي هي دليل السريان و السعة و النفوذ و الاحاطة اربعة اجزاء و اليبوسة الارضية التي هي دليل الانجماد و عدم السريان و النفوذ و الاحاطة جزء واحدا في الحل و العقد الاولين و مقام تفصيل و هو في الحل و العقد الثانيين و هو محل غلبة حكم الاثر علي المؤثر لا غلبة اضمحلال و استهلاك و لذا كانت اليبوسة هنا غالبة و حكم الانجماد و عدم السعة و الاحاطة ظاهرا و لما كان الاثر لا بد له من هذين المقامين حتي يتم و يكون بذلك مختارا جامعا مملكا و حقيقة الاثر مؤلفة من اربعة اجزاء و اشياء كما في قوله عز و جل و من كل شيء خلقنا زوجين و كل زوج فردان فالزوجان اربعة و هي مدلول الدال و معناها وجب تكرير الدال لاستنطاق الحاء و [ص 108] لما كان الاثر له وجهان وجه الي مؤثره و وجه الي نفسه و في كل وجه لا بد له من السباحة في خمسة ابحر اما في الوجه الاول يسبح في ابحر التوحيد الخمسة اي بحر الباطن و بحر الباطن من حيث هو باطن و بحر الظاهر و بحر الظاهر من حيث هو ظاهر و بحر الظهور و في الوجه الثاني يسبح في بحر الطبايع الاربع و البحر الخامس هو البحر المحيط الحاوي الجامع لهذه الابحر فيكون كل من هذه الاربعة خليج و طتنج من ذلك البحر الاعظم المحيط و هو عبارة عن الطبيعة الخامسة البسيطة المتحققة اي الظاهرة بعد مزج هذه الطبايع الاربع و اقتران بعضها و لما كان يمتنع النظر الي الوجهين بنظر واحد و التفات غير متعدد امتنع ايضا السباحة في هذه الابحر كذلك فهو دايما سابح في خمسة فعند النظر في الاعلي في ابحر اللاهوت و عند النظر الي السفلي في ابحر الناسوت و هذا شان الكامل في المقامين و اما الناقص ففي بحر واحد اما الاعلي او الاسفل و ان كانت فيه الابحر الاخر فحينئذ وجب ان يتكرر الاثر بمقاميه الاجمالي و التفصيلي خمس مرات و ان كان عند سباحته في الابحر الاول لايجد نفسه في وجدانه اما في وجوده فهو جامع للمقامات الثمانية و اما عند السباحة في الابحر الاخر فهو يشاهد نفسه بمراتبه الثمانية فيها و الحاصل بعد التكرير هو مدلول الميم ( الميم عند استنطاقها خل ) فيتم الاثر حينئذ جامع المقامات و حاوي المراتب معلنا بثناء خالقه و باريه بصفاته الجميلة و اسمائه الحسنة في كل مرتبة و مقام فالدال هي الآخر لانها هي الاول و الحاء هي الاول لانها هي الآخر و الميم في الوسط لان لها نسبة الي الاول الذي هو [ص 109] الآخر و الي الآخر الذي هو الاول فالدال كانت طائفة حول جلال القدرة ثمانينالف سنة الي ان وصل الي جلال العظمة فظهرت الحاء و خلقت و وجدت فكانت الحاء تطوف حول جلال القدرة فتقدمت في الظهور و الدال تطوف حول جلال العظمة فتاخرت و الميم في الوسط لانها بالنسبة الي الطرفين يكون الحاصل منها ثمانين و هي المدة بين الجلالين فظهر الحمد و نطق و اضاء نوره و اشرق ثم عرف بلام التعريف لبيان ان الاثر الاول و المجعول الاول هو الذي القي الله تعالي فيه مثاله فاظهر عنه افعاله فصار بتعريف الله سبحانه معرفا بحيث ماجهله احد فكان بذلك وجه الله الذي لا تعطيل له في كل مكان فاينما تولوا فثم وجه الله .
