[ص 1]

رسالة في جواب بعض الديانين من اصفهان

من مصنفات السيد الاوحد الامجد

المرحوم الحاج سيد كاظم الرشتي اعلي الله مقامه

[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين و الصلوة علي خير خلقه محمد و آله اجمعين و لعنة الله علي اعدائهم الي يوم الدين .

اما بعد فيقول العبد الجاني و الاسير الفاني كاظم بن قاسم الحسيني الرشتي ان بعض الديانين الذين ميزوا الماء من السراب و فرقوا بين القشور و اللباب و طلبوا لذلك الحق و الصواب علي ما عند الائمة الاطياب عليهم سلام الله في كل باب من الذي خصوا به شيعتهم المخلصين من اولي الافئدة و اولي الالباب سلمه الله و ابقاه و سلك به مسلك رضاه قد عرض علي مسائل اغلبها من غوامض المسائل قد انحطت دونها عقول الحكماء و عجزت عن حلها افهام العلماء و اراد جوابها علي الاستعجال و انا في غاية اشتغال البال لعروض الامراض المانعة من استقامة الحال و حمل اعباء السفر و معاناة الحل و الارتحال فلم‌اتمكن من تعجيل الجواب الي ان مضت برهة من الزمان تقرب ( بقرب خ‌ل ) ستة اشهر حتي وفقني الله تعالي لزيارة ثامن الائمة روحي له الفداء و عليه السلم و بعد المراجعة من ذلك السفر المقرون بالسعادة و الظفر و عزمي للعود الي وطني المعروف و مسكني المألوف مشهد مولينا و سيدنا الحسين روحي فداءه خطر ببالي ان املي جواب تلك المسائل في اثناء السفر في المنازل علي ما يمدني الله سبحانه البيان علي جهة الاشارة و التلويح لان في مثل هذه الحالة و عدم اجتماع القلب لايمكن استقصاء الكلام و دفع ما يرد من النقض و الابرام و آت بما هو الميسور لانه لايسقط بالمعسور و [ص 3] الي الله ترجع الامور و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم و قد جعلت كلامه سلمه الله متنا و جوابي كالشرح له كما هو عادتي في اجوبة المسائل .

قال سلمه الله تعالي : المسئلة الاولي - ان تبين لنا اثبات النبوة الخاصة المطلقة المحمدية و الولاية الخاصة العلوية و الذرية الطيبة بالدليل القطعي العقلي الغير المشوب بشيء من الدليل النقلي و ساير الامور الخارجية من خوارق العادات و ظهور المعجزات و ساير القواعد و الكلمات التي عند المتكلمين فانها لعمري ماترفع الشبهات و لاتوصل الي مقام القطع البات فلئن رفعت به الشبهات لاتطمئن بها النفس و لاتصل الي مقام الاطمينان لانه و ان كان تحقيقا لكنه نوع تقليد فاوضح لنا هذا السبيل باقامة الدليل .

اقول هذه المسئلة قد استصعب علي العلماء حتي احالها بعضهم زعما منهم بان الجزئي ليس بكاسب و لا مكتسب و العقل شانه ادراك الكليات و اثبات الخصوصية لا دخل للعقل فيها نعم للعقل اثبات النبوة العامة الكلية و اما الخصوصية فانما تعرف بالخارج من تحقق المعجزة الخارقة للعادة الممتازة من السحر و ساير انواع الشعبذة و هذا القول اي القول باستحالة اقامة البرهان العقلي علي نبوة محمد صلي الله عليه و آله و ولاية علي و الائمة من ذريته عليهم السلم باطل فاسد عند اهل المعرفة و البصيرة لانه قد ثبت بالادلة القطعية ( القطعية من العقلية و النقلية خ‌ل ) ان الله سبحانه خلق العقول من شعاع العقل الكلي الذي هو عقل محمد و اهل بيته الطاهرين سلام الله [ص 4] عليهم بل عقول الخلق من شعاع اجسامهم و قد قال الشاعر و نعم ما قال و قد اجاد في المقال :

ستعرف ان العقل و النقل واحد و ذلك معلوم بحكم الضرورة

ببرهان ان العقل نور نبينا و ذلك كلي باصل الحقيقة

و ان عقول الانبياء و حزبهم و اشياعهم من شمسه كالاشعة

و لا شك ان الشعاع شبح المنير و ظل كينونته و هو مرآة يري المنير فيها علي ما هو عليه علي ما هي عليه فالشعاع اذن صفة المنير و اسمه و حقيقة رسمه فتكون ( فيكون خ‌ل ) عقول الخلايق اظلة كينونة نور محمد و آله عليهم السلم و رسوم تنبئ عن تلك الديار علي ما هي عليه و اسماء دالة عليهم فلاتدل العقول الا علي الاربعة‌عشر قصبة الياقوت و حجاب الملك و الملكوت و وجه الحي الذي لايموت الاتري الاشعة الواقعة علي المرايا هل تجد فيها شيئا غير الشمس و وجهها و صفتها و اسمها و كذلك في العقول و الاحلام و الافهام لايوجد شيء غير ذكر محمد و آله عليه و عليهم السلم لان العكس لايدل الا علي العاكس و الصورة الا علي المقابل و الشعاع الا علي المنير و ذلك واضح الا ان المرايا منها ما هي معوجة يظهر النور فيها علي جهة الاعوجاج و منها ما هي مصبوغة ملونة يظهر فيها علي وفق ذلك الصبغ فيظن المنير و المقابل متلونا او معوجا و منها ما هي متحركة غير مستقرة فلايستقر ظهور النور المتجلي من الخارج فيها فلاتحكي حينئذ المقابل علي ما هو عليه و منها ما هي صافية مستقيمة نورانية مشرقة ثابتة تحكي المقابل الخارجي علي ما [ص 5] هو عليه و الناظر في المرآة ايضا مرة ينظر الي نفس المرآة من حيث هي هي مع قطع النظر عن الخارجي المقابل و هذا نظره الي الاسفل و الي الاختلاف و نسيان المقابل و الذهول عن الاصل و الالتفات الي الفرع نظره نظر الاجتثاث و ادراكه و علومه كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتي اذا جاءه لم‌يجده شيئا و وجد الله عنده فوفيه حسابه و الله سريع الحساب و مرة ينظر الي تجلي المقابل في المرآة فله نظر الكثرة و الحجاب الا ان حجابه رقيق و الكثرة مضمحلة لكنها قد تمنع عن الصواب و دائما تمنع عن اللقاء فلايعرف المقابل كما ينبغي حين النظر الي المرآة و مرة ينظر الي المقابل من حيث هو هو في المرآة بل ينظر اليه فيها من غيرها و دخل المدينة علي حين غفلة من اهلها فاذا نظر هكذا في المرآة الصافية المستقيمة الثابتة فلايجد الا المقابل و لايقع علي الخطا ابدا فاذا عرفت هذا المثال الذي ضرب الله سبحانه لك علمت سر كون العقول كلها شعاع نور محمد و علي و آلهما صلي الله عليهما و آلهما مع ذهولها ( ذهولها عنهم خ‌ل ) و اعراضها عن تصديقهم و مشاهدتهم عليهم السلم في سر هويتهم و ذلك لاقبال الخلق الي الدنيا و نسيانهم الله و الاشتغال بالشهوات و ذلك اقتضت اختلاف الميولات و صار الناس كما تري ،

