المقدمة الرابعة في القبلة و اسرارها . اعلم ان القبلة هي وجه العبد الي الله تعالي اي جهة توجهه اليه تعالي اي جهة يتوجه بها الي الله سبحانه لما علم بالضرورة ان ذات الحق سبحانه و تعالي لايتوجه اليها من حيث نفسها لاحتراق الاشياء لديها بل لدي ظهور نور عظمتها كما احترقت بنواسرائيل و خر موسي لما تجلي لهم نور بقدر سم الابرة من نور رجل من الكروبيين الذين هم ادني العبيد بالنسبة اليه تعالي و هو نور رجل من شيعة آلمحمد عليهم السلم كما في البصائر عن الصادق عليه السلم فلايتوجه اليه [ص 62] سبحانه بذاته و انما التوجه به اليه بنور قدسه و تجلي كلمته و ظهور صنعه و آثار قدرته و اشباح عظمته و العبد له حالتان لايخلو منهما احديهما حالة الفناء و الاضمحلال عند سطوع اشعة انوار الجلال و الجمال فلايجد نفسه ابدا و انما يشاهد ربه بنفسه التي هي وجه ربه له به قال اميرالمؤمنين عليه السلم بل تجلي لها بها فلا كلام عن هذا المقام لانه ليس مقصودنا هنا و ثانيهما حالة الفرق و مشاهدة النفس فانه حينئذ ( حينئذ يجد خل ) نفسه و يجد ربه فيعبده و لايشرك به شيئا فيجب حينئذ ان يكون له رابطة فيض من مبدئه اليه و ان كانت في الصورة الاولي هذه الرابطة موجودة الا انها غير منظور فيها و لا ملتفت اليها فيلتفت اليها من غير الالتفات اليها كما قال مولينا الحسين عليه السلم حتي ارجع اليك منها كما دخلت اليك منها مصون السر عن النظر اليها و مرفوع الهمة عن الاعتماد عليها انك علي كل شيء قدير و تلك الرابطة و الواسطة هي وجه مبدئه اليه يصل الفيض بها اليه حيث لايقدر علي التلقي منه تعالي بلا واسطة لكمال دناءته و كمال عزته و منعته و تلك الواسطة لاتكون الا مبدء وجوده لبطلان الطفرة فذلك الوجه هو القبلة التي بها يتوجه العبد الي الله تعالي و قد ثبت بالادلة القطعية ان محمدا و آله عليهم السلم هم مبدء الوجود و قد خلقهم الله سبحانه قبل ان يخلق الخلق بمائةالف دهر كل دهر مائةالف سنة و كل سنة مائةالف شهر و كل شهر مائةالف جمعة و كل جمعة مائةالف يوم و كل يوم مائةالف ساعة و كل ساعة كالف سنة مما تعدون و استغفر الله عن التحديد [ص 63] بالقليل ثم خلق الخلق من فاضل نورهم و شعاعهم كما قال النبي صلي الله عليه و آله ما معناه ان الله خلق العرش و الكرسي من نوري فنوري والله اشرف من العرش و الكرسي و خلق الملئكة من نور علي عليه السلم فنور علي عليه السلم والله اشرف من الملئكة و خلق السموات السبع و الارضين السبع من نور فاطمة عليها السلم فنورها والله اشرف من السموات و الارض و خلق الشمس و القمر من نور الحسن عليه السلم فنور الحسن والله اشرف من الشمس و القمر و خلق الجنة و الحورالعين من نور الحسين عليه السلم فنور الحسين والله اشرف من الجنة و الحورالعين انتهي ، فاذا تدبرت وجدت ان هذه المذكورات هي كل الوجود او مباديه التي وجدت باقي الاكوان و تكونت باقتران بعضها ببعض فاذا كان كذلك فهم مهابط فيض الله و معادن حكمته و ينابيع قدرته ارادة الرب في مقادير اموره تهبط اليهم و يصدر من بيوتهم الصادر لما فصل من احكام العباد فهم قبلة الآفاق و باب الله للخلايق علي الاطلاق فلايتوجه متوجه الي الله تعالي الا بهم و في الزيارة من اراد الله بدء بكم و من وحده قبل عنكم و من قصده توجه بكم و قالوا عليهم السلم نحن وجه الله الذي به يتوجه اليه الاولياء و هم المقامات التي لا تعطيل لها في كل مكان فكانوا عليهم السلم قبلة اهل كل عالم بحسبه الي ان ظهروا في العالم الجسماني بالهياكل البشرية و لما كانت الصلوة هي جهة توجه العبد الي الله تعالي بكل كينونته و منها الآلات الجسمانية فوجب ان تكون وجه الاجسام و قبلتها و مبدءها منها فوجب [ص 64] التوجه اليه تعالي في الصلوة بذلك المبدء و لما كانت اجسامهم المطهرة المنورة عليهم السلم هي مبدء الاجسام و العناصر و الاسطقسات وجب ان تتعين للقبلة لكنها ماتعينت لوجهين احدهما لو امر الناس بان يتخذوهم عليهم السلم قبلة كانوا يعبدونهم و يتخذونهم اربابا من دون الله كما عبدوهم و اتخذوهم من دون ذلك فكان جعلهم القبلة اعانة لاهل الباطل في باطلهم فكانوا سبب اضلال الخلايق بعد ما جاؤا لهدايتهم و كان فيه توهم الناس انهم يريدون ان يعبدوا من دون الله فجعلوا انفسهم قبلة و كانوا يتمسكون به في تكذيبهم عليهم السلم و كيف كانوا يرضون بذلك مع انه عليه السلم لما امر الخلق بطاعة علي عليه السلم و الايتمار لاوامره و الانتهاء عن معصيته ارتدوا علي اعقابهم كفارا حائدين عن الحق فكيف اذا جعلهم قبلة لهم لاكانوا يرضون به و لاتثبت للاسلام كلمة ابدا و ثانيهما انهم عليهم السلم لما ظهروا بالهياكل ( في الهياكل خل ) البشرية جرت عليهم مقتضياتها من الاكل و الشرب ( الماكل و المشرب خل ) و الجماع و التنقل عن مكان الي ( الي مكان خل ) آخر فماكانوا يستقرون في مكان معين حتي يتوجه اليهم الخلق في ذلك المكان و عند الاستقرار و اللبث في المكان الواحد لمتنتشر كلمة الاسلام و التوحيد و لمتثبت للدين دعامة كما هو المعلوم مع ما في الاستقرار في المكان الواحد دائما خروج عن مقتضي البشرية فكان في ذلك توهيم و تلبيس علي الناس و لو كانوا في امكنة شتي لميتمكن الخلق من التوجه اليهم حيث كانوا اذ ليست لهم تلك البصيرة ليشاهدونهم عيانا اين كانوا و اعطاء هذه البصيرة بكشف الغطاء خلاف ما [ص 65] جري عليه نظام الخلق و تدبير العالم فلميبق الا ان يكون جسم من المبادي من سنخ اجسامهم عليهم السلم في الارض و قد قالوا عليهم السلم ان طينتنا خلقت من عشر قبضات خمسة من الجنة و خمسة من الارض فاما الخمسة التي من الارض هي بيتالمقدس و ارض مكة و المدينة و الكوفة و حاير الحسين (ع) و كل من هذه الاراضي صالحة لان تكون قبلة لكونها وجها من وجوههم عليهم السلم الا ان الحاير اشرفها ثم الكوفة ثم المدينة ثم مكة ثم بيتالمقدس فادناها بيتالمقدس و اعلاها