رسالة في جواب اسئلة امر الشيخ (اع) بجوابها
و هي اربع و عشرون مسألة
من مصنفات السيد الاوحد الامجد
المرحوم الحاج سيد كاظم الرشتي اعلي الله مقامه
[ص 2] بسم اللّه الرّحمن الرَّحٖيم
الحمد للّه ربّ العالَمٖين و الصّلوة و السّلام علي خير خلقه محمّد و آله الطَّيبٖين الطاهرٖين .
امّا بَعْد فيقول العبد الفاني الجاني كاظم بن قاسم الحسيني الرّشتي انّه قد امرني مولاي و سيّدي و من اليه في كلّ حقّ مستندي شيخي و استادي اطال اللّه بقاه و جعلني في كلّ محذور فداه و بلّغه الي ما يتمنّاه و امدّ ظلاله علي رؤس عباده و رعاياه بمحمّد (ص) و آله الهداة ان اكتب جواب هذه المسائل التي اتي بها الَيْه بعض اخواننا المخلصين ايّده اللّه تعالي بروح اليقٖين و لميكن له اطال اللّه بقاه اقبال الجواب لتوارد الاشغال عليه من كلّ باب فامتثلت امره مع قلّة البضاعة و كثرة الاضاعة و اختلال البال و اغتشاش الاحوال و عروض الامراض المانعة من استقامة الحال و سلكت في الجواب مسلك الاختصار و اكتفيت بادني الاشارة لانه الميسور في مثل هذه الحال و اللّه المستعان و لا حول و لا قوّة الّا به .
قال سلمه اللّه تعالي : ما يقول السّيد السّند و الملاذ المعتمد شيخ العلماۤء و رئٖيس الحكماۤء امدّ اللّه له بالبقاۤء بمحمّد و آله النّجباۤء و جعل اللّه آخرته خيرا له من اولاه في معني قول ابيعَبْداللّه عليه السّلم انّ اللّه تعالي اذا اراد بعَبْد خيراً نكت في قَلْبه نكتة من نور و فتح مسامع قَلْبه و وكّل به ملكا يُسدّده و اذا اراد بعَبْد سوء نكت في قلبه نكتة سوداء و سدّد مسامع قلبه و وكّل به شيطانا يضلّه ثم تلي [ص 3] الآية فمن يرد اللّه ان يهديه يشرح صدره للاسلام و من يرد ان يضلّه يجعل صدره ضيّقا حرجا كأنّما يصّعّد في السّماۤء ، فهذا ينافي قضيّة الاختيار .
اقول اعلم ان اخبار اهل البيت عليهم السّلم لاتنافي القرآن قطّ لانّها منه و القرآن لا اختلاف فيه لقوله عزّ و جلّ و لو كان من عند غير اللّه لوجدوا فٖيه اختلافا كثٖيرا و ان اشتمل القرآن علي بعض المتشابهات لاستنطاق السراير و استعلام الضماير و امتياز الخبٖيث من الطّيب لكنه سبحانه جعل محكماتٍ و جعلها اصُولاً ترجع الَيْها عند المتشابه كما قال عزّ و جلّ هو الّذي انزل علَيْك الكتاب منه آيات محكمات هنّ امّ الكتاب و اخر متشابهات الآية ، و المتشابه لايخالف المحكم قط و الّا جاء الاختلاف المنفيّ او الاغراء بالباطل تعالي اللّه عن ذلك علوّاً كبٖيراً ثم انّ الكتاب و السنّة لايخالفان ما انعقد عليه اجماع الفرقة المحقة قط لان المعصوم عليه السلم باذن الله قد اقرهم عليه و ليس عند الله و لا عند رسوله و لا عند اوليائه اختلاف فاذا فهمت هذه القاعدة الكلية فرد كلما يشتبه عليك الي الاخبار و رد الاخبار عند الاشتباه الي القرآن و رد متشابهه الي محكمه بما لايلزم خلاف الفرقة المحقة فتجد الامر واضحا ظاهرا ان شاء الله و كذلك هذا الحديث الشريف فان القرآن قد نطق ببيانه و ايده العقل المستنير بنور الله و اجماع الفرقة المحقة و الاحاديث الاخر الكاشفة للمراد فقوله عليه السلم اذا اراد الله بعبد خيرا فهذه الارادة انما يكون بعمل العبد و اختياره و سؤاله من الله عز و جل اياها بلسان اعماله كما قال الله عز و جل يهديهم ربهم بايمانهم فجعل الايمان [ص 4] سبب الهداية و قال ايضا يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله و آمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته و يجعل لكم نورا تمشون به و يغفر لكم و الله غفور رحيم فجعل سبحانه النور مسببا للايمان به و برسوله فاذا اراد الله بعبد خيرا من جهة ايمانه و قبوله لامره و اذعانه له بالربوبية و لرسوله و ولاة الامر بعده صلي الله عليه و آله بالطاعة و الاخلاص في الموالات نكت في قلبه نكتة من نور و هذه النكتة من نور هي نور من شعاع نور العظمة و هو مبدء الانوار و الخيرات الظاهرة فيه و هو التأييد الالهي و المدد الرباني و فتح مسامع قلبه لظهور ذلك النور فيه بالوان مختلفة و انحاء متفاوتة من معرفة العلوم و الاسرار و الاطلاع علي العلوم المخزونة في الحجب الغيبية فان للقلب اربعة اركان و هي مسامعه و يظهر ذلك النور في كل ركن بلون من الالوان و طور من الاطوار يطول بذكرها الكلام و الاركان هي العقل و الروح و النفس و الطبيعة ثم ينتشر النور اي التأييد و التسديد في كل قواه و مشاعره الظاهرية و الباطنية فيكون بكله مستنيرا بنور الله و مثال ذلك الشمس اذا اشرقت علي المرآة الصافية فانك تجد النور فيها ظاهرا لامعا حاكيا للشمس و لا كذلك عند اشراقها علي الاجسام الغاسقة كالجدران مثلا اذ ليس لها ذلك التشعشع و اللمعان كما في المرآة فدل ان المرآة انما طلبت ذلك النور من الشمس بصفائها و قابليتها و ماطلبت الاجسام الغاسقة و وكل به ملكا يسدده و هذا الملك هو الملك الكلي الموكل بالقلب اسمه روح القدس من شعاع روح القدس الذي يسدد الانبياء الذي [ص 5] هو من شعاع الملك الاعظم روح القدس الذي يسدد نبينا و آله صلي الله عليه و آله او تقول ان ذلك الملك وجه من وجوه روح القدس الذي مع ائمتنا سلام الله عليهم و لهذا الملك جنود و اعوان موكل بكل جزء من اجزاء الشخص و كل قوة من قواه و مشعر من مشاعره و اذا ( اذ خل ) اراد بعبد سوء بعمله السوء و اختياره الباطل و ادباره و اعراضه عن الله عز و جل كما قال تعالي بل طبع الله عليها بكفرهم فجعل الكفر سببا للطبع الذي هو النكتة السوداء و قال تعالي و ماكان الله ليضل قوما بعد اذ هديهم حتي يبين لهم ما يتقون و قال ايضا و اما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمي علي الهدي و امثالها من الآيات كثيرة و قد اجمعت ( اجتمعت خل ) الفرقة المحقة علي ان الله عز و جل لايجبر الخلق علي الطاعة و المعصية فانه ظلم و انما ( فانما خل ) يحتاج الي الظلم الضعيف نكت في قلبه نكتة سوداء و هذه النكتة هي انطباع الصور الباطلة التي في كتاب الفجار الذي في سجين و ذلك الانطباع انما يحصل بالاعراض عن الله عز و جل بقلبه و عمله فيكون ح رأسه منكوسا ناكسوا رؤسهم عند ربهم ناظرا الي اسفل السافلين و فيه مبادي كل شر و طغيان فيسود قلبه باحتجابه عن نور الاقبال الي الله و سدد مسامع قلبه عن الخير كما قال عز و جل لهم قلوب لايفقهون بها و لهم اعين لايبصرون بها و لهم آذان لايسمعون بها اولئك كالانعام بل هم اضل و وكل به شيطانا يضله و هذا الشيطان وجه من الجهل الكلي متعلق بمركزه و هو النفس الامارة بالسوء يزين له الباطل و يسوفه عن الخير كما قال عز و جل و من يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له [ص 6] قرين و كذلك علي كل قوة من قواه و مشعر من مشاعره شيطان من وجوه ذلك الشيطان الموكل بالقلب الجهة السفلي منه و هي النفس الامارة و يظهر مما ذكرنا معني الآية و معني قوله تعالي ضيقا حرجا ان العاصي بمعصيته و توغله ( غلوه خل ) فيها و عدم توبته منها تحصل له فطرتان الاولي هي الفطرة الاصلية التي كل مولود يولد عليها و هي التي لاتميل الي الباطل و لايلتفت اليه ابدا و الثانية هي الفطرة الثانية المغيرة قال تعالي و ليغيرن خلق الله و هذه هي التطبع ( الطبع خل ) و بها يميل الي المعصية و الشر و اعتقاد الباطل فبالفطرة الاولية يعرف الحق و يريه و بالثانية يعرض عنه و يتوغل في الظلمة ثم يلتفت الي سوء فعله بالفطرة الاولي فينقبض فهو لايزال علي هذه الحالة من ضيق الصدر و انقباض الخاطر الي ان تتوفاهم الملئكة ظالمي انفسهم فيكافيهم باعمالهم و هو قوله تعالي و من اعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكا و قولكم و هذا ينافي قضية الاختيار قد ( و قد خل ) علمت علي ما بينا انه عين الاختيار و انما لميصرح عليه السلم بالعمل لانه عليه السلم ماكان بصدد بيان الجبر و الاختيار لان ذلك معلوم من مذهبه عليه السلم عند جميع شيعته و غيرهم و انما اراد بيان ما يترتب علي اختيار الايمان و الكفر و ( الكفر من خل ) المثوبة و العقوبة في الدنيا فان فرح القلب و انبساطه و اطمينانه يذهب كل الهموم و الاحزان و لايحس بالآلام الحسية الدنيوية لما قد تعلق قلبه به من نعيم الآخرة و سرورها و لما يعلم من ان تلك الآلام موصلة اليها فيزداد سرورا و بهجة فهو في نعيم و لذة في الدنيا و الآخرة و [ص 7] اما انقباض القلب و تكدره و اضطرابه فتذهب كل المسرات لان القوي و المشاعر و ساير الجوارح تابعة للقلب فاذا كان مضطربا مغشوشا لايلتذ بشيء من الملاذ و ان كان يتكلف في طلبها بالفطرة المغيرة الثانية فهو في عسر شديد في الدنيا و الآخرة هذا مراده عليه السلم و لايلزم ذكر كل الوجوه في المقام الواحد سيما اذا كان ذلك الوجه معروفا عند الكل و لعلل اخري يطول بذكرها الكلام و مرادنا الاختصار و الاقتصار بادني الاشارة .
قال سلمه الله تعالي : ما معني قول ابيعبدالله عليه السلم ماعظم الله بمثل البدا و قولهم عليهم السلم ماعبد الله بشيء مثل البدا و ما معني البدا .
اقول ان العبد ( اقول العبد خل ) اذا علم و تيقن ان الامكان فقر محض و ان الشيء لا تذوت له في حال من الاحوال و ان لله عز و جل فيه المشية يصرفه كيف يشاء بما يشاء في كل الحالات و ان الله يمحو ما يشاء و يثبت ما يشاء و يمحو ما ثبت و ثبت ( يثبت و يثبت خل ) ما يمحو و لايسئل عما يفعل فلايري لشيء شيئية اصلا و مطلقا و يري الاشياء كلها فانية باطلة مضمحلة مقهورة تحت عظمته و مشيته فانية عند ظهور قدرته فيظهر له بذلك ان عرفه معرفة عيانية عملية لا قولية رسمية عظمة الله سبحانه بما لايطيق مع ذلك تماسك نفسه فيكون ذليلا حقيرا خاضعا عند ظهور عظمة الله جل جلاله و هذه العظمة الماحية للاشياء كلها و المفنية لها بقضها و قضيضها في كل مقام يفرض وجودها و ان كان بعد تغيرات كثيرة ماتظهر بغير [ص 8] ملاحظة البدا بساير الظهورات و الصفات و ان كانت بصفة الخالقية و القيومية الا ان تؤلا بما ذكرنا في مقام البدا و لذا قال عليه السلم ماعظم الله بشيء من البدا و اما معني الحديث الثاني فهو ان العبادة هي الاعتراف بذلة العبودية للواحد الفرد عز شأنه و هي توحيد العبادة و هي لاتتحقق الا بان يري ما سوي معبوده باطلا زايلا فانيا في كل الاحوال و الا لميكن موحدا في العبادة و هذه المشاهدة و الرؤية لاتحصل علي وجه الكمال الا بالقول بالبداء كما ذكرنا و ايضا يجب علي العابد ان لايتكل