و لكل رأيت منهم مقاما ذكره في الكتاب مما يطول

فظهر لك مما ذكرنا ان المنقطعين الي الله سبحانه و المخلصين في ولاية اولياء الله يبقون العقل علي الفطرة الاولية التي خلق الله سبحانه الخلق عليها فيقرؤن في حقيقة ذاتهم و الواح صدورهم جميع صفات [ص 6] الولي المطلق و النبي المطلق عليهما السلم علي ما هما عليه في هيئاتهم الذاتية و العرضية و العلوية و السفلية و قراناتهم من الزوجات و الاماكن و الازمان و الاعداد و غير ذلك من ساير الحالات و العلامات بل لايجد في العالم سوي ذكرهم و لايري غير نورهم و ظهورهم صلي الله عليهم الاسمعت الاخبار الواردة في ان اسماء آل‌محمد عليهم السلم مكتوبة علي ساق العرش و الكرسي و السموات و الارض و الكواكب و رؤس الجبال و كل شيء خلقه الله و ليس هذا الاسم هو الاسم اللفظي و ان كان هو ايضا كذلك و لا الكتابة هي الكتابة الرقمية و ان كانت هي ايضا كذلك و انما الاسم اثبات الرسم و البيان الحالي المقرون بالبيان المقالي كنقش اسمك في مرآتك حرفا بحرف و لااحب تطويل المقال في ذكر هذه الاحوال و هل يبقي مع هذا المقال الثابت بالعقل و النقل كما بينا في كثير من مباحثاتنا و اجوبتنا للمسائل مجال للقول بان اثبات النبوة الخاصة للنبي الخاص و الولاية الخاصة للولي الخاص محال لان الجزئي ليس بكاسب و لا مكتسب و اين الجزئي من مقام آل‌محمد عليهم السلم بل المخلوق الاول المقصود لذاته هم عليهم السلم و ما عداهم اشعة عكوسات انوارهم و اشراقات ظهورات ( ظهور خ‌ل ) آثارهم و الشعاع و الاثر يدلان علي المنير و المؤثر بالأنّ كما يدل المنير المؤثر عليهما باللّم ثم انا نقول ان محمدا و آله صلي الله عليهم لما خضعوا لله سبحانه بسر حقيقتهم و حقيقة ذاتهم و هويتهم البسهم الله سبحانه لباس عظمته و كبريائه و غشاهم بنور بهائه و عزته و اقامهم في جميع [ص 7] العوالم مقام نفسه في عز قدسه فكان حكمهم حكم الله و امرهم امر الله و طاعتهم طاعة الله و معصيتهم معصية الله فدليلهم هو وجه دليل الله و نهج الاستدلال في المقامين واحد فكما ان الله سبحانه يستدل عليه بالعقل بالان و يستدل علي الخلق بالله سبحانه بالفؤاد باللم كذلك آل‌محمد عليهم السلم يستدل عليهم بالعقل بجميع احوالهم الظاهرة في المخلوقين بما نقش الله سبحانه في حقايق العالم من صفة كينونتهم و يستدل علي الرعية و ساير المخلوقين بهم بالفؤاد بما سبقوا الخلايق في سر حقايقهم فكانوا اقرب الي الخلق منهم فيرون قبلهم و يعرفون دونهم ثم هم يعرفون بهم قالوا عليهم السلم نزلونا عن الربوبية و قولوا فينا ما شئتم و لن‌تبلغوا و هذا الذي ذكرنا لك نوع تنزيلهم عن الربوبية و اذا اردت بيانا اوضح مما ذكرنا لاهل العلوم و اصحاب الرسوم فاعلم ان الله سبحانه لما وجب ان تكون نعمته شاملة ( الشاملة خ‌ل ) و حكمته بالغة ( البالغة خ‌ل ) و فعله يجري علي احسن الوجوه و اتم النظام و خلق الخلق ليعرفوه و يعبدوه و كانت معرفته لاتحصل الا ببيانه و توصيفه اذ الخلق جاهلون ما هو عليه في عز قدسه و ما يليق لجنابه من انحاء التوجهات وجب في الحكمة ان يعرفهم نفسه و ما يريد منهم من طرق العبادات و الطاعات الموصلة الي قربه و رضاه و لما وجب ان يكون لتلك ادلاء يوصلون الخلق اليها لجهل الخلق بالسبيل و الدليل وجب ان يعرفهم الدليل الموصل الي ذلك السبيل و لما كان تعريف الله سبحانه وجب ان يكون ظاهرا جليا بحيث لايكون اجلي و اظهر و اوضح [ص 8] منه و الا لم‌تكن الحجة بالغة و السبل واضحة و الطريق مهيعا و كان البيان و التعريف علي قسمين بيان حالي و بيان مقالي و البيان الحالي اجلي و قرانه بالبيان المقالي اكمل وجب ان يجمع الامرين لترتفع الحجة من البين و لئلايكون للناس علي الله حجة و لما كان الوصف كلما كان اقرب الي من وصف له كان اقرب لاتمام الحجة و اكمال النعمة و ليس شيء اقرب الي الشيء من نفسه جعل انفس الخلايق ذلك الوصف و تلك الكتابة و النقش و جعل في ذات كل احد كلما يطلب و يريد منه من صفة توحيده في الذات و الصفات و الافعال و العبادة و يستلزم هذا الوصف توصيف صفة معرفة الانبياء و الاوصياء و الاولياء و النبي المطلق و الولي المطلق باعيانهم و اشخاصهم و هيئاتهم و اسمائهم و صفاتهم و ساير الاحوال الظاهرة بها في العالم و نحن بعون الله تعالي قد شرحنا ذلك كله في اجوبة مسائل بعض فضلاء الرشت حيث سئل عن ما سئلت عنه بعينه و ذكرت هناك بالدليل العقلي لزوم كون الخلق الاول اربعة‌عشر و ان واحدا منهم القطب الممد للمجموع و الآخر حاملا جامعا حاويا للمجموع و يستلزم كونه امراة انثي و اثني‌عشر منهم الاصول و عليهم تدور الفصول و ان واحدا من الاثني‌عشر هو الاصل و الشجرة و الباقي فروعه و اغصانه و لزوم كون القطب هو النبي المطلق و الولي المطلق في مقام الاجمال و ان الاصل في الاثني‌عشر هو الولي المطلق في مقام التفصيل و مقام اعطاء كل ذي حق حقه و السوق الي كل مخلوق رزقه و لزوم كون الانبياء بالعدد المعلوم الذي هو مائة‌الف و اربعة و [ص 9] عشرون‌الفا مخلوقين من شعاع الاربعة‌عشر و ساير الخلق من شعاع الانبياء و لزوم سبق الاربعة‌عشر في الخلق الاول و تأخرهم في عالم الصعود و لزوم ظهور الانبياء قبلهم و كون الطبقة الانسانية في بدو الظهور الصعودي واحدا من الانبياء المتوسطين و لزوم كون اسمه آدم و وجوب خلق زوجته من ضلعه الايسر و وجوب كون اسمها حوا و لزوم كون الشرايع ستة ( الستة خ‌ل ) هي الدائرة في هؤلاء الانبياء عليهم السلم و وجوب نسخ خمسة منها و بقاء الشريعة السادسة و وجوب عدم نسخها الي انقراض العالم و ذكرنا زمان وجوب ظهور الشريعة السادسة و تعيين امتداد الوقت من بدو ظهور الشريعة الاولي الي السادسة و وجوب كون حامل السادسة هو القطب في الاربعة‌عشر و وجوب كون اسمين له اسم في السماء و هو احمد و الآخر في الارض و هو محمد صلي الله عليه و آله و اسرار الحروف المقتضية بعد التركيب هذين الاسمين الشريفين و وجوب كون بعثته يوم النيروز بعد مضي اربعين سنة من عمره الشريف و وجوب كونه يتيما بلا اب و لا ام و ان يكون يومه الجمعة و كوكبه الزهرة و شكله المربع و كنيته ابوالقاسم و وجوب الوزير له و كونه هو الولي المطلق و كون اسمه عليا و ابيه اباطالب و كون اسم اب النبي عبدالله و امه آمنة بنت وهب و وجوب بقاء البنت للنبي صلي الله عليه و آله و وجوب كون اسمها فاطمة و وجوب تزويجها من علي عليه السلم لا سواه و وجوب ان يكون له منها ولدين ذكرين و وجوب كون اسم الاكبر منهما الحسن و اسم الاصغر منهما الحسين [ص 10] عليهما السلم و ان يكون الاكبر ظاهرا بالصمت و الكف عن القتال و الاصغر بالعكس و ان يكون نصيبه الشهادة الكبري و الرزية العظمي التي تندك منها الجبال و تقطع لها الاوصال و ان يكون الذرية الطيبة عليهم السلم من نسله عليه السلم و هكذا ساير الاحوال و الاوضاع مما جرت عليهم كل ذلك بالدليل القطعي العقلي الغير المشوب بشيء من النقل و ساير الامور الخارجية من الاجماع و التواتر و المعجزات و خوارق العادات و ساير ما هو عند العلماء علي طور انيق و طرز رشيق لم‌يسمح به فكر احد قبلي فاذا اردت حقيقة الامر فيما ذكرنا فارجع الي تلك الرسالة فان فيها ما يشفي العليل و يبرد الغليل و ليس الآن لي اقبال ذكرها كلها في هذا المقام لما بي من الكسل و الملل و اعباء السفر .