حاير المقدس ( الحسين خل ) علي ساكنه آلاف التحية و الشرف فالحاير و الكوفة و المدينة لمتقتض المصلحة ان تكون قبلة لوجوه كثيرة منها ما ذكرنا في عدم تعين ابدانهم المقدسة لاشتراك المحذور فان تلك الاماكن كانت منسوبة اليهم من حيث هم و لذا قال الصادق عليه السلم لما قيل له ان ارض كربلا مع كونها اشرف من ارض مكة و اعلي منها لم ماصارت قبلة و مقصدا للحجاج و العباد و صارت ارض مكة كذلك مع انها ادني منها قال عليه السلم كان علي عليه السلم يقول لولا ان رسول الله صلي الله عليه و آله امر بمسح ظاهر القدم كان مسح باطن القدم اولي و هذا الجواب كما تري اشارة الي ان كربلا كانت اولي بان تكون قبلة و مقصدا للحجاج لان الله سبحانه خلقها قبل خلق الخلق باربعة و عشرينالف عام و انها لمتزل طيبة طاهرة مقدسة و هي اعلي طبقات الجنة لميسكنها الا الصديقون الا ان الحكم الالهية و المصالح الربانية اقتضت ان تكون القبلة ارض مكة و حقيقة الامر في ذلك ان ارض كربلا بمنزلة القلب و ارض [ص 66] الكوفة بمنزلة الصدر في الانسان و ارض المدينة بمنزلة الدماغ و ارض مكة بمنزلة الوجه و ظهور القلب انما كان بالوجه لانه دليله و آيته و لذا لايعرف الشخص و القلب الا بالوجه ( بالوجه و لايتوجه الي القلب الا بالوجه خل ) فهو ظاهر القلب و التوجه اليه هو التوجه الي القلب و كذلك مكة ظاهر كربلا و وجهها و دليلها فالتوجه الي مكة هو التوجه الي كربلا اذ لايؤتي الي القلب الا من جهة الوجه فلاتؤتي كربلاء لاقامة اداء المناسك و قيام مراسم العبودية الا من جهة ارض مكة فالاتيان الي مكة هو الاتيان الي كربلاء فكانت كربلا هي القبلة لانها اشرف القبضات الا ان ظهورها بمكة و لذا كانت مكة ام القري لان الارض انما دحيت من تحتها لانها حامل ظهور الاصل الذي هو كربلاء لانها اول بقعة خلقها الله سبحانه قبل خلق العالم و لما ان مكة حكت مثالها و ظهورها فكانت الارض في مقام الظهور و التفصيل و بروز الاجمال الي التفصيل انما دحيت من مكة فكانت مكة هي القبلة و المطاف ما دامت الدنيا موجودة و بعد خراب الدنيا و قيام القيمة و ذهاب القشور و فناء الظواهر ( الظاهر خل ) و رجوع العالم من عالم القشر الي عالم اللب كان المقصود و المطاف هو ارض كربلاء لدلالة الاخبار علي انها اشرف طبقات الجنان التي فيها محمد و آله عليه و عليهم السلم و اهل الجنة كل جمعة ياتون لزيارة الرب عندهم عليهم السلم لان من زارهم كان كمن زار الله كما ان الخلق الآن ياتون لزيارة الرب الي مكة فافهم ثم ان كربلاء هي ذكر الحسين و نسبته و الكوفة هي ذكر مولينا علي عليه السلم و نسبته و المدينة هي ذكر النبي صلي الله عليه و آله و نسبته و مكة هي [ص 67] ذكر الله و نسبته فكان كربلاء و اخواتها نسبتها الي مكة كنسبة قرآن كلام الله اليهم عليهم السلم فانهم و ان كانوا افضل من القرآن لانهم الذين حملوا القرآن و اظهروه في هذا العالم الا ان في القرآن ذكر الله اعظم فكان القرآن يحكي عن الله سبحانه مع انه منهم و اليهم عليهم السلم مثلا اذا قلت انا قال الله عز و جل كذا و كذا و قال النبي صلي الله عليه و آله كذا و كذا و قال اميرالمؤمنين عليه السلم كذا و كذا و قلت انا كذا و كذا فهذه الاقوال الاربعة كلها منسوبة الي و متقومة بي و صادرة عني الا انك حين التفاتك الي قول الامام عليه السلم ملتفت اليه ذاهل عني فكان تري صفاته كلها عند الالتفات الي قوله الذي انا حكيت لك لا عند ذاتي و لا عند قولي و كذا حين التفاتك الي قول النبي صلي الله عليه و آله و قول الله عز ذكره فتري ذكرهما عند قولهما الذين حكيتهما عنهما لا غير فتجري كل صفة عند ذكر موصوفها و هكذا الكلام في الاراضي المذكورة فكانت ارض مكة ذكر الله الذي حكاه الحسين عليه السلم بمقامه في ارض كربلاء فلنقبض العنان فللحيطان آذان فما اسعدك لو وفقت لفهم ما ذكرنا من السر الحق و الكبريت الاحمر مع انا نقول لو جعلت تلك الاراضي قبلة ما اطاعت الناس لما ذكرنا من معاداة صاحبها و الحال فيها فان بين الحال و المحل مناسبة لاتخفي و اما بيتالمقدس لكونه ضعيفا في القوة و الشدة في النورانية لمتصلح لاستمرار القبلة فكان قبلة قبل البعثة و قبل نضج الكينونة لما فيه من رشح طينتهم عليهم السلم فصلح لان تكون قبلة لهم و اما بعد نضج البدن و صفاء القلب و قوة المعرفة [ص 68] وجب نسخ كونها قبلة و جعل الكعبة قبلة مستقرة الي فناء الدنيا و بعد ذلك و حصول النضج التام و النور العام و الادراك الكامل و العقل الشامل يستقر الامر علي الاصل ( الامر خل ) الواقعي الاولي و يرجع العود كالبدو و يظهر قوله تعالي يوم يكشف عن ساق و يدعون الي السجود فلايستطيعون خاشعة ابصارهم و ذلك الساق ساق علي بن ابيطالب اميرالمؤمنين روحي له الفداء كما دلت عليه الروايات و شهد بصحته العقل فرجعت القبلة الي اصلها و حقيقتها لما ذهبت الاغيار و صفت المدارك عن الاكدار ان في ذلك لعبرة لاولي الابصار و نزيدك ان شاء الله تعالي عن هذا المرام في الحج و لايجوز استدبار القبلة اختيارا لما ذكرنا و اما حال الاضطرار فيبطل حكم الظاهر و يغلب حكم الباطن فيصلي كيف ( حيث خل ) ما تمكن اينما تولوا فثم وجه الله فافهم و اتقن فاذا عرفت ان القبلة الجسمانية وجه من وجوه آلمحمد عليهم السلم فلايصح الصلوة الي الفرع اذا لميكن التوجه الي الاصل لانهم القبلة الواقعية و السبل الحقيقية فالعبد اذا لميتوجه بهم الي الله فلاينفعه التوجه الي القبلة الظاهرية و لهذا نقل المخالف و الموالف عن النبي صلي الله عليه و آله انه قال قال الله تعالي لو ان عبدا عبدني حتي يصير كالشن البالي و حج الف حجة و اعتمر الف عمرة و غزا الف غزوة و قتل بين الركن و المقام مظلوما شهيدا ثم ياتيني غير موال لعلي بن ابيطالب عليه السلم مانالته رحمتي و اكببته علي منخريه في نار جهنم انتهي ، فانظر ماذا تري ثبتك الله و ايانا بالقول الثابت .