علي عبادته و عمله اذا عمل و ان لاييئس من رحمة الله اذا عصي و نكل ( يكل خل ) فاذا اعتقد بالبدا و ان الله يمحو ما يشاء و يثبت فلايتكل علي عمله اذ لعل الله ان يمحو ما كتب له بذلك العمل و لاييئس من رحمة الله اذا عصي اذ لعل الله ان يمحو ما يقتضي عصيانه من الخذلان لانه ذو فضل عظيم قاهر علي عباده معذب ( يعذب خل ) لمن يشاء بما يشاء كيف يشاء و يغفر لمن يشاء بما يشاء كيف يشاء فهو لايزال بين خوف و رجاء و اما اذا لميقل بالبداء فيتكل علي عمله و يطمئن اذا عمل و كذلك في مقابله اذا عصي فلميحصل له الخوف و الرجا اللذان هما جناحان للعابد يطير بهما الي مقام القرب فماعبد الله بشيء مثل البداء و اما معني البداء فهو اظهار حكم من الاحكام الوجودية الكونية بعد انقضاء مدة الحكم السابق لتغيير الموضوع لان الله عز و جل لايغير ما بقوم حتي يغيروا ما بانفسهم فالبداء نسخ تكويني وجودي كما ان النسخ بداء تشريعي فيمحي الحكم الاول الثابت للشيء باعتبار وصفه الذاتي او العرضي و يثبت الحكم الثاني [ص 9] له علي مقتضي وصفه الحاصل له ثانيا مثلا ان الله عز و جل حكم علي زيد بمقتضي اجابته في عالم الذر مقدارا من العمر و الرزق مثلا خمسين سنة فاذا بقي علي مقتضي تلك الاجابة فلايمحي شيء مما كتب له الا ان يشاء الله عز و جل فانه قادر و قاهر علي كل شيء لكنه قد جرت حكمته تعالي ان لايمحوه فاذا زاد علي تلك الاجابة بعمل آخر قوي كزيارة الحسين عليه السلم فانها تقوي الكينونة باذن الله عز و جل فتمحي ( فيمحي خل ) كتابه خمسين سنة و يكتب له ثمانون سنة و كذلك اذا نقصها بعمل قاطع كالزنا او قطيعة الرحم مثلا فانه تمحي ايضا كتابه خمسين ( خمسين سنة خل ) و يكتب له مثلا اربعون او ثلثون و هكذا فبالاعمال يغير الله عز و جل احكام الخلق و صفاتهم و كينوناتهم و تلك الاعمال هي قابلياتهم فحكم الله و امره واحد يختلف بالاعمال و القابليات و ليس البداء بمعني الندامة كما يزعمها ( يزعمون خل ) بعض الجهال و ليس البداء في ذات الله عز و جل لان ذاته عز و جل لاتتغير و لاتتبدل و لا في علمه الذاتي لانه هو عين ذاته و هو قد سبق المعلومات و لا تغير فيه و انما البداء في آثار الصنع الظاهرة بالصفات الفعلية و هي الجهات الخاصة المتعلقة لا الجهة العامة الكلية فافهم و اما الامور المحتومة التي لا بداء لها فهي علي قسمين احدهما يستحيل عليه التغيير و التبديل فلا بداء و هي الامور الواقعة الثابتة فان الشيء اذا وقع لايمكن ان لايقع بعد ما وقع فان الكاتب ( فالكاتب خل ) مثلا اذا كتب لايمكنه الايكتب ( ان لايكتب خل ) و هو معلوم فلايمكن فيه البداء و ثانيهما ما علة محتوميته الحكمة ( الحكم خل ) و الوعد الالهي الذي لايخلف او لتوقف النظام الكلي عليه [ص 10] و الا لفسد مثل اسعاد الانبياء و اشقاء الاشقياء و القيمة الصغري و الكبري و ما سواهما يجري عليه ( عليهما خل ) المحو و الثبات لدوام فوران فوارة القدر و اختلاف جهات المقابلات لتلك الفوارة و هنا كلام لايناسب المقام ذكره و اما الاجل المحتوم و المخترم اللذان في الاخبار فالمراد بالاول هو الذي استوفي ما اقتضته شرايط وجوده و اسباب حدوده و ساير المتممات و المكملات من الاجل و الرزق و ساير الحدود المقدرة و الثاني الذي لميستوف ذلك و بقي له شيء من اجله و رزقه و ساير حدوده ( الحدود خل ) المتعلقة به فقضي عليه و مات و هذا يرجع لاستيفاء ذلك الي تلك المدة فيموت في ساعته .