قال سلمه الله تعالي : المسئلة الثانية - ان تبين لنا اسرار الصلوة و الزكوة و الحج و الخمس علي جهة التوضيح و التبيين سيما تفصيل مقامات الصلوة و مراتبها من اول الشرايط و المقدمات الي آخر التسليم و ساير الفرايض و الواجبات و تفسير سورة الحمد و التوحيد بتفسير الباطن و التاويل علي ما هو المروي من اهل البيت عليهم السلم .

اقول اما اسرار العبادة فهي عظيمة جليلة كثيرة في كل عالم ظهرت كانت سر ذلك العالم لانها سر بدء عند ظهور الالوهية المطلقة و سري في كل ذرات الكائنات و المكونات و الحوادث الغير المتناهية فهي جزء حقيقة العبد و اصل قابليته و وعاء فيضان النور الالهي من مبدء المبادي و هو قوله عز و جل و ماخلقت الجن و الانس الا ليعبدون لانه عز و جل خلقهم [ص 11] لايصالهم الغاية القصوي من نور الفيض و الكرم و الجود و العطية فلهم السؤال و الطلب و الاستعداد و القابلية و لله العطية و الفيض فما يسئلون يعطيهم و بذلك ينالون نصيبهم من الكتاب امن يجيب المضطر اذا دعاه و يكشف السوء فخلقهم سبحانه ليخضعوا له بالسؤال و يقفوا علي باب الكرم و يقرعوا الباب بانامل الفقر و الفاقة و يطلبوا الاستغناء لغاية فقرهم و شدة فاقتهم و ذلك حقيقة العبادة و سرها و هي في كل عالم بحسبها و هي الارض الطيبة و البلد الطيب و جداول لجريان الماء الذي به حيوة كل شيء لوصوله الي كل الذرات فالعبادة لصفة الالوهية و الله هو المعبود المطلق لا سواه و العبادة جزء حقيقة العبد و اصل نفسه و حقيقة سره و هي اصل للعبد و العبد علي الحقيقة هو الحائز لجميع مقامات العبادة و مراتبها لان سرها هو اصلها و المراتب فروعها فالحائز للاصل يلزمه حيازة الفرع و لما كان بينات العبد هو زبر محمد صلي الله عليه و آله دل علي ان العبد اصل له و لجميع كمالاته المطوية كلها في اسمه الشريف الذي هو محمد صلي الله عليه و آله لكونه مشتقا من الحمد الذي هو ظهور البسملة التي هي سر الاسم الاعظم الجامعة لكلما في القرآن الذي لا رطب و لا يابس الا و قد جمع الله سبحانه فيه و كون كمالاته كلها انما هي فرع نشأ من العبودية التي هي الاصل شرح ان الله سبحانه ليس بينه و بين خلقه نسبة و قرابة و مانال احد مقاما و لا مرتبة الا بذلة الخضوع للمعبود بسر العبودية و لذا كان العبد اشرف القابه و اعظم مفاخره فوجب ان يكون ذلك اسما [ص 12] لابيه في كل عالم بحسبه و لما كانت البينات صفة الزبر و فرعه و بينات العبد هو زبر محمد صلي الله عليه و آله هو ظهر للمؤمن الممتحن ان العبد هو حقيقة محمد صلي الله عليه و آله و هو حامل العبادة فكان بذلك حامل جميع اسرار الربوبية و هو قوله تعالي في الحديث القدسي ماوسعني ارضي و لا سمائي و وسعني قلب عبدي المؤمن و هو صلي الله عليه و آله العبد المؤمن حقيقة لا سواه قال عز و جل الذين يتبعون النبي الامي الذي يؤمن بالله و كلماته الآية ، و ساير الخلق اما نفسه كالائمة عليهم السلم او حكاية رسمه و حقيقة اسمه صلي الله عليه و آله كساير الخلايق فان اطلاق العبد عليهم لكونهم حاكين نور تلك الحقيقة المقدسة المنورة فافهم .