[ص 69] المقدمة الخامسة في المكان اعلم ان المصلي حقيقة هو العقل لان مقامه مقام العبادة و هو اول واقف في مقام اياك نعبد و اياك نستعين لانه اول مقام الصحو و ما قبله مقام السكر و الفناء و الزوال و فقدان النفس و وجدان الرب و دخوله المدينة علي حين غفلة من اهلها فالمصلي هو العقل و لذا تري المجنون و الصبي و النائم و السكران و المغمي عليه لايصلون فمنهم من ( من لايمكنهم و منهم من خل ) لايكلفون و ان قدروا علي تحصيل ( تحصل خل ) الصورة لان الاصل الذي عليه مدار الصلوة و ساير التكاليف مفقود فيهم و هو المكلف بالاصالة حين قال له الحق سبحانه اقبل و ادبر و غيره انما كان تكليفه بالتبع و العرض و العقل مكانه و محله القلب الذي هو عرش الرحمن و به يقول الشخص انا و ظهور العقل الذي في القلب في الدماغ و لما كانت الصلوة هي التوجه الي الله سبحانه بالكينونة فيكون المسجد و محل الصلوة و العبادة هو القلب فيجب ان يكون طاهرا عن لوث الكفر و اضمار ما لايحبه الله تعالي من الحسد و العجب و الكبر و حب الرياسة و امثال ذلك مما مقره الركن الايسر من القلب فانها كلها نجاسات تبطل بها الصلوة لانها معراج المؤمن فلايعرج القلب مع ما عليه من ظلمات الكفر او الفسق او مطلق ما لايحبه الله سبحانه و لايرضاه و لما ان الصورة الانسانية في الهيكل البشري في الجسم الظاهري انما ظهرت علي هيئة العقل و كينونته لان شكله الاستقامة و الخضوع و التذلل و الفناء في البقاء و النعيم في الشقاء و العز في الذل و امثالها مما حكته الصورة الانسانية الظاهرية فالامكنة الظاهرية مما يستقر عليه البدن الظاهري الحامل للصورة [ص 70] الحاكية للعقل و صورته و صفته و هيئته يجب ان تكون طاهرة عن النجاسات و صافية عن درن الظلمات و لما وجب ان تكون الصلوة و ساير العبادات صادرة عن قلب خالص مؤمن متقن علي بصيرة تامة و معرفة كاملة عامة في الله سبحانه و صفاته و اسمائه و معرفة انبيائه و اوليائه و معاداة اعداءه و منكريه و الايمان بكلما جاءت به انبيائه و اتت به رسله عليهم السلم و لايصح صدورها عن قلب كافر غير بصير و غير مؤمن بالله سبحانه و تعالي و اوليائه و معاداة اعدائه فيجب ان تكون الصلوة و ساير العبادات عن ( علي خل ) قلب مخلص طاهر مؤمن في العالم الاول عن بصيرة حقيقية و معرفة كاملة في ولاء آل الله و لاتصح اذا كانت عن قلب كافر منافق في العالم الاول و لكنه اصابه لطخ من سنخ قلوب اولياء الله المقتضي للايمان و حسن الاخلاق العرضي الغير الذاتي كالصورة الانسانية التي لغير المؤمن فانها ليست له و انما هي غصب اغتصبها الكافر لحصول مآربه و مقاصده من التعيش و التلذذ في هذه الدنيا و اغواء ساير الخلق كما حكي عنهم سبحانه و تعالي و لامنينهم و لآمرنهم ، اه فما عندهم من النور و الخير و الصلاح و السداد و فعل اعمال البر كل ذلك من مقتضيات لباس التقوي التي هي مختصة بالمؤمنين قد اغتصبها الكافرون فاعمال هؤلاء عمل علي المكان المغصوب لاينفعهم و انما يضرهم و نفعه يرجع الي صاحب اللطخ و اصله اذا رجع كل فرع الي اصله كمن زرع في الارض المغصوبة و اتجر بالمال المغصوب و ما عند المؤمن من سوء الخلق و سوء الافعال و الاعمال فانما هو من لطخ اصاب المؤمن حين اتيانه [ص 71] الي هذه الدنيا فهو من ظلم المنافقين و الكافرين و اعداء الائمة الطاهرين الا لعنة الله علي الظالمين و علي ما شرحت لك و فصلت ظهرت حقيقة الامر في الايمان المستقر و المستودع و الكفر المستقر و المستودع و لا بد ان يزول المستودع و يرجع الامر الي المستقر من الطرفين و لذا تجد الرجل مؤمنا صالحا في كل اوقات عمره بحيث ظن الناس انه من اهل الجنة ثم يختم له بالسوء فيموت علي ولاية اعداء الله و معاداة اولياء الله فيدخل جهنم و بئس المصير اعاذنا الله من ذلك و تجد الرجل كافرا او فاسقا طول عمره حتي ظن الناس انه من اهل النار فيختم له بالخير و السعادة و يموت علي ولاية اولياء الله و معاداة اعداءه فيكون مصيره الي الجنة و هي خير مستقرا و احسن مقيلا و هذا هو مضمون الحديث الوارد عن النبي صلي الله عليه و آله فنور المؤمن عند الكافر غصب و عليه مقر افعاله الحسنة و ظلمة المنافق عند المؤمن ظلم و عليها مقر افعاله الخبيثة اعلم ان الاجماع قد حصل علي ان الصلوة في الارض المغصوبة و المكان المغصوب فاسدة باطلة و اما في غير الغصب مما ورد النهي عن ذلك فعلي القول بان الامر بالشيء يقتضي النهي عن ضده العام و ان اجتماع الامر و النهي في الشيء الواحد جائز علي اعتبارين يقتضي صحة الصلوة عليه مثل الصلوة في المسجد قبل ازالة النجاسة عنه اذا كان المسجد نجسا و وقت الصلوة متسعا لصحة الاجتماع علي القول الاصح و عدم اقتضاء الامر و النهي للضد الخاص قطعا و علي القول بعدم الجواز لايجوز فالفريقان اتفقا [ص 72] في المنع عن الصلوة في المكان المغصوب و اختلفوا في غيره و السر في ذلك ما اشرنا اليه لمن كان له قلب او القي السمع و هو شهيد من ان الغصب في الحقيقة شيء لا اصل ( اصل له خل ) لذاته و انما هو لغيره و الي غيره و اما غيره كالصلوة في المسجد قبل ازالة النجاسة فالصلوة قد وقعت علي المكان اللايق بها و غاية ما في الباب ان المصلي ترك امرا آخر مهما ليس جزءا للصلوة و لا شرطا و ذلك يورث كدورة اخري في الشخص لا للصلوة و قد يمحيها نور الصلوة اذا اراد الله و شاء التفضل عليه و قد لايمحيها لانه خارج لا دخل له فيها بوجه بخلاف الغصب و ان كانت