قال سلمه الله تعالي : و ما معني قول المعصوم عليه السلم من عبد الاسم فقد كفر و من عبد الاسم و المسمي فقد اشرك .
اقول اعلم ان الاسم علي قسمين معنوي و لفظي لان الاسم مشتق من الوسم و هو العلامة و هي كما تكون لفظا تكون معني ايضا و قد قال اميرالمؤمنين عليه السلم الاسم ما انبأ عن المسمي و قال الرضا عليه السلم و قد سئل عن الاسم انه صفة لموصوف فكلما ينبئ عن الشيء هو اسم له فكانت الاشعة اسما للسراج و الشمس و الآثار كلها اسماء لمؤثراتها و هي الاسم المعنوي و الاسماء اللفظية اسماء للاسماء المعنوية فلفظ القائم اسم لتلك الهيئة المتصلة بفعل زيد المنتقش ( المتنقش خل ) في مكان ذلك الظهور الخاص بزيد و زمانه و جهته كما انك اذا رأيت زيدا قائما في المسجد يوم الجمعة فكلما تلتفت الي ذلك الوقت و ذلك المكان ( الزمان خل ) تري تلك الهيئة علي [ص 11] ما هي عليه موجودة و ذلك هو الشبح المنفصل فالقائم اسم لتلك الهيئة اي ذلك الشبح و هو اسم لزيد و صفة له بحيث اذا التفتت اليه انتقلت الي زيد اي ( اي الي خل ) ذاته و لكن لما كان معني اللفظ صفة لا استقلال لها الا بموصوفها و وجها لمعرفة موصوفها و آلة لملاحظته كان لايلتفت الي المعني المدلول عليه من اللفظ و انما يلتفت الي المعني المراد كالصورة في المرآة فانك اذا نظرتها لمتلاحظها من حيث هي هي و انما تلتفت الي المقابل من حيث هو و ان كان لاتراه الا كما ظهر فيها لكن المرآة من جهة انها واسطة و آلة للملاحظة فلايلتفت ابدا اليها الا اذا احتجب ( احتجبت خل ) عن المقابل بالنظر اليها فاذا علمت ان الاسم هو الاثر و الصفة فاعلم ان السافل لايمكنه ان يعرف العالي الا باثره و صفته اذ لايلحقه في ذاته و الا لميكن سافلا بل كان عاليا هف مثاله التقريبي هو ان المقابل اذا كنت محجوبا عنه بل تري شبحه الواقع في المرآة فانك تحكم عليه بما ظهر لك بشبحه فكان ذلك الشبح هو اسمه الدال عليه و لايمكن ان تعرفه بدونه حين احتجابك عنه فيكون ذلك الشبح هو وجهه اليك و اسمه لك لا له فاذا اردت ان تعرفه و تتوجه اليه فلاتتوجه الي ذلك الشبح من حيث هو شبح فانه ليس شيئا و لا تحقق له الا بغيره فقصر النظر علي الوجه و قطعه عن ذي الوجه جهل بمقام الوجه و ذي الوجه و هو نظر باطل لانه سراب و اذا توجهت في القصد و الطلب اليهما معا اي الي الصفة و الموصوف معا فقد اشركت و جعلت مع الموصوف آخر حيث لاحظته في صقعه و مرتبته و هو ايضا باطل جهل بالمقامين و ان نظرت الي [ص 12] الموصوف بدلالة الصفة و لمتنظر الي الصفة الا انها دالة و قطعت نظرك عنها بملاحظة الموصوف فيها و ذلك هو المعرفة التامة للمقابل بالنسبة اليك و المثال التحقيقي في ذلك هو شعاع الشمس بالنسبة الي الشمس اذا فرضت الشعاع ذا شعور و ادراك له توجه الي الشمس و نظر اليها فاجر كلما ذكرنا في هذا المثال آنفا فيهما فاذا كانت الموجودات