فالعبادة اصلها و حقيقتها عندهم سلام الله عليهم اي حدود ذاتهم و هيئات هياكلهم الشريفة المقدسة و ما في ساير الخلايق اشعة انوار تلك الحدود و اظلة آثار تلك القيود و سر العبادة و اصلها و ينبوعها و قلبها و وجهها من مبدئها و حامل وجودها و تأصلها هي الصلوة التي هي خير موضوع و هي التي عمود الدين ان قبلت قبلت ما سواها و ان ردت ردت ما سواها و هي كالقلب و باقي العبادات كلها لها بمنزلة الرأس و الدماغ و الصدر و الكبد و العروق و الاعصاب و الشراسيف و العضلات و الاوردة و ساير الاعضاء و الجوارح و المتممات و المكملات و ها انا اصف لك مجمل اسرار حقيقتها من بدو ذاتها و نزولها من عالمها الي هذا العالم و عودها و تشعبها الي هذه الحدود المعينة و الاركان المشخصة و لزوم هذه المقدمات لها [ص 13] و ضرر حكم المنافيات علي جهة الاختصار و الاقتصار علي اقل ما يحصل به المطلوب و لو بالاشارة و التلويح .

فاقول اعلم ان الصلوة كانت نورا مكنونا مخزونا تحت حجاب الواحدية في قعر بحر القدر و هو الشمس المضيئة تحت ذلك البحر و هو اول من لبي لداعي الحق بالعبودية و سر الخضوع و الخشية و لكن لقربها من عالم الوحدة و اضمحلال الكثرة و احتراقها كانت نورا شعشعانيا في غاية البساطة و الاجمال و حاملة لاسم الله الحي المتعال و معلنة بالثناء علي الله عز و جل بالغدو و الآصال علي المعاني كلها في كل الاحوال فلما اقتضت الحكمة الالهية اظهار متعلقات الاسم الله لاظهار كمال قدرته العامة و حكمته التامة البالغة و نعمته السابغة اظهر ذلك الامر الوحداني الحامل لذلك الاسم الاعظم الواحد علي اربعة‌عشر هيكلا او قل جعل تلك الشجرة علي اربعة‌عشر غصنا و هي الشجرة الزيتونة التي ليست شرقية و لا غربية يكاد زيتها يضيء و لو لم‌تمسسه نار و تلك النار هي من تلك الشجرة الذي جعل لكم من الشجر الاخضر نارا كما ان الزيت منها فافهم الاشارة و سميت تلك الشجرة صلوة فالصاد تنبئ عن الشجرة لانها مقام الاجمال و اندراج الكثرة في كينونة الوحدة لانها هي الصاد في كهيعص فالاصل هو الهاء فلما تكررت اربع مرات نطقت الكاف و لما تكررت مرة واحدة نطقت الياء و لما ظهرت الهاء في الياء نطقت النون و الكاف و النون اذا اجتمعتا و نطقتا ظهرت العين فالعين علة الوجود و كلمة المعبود و بها سكنت السواكن و تحركت المتحركات فالكاف مقام الاجمال و النون مقام [ص 14] التفصيل و لما كان اول متعلقات الكلمة التي هي الفعل و المشية يجب ان يكون في غاية الاجمال و السعة و الاحاطة و البساطة لبطلان الطفرة وجب ان يكون في اول المتعلق حكاية الكاف لكونه الاشرف مقامها مقام الاجمال اكثر من النون التي هي مقام الكثرة و التفصيل فزيد عدد الكاف علي ( علي العدد خ‌ل ) العين الذي هو عدد المجموع فنطقت الصاد فكانت هي علي شكل المربع فالصاد اول متعلق المشية و هو بحر تحت العرش قال الله عز و جل ليلة المعراج ادن يا محمد من صاد و توضا لصلوة الظهر و هذه الصاد الثانية التي هي الاولي في عالم الوجود المقيد هي علي طبق الاولي في عالم الوجود المطلق فان العالم الاسفل صفة و حكاية عن العالم الاعلي قال مولينا الرضا عليه السلم ما معناه قد علم اولوا الالباب ان ما هنالك لايعلم الا بما هيهنا فافهم فظهر لك ان الصاد هي حقيقة الشجرة المتطورة باطوار الغصون و الافنان و الفروع قد ظهرت في المبدء اذا لوحظ معها غيرها كالواحد الذي بعده الثاني و الثالث و هكذا مع ان الواحد هو اصل الاعداد و ينبوعها و ذلك في مقام الاجمال و اذا عد معه غيره كان في عالم التفصيل و اللام تنبئ عن اصل الشجرة المفصلة بالاغصان لان اللام مقامه التفصيل و لذا كان القمر الذي عليه العدد و الحساب و معرفة تفاصيل الامور و هو اصل البرودة و الرطوبة و منه الصور و الهيئات و الحدود و به التمايز و اسم الله المربي له المبين لاتتم دورته و لايظهر تمام اثره الا بعد ثلثين يوما فاللام مقامها القمر كما ان الصاد مقامها الشمس و اصل الشجرة يستمد عن الشجرة كما ان [ص 15] القمر يستمد من الشمس فالشمس هي مقام النبوة و القمر رتبة الولاية و النبي صاحب مقام الاجمال و الولي صاحب مقام التفصيل و لما كانت المقامات ثلثة احدها مقام النبوة و ثانيها مقام الولاية الاجمالية البسيطة و ثالثها مقام الولاية التفصيلية و كل منها احد اضلاع المثلث و لما كان النبي صلي الله عليه و آله جامعا للمقامين و للولي الثالث كان له احد اضلاع المثلث و لما كان الصاد تنبئ و تحكي عنه صلي الله عليه و آله فوجب ان يكون اللام تحكي عن الوزير الولي صلي الله عليه و آله لان اللام ثلث الصاد و احد اضلاعها و الواو تنبئ عن الاغصان الاثني‌عشر بالتكرير و التثنية و ذلك تمام الاربعة‌عشر المتشعبة من الاصل الواحد الحامل للاسم الاعظم الله و الهاء سر الكل و اصله و اصل الاسم الاعظم فان الله اذا حذفت منه الالف يبقي لله ما في السموات و الارض و اذا حذفت منه اللام يبقي له ما في السموات و الارض و اذا حذفت منه اللام الثانية يبقي الهاء فاذا اشبعت كانت هو فالهاء هي اصل التوحيد و ميادينه الخمسة الحقة و حقيقة الاسم الاعظم فدل لفظ الصلوة علي حقيقة الحامل و المحمول و الداعي و الاسم المدعو به مع جميع احوالهما و صفاتهما الذاتية و العرضية و الحقيقية و المجازية و قد اشرنا الي بعضها و لو تصدينا لشرح الجميع لطال بنا الكلام و لادي الي ذكر ما لاينبغي ذكره و قد اراد الله سبحانه بهذا الترتيب كشف سر آخر لاولي المعرفة و البصيرة و هي ان لكل من الاربعة‌عشر المدلول عليهم بالصاد و اللام و الواو خمسة مقامات مقام الامام و مقام الابواب و مقام المعاني و مقام [ص 16] الاسماء و مقام التوحيد و مقام انا الذي لايقع علي اسم و لا صفة فاذا لوحظ الاربعة‌عشر في الخمسة استنطقت كلمة كن التي انزجر لها العمق الاكبر فهم عليهم السلم تلك الكلمة و هم حاملها و مظهر امرها و لذا كانوا يد الله فان اليد اربعة‌عشر عقدا فاذا ضربت في الخمسة الاصابع كانت سبعين و هو تمام كلمة كن و هو قوله تعالي انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون و قال عز و جل ينزل الملئكة بالروح من امره علي من يشاء من عباده ، و من آياته ان تقوم السماء و الارض بامره و لذا قلنا ان حقيقة الصلوة انما كانت مخزونة تحت حجاب الواحدية او ان الواو و الهاء اشارتان الي الاحدعشر الذرية الطيبة من الولي عليهم السلم و تمام الكلمة اشارة الي الصديقة الطاهرة عليها السلم لانها الحاملة لظهورات الجميع و مقامها في الكلمة العليا و الكلمة التامة تمام الكلمة المؤلفة كما ان مقام بنيها عليهم السلم الحروف العاليات المقطعات و مقام بعلها عليهما السلم مقام الالف المبسوطة و مقام ابيها عليهما السلم مقام النقطة و قد شرحنا تفاصيل هذه المجملات في كثير