قاعدة الاجتماع في الامر و النهي و عدم اقتضاء الامر النهي بالوجه الذي ذكرنا تقتضي جواز الصلوة الا انك اذا نظرت الي حقيقة الامر و باطنه وجدت عدم الجواز هنا فان القلب اذا كان مغصوبا يرجع الي اصله فلاينفع الشخص الحامل ابدا بوجه من الوجوه الا بالامور العرضية الدنياوية و ذلك لايكون مؤسس حكم و مؤصل اصل و كذلك الحكم اذا كان نجسا و اما اذا كان الشخص طائعا و فاعلا الخير في مقام و عاصيا فاعلا الشر في مقام آخر فان اعمال هذا الشخص لاترد عليه و لاتحكم بالبطلان لان الشر لايحبط الخير و لايبطله لقوة الخير و اجتثاث الشر و الاحباط ليس من مذهبنا فاذا عرفت ان المصلي و العابد هو العقل وحده و محله و مكانه القلب و ساير القوي آلات و مراكب للعقل فيكون المسجد في الحقيقة هو القلب لانه محل العبادة و منه تنشا الي غيره بالعرض و لما كان الرجال فيهم جهة العقل اقوي و اكثر و قلبهم اوسع و اشرف و [ص 73] لما كان القلب هو الشيء و هو المعبر عنه بانا فكان الرجال هم المساجد و هم البيوت التي تعبد فيها الله و يذكر فيها اسمه و قد قال عز و جل اشارة الي هذا المعني في بيوت اذن الله ان ترفع و يذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو و الآصال رجال لاتلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر الله علي قراءة المبني للمجهول في يسبح فيكون الرجال هم البيوت التي اذن الله ان ترفع لان الرجل هو محل العقل لا سواه كما ان النساء محل النفس لا سواهن و مرادي بالمحل في المقامين محل الغالب حتي يكون المغلوب المضمحل في حكم العدم كما يقال ان فلانا صفراوي المزاج و ذلك معلوم فاذا كان الرجال هم المساجد فلا شك ان كل من غلب عليه حكم الرجولية و يكون اشرف اي يكون مخلصا في الطاعة لله تعالي يكون هذا المعني فيهم اظهر و لما كان آلمحمد صلي الله عليهم هم المخلصين في توحيد الله و التامين في محبته ( محبة الله خل ) و المولعين في طاعته فيكونون سلام الله عليهم هم المساجد و هم اشرفها و اليهم يرجع قوله تعالي في التاويل و ان المساجد لله فلاتدعوا مع الله احدا و هم الذين كانوا لله بحيث قطعوا عن انفسهم و فنت ارادتهم و مشيتهم عليهم السلم في ارادة الله و مشيته ثم بعدهم الانبياء عليهم السلم مساجد لله تعالي يعبد الله عز و جل فيها لان قلوبهم هي محل عبادة العقل و جنوده من الملئكة الصافين المسبحين المهللين المقدسين المستغفرين ثم بعدهم المؤمنون و الاتقياء و الصلحاء مساجد لله عز و جل و لما كان العالم الاسفل حكاية للعالم الاعلي كما قال مولينا الرضا عليه السلم قد علم [ص 74] اولوا الالباب ان ما هنالك لايعلم الا بما هيهنا فحكي كل ذرة من ذرات العالم السفلي ظهورا من ظهورات العالم العلوي فصار شرفها علي مقدار حكاية ذلك الظهور فان كانت الحكاية عن الاعلي في العالم الاول العلوي كان الحاكي اشرف المقامات في العالم الثاني السفلي و ان كانت عن الاسفل كان اسفل فالمساجد الثلثة و توابعها لما كانت منسوبة الي محمد و آله صلي الله عليه و آله كانت اشرف المساجد و اعلاها و اقربها الي الله عز و جل و ادناها و هي المسجد الحرام و مسجد النبي صلي الله عليه و آله و مسجد الكوفة فالاول منسوب اليهم من حيث باطنهم و سرهم الذي هم فيه آيات الله و كلماته و مقاماته و علاماته التي لا تعطيل لها في كل مكان فكان المسجد لهذه الجهة منسوب الي الله عز و جل بهم لكن في مقام الاسم الفاعل و الاسم عند ظهور الذات مضمحل كما اذا قلت يا قائم لاتتوجه الا الي الذات و لاتلتفت الي الصفة و لا الي جهتها و من هذه الجهة كانت الصلوة فيه يعادل الفالف صلوة كما عن النبي صلي الله عليه و آله علي ما رواه في الفقيه قال رسول الله صلي الله عليه و آله الصلوة في مسجدي كالف صلوة في غيره الا المسجد الحرام فان الصلوة في المسجد الحرام تعدل الف صلوة في مسجدي انتهي ، و ذلك لان تلك النسبة في مقام الذات و الفؤاد و هي جامعة لجميع المراتب الوجودية من العشر قبضات المذكورة التي لوحظت في نفسها لنسبة بعضها مع بعض و ظهور العوالم و المقامات الحاصلة بالقرانات فكان الحاصل بعد اللحاظ مائة ثم ملاحظة هذه المائة في الاطوار العشرة المتنزلة [ص 75] المترتبة و هي الفؤاد و العقل المرتفع و العقل المستوي و العقل المنخفض و الروح و النفس و الطبيعة و المادة و المثال و الجسم فكان الحاصل الفا فاذا لوحظ قران هذا الالف بعضه مع بعض و نسبته كان الحاصل الفالف و هذه المراتب كلها متوجهة الي الله و مستغرقة لنسبة المسجد الحرام فكان لكل مقام ثواب فيبلغ ادني الثواب هذا المبلغ و يضاعف الله لمن يشاء من فضله و كرمه و قد ورد ايضا ان الصلوة في المسجد الحرام تعدل مائةالف صلوة و هنا ملاحظة كليات المقامات و هي بعد التفصيل و التشخيص يبلغ الفالف و الثاني اي مسجد النبي صلي الله عليه و آله منسوب الي مقام النبوة المطلقة الخاصة بالحقيقة المحمدية صلي الله عليه و آله و النبوة في مقام العقل الرسول الي كافة الخلق بالاقبال و الادبار و هو اول مقام النهاية تحت مقام الفؤاد الذي هو عالم اللانهاية فيكون بينهما هذه النسبة فان الالفالف في المقام الاعلي الف في المقام الاسفل لسعة تلك الدائرة و ضيق الاخري مع وقوعها بحذاء الاولي فافهم و لهذا ورد ان الصلوة في مسجد النبي صلي الله عليه و آله تعدل الف صلوة كما ذكرنا و ورد ايضا انها تعدل عشرةآلاف صلوة لان مراتب عالم اللانهاية و مقامات الفؤاد منتفية في