فاعرف الآن معني قوله عليه السلم ثم قال تعالي احمد لي اي بعد البسملة فانها في مقام الاسم و الحمد في مقام الاثر الذي هو متعلق الاسم لان العبادة اي الصلوة في مقام الفرق دون الجمع فقال صلي الله عليه و آله الحمد لله رب العالمين فالحمد هو الثناء باللسان علي قصد التعظيم علي الجميل الاختياري سواء كان في مقابلة النعمة ام لا فالثناء هو المصدر و هو المفعول المطلق و اللسان هو عند غلبة حكم المؤثر علي الاثر في الحل و العقد الاولين ان قلنا بان المثني و الحامد هو الله سبحانه او نفس الاثرية ان قلنا ان الحامد هو العبد علي قصد التعظيم و ذلك عند ملاحظة كونه اثرا فحينئذ يكون خاضعا للمؤثر و هو معظم لديه دائما فلايقصد في ذلك المقام غيره سواء كان في مقابلة النعمة ام لا لان الحمد في مقام المفعول المطلق الناظر الي ربه باسمائه و صفاته و هو الاكمل و الي نفسه و [ص 110] ملاحظة نعمة الله تعالي فيها المستلزم ( يستلزم خل ) لمزيد الشكر و لما كان الحمد اصله الدال المكررة و هي اصلها الالف كما ذكرنا فاذا ظهر الاصل الاول مع الفروع كان احمد و هو اسم الاثر و المجعول الاول الذي به تحقق الحمد الذي هو الثناء علي الله فان الثناء عليه تعالي في الامكان بالاثر و الحدوث فاول الآثار و اشرفها و اعظم الانوار و انورها هو اللائق للتسمية بالحمد فعلي هذا يكون احمد اسمه في العالم الاعلي المعبر عنه بالسماء و اذا تكررت الميم لظهور المراتب و المقامات باجمعها فيه كان محمد صلي الله عليه و آله و هو اسمه في العالم الاسفل المعبر عنه بالارض و لما كان الحمد هو الثناء علي الله تعالي مطلقا سواء كان في مقابلة النعمة ام لا فيكون متعلق الحمد هو الاسم الاعظم الله لانه هو الجامع لصفات القدس و الاضافة و الخلق ففي مقام القدس لاتعتبر ( لايعبر عنه خل ) في متعلقه الافاضة و النعمة كاعتبارها في متعلق صفات الخلق و لما كان محمد صلي الله عليه و آله اضمحلت مشيته في مشية الله بل لا مشية له تعالي سوي مشيته و لا مشية له صلي الله عليه و آله سوي مشية الله كما قال تعالي و ماتشاؤن الا ان يشاء الله جعل الحمد لله مقترنا بلام الملكية و الاختصاص فهو صلي الله عليه و آله مع اوصيائه الصديقين عليهم السلم الذين لله سبحانه في وجودهم و وجدانهم و اما ساير الخلايق فليسوا كذلك لانهم و ان كانوا لله في وجودهم و حقايقهم و ذواتهم و صفاتهم و كينوناتهم الا انهم لايجدون و لايستشعرون بذلك دائما و الا لماعصوا و لو كان بترك الاولي فلايصدق [ص 111] للاختصاص التام بكل وجه الا محمد و آله صلي الله عليه و آله و لذا قال الحمد لله فالحمد مادته الشكل المربع و صورته و هيئته الشكل المثلث فعند الاجتماع هو السبعة و لذا اشتملت علي سبع آيات و هو السبع المثاني ليكون اربعةعشر و عند الضرب و ملاحظة كل النسب يكون اثنيعشر و هم الاصول التي تدور عليها الفصول و لما كان الاثر لايقوم و لايتحقق الا بالمؤثر و حالة العبادة وجدان الاثر و التوجه به الي المؤثر بحيث يكون ظهور المؤثر اقوي و اغلب علي ظهور الاثر و لما كان في مقام الاثر لايظهر المؤثر بذاته و انما ظهوره باسمائه و صفاته و لذا بعد الحمد لما قال رسول الله صلي الله عليه و آله شكرا لما شاهد من عظم آلائه و نعمائه عليه و شاهد الاثر قال له تعالي اقطعت حمدي فسم باسمي توجه اليه تعالي باسمه فقال رب العالمين جمع العالم لبيان تعدد انواعه و مراتبه و اختلفت الاخبار في تعدادها ففي بعضها العوالم ثلثة و في بعضها اربعة و كذا خمسة و ستة و سبعة و ثمانية و تسعة و عشرة و عشرون و ثلثون و اربعون و خمسون و ستون و سبعون و ثمانون و تسعون و مائة و الف و الفالف و الذي عددنا من العوالم تسعة و ثلثونالفالف و تسعمائةالف و تسعمائة و ثمانون عالما و ليس هذا مقام شرحها و بيان احوالها و الربوبية علي اوجه ثلثة اولها هي الربوبية اذلامربوب و هي ربوبية الذات البحت رتبة الاحدية المحضة ثانيها الربوبية اذمربوب ذكرا و اذلامربوب عينا و كونا و هي مقام الواحدية مبدء الاسماء و الصفات ( الصفات الصفات خل ) الفعلية