من مباحثاتنا و اجوبتنا للمسائل فالصلوة اما من الوصل فهم الذين وصلوا الي مقام قربه و رضاه بما لايمكن لاحد من المخلوقين سواهم و اتصلوا به تعالي الي ان صار قولهم قوله و حكمهم حكمه و امرهم امره و طاعتهم طاعته و معصيتهم معصيته و محبتهم محبته و بغضهم بغضه قال مولينا الصادق عليه السلم لنا مع الله حالات هو فيها نحن و نحن فيها هو الا انه هو هو و نحن نحن و اما من الصلة و العطية فهم عطاء الله سبحانه و فيضه [ص 17] و كرمه و جوده و احسانه الي كل مخلوقاته من انفسهم و من غيرهم و هم النعم التي انعم الله عز و جل بها علي انفسهم و علي كل من سويهم لان ما ( من خ‌ل ) سويهم من اشعة انوارهم و عكوسات آثارهم قال عز و جل و ان تعدوا نعمة الله لاتحصوها و قال عز و جل و اسبغ عليكم نعمه ظاهرة و باطنة فالنعم الظاهرة هو الامام الظاهر المشهور و الباطنة هو الامام الغايب المستور عجل الله فرجه و اما من الصلوان و هم عليهم السلم الذين اتبعوا الحق عز و جل بحيث لايذكر الله الا و يذكرون معه فعلي ساق العرش مكتوب لا اله الا الله محمد رسول الله صلي الله عليه و آله علي اميرالمؤمنين ولي الله و علي الكرسي مكتوب كذلك و علي اللوح و القلم و السموات السبع و الارضين السبع و ما بينهما من المتولدات من المعادن و النباتات و الحيوانات و الليل و النهار و البراري و القفار و البحار و الانهار و كل شيء خلقه الجبار القهار كذلك فلايذكر الله الا و يذكرون معه لانهم مع الله سبحانه كما في قوله تعالي و لله يسجد من في السموات و الارض و من عنده لايستكبرون عن عبادته و لايستحسرون يسبحون الليل و النهار لايفترون ، قال الصادق عليه السلم الذين في السموات هم الملائكة و الذين في الارض الجن و الانس و نحن الذين عنده فاذا كانوا عنده علي المعني الحق فيكون ذكرهم تالي ذكر الله و هم ايضا وجه الله فلايذكرون الا و يذكر الله سبحانه حين ذكرهم فالصلوة بكل معني و بكل اشتقاق و بكل قاعدة لاتصدق اولا و بالذات الا عليهم عليهم السلم و لذا قال اميرالمؤمنين [ص 18] عليه السلم انا صلوة المؤمنين و صيامهم و قال مولينا الصادق عليه السلم في مكاتبته لمفضل علي ما رواه في بصائر الدرجات نحن الصلوة و نحن الزكوة فهذه الالفاظ في الحقيقة انما وضعت لهم عليهم السلم لا غير لما ثبت بالبرهان القطعي ان الله سبحانه هو الواضع للاسماء لمسمياتها و ان بين الالفاظ و معانيها مناسبة ذاتية و مرابطة حقيقية و ان الطفرة في الوجود باطلة و ان الله سبحانه لايخل بالحكمة و قد شرحنا هذه المسئلة باكمل بيان في كثير من مباحثاتنا و رسائلنا فلما انهم صلي الله عليهم تمت خلقتهم و كملت هياكلهم و خضعوا لله سبحانه بذل العبودية في سرهم و علانيتهم سطع نورهم و تشعشع ظهورهم الحاكي لحدود هيئاتهم و هياكلهم فخلق الله سبحانه من ذلك النور و سطوع ذلك الظهور حقايق الانبياء عليهم السلم ثم حقايق ساير شيعتهم و مواليهم و لما ان الشعاع يستحق اسم المنير من باب الحقيقة بعد الحقيقة و من باب الوضع الخاص و الموضوع له العام الذي اتفق علماء الاصول علي بطلانه فاستحقت تلك الحقايق و الذوات ذلك الاسم بالتبعية و ذلك عند ظهورهم في التكوين ثم ظهر نورهم عليهم السلم بسر عبوديتهم في التشريع ظهر نورا ساطعا و بدرا لامعا حكي كينونتهم و انبأ عن حدود ذاتهم و هياكلهم التي هي نفس الخضوع و الخشوع و الذلة لله عز و جل فاستحق اسمهم و هو الصلوة و بقي مكنونا و مخزونا تحت العرش الاعظم الاعلي قبل ان يخلق الله السموات و الارض و الكواكب و البروج و العرش الثاني و الكرسي و الواح المحو و الاثبات و كانت نورا اجماليا [ص 19] وحدانيا يسبح الله سبحانه بسر ذاته و حقيقته فلما اراد الله سبحانه ان يمن علي خلقه بها انزلها من عالم الي عالم آخر ليفصلها و ليكمل اهل ذلك العالم باشراق نورها و سطوع ظهورها و وكل علي حفظها و نزولها ملكا اسمه لقائيل و هو اعظم الملئكة قدرا و كبرا و عظمة و جعل تحته جنودا من الملائكة لايحصي عددهم الا الله تعالي و هؤلاء الملئكة اقرب الملائكة الي الله تعالي و اخضعهم له و هم اعظم من حملة العرش و الطائفين حوله و قد روي عن الصادق عليه السلم ان الله سبحانه خلق العرش و جعل له ثلثمائة و ستين‌الف ركن و خلق عند كل ركن ثلثمائة و ستين‌الف ملك اصغرهم لو امر بان يبلع السموات السبع و الارضين و ما فيهن و ما بينهن كانت في فمه كالخردلة في فلاة وسيعة ثم امرهم بان يحملوا العرش ماقدروا عليه فخلق عند كل ركن ضعف ما كان سابقا فلم‌يقدروا ايضا علي حمل العرش فخلق عند كل ركن عشرة اضعاف ما كانوا هذا ملخص معني بعض الحديث و الملائكة الذين تحت الملك الموكل بالصلوة اكثرهم عددا و اجنحة و اقويهم قوة و اشدهم عبادة و اعظمهم عند الله قربا و مكانة فاول ما نزلت الصلوة علي مقتضي قوله تعالي و ان من شيء الا عندنا خزائنه و ماننزله الا بقدر معلوم نزلت الي بلدة بسم الله الرحمن الرحيم و هي قبة دخلها النبي صلي الله عليه و آله ليلة المعراج و لها اربعة اركان تجري فيها اربعة انهار الركن الاول يجري منه ( فيه خ‌ل ) الماء الغير الآسن من الميم في بسم الله الرحمن الرحيم و الركن الثاني يجري منه اللبن الذي لم‌يتغير طعمه من الهاء في [ص 20] بسم الله الرحمن الرحيم و الركن الثالث يجري منه الخمر من ميم الرحمن و الركن الرابع يجري منه العسل المصفي من ميم الرحيم و الملك الموكل بتلك البلدة اسمه وحدائيل فلما نزلت الصلوة الي هذه البلدة الطيبة تلقوها الملئكة الموكلين بها و كانت نورا ذائبا انجمدت و تفصلت علي اربعة اركان فركن التكبير بازاء الركن الرابع فمن اقام ( اقامها خ‌ل ) بحدوده و اقبل اليه بكله سقاه الله من العسل المصفي فيصفو ظاهره و يكون محبوبا لاولياء الله و شفاء من كل داء للناس و ركن القيام بازاء الركن الثالث فمن اقام بحدوده و شرايطه سقاه الله من ذلك الشراب و ركن الركوع بازاء الركن الثاني فمن اقام بحدوده و شرايطه سقاه الله من ذلك اللبن بكل احواله و مراتبه و مقاماته و درجاته المترتبة المتنزلة و ركن السجود بازاء الركن الاول و هو بازاء الركن الابيض الذي منه البياض و منه ضوء النهار و النية انما هي روح مقرونة بذات الصلوة بل هي الاصل الواحد و هذه الاربعة تفاصيلها و ظهوراتها فالنية للصلوة كالروح للانسان فليست بشرط خارج و لا هي بجزء داخل لان الروح ليس بداخل في البدن كدخول شيء في شيء و لا خارج عنه كخروج شيء عن شيء فليست النية في صقع الاركان الاربعة و لا في مرتبتها بل لها الرتبة العليا و المرتبة القصوي و لذا قلنا انها بسيطة ليست بمركبة و هي العلة الموجبة الظاهرة بنورها او بذاتها او بصفتها الذاتية في كل مراتب المعلول الاصطلاحي فافهم و لما كانت هذه الاركان هي الاصول الاولية و المقامات الذاتية