ذلك العالم فينقص و الثالث اي مسجد الكوفة منسوب الي مقام الولاية المطلقة التفصيلية و هي مقام النفس الظاهرة بالتدبير و الولاية في البدن و العالم بامر الله تعالي و اذنه و حكمه و مشيته و ارادته و قدرته و تقديره و قضائه و امضائه فتكون الصلوة فيها تعدل الف صلوة لكونها انزل [ص 76] من مقام العقل برتبة واحدة و العشرات اذا تنزلت برتبة كانت آحادا و رواية الالف في مسجد النبي صلي الله عليه و آله محمولة الي كليات المقامات التي تفصيلها يبلغ عشرةآلاف انما كان التنزل من الالفالف الي عشرةآلاف مع كون الرتبة نازلة بمرتبة واحدة في المسجد الحرام بالنسبة الي مسجد النبي صلي الله عليه و آله و القاعدة ان يكون في مسجد النبي صلي الله عليه و آله مائةالف اذا كانت في المسجد الحرام الفالف و كان النزول في الاخيرين بمرتبة واحدة نزول عشرةآلاف الي الالف لان في مقام الفؤاد و محل نسبة المسجد الحرام مقامين احدهما الوجه الاعلي من الفؤاد و هو في ذلك المقام آية و دليل للتوحيد و النسبة في هذا المقام و ثانيهما مقام الفؤاد اي الحقيقة و الوجود و اقترانه بالمهية ثم مقام العقل فيكون التنزل هنا في مقامين فكان الالفالف عشرةآلاف بخلاف العقل و النفس فان بينهما برزخ لايبغيان و البرزخ لايترتب عليه حكم مستقل فكان نزول العشرة الي الواحد و قولي لايترتب عليه حكم اي في هذا المقام و هذا اللحاظ و الا فالاحكام المترتبة عليه كثيرة ليس الآن موضع ذكرها و تفصيلها و اما مسجد السهلة فهو وجه من وجوه مسجد الكوفة و ان كان وجهه الاعظم كنسبة الدماغ الي الصدر فان فيه القوي المنشعبة عن النفس في الصدر كالمتخيلة و المتوهمة و المتفكرة و امثالها و كلها وجوه النفس و تفاصيل آلاتها و كذلك الحكم هنا ايضا و لذا ورد ان تحته صخرة خضراء فيها صورة وجه كل نبي خلقه الله عز و جل و من تحته اخذت [ص 77] طينة كل نبي و هو موضع الراكب فقيل له و ما الراكب قال عليه السلم الخضر (ع) انتهي ، و الخضر وجه من الخضر الاعظم الاول الذي موضعه مسجد الكوفة الحامل للنور الاخضر فافهم فان بالبيان ( في البيان خل ) يطول الكلام و قوله الراكب اشارة الي ما ذكرنا فان النور الاخضر بذاته ليس راكبا للمواد الجسمية و انما ركوبه بآلاته و قواه و مشاعره و تفاصيل ظهوراته التي محلها الدماغ و تحته صورة الوجه الانساني الذي به يعرف الشخص لا بغيره من الاعضاء و الجوارح و هو قوله عليه السلم و تحته صخرة خضراء فيها صورة ( صورة وجه خل ) كل نبي فان الانبياء عليهم السلم تفاصيل ظهورات الولي المطلق فظهرت خاصية المتمكن في المكان لما بينهما من المناسبة الذاتية و المرابطة الحقيقية و لما كان المسجد هو محل السجود و حقيقة ( حقيقة السجود خل ) الخضوع و الخشوع و الذلة و المسكنة لله سبحانه كان الحاير المقدس علي ساكنه آلاف التحية و الشرف من اعظم المساجد و اشرفها لان الحسين روحي له الفداء و عليه السلم وقع هناك جديلا صريعا ساجدا خاضعا خاشعا لله سبحانه فاديا نفسه و اهله و ولده و عياله و اخوانه و اصحابه و امواله كلها في محبة الله ( محبته خل ) تعالي و طلب رضاه و اظهار الخضوع و الذلة و المسكنة له تعالي حتي صار خضوع كل خاضع بفاضل خضوعه و خشوع كل خاشع بفاضل خشوعه و لميكن له مراد سوي محبة الله سبحانه و حفظ نظام حكمته فكان مقتله الشريف مسجدا عظيما خضع و سجد لله فيه و لذا قارنه الله سبحانه بالمساجد الثلثة و نسبها الي نفسه و اختارها و شرفها علي جميع المساجد علي وجه الارض و السماء و [ص 78] جعل للمسافر خيارا في القصر و الاتمام في هذه المواضع المقدسة المشرفة لعظم الانوار الالهية النازلة في هذه الاماكن المشرفة فتزيد الصلوة فيها نورا و بهاء و شرفا و سناء فاذا اكملها المصلي كان اعظم في نورانيتها و اكمل في شرافتها و ارفع لدرجاته بها فاحب الله سبحانه ان لايحرم المصلي المؤمن بالله الكافر بالجبت و الطاغوت عن تلك الفيوضات العظيمة و الانوار الجسيمة التي بها ينال اشرف الدرجات و اسني الكرامات ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء و لذا ورد عن مولينا الصادق عليه السلم ان من مكنون علم الله اتمام الصلوة للمسافر في هذه المواضع الاربعة و مازاد شرف هذه المساجد الا لعظم شرف المساجد الحقيقية الاولية التي هذه المساجد رشحة من رشحات امطارها ( مظاهرها خل ) و لمعة من لمعات اسرارها ( انوارها خل ) و لو كان لي قلب مجتمع و اقبال و فراغ بال لبينت لك في هذه المقامات امورا عجيبة و ذكرت لك تفصيل الامر في سر ان المسجد الحرام مع كونه اسفل و ادني من مسجد النبي صلي الله عليه و آله و هو من مسجد الكوفة و هو من الحاير المقدس يكون ثواب الصلوة فيه اكثر و اصل شرافة هذه المواضع و التفاضل الحاصل لبعضها علي بعض و ان اشرت الي كل ذلك و ربما ازيدك ان شاء الله في مبحث الحج و اما المسجد الاقصي اي البيت المقدس فهو يحكي ظهور الانبياء عليهم السلم و خضوع عقلهم بجنوده في قلبهم لله تعالي و المسجد الاعظم الجامع في كل بلدة ( بلد خل ) يحكي ظهور عدل من العدول الذين لهم عليهم السلم في كل خلف ينفون عن دينهم [ص 79] تحريف الغالين و انتحال المبطلين و هم الذين قال عليه السلم هم حجتي عليكم و انا حجة الله علي الخلق كما عن الحجة عليه السلم و هؤلاء هم المسجد الاعظم في كل بلد و هم المرجع لاهل ذلك البلد و مسجد المحلة و السوق اشارة الي ساير الشيعة من الخواص ممن لميبلغ مبلغ اولئك الاشخاص فافهم .