و هي النبوة التي هي باطن [ص 112] الولاية و ثالثها الربوبية اذمربوب ذكرا و عينا و هي مقام الرحمانية و تفاصيل الاسماء المتقابلة المختلفة و هي مقام الولاية التي هي باطن النبوة الظاهرة فالنبوة الظاهرة مثالها الشمس و هي مستمدة من الكرسي الذي هو مثال الولاية المطلقة التفصيلية و هو مستمد من العرش الذي هو مثال النبوة الحقيقية الاجمالية فافهم ضرب المثل و انما ذكر الربوبية بعد ذكر الالوهية لكونها تفاصيل الالوهية ثم اشار الي تفاصيل الربوبية الثالثة بدوا و عودا بقوله الرحمن الرحيم فالرحمن اشارة الي الرحمة الواسعة العامة المطلقة التي بها يعطي الرحمن كل ذي حق حقه و يسوق الي كل مخلوق رزقه و هي رتبة الربوبية اذمربوب ذكرا و عينا فلها وجهان و جهتان حسب المتعلق احديهما الفضل و هو رحمة الرحيم فاشار اليها به كما سبق في البسملة و الثانية رحمة العدل و قد اشار اليها بقوله تعالي مالك يوم الدين و يوم الدين يوم الجزاء يوم ترتب المسببات علي اسبابها و المقتضيات علي مقتضياتها و رد الفروع الي اصولها و ذلك عند ما استوي الرحمن علي العرش الا ان الظهور العام و البروز التام لهذا المعني عند وصول الخلق في صعودهم الي عالم الذر الاول او الثالث او الثاني المعبر عنه بالعود و القيمة الصغري و الكبري و لتفصيل هذه الكلمات مقام آخر و لما كان العبادة في مقام الفرق و الفصل و التمييز لا في مقام الجمع اي التوجه الي الحق سبحانه باسمائه و الاعراض عن نفسه و ذاته بالكلية اذن يرتفع الشعور الغيري و الادراك الظاهري و ياتي مقام اطفأ السراج فقد طلع الصبح و لذا عطف الكلام [ص 113] عن مقام الربوبية المطلقة و ذكر الاسماء و شاهد نفسه مضمحلا عند ربه و مقهورا تحت هيمنة سلطانه فابتدء بالرب عز و جل و خاطبه لما شاهده بعين سره و حقيقته من نور عظمته فقال اياك نعبد و اياك نستعين و من هنا الي تمام السورة ذكر متعلقات الاسماء المتقدمة لان كل اسم له متعلق يختص به فالعبادة خاصة له تعالي بازاء الاسم الله القاهر بهيمنته و جبروته كلما سواه و هو الاسم الخاص بالنور الابيض يدعو الله سبحانه بذلك الاسم الاعظم الاجل الاكرم فيفني عنده كلما سواه فيقف خاضعا ذليلا بين يديه معترفا بانه الله فيحصر العبادة له اذ لا غيره قال في الدعاء لايري نور الا نورك و لايسمع صوت الا صوتك فاذا وجد نفسه انها الفانية الباطلة الفقيرة المحتاجة و يجد ربه انه المستقل الثابت منه الجود و الكرم و الفيض فيقصد بابه و يتوجه اليه بسر ذلة عبوديته و يستمد منه بفقره و فاقته فيقول اياك نستعين فيحصر الاستعانة منه تعالي لا من سواه لانه مثله في الفقر و الفاقة فكيف يطلب محتاج محتاجا و اني يرغب معدم الي معدم و لما كان هو سبحانه رب العالمين فوجب منه الاستعانة ثم لما كان التوجه اليه تعالي و سلوك السبيل الموصل اليه هو مبدء كل خير و اصل كل فيض طلب من الله اولا ان يهديه الي ذلك فقال اهدنا الصراط المستقيم اي دلنا و ارشدنا بمددك و عونك التكويني و التشريعي الي الصراط المستقيم الغير المايل عن الحق و عن النهج القويم في الطريقين اي طريق النزول الصعود و قطع مسافة القوسين قوس الادبار و قوس الاقبال و لما كان [ص 114] الصراط المستقيم هو متعلق اسم الرحمن لاشتماله علي صراط الجنة و النار و الخير و الشر كما قال عز من قائل فمن يرد الله ان يهديه يشرح صدره للاسلام و من يرد ان يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد الي السماء كذلك يجعل الله الرجس علي الذين لايؤمنون و هذا صراط ربك مستقيما و لما كان الصراط