التي لاتتم حقيقة الممكن الا [ص 21] بها كانت تبطل الصلوة اذا اخل بركن منها سهوا كان او عمدا فان الله سبحانه خلق كل شيء من زوجين و هذه هي الاربعة و الهيئة التركيبية الخامسة و كذلك التوحيد الذي هو اصل سبب ايجاد الامكان و الاكوان انما ظهر في مقامات التفصيل في خمس مقامات بعدد قوي الهاء في هو و كل ركن من هذه الاركان الخمسة مظهر ظهور من ظهورات التوحيد فاذا فقد مظهر من تلك المظاهر بطلت الصلوة لانها مظهر الكل و لذا كانت عمود الدين ان قبلت قبلت ما سواها و ان ردت ردت ما سواها ثم انزلها الله سبحانه من تلك البلدة المباركة الي العرش الثاني ثم منه الي الكرسي ففصلها هناك اي باطن الكرسي في كتاب الابرار في عليين الي هذه الحدود المشخصة كما ياتي الاشارة الي بيان سر تلك الخصوصيات اجمالا و لما انها امر عظيم و خطب جسيم و بها نجاة الخلايق و هي ظاهر صفات الخالق و باطنها علة الذوات و الحقايق اراد الله سبحانه ان يبين للخلق عظيم منزلتها و رفيع شانها و مرتبتها فاقام الخلايق في ارض عالم الذر في البدو كما انها ارض عالم المحشر في العود ثم عرضها علي الخلايق علي جهة التكليف ليهلك من هلك عن بينة و يحيي من حي عن بينة و الي هذا المعني اشار الحق سبحانه علي احد التفاسير بقوله عز من قال انا عرضنا الامانة علي السموات و الارض و الجبال فابين ان يحملنها و اشفقن منها و حملها الانسان انه كان ظلوما جهولا فالامانة هي الصلوة كما ورد عنهم عليهم السلم باطنا و ظاهرا و الانسان هم المؤمنون الذين ادوا حقها و راعوا حرمتها و يحتمل ان يكون المضيعين [ص 22] لحقها و حرمتها اما الاول فان من عرف حقها و احبها بقلبه و اداها بجميع جوارحه و صافي طويته و خالص سريرته اشرق الله في قلبه نور اليقين و في صدره نور العلم و في فؤاده نور المحبة و اناره الله بالانوار القدسية و افاض عليه من العلوم الدينية فصار متوجها اليه سبحانه بكله و انغمس في بحر لاهوتيته بشهود لبه و قلت منه الظلمات و ذهبت عنه درن السيئات فكان نورا لامعا و بدرا ساطعا من الذين قال الله سبحانه في حقه الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات الي النور و الناس اهل الهوي و طلبة الدنيا في ظلمة دهماء يهيمون و في لجة عمياء يعمهون و في غيهم و ضلالتهم يترددون فلايلتفتون الي اولئك الاخيار و يسعون في اطفاء تلك الانوار جهلا منهم بمقامهم و مرتبتهم و نسيانا لربهم بسوء حظهم و قصور معرفتهم فاولئك الاخيار المصلون الذين هم لاماناتهم و عهدهم راعون و الذين هم علي صلوتهم يحافظون هم المظلومون المجهولوا القدر لانهم انوار قدسية الهية بين ظهراني الخلايق و هم عنهم غافلون و عن طريق رشدهم معرضون و هم رضوان الله عليهم علي بصيرة من دينهم و هداية من ربهم قد ملات قلوبهم نورا و ابصارهم نورا و حواسهم نورا فهم مع الله في شغل عن الناس و اما الثاني فان الذين لم‌يراعوا حرمة الصلوة و ضيعوها و لم‌يحافظوا اوقاتها و اهملوها و لااعتنوا بشانها و عظيم قدرها عند الله فهم الظلوم الجهول اي الظالمون الجاهلون الذين ظلموا انفسهم و تركوا ما به نجاتهم و سلكوا ما به هلاكهم و نسوا حظهم مما ذكروا به [ص 23] فاغرينا بينهم العداوة و البغضاء فلما حمل الانسان الامانة و قبلها فمنهم من اضمر محافظتها و منهم من اضمر ضياعها علي ما فصلنا لك انزل الله سبحانه اياها الي هذه الدنيا فكانت الصلوة بنورها تشرق علي اهل السموات و الارضين الي ان اهبط الله سبحانه آدم الي الارض من العليين فكانت به شامة سوداء عرضته للادبار و النزول من قرنه الي قدمه فطال حزنه و بكاؤه علي ما ظهر به فاتاه جبرئيل عليه السلم فقال له ما يبكيك يا آدم فقال من هذه الشامة التي ظهرت بي قال قم يا آدم فصل فهذا وقت الصلوة الاولي فقام فصلي فانحطت الشامة الي عنقه فجاء في الصلوة الثانية فقال قم و صل يا آدم فهذا وقت الصلوة الثانية فقام فصلي فانحطت الشامة الي سرته فجاء في الصلوة الثالثة فقال يا آدم قم فصل فهذا وقت الصلوة الثالثة فقام فصلي فانحطت الشامة الي ركبتيه فجاء في الصلوة الرابعة و قال له يا آدم قم فصل فهذا وقت الصلوة الرابعة فقام فصلي فانحطت الشامة الي قدميه فجاء في الصلوة الخامسة فقال له يا آدم قم فصل فهذا وقت الصلوة الخامسة فقام فصلي فخرج منها فحمد الله و اثني عليه فقال جبرئيل يا آدم مثل ولدك في هذه الصلوة كمثلك في هذه الشامة من صلي من ولدك في كل يوم و ليلة خمس صلوات خرج من ذنوبه كما خرجت من هذه الشامة و لما كانت الصلوة هي توجه الكينونة من الظاهر و الباطن و السر و العلانية الي الله سبحانه كان لها الفضل علي كل الاعمال سيما اذا دخل العبد فيها بكمال الاقبال كما في الفقيه عن الصادق عليه السلم احب الاعمال الي الله [ص 24] عز و جل الصلوة و هي آخر وصايا الانبياء عليهم السلم فما احسن بالرجل ان يغتسل او يتوضا فيسبغ الوضوء ثم يتنحي حيث لايراه انيس فيشرف الله عز و جل عليه و هو راكع او ساجد فالعبد اذا سجد و اطال سجوده نادي ابليس يا ويلاه اطاع و عصيت و سجد و ابيت و فيه قال رسول الله صلي الله عليه و آله مثل الصلوة مثل عمود الفسطاط اذا ثبت العمود ثبت الاطناب و الاوتاد و الغشاء و اذا انكسر العمود لم‌ينفع وتد و لا طنب و لا غشاء و قال عليه السلم انما مثل الصلوة فيكم كمثل السري و هو النهر علي باب احدكم يخرج اليه في اليوم و الليل يغتسل فيه خمس مرات فلم‌يبق الدرن علي الغسل خمس مرات و لم‌تبق الذنوب علي الصلوة خمس مرات و فيه عن الصادق عليه السلم انه قال من قبل الله منه صلوة واحدة لم‌يعذبه و من قبل الله منه حسنة لم‌يعذبه و قال عليه السلم كان رسول الله صلي الله عليه و آله يقول من حبس نفسه علي صلوة فريضة ينتظر وقتها فصلاها في اول وقتها فاتم ركوعها و سجودها ثم مجد الله عز و جل و عظمه و حمده حتي يدخل وقت صلوة اخري لم‌يلغ بينهما كتب الله له كاجر الحاج المعتمر و كان من اهل عليين انتهي ، فظهر لك مما لوحنا و اشرنا ان الصلوة علي طبق الكينونة و الحقايق و الذوات فهي جامعة لجميع مقامات العبودية المطلقة و هي مقام اول الفرق في قوله تعالي اياك نعبد و اياك نستعين و هي اول ما يفرض علي العاقل حين عرف نفسه و عرف ربه و لاتتوقف علي شيء سوي هذه المعرفة و لاترتفع بحال من الاحوال بخلاف ساير العبادات [ص 25] كالحج يرتفع عند عدم الاستطاعة و يكتفي به مرة و الزكوة عند عدم المال و الصوم عند عدم الاقتدار و الجهاد عند العمي و العرج و المرض و هكذا غيرها بخلاف الصلوة فانها ثابتة مستقرة ما دام النفس و المعرفة و ان كانت اوضاعها تتغير و تختلف بحسب الموضوعات الا انها لاترتفع اصلا و ما قالوا في فاقد الطهورين كما هو احد الاقوال في المسئلة فالاقوي و الاصح وجوب الصلوة عليه و الاعادة اذا وجد الطهور .