المقدمة السادسة ما يسجد عليه . اعلم ان السجود لايجوز الا علي الارض او ما نبت منها غير ماكول و لا ملبوس لان السجود علي ما ياتي ان شاء الله تعالي خضوع و خشوع و ذلة لله تعالي بوضع جبهته التي هي اشرف مواضعه الظاهرة علي اذل الاشياء و اخضعها و ليس الا التراب لانه طبع الموت و الفناء و الاضمحلال و الذلة و المسكنة و الفقر و الفاقة و كذلك ما نبت منها اذا لميبلغ النضج التام و الاعتدال العام الذي يصل الي حد يليق للاكل و اللباس و لما روي هشام بن الحكم قال قلت لابيعبدالله عليه السلم اخبرني عما يجوز السجود عليه و عما لايجوز قال عليه السلم السجود لايجوز الا علي الارض او علي ما انبتت الارض الا ما اكل و لبس فقلت له جعلت فداك ما العلة في ذلك قال عليه السلم لان السجود خضوع لله عز و جل فلاينبغي ان يكون علي ما يؤكل و يلبس لان ابناء الدنيا عبيد ما ياكلون و يلبسون و الساجد في سجوده في عبادة الله عز و جل فلاينبغي ان يضع جبهته في سجوده علي معبود ابناء الدنيا الذين اغتروا بغرورها و السجود علي الارض افضل لانه ابلغ في التواضع و الخضوع لله عز و جل و السجود علي التربة المقدسة الشريفة [ص 80] الحسينية علي ساكنها آلاف الثناء و التحية افضل من الكل و اشرف كما قال عليه السلم السجود علي طين قبر الحسين عليه السلم ينور الي الارضين السابعة و من كان معه سبحة من طين قبر الحسين عليه السلم كتب مسبحا و ان لميسبح انتهي ، لانها تربة الخضوع و الخشوع و الاستكانة لله سبحانه و قد خضعت و ذلت و اقرت لله تعالي بالعبودية و الرقية قبل ان يخلق الله الخلق باربعة و عشرينالف سنة مع انها طيبة طاهرة مصفاة عن جميع الاكدار و هي المراد من قوله تعالي و في الارض قطع متجاورات و هي القطع الطاهرة المجاورة الغير المتخلل بين تلك القطعات قطعات ملعونة و اراضي خبيثة او غبار خارجي خرج من الاراضي الممسوخة و السبخة كيف لا و قد اشرق عليها نور الشمس الكبري و خر عليها اعظم اركان العرش الاعظم الاعلي و تجلي عليها نور قد كان النور المتجلي علي الطور جزء من مائةالفالف الفالفالف جزء من راس الشعير من ذلك النور الواضح الاجلي و قد روي في الكروبيين انهم قوم من شيعتنا من الخلق الاول جعلهم الله خلف العرش لو قسم نور واحد منهم علي اهل الارض لكفاهم و لما سئل موسي ربه ما سئل امر رجلا منهم فتجلي له بقدر سم الابرة فدك الجبل و خر موسي صعقا انتهي ، فاذا كان مقدار سم الابرة من نور شيعة الحسين عليه السلم قد دك به الجبل و تخلل النور في كل جزء من اجزاءه و صفاه عن جميع الكدورات ثم جعله اربع قطع قطعة منها وقعت في البحر و كان غذاء للحيوانات البحرية و قطعة منها ساخت في الارض و كانت غذاء للجن و ساير [ص 81] الحشرات و قطعة منها طارت في الهواء و كانت غذاء للحيوانات البرية و هي الهباء المبثوث و قطعة منها بقيت علي الارض كما عن اميرالمؤمنين عليه السلم فما ظنك بما يقع عليه اصل نور الحسين عليه السلم الظاهر بالخضوع لما وقع من جواده صلوات الله عليه فتزلزلت الارض و خرت الملئكة و تخلل النور في كل اجزاء الارض فطهرها طهارة لميوجد مثلها في الدنيا فلميبق عليها وسخ حتي تكون بذلك مضرة لشيء من الاشياء بوجه من الوجوه فكانت تلك التربة المطهرة من هذه الجهة شفاء من كل داء و سقم علي جهة العموم في كل نوع من انواع الآلام و الاسقام انظر الي الاكسير فانه ارض تطهر بانواع المعالجات فاذا طهرت كانت شفاء من كل مرض و ذهاب لكل هم و غم و تصفي ساير المعادن و الفلزات عن الكدورات كما جرب و اين طهارة الاكسير و صفائه من طهارة ارض كربلا و صفائها و اين نورانية جبل طور سيناء من نورانية ارض كربلا فان هذا شيء لايقاس و لايدرك التفاضل بالحواس بل الاكسير عند تلك الارض الطيبة مكدر و طور سيناء عند هذه الارض المباركة ظلمانية فان قلت فعلي هذا يجب ان يكون السجود علي تربة النجف الاشرف و المدينة المنورة افضل و تكون شفاء من كل داء و يجوز اكلهما كما في تربة الحسين عليه السلم مع انه ليس كذلك قلت انهما عليهما السلم لميظهرا بما ظهر به الحسين عليه السلم لمصالح فلميظهر نورهما علي تربتهما كما ظهر نور الحسين عليه السلم و عم ظهوره الاتري ان نور التجلي قد تجلي علي النبي صلي الله عليه و آله في جبل فاران فلميتقطع [ص 82] الجبل و لميندك كما اندك جبل الطور و ليس ذلك لان النور الواقع علي الطور اعظم كلا و حاشا بل النسبة كما ذكرنا و انما المتجلي لميكن علي الجبل بل علي الواقف عليه في العرش فافهم و لذا كانت التربة ( التربة المقدسة خل ) الحسينية مسجدا للخلق كلهم و شفاء لهم من كل داء دون غيرها في الثاني و الافضلية في الاول و اما المعادن فلما كانت اصلها و مادتها الكبريت و هو من احجار جهنم فلاتصلح لان تكون مسجدا مع ان الفلزات و غيرها كلها من اصل تركيبها و تكوينها ارادت ان تكون ذهبا كما هو المقرر في محله فعاقها عائق عن ذلك كشدة البرودة و اليبوسة في الالماس و الحرارة في الياقوت و البرودة و الرطوبة في اللؤلؤ و هكذا و الذهب معبود اهل الدنيا فلايجوز السجود علي معبود ابناء ( اهل خل ) الدنيا كما تلونا عليك من الحديث و اما الزجاج فقد ورد ان مادته الرمل و الملح و هما ممسوخان و هكذا البلور ايضا و شرح حقيقة هذه الاحوال لايناسب هذا المقام فليطلب في غيره في مظانه و هذه مجمل اسرار مقدمات الصلوة و عللها ذكرتها مع قلب مغشوش مضطرب و لا قوة الا بالله .