المستقيم هذا حاله و المطلوب هو الصراط المستقيم الذي قال عز و جل و ان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه و لاتتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله و هو متعلق اسم الرحيم صاحب الرحمة المكتوبة كما سبق قال صراط الذين انعمت عليهم من النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين و هو صراط علي و اولاده الطاهرين عليه و عليهم سلام الله اجمعين كما يشهد عليه فواتح السور بعد حذف المكرر فيستنطق : صراط علي حق نمسكه ، و هي الحروف النورانية و ما سواها كلها ظلمانية ثم اشار الي متعلق الوجه الاسفل للرحمن اي مالك يوم الدين فقال غير المغضوب عليهم و لا الضالين فالاولون هم الرؤساء المتبوعون الائمة الذين يدعون الي النار و الآخرون هم التابعون القائلون و مااضلنا الا المجرمون فما لنا من شافعين و لا صديق حميم اذ تبرء الذين اتبعوا من الذين اتبعوا و راوا العذاب و تقطعت بهم الاسباب و لو اردنا الاشارة الي باطن هذه السورة و تأويلها لادي الي تطويل المقال و ذكر ما لايجوز اظهاره و يجب كتمانه صونا عن الجهال من اصحاب القيل و القال و ما ذكرنا كفاية لمن اعرض عن المراء و الجدال و لما بلغ النبي صلي الله عليه و آله باتمام هذه السورة المباركة [ص 115] مقام الجامعية المطلقة الجامعة لمقامات الربوبية او ظهور الاسماء الالهية الكلية و ظهور المقامات البرزخية و اطوار العبودية لان نفسه الشريفة المقدسة عبارة اخري لسورة الحمد و هو الحمد التكويني و هذه السورة شرح صفته و بيان رسمه ( اسمه خل ) فاعطاه الله سبحانه بذلك ما لميعطه احدا من العالمين بحيث طاطا كل شريف لشرفه و بخع كل متكبر لطاعته و خضع كل جبار لفضله و ذل كل شيء له فنظر الي هذه النعمة العظيمة و المنقبة الجسيمة و عرف ان الله سبحانه هو الذي اعطاه و هداه فقال بعد تمام السورة الحمد لله رب العالمين او قال هذه الكلمة الحاقا بالآخر للاول و تبيينا ان الاول هو عين الآخر و لما كان هذا النظر و اللحاظ انما نشا من مشاهدة نفسه و ان كان علي جهة الخضوع و الذلة و مقام العبادة مقام تساوي النظرين بل الغلب للنظر الي جانب المبدء و استمداده منه قال تعالي له عند ذلك اقطعت ذكري فسم باسمي .
فقال ايضا صلي الله عليه و آله بعد ذلك بسم الله الرحمن الرحيم ثم امره تعالي بان يتوجه الي التوحيد الشهودي دون الحقيقي المانع المنافي للعبادة لان النظر كلما قوي اليه تعالي قوي النور في العبد لان النظر الي جانبه الاقدس نظر الي الحرارة و النظر الي النفس و فقرها و فاقتها فنظر الي البرودة و اين البرودة من الحرارة فقال عز و جل اقرء قل هو الله احد كما انزلت فانها نسبتي و نعتي فقرء قل هو الله احد قل فعل امر نتج من كن و هو السر الوجودي و النور الالهي و الخطاب الشفاهي الذي هو مادة الحادث المجعول الاول اولا و بالذات و ساير الخلايق ثانيا و بالعرض [ص 116] و هو قول الهي و خطاب يشتمل علي بيان معرفة الحق سبحانه و الوصف الحالي الكوني الحامل لظهوره فاول مرتبة الوصف توصيفه بالهوية اي الذات المتاصلة القائمة بذاتها المستغنية عما عداها ثم توصيف الهوية بالالوهية صاحب الهيمنة و الظاهرة بصفات القدس و صفات الاضافة و الخلق ثم توصيف الالوهية اي الذات بالاحدية المحضة الصرفة التي ليس فيها شوب كثرة و لو فرضا و وهما و اعتبارا انعدم فيها ذكر الكثرة فضلا عن وجودها و هي الوجه الاعلي من الالوهية و لما كانت القرائة في ليلة المعراج كان من الاعلي الي الاسفل لا العكس لانه شان الصاعدين و هو صلي الله عليه و