و اما القول في الشرايط و الاجزاء فاعلم ان شرايطها كثيرة و آدابها عظيمة اكثر من ان تحصي الا ان الشارع عليه السلم اظهر للخلق اصول تلك الشرايط و اركانها تسهيلا عليهم و رعاية لما بهم من الضعف و الفتور لعدم نضج الكينونات و عدم ظهور سر الصلوات الزاكيات المباركات الطيبات لانا قد ذكرنا ان الصلوة هي حدود الولاية و هيئاتها و صفاتها و جهة توجه الولي المطلق الي الله سبحانه بكل جهاته و اعتباراته و احواله و هي لاتحصي و لاتتناهي و هي مقام اجماع ظهور الربوبية المطلقة الظاهرة للمخلوقين لا التي هي الذات البحت فانها متعالية عن الاجتماع و الاقتران و حقيقة العبودية المطلقة كما هو مقتضي قوله و اشهد ان محمدا عبده و رسوله فاثبت بالاولي حقيقة العبودية و بالثانية تمام ظهور الربوبية لان الرسول لايكون كذلك الا ان يكون عنده من آثار الربوبية الالهية ليكون بها الواسطة و السفير و بها يهدي الخلايق الي سواء الطريق و ذلك هو الكتاب الذي يجعله عنده كما قال تعالي انا انزلناه في ليلة القدر الي آخر السورة و لقد اوحينا اليك روحا من امرنا [ص 26] ماكنت تدري ما الكتاب و لا الايمان و لكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء الي صراط مستقيم و لقد ثبت ان الوحي التشريعي مطابق للوحي التكويني و الكتابان متطابقان فكان الكتاب المنزل عليه صلي الله عليه و آله هو الاكبر الجامع للكل لقوله تعالي في الحديث القدسي ماوسعني ارضي و لا سمائي و وسعني قلب عبدي المؤمن فالصلوة حيث كانت معراج المؤمن هي الوصال كما يشهد عليه اسمها و الركوع و السجود و القيام هي الخضوع و التذلل و الابتهال فهي اذن الواقفة بين الطتنجين و البرزخ بين العالمين و الناظرة في المغربين و المشرقين و ها انا اشير الي اسرار بعض شرايطها و مقدماتها بالاجمال :