و اما كيفية الصلوة و حدودها و اسرارها و عللها فانا نذكر حديثا جامعا لاسرارها و احوالها و نبين ما عسي ان يخفي من المعاني لغموض مأخذ هذا الحديث الشريف و نبين ايضا بعض الوجوه التي لميذكر في هذا الحديث و ذكر في غيره ليتم تمام اسرارها باتمام الحديث الشريف :
ذكر الشيخ الفقيه محمد بن علي بن بابويه باسناده عن محمد بن ابيعمير [ص 83] و محمد بن سنان عن الصباح المزني و سدير الصيرفي و محمد بن النعمان و مؤمن الطاق ( محمد بن النعمان مؤمن الطاق نسخة ) و عمر بن اذينة عن ابيعبدالله عليه السلم انهم حضروه فقال عليه السلم يا محمد ( يا نسخة ) عمر بن اذينة ما تري هذه الناصبة في اذانهم و صلوتهم فقلت جعلت فداك انهم يقولون ان ابي بن كعب الانصاري رآه في النوم فقال عليه السلم كذبوا والله ان دين الله تبارك و تعالي اعز من ان يري في النوم و قال ابوعبدالله عليه السلم ان الله العزيز الجبار عرج بنبيه صلي الله عليه و آله سمواته السبع اما اوليهن فبارك عليه صلوات الله عليه و آله و الثانية علمه فيها فرضه الثالثة انزل الله العزيز عليه محملا من نور فيه اربعون نوعا من انواع النور كانت محدقة حول العرش عرشه تبارك و تعالي تغشي ابصار الناظرين اما واحد منها فاصفر فمن اجل ذلك اصفرت الصفرة و واحد منها احمر فمن اجل ذلك احمرت الحمرة و واحد منها ابيض فمن اجل ذلك ابيض البياض و الباقي علي عدد ساير ما خلق الله من الالوان في ذلك المحمل حلق و سلاسل من فضة فجلس فيه ثم عرج به الي السماء الدنيا فنفرت الملئكة الي اطراف السماء ثم خرت سجدا فقالت سبوح قدوس ربنا و رب الملئكة و الروح ما اشبه هذا النور بنور ربنا فقال جبرئيل الله اكبر الله اكبر .
اقول اعلم ان هذا الحديث الشريف صلي الله علي قائله يتضمن علي اسرار شريفة دقيقة من اسرار المعراج و غيره و لو تصدينا لشرح جميعها او بعضها لطال بنا الكلام فلنقتصر علي ما يتعلق بالصلوة و اسرارها [ص 84] و اعلم انه يستفاد من هذا الحديث و من غيره من الاحاديث الكثيرة ان الصلوة و ساير العبادات انما شرعت ليلة المعراج مع انه كان بعد البعثة بسنتين او سبع علي الخلاف مع ان الامة اتفقت علي ان النبي صلي الله عليه و آله في اول البعثة كان يصلي بهذه الصلوة و كان يصلي معه علي عليه السلم و خديجة و في بعض الاخبار ايضا ان آدم عليه السلم امر بالصلوة و الوضوء في الاوقات الخمسة لزوال الشامة السوداء عنه كما سبق فراجع و وجه الجمع بين المقامين في كمال الصعوبة و يحتاج بيانه الي ذكر مقدمات و شرح احوال الا اني اشير اشارة ما الي المؤمن ( للمؤمن خل ) الممتحن و هي انه قد ثبت بالادلة القطعية ان محمدا صلي الله عليه و آله علة لوجود الكائنات و المكونات و ما سواه و اوصياؤه انما خلقوا من شعاع نوره و فاضل ظهوره صلي الله عليه و آله فحيث كان كذلك فله الهيمنة الكبري و الولاية العظمي و الاحاطة علي الكل فحين ما يصعد في مقامه صلي الله عليه و آله الي جناب مبدئه و يتوجه الي جناب باريه يشاهد الاشياء كلا في مقامات وجوده و امكنة حدوده و يطلع عليها حين ما خلقه الله تعالي في البدو الاصلي الكوني الي ان يمر عن مقاماتها و يصعد عن رتبتها الي مقام لايطأه ملك مقرب و لا نبي مرسل ففرض الله عليه الصلوة قبل ان يخلق الله الخلق بمائة الف دهر في ليلة المعراج ففرض علي آدم عليه السلم حين خلقه و انزله الي الارض اياها و هكذا علي الانبياء من بعد آدم (ع) الي ( الي زمان خل ) بعثته المباركة الشريفة فلا منافاة بين الاخبار الا ان معرفتها حظ اولي الافئدة من المؤمنين الممتحنين و [ص 85] لما كان الامام عليه السلم في هذا المقام بصدد بيان الاذان و الاقامة فلا باس بالاشارة الي مراده عليه السلم و ذكر وجه آخر اقرب الي الافهام اعلم ان علة المعراج هو اقامة الصلوة اي الاتصال و ما يقربه تعالي و بمناجاته و ذكره او نفسه الظاهرة في المخلوقين لا عين ذاته فان ذلك محال و بالايدي لاتنال و لما كان الوصال في مقام الذات فلا بد من اسقاط الاضافات و لما كان اسقاط الاضافات انما هو من تأييده و مدده كما في قوله عليه السلم جذب الاحدية لصفة التوحيد انزل الله تعالي عليه نورا كما وصف عليه السلم ذا الوان مختلفة و طبايع متفاوتة و محملا ذا حلق و سلاسل علي مقتضي مقام الكثرة فصعد عن مقام العناصر اي الجسد بما فيه من القوي الي السماء الدنيا سماء ذاتها و صفتها فالاولي سماء السابعة و هي فلك زحل فلك العقل و الثانية فلك القمر و هي السماء الاولي فلك الحيوة التي مقرها القلب اللحم الصنوبري و لما كانت الملئكة قد خلقوا من شعاع نوره صلي الله عليه و آله و الشعاع لايتجاوز المنير فلما تجلي لهم ذلك النور الاعظم و الضياء الاقوم ظنت الملئكة ان ذلك هو نور الذات جل و علا اذ لايدركون نورا و مقاما اعظم من ذلك و هو قوله عليه السلم حكاية عنهم ما اشبه هذا النور بنور ربنا جل و علا فابان عليه السلم عن عبوديته و انه ليس بالذي توهمته الملئكة فقال بلسانه و هو جبرئيل الله اكبر الله اكبر اي الله اكبر و اجل ان يوصف بهذا النور و يعرف بهذا الظهور بل انما انا عبد مربوب حقير فقير و الله اكبر من ان ينسب اليه مثلي سبحانه و تعالي عن ذلك علوا كبيرا انما ذكر التكبير لان [ص 86] مقام الكبرياء دون مقام العظمة و الجلال و البهاء و ذلك اول المقامات الصعودية و انما كرر التكبير لما ذكرنا من ارادة الذات و الصفات في السماء الاولي و السابعة و الفلك الرابع اي السماء الرابعة هي الاصل يستمد من ذات العرش و يمد السماء السابعة و يستمد من صفة العرش و يمد ( يمد من خل ) فلك الاول و هو السماء الاولي و يستمد من ذات الكرسي و يمد السماء السادسة و من صفته يمد السماء الثانية و يستمد من ذات الطبيعة و يمد السماء الخامسة و يستمد من صفة الطبيعة الكلية و يمد السماء الثالثة و السماء الرابعة هي محل البيت المعمور كما ياتي ان شاء الله هي القطب و الاصل و باقي السبعة فروع لها و تفاصيلها فلما ابان صلي الله عليه و آله للملائكة عبوديته و ان الله تعالي اكبر من ان يوصف بالرؤية او بانوار المخلوقين و صفات المحدثين اطمانت الملئكة و سكنت و عرفت انه نور المخلوقين .