آله الصاعد الواصل فيقطع المسافات النازلة علي ترتيب الاقدم فالاقدم فبقل وجد كينونته و ذاته اي مادة وجوده فنظر الي الوجه الاعلي منها فشاهد الهوية الالهية بالمشاهدة الرسمية ثم نزل الي مقام ظهور الالوهية ثم منها الي مقام الاحدية ثم نظر الي حقايق الامكان و شاهد مع فقرها دعويها الربوبية فتوجه اليه سبحانه فنزهه عن الصفات الامكانية باثبات و نفي اما الاثبات ففي قوله الله الصمد هذه الالوهية هي الظاهرة بصفة الواحدية فهو الصمد المصمت لا مدخل فيه للاوهام و العقول و الاحلام و لا شيء مما خلقه جل و علا فهو المتعالي عن ان تصل اليه الادراك كلما ميزتموه باوهامكم في ادق معانيه فهو مخلوق مثلكم مردود اليكم و اذا لمتنله المدارك فغيرها بالطريق الاولي و لايخرج منه شيء لتغير حالته و تزول ابديته فاذن هو المستغني عن كل ماعداه و كلما عداه محتاج و [ص 117] مفتقر اليه فغناه الذاتي يستلزم استجماعه لجميع الكمالات و بيان هذه الخصوصيات و الاشارات مما يطول فالاقتصار علي الاشارة باخصر العبارة اولي و اما النفي ففي قوله لميلد و لميولد و لميكن له كفوا احد و ذلك تفصيل للصمدية لان الصمد هو السيد المطاع المصمود اليه الخلايق كلهم اجمعون و في التوحيد عن وهب بن وهب القرشي قال سمعت الصادق عليه السلم يقول قدم وفد من اهل فلسطين علي الباقر عليه السلم فسئلوه عن مسائل فاجابهم ثم سئلوه عن تفسير الصمد فقال عليه السلم تفسيره فيه الصمد خمسة احرف فالالف دليل علي انيته و هو قوله عز و جل شهد الله انه لا اله الا هو و ذلك تنبيه و اشارة الي الغائب عن درك الحواس و اللام دليل علي الهيته بانه هو الله و الالف و اللام مدغمان لايظهران علي اللسان و لايقعان في السمع و يظهران في الكتابة دليلان علي ان الهيته بلطف خافية لاتدرك بالحواس و لايقع في لسان واصف و لا اذن سامع لان تفسير الاله هو الذي اله الخلق عن ادراك مائيته و كيفيته بحس او بوهم لا بل هو مبدع الاوهام و خالق الحواس و انما يظهر ذلك عند الكتابة دليل علي ان الله سبحانه اظهر ربوبيته في ابداع الخلق و تركيب ارواحهم اللطيفة في اجسادهم الكثيفة فاذا نظر عبد الي نفسه لمير روحه كما ان لام الصمد لميتبين و لميدخل في حاسة من الحواس الخمس فاذا نظر الي الكتابة ظهر له ما خفي فمتي تفكر العبد في مائية الباري و كيفيته اله و تحير و لميحط فكرته بشيء يتصور له لانه عز و جل خالق الصور فاذا نظر الي خلقه ثبت له انه [ص 118] عز و جل خالقهم و مركب ارواحهم في اجسادهم و اما الصاد فدليل علي انه عز و جل صادق و قوله صدق و كلامه صدق و دعا عباده علي اتباع الصدق بالصدق و وعد الصدق دار الصدق و اما الميم فدليل علي ملكه و انه الملك الحق لميزل و لايزال و لايزول ملكه و اما الدال فدليل علي دوام ملكه و انه عز و جل دائم تعالي عن الكون و الزوال هو الله عز و جل مكون الكائنات الذي كان بتكوينه كل كائن ثم قال عليه السلم لو وجدت لعلمي الذي اتاني الله عز و جل حملة لنشرت التوحيد و الدين و الاسلام و الايمان و الشرايع من الصمد و كيف لي بذلك و لميجد جدي اميرالمؤمنين عليه السلم حملة لعلمه حتي كان يتنفس الصعداء و يقول علي المنبر سلوني قبل ان تفقدوني فان بين الجوانح مني علما جما هاه هاه الا لااجد من يحمله الا و اني عليكم من الله الحجة البالغة فلاتتولوا قوما غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من اصحاب القبور ثم قال الباقر عليه السلم الحمد لله الذي من علينا و وفقنا لعبادة الاحد الصمد الذي لميلد و لميولد و لميكن له كفوا احد و جنبنا عبادة