اما الطهارة فاعلم ان العبد لما كان حال الصلوة متوجها الي جلال العزة و نور العظمة و جمال القدس و البهاء و النور و الكبرياء و تلك الساحة طيبة طاهرة منزهة عن جميع شوائب النقصان و درن القصور و الامكان فوجب ان يكون المصلي طاهرا حتي يقبل اليه الملا الاعلي و الكروبيون و تتوجه اليه الملائكة المقربون و الا كان بعيدا عن حرم الكبرياء و مبغوضا و منكرا عند الملا الاعلي فلاتشمله الرحمة بل يستوجب النقمة و لان النجاسة انما حصلت من كثافة الادبار الناشي عن مشاهدة الاغيار فاذا صحبت ( صحب خ‌ل ) المصلي حين التوجه و المسير اليه كدورة الاغيار اصابته الرحمة الواسعة فرمت به الي النار الاتري كيف يظهر نتن الجيفة و عطر الورد و ساير الازهار عند مقابلة الشمس فالشمس اشراقها واحد و تربي القوابل السفلية علي حسب ما فيها من الصفاء و الكدورات فتربي السكر و [ص 27] الحنظل باشراق واحد فافهم و لان المتوجه حين التوجه وجه المتوجه اليه فوجب الطهارة لبيان انه سبحانه مطهر من كل الصفات الامكانية و اللوازم الخلقية فالطهارة اشارة الي عصمة الولي عليه السلم كما قال عز و جل انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت و يطهركم تطهيرا فهم عليهم السلم الذين طهروا سرهم و حقيقتهم و ساير مراتبهم الظاهرية و الباطنية عن لوث الاغيار و كثافة الاكدار فتوجهوا الي الله سبحانه بكل كينونتهم بالعشي و الابكار فتطهير الكينونة شرط للتوجه لا جزء لان الطهارة ازالة الاعراض و الاوساخ الظاهرية و الباطنية و تلك الاوساخ انما هي بالعرض فازالتها مقدمة لا ذاتية فافهم و المطهرات عشرة في مقابلة النجاسات لان الله سبحانه خلق الخلق من عشر قبضات و هي قبضة القلب و الصدر و العقل و العلم و الوهم و الوجود اي المادة و الخيال و الفكر و الحيوة و الجسد و كل قبضة حين التوجه الي الله سبحانه و الخضوع و الانقياد لجلال عظمته مطهرة و طاهرة لانه سبحانه نور محض فاشراق جلال عظمته يطهر كلما يقابله و ينقيه فيظهر فيه مثاله كما قال اميرالمؤمنين عليه السلم فالقي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله و كل قبضة حين الاعراض عنه تعالي نجاسة و منجسة اذ لا واسطة بين الاقبال و الادبار و الطهارة و النجاسة و هذا معلوم و كما ان المطهرات متفاوتة في الشدة و الضعف فكذلك النجاسات و ذلك باعتبار وقوف الخلق في مقام كل قبضة لان الخلق في القوس الصعودي لهم وقوف في مقام من المقامات علي حسب اعمالهم اما صاعدون او نازلون [ص 28] فماجمع المقامات الصعودية كلها علما و عملا الا الكامل المطلق كما انه ماجمع المقامات النازلة السفلية كلها علما و عملا الا الشقي المطلق ابوالدواهي ابوالشرور و المراد بجمع المقامات ظهورها و الا فهي مجتمعة في كل شيء فمنهم من هو واقف في مقام القلب و منهم من هو واقف في مقام الصدر و منهم من هو واقف في مقام العقل و منهم من هو واقف في مقام العلم و منهم من هو واقف في مقام الوهم و منهم من هو واقف في مقام المادة و منهم من هو واقف في مقام الخيال و منهم من هو واقف في مقام الفكر و منهم من هو واقف في مقام الحيوة و منهم من هو واقف في مقام الجسد فطهارة كل مقام علي حسب ما يقتضيه ذلك المقام من الشدة و الضعف و قد اشار الي نوع ما ذكرنا مولينا الصادق عليه السلم في قوله تعالي ثم اورثنا الكتاب الذي اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه و منهم مقتصد و منهم سابق بالخيرات قال عليه السلم ما معناه السابق بالخيرات هو الذي يحوم حول ربه و المقتصد هو الذي يحوم حول قلبه و الظالم هو الذي يحوم حول نفسه و هذه المقامات المذكورة من حيث الطهارة لما تنزلوا من الخزاين الغيبية الي الهياكل الجسدية ظهرت علي هذه المطهرات المعروفة في هذا العالم الجسماني فالماء الذي به حيوة كل شيء هو من القلب الذي به حيوة الجسد و الروح كله و هو النافذ في كل الاعضاء و الجوارح و العضلات فالماء الجاري و ماء المطر و ماء البئر آية الخصيصين من الشيعة و دليل لهم اي اخص الخواص و هم الاعلون علي تفاوت [ص 29] مقاماتهم فالاوسط للاعلي منهم لان الفيض الاقدس من المبدء الاعلي دائم الورود و النزول عليهم حتي صاروا نفس ذلك الفيض النازل للمستعدين و المتعلمين و الاول للاوسط منهم لكونهم حملة علوم حقايق الاشياء حسب ما اراهم الله سبحانه في الآفاق و الانفس فهم نهر يجري ( انهار جارية خ ) من تحت جبل الازل الي ما لا نهاية له من البداء ( المداد خ‌ل ) و الفرق بين الاول و الثاني ان الاولين عندهم من اسرار التوحيد و الاسماء و الصفات و الآخرين عندهم اسرار حقايق الكائنات من قول النبي صلي الله عليه و آله اللهم ارني الاشياء كما هي مع اشتراك الفريقين من الاستمداد و الجريان من المبدء فافهم و الآخر ( الاخير خ‌ل ) للاسفل منهم لانهم اصحاب العقل المرتفع ينبع لهم العلوم من القلب باذن الله سبحانه و توفيقه و هؤلاء الذين لايتنجسون بملاقاة نجاسة كيد الشيطان و مكره كما قال عز و جل ان الذين اتقوا اذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فاذا هم مبصرون و قال تعالي انما النجوي من الشيطان ليحزن الذين آمنوا و ليس بضارهم شيئا الا باذن الله و ذلك اذا اعتقد ( اعتقدوا خ‌ل ) حقية مكر الشيطان فهنالك استولته النجاسة علي الاوصاف الثلثة او واحد منها فيتنجس حينئذ و يحتمل ان تكون المياه الثلثة آية و دليل للامام عليه السلم بحسب مقاماته عليه السلم فهم عليهم السلم الغيث الهاطل من سماء المجد و العزة و العظمة و هم النهر الجاري من اللانهاية الي اللانهاية و هم البئر المعطلة و القصر المشيد كما قال الشاعر :