فاراد الامام عليه السلم بيان احوالهم بعد ذلك فقال عليه السلم فسكت الملئكة و فتحت ابواب السماء و اجتمعت الملئكة ثم جاءت فسلمت علي النبي صلي الله عليه و آله افواجا ثم قالت يا محمد صلي الله عليه و آله كيف اخوك قال بخير قالت فان ادركته فاقرءه منا السلام فقال النبي صلي الله عليه و آله اتعرفونه فقالوا كيف لانعرفه و قد اخذ الله عز و جل ميثاقك و ميثاقه منا و انا لنصلي عليك و عليه ثم زاده اربعين نوعا من انواع النور لايشبه شيء منه ذلك النور الاول و زاده في محمله حلقا و سلاسل ثم عرج به الي السماء الثانية فلما قرب من باب السماء تنافرت الملئكة الي اطراف السماء و خرت سجدا و قالت سبوح [ص 87] قدوس رب الملئكة و الروح ما اشبه هذا النور بنور ربنا فقال جبرائيل اشهد ان لا اله الا الله اشهد ان لا اله الا الله فاجتمع الملائكة و فتحت ابواب السماء و قالت يا جبرائيل من هذا الذي معك فقال هذا محمد صلي الله عليه و آله قالوا و قد بعث قال نعم قال رسول الله صلي الله عليه و آله فخرجوا الي شبه المعانيق فسلموا علي فقالوا اقرء اخاك السلام فقلت هل تعرفونه قالوا نعم كيف لانعرفه و قد اخذ الله ميثاقك و ميثاقه و ميثاق شيعته الي يوم القيمة علينا و انا لنتصفح وجوه شيعته في كل يوم خمسا يعنون وقت كل صلوة .
اقول الكلام في بيان هذه الكلمات كما تقدم و انما كان هذا المقام مقام الشهادة بالتوحيد دون ساير الاذكار لان السماء الثانية سماء الفكر و هي فلك الكاتب عطارد و عنده الصور و ترتيب التصورات في القضايا و في هذا المقام يتصورون الشريك بدعوي كاذبة لكونه مقام التعدد و الكثرة و تزاحم الصور المتكثرة و مقام الحجب عن الوحدة فيجوز تعدد الآلهة تعالي الله عن ذلك فاتي بهذه العبارة في هذا المقام مكنسة لغبار الاوهام و لو حصل الصعود عن هذا المقام اي مقام الصور لميبق مجال لتصور الشريك و هذا الحكم جار في مقابل هذه السماء اي السادسة فانها فلك المشتري محل العلم و ماوي الحلم ابن الكرسي القاضي القاعد علي كرسي الحكم في الامور المختلفة و الاهواء المتشتتة و باقي الكلمات ظاهرة ان شاء الله تعالي .
فقال عليه السلم قال رسول الله صلي الله عليه و آله ثم زادني ربي عز و جل اربعين نوعا من انواع النور لاتشبه الانوار الاول و زادني [ص 88] حلقا و سلاسل ثم عرج بي الي السماء الثالثة فنفرت الملئكة الي اطراف السماء و خرت سجدا و قالت سبوح قدوس رب الملئكة و الروح ما هذا النور الذي يشبه نور ربنا فقال جبرئيل اشهد ان محمدا رسول الله اشهد ان محمدا رسول الله صلي الله عليه و آله فاجتمعت الملئكة و فتحت ابواب السماء فقالت مرحبا بالاول و مرحبا بالآخر مرحبا بالحاشر مرحبا بالناشر محمد خاتم النبيين و علي خير الوصيين صلي الله عليهما فقال رسول الله صلي الله عليه و آله فسلموا علي و سئلوني عن علي اخي فقلت هو في الارض خليفتي اوتعرفونه فقالوا نعم و كيف لانعرفه و قد نحج البيت المعمور في كل سنة مرة و عليه رق ابيض فيه اسم محمد و علي و فاطمة و الحسن و الحسين و الائمة عليهم السلم و شيعتهم الي يوم القيمة و انا لنبارك علي رؤسهم بايدينا .
اقول انما خص اسمه الشريف بالذكر لان السماء الثالثة مقر الزهرة و هي كوكبه صلي الله عليه و آله كما فصلنا في رسالتنا في اثبات النبوة الخاصة بدليل العقل فاطلبها و التكرار كما ذكرنا و اما ساير المطالب فلايتعلق بها غرضنا .
قال ( فقال (ع) خل ) ثم زادني عز و جل اربعين نوعا من انواع النور لاتشبه شيئا من تلك الانوار الاول و زادني حلقا و سلاسل ثم عرج بي الي السماء الرابعة فلمتقل الملئكة شيئا و سمعت دويا كأنه في الصدور و اجتمعت الملئكة ففتحت السماء و خرجت الي معانيق فقال جبرئيل حي علي الصلوة حي علي الصلوة حي علي الفلاح حي علي الفلاح فقالت الملئكة صوتين ( صوتين مقرونين خل ) بمحمد [ص 89] صلي الله عليه و آله تقوم الصلوة و بعلي الفلاح فقال جبرئيل قد قامت الصلوة قد قامت الصلوة فقالت الملئكة هي لشيعته اقاموا بها الي يوم القيمة ثم اجتمعت الملئكة فقالوا للنبي صلي الله عليه و آله اين تركت اخاك و كيف هو فقال لهم اتعرفونه فقالوا نعم نعرفه و شيعته و هو نور حول عرش الله و ان في البيت المعمور لرقا من نور فيه كتاب من نور فيه اسم محمد و علي و الحسن و الحسين و الائمة عليهم السلم و شيعتهم لايزيد فيهم رجل و لاينقص منهم رجل انه لميثاق الذي اخذ علينا و انه ليقرء علينا في كل يوم جمعة .