الاوثان حمدا سرمدا و شكرا واجبا في قوله عز و جل لميلد و لميولد يقول لميلد عز و جل فيكون له ولد يرثه في ملكه و لميولد فيكون له والد يشركه في ربوبيته و ملكه و لميكن له كفوا احد فيعاونه في سلطانه و في العلل عن مولينا الرضا عليه السلم فان قال قائل فلم بدء بالحمد في كل قراءة دون ساير السور قيل لانه ليس شيء من القرآن و الكلام جمع فيه من جوامع الخير و الحكمة ما جمع في [ص 119] سورة الحمد و ذلك ان قوله الحمد لله انما هو اداء لما اوجب الله علي خلقه من الشكر و شكر لما وفق عبده للخير رب العالمين تمجيد له و تحميد و اقرار بانه هو الخالق المالك لا غير الرحمن الرحيم استعطاف و ذكر لربه و نعمائه علي جميع خلقه مالك يوم الدين اقرار له بالبعث و الحساب و المجازاة و ايجاب له ملك الآخرة كما اوجب له ملك الدنيا اياك نعبد رغبة و تقربا الي الله و اخلاصا بالعمل له دون غيره و اياك نستعين استزادة من توفيقه و عبادة و استدامة لما انعم الله عليه و نصره اهدنا الصراط المستقيم استرشادا لادبه و معتصما بحبله و استزادة في المغفرة لربه و لعظمته علي اوليائه و رغبة في مثل ذلك النعم غير المغضوب عليهم استعاذة من ان يكون من المعاندين الكافرين المستخفين بامره و نهيه و لا الضالين اعتصاما من ان يكون من الذين ضلوا عن سبيله من غير معرفة و هم يحسبون انهم يحسنون صنعا فقد اجتمع فيه من جوامع الخير و الحكمة في امر الآخرة و الدنيا ما لايجمعه شيء من الاشياء الحديث ، و لان الحمد فاتحة و جامع لجميع ما في القرآن كله بجميع اسراره كما قال اميرالمؤمنين عليه السلم كلما في القرآن في الحمد و كلما في الحمد في البسملة و كلما في البسملة في الباء و كلما في الباء في النقطة و انا النقطة تحت الباء انتهي ، فقراءة الحمد مع ايجازه و اختصاره و اشماله علي البسملة و الباء و النقطة قراءة جميع الكتب المنزلة السماوية و السور الالهية فانظر ماذا تري و قد ورد ان قل هو الله احد ثلث القرآن لان القرآن جامع لبيان احوال الحق سبحانه و [ص 120] صفاته و توحيده و بيان احوال الخلق و صفاتهم و حقايقهم و ذواتهم و بيان النسبة بين اسمائه تعالي عند اقترانها بالخلق و كيفية سلوك الحق مع الخلق و الاشارة الي الاول في الحمد من الاول الي قوله تعالي مالك يوم الدين و الي الثاني فيه من قوله اهدنا الصراط المستقيم الي الآخر و الي الثالث فيه اياك نعبد و اياك نستعين و لذا قيل ان في الحمد ثلثة مقامات مقام حق لا خلق فيه و مقام خلق لا حق فيه و مقام حق و خلق و جميع العلوم و الاحوال المفصلة في القرآن و في ساير الكتب المنزلة ترجع الي هذه المقامات الثلثة فصار الحمد اجمال ما فصل في كل القرآن و قل هو الله احد لما كان فيها محض بيان التوحيد الذي هو مقام الحق الذي لا خلق فيه كانت بمنزلة ثلث القرآن فاذا كررها ثلث مرات فقد ختم القرآن كله اذ كل مرة تصير بازاء ظهور من ظهورات التوحيد في عالم من العوالم الثلثة التي عليها بني الوجود المقيد كله عالم الجبروت و عالم الملكوت و عالم الملك و الحاصل ان السورة انها كانت تفصيل اجمال الحمد و انما وجبت السورة في الصلوة بعد الحمد لوجوب ظهور التفصيل بعد الاجمال و قران المفصل بالمجمل الاتري اقتران العرش بالكرسي و الكرسي بالعرش الا ان سورة التوحيد لاشتمالها علي اشرف المراتب و اسني المقامات التي هي التوحيد كانت افضل و لاينبغي للمصلي تركها و ان كانت السور الاخر تؤدي مؤداها لكن لا بصراحتها و ظهورها في الخلق ( الحق خل ) كصراحة ساير السور و ظهورها في الخلق ( الخلق فافهم خل ) .