كلها آثار صدرت عن فعل الله عز و جل فلايمكنهم ان يتوجهوا اليه سبحانه بالعبادة او بالمعرفة او بالدعاء و طلب الحاجة ( الحاجات خل ) الا باسمائه الحسني و صفاته العليا و هو قوله عز و جل فلله الاسماء الحسني فادعوه بها و قال عليه السلم في الزيارة يسبح الله باسمائه جميع خلقه ، و تلك الاسماء حقايق و ذوات لا مفاهيم و الفاظ قد جعلها الله عز و جل آية لعباده ليعرفوه تعالي بها حيث كان ( كانت خل ) المعرفة الازلية للخلق ممتنعة و تلك هي الآيات التي اشار اليها في كلامه العزيز سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق و هي الآيات و المقامات و العلامات التي ( المقامات التي خل ) لا تعطيل لها في كل مكان فجعلها سبحانه اسما و صفة و دليلا للخلق ليعرفوه بها علي اختلاف مراتبهم فمن نظر اليها نظر استقلال او توجه اليها في العبادة فقد كفر و لميعبد شيئا لانها ليست شيئا الا دلالة الغير و حكايته كالقائم بالنسبة الي زيد فان الصفة اذا فرضتها منفكة عن موصوفها بطلت و عدمت فلمتقع ( و لمتقع خل ) عبادته علي شيء و من نظر اليها مع المسمي الحق الظاهر بالاسم فقد اشرك لان الدليل لايجتمع مع مدلوله في مقام واحد فاذا ظهر المسمي غاب [ص 13] الاسم و اذا ( فاذا خل ) ظهرت الذات غيبت الصفات فملاحظتك اياها مع الذات دليل ( دليل علي خل ) انك جعلتها في مقامها و رفعتها عما هي عليها و ذلك شرك و كفر لان الله عز و جل لميزل وحده و ليس معه شيء فمهما لحظت معه غيره اسما كان او صفة او ذاتا لا فرق بينها الا بالعبارة فقد صح الشرك و بطل ما كانوا يعملون فاذا توجهت الي المسمي المعبود بدلالة الاسماء عليه دلالة الوجود لا دلالة الكشف فذلك هو التوحيد كما قال مولينا الصادق عليه السلم من عبد الاسم دون المسمي فقد كفر و لميعبد شيئا و من عبد الاسم و المسمي فقد اشرك و من عبد المسمي بايقاع الاسماء ( الاسم خل ) عليه فذاك ( فذلك خل ) التوحيد فافهم .
قال سلمه الله ( تعالي خل ) : و ما معني قوله تعالي قل هو الله احد الله الصمد .
اقول اعلم ان معناه علي ما تدل عليه اخبار ائمتنا عليهم السلم ان قل اي اظهر ما اوحينا اليك و نبأناك به بتأليف الحروف التي قرأناها لك ليهتدي بها من القي السمع و هو شهيد و هو اسم مكني مشار الي غايب فالهاء تنبيه علي ثابت و الواو اشارة الي الغايب عن الحواس كما ان قولك هذا اشارة الي الشاهد عند الحواس و ذلك ان الكفار نبهوا عن آلهتهم بحرف اشارة الشاهد المدرك فقالوا هذه آلهتنا المحسوسة المدركة بالابصار فاشر انت يا محمد صلي الله عليه و آله الي الهك الذي تدعو اليه حتي نراه و ندركه فانزل الله سبحانه قل هو فالهاء تثبيت للثابت و الواو اشارة الي الغائب عن درك الابصار و لمس الحواس و انه تعالي منزه عن ذلك بل هو مدرك الابصار و مبدع الحواس الله هو الاسم [ص 14] الاكبر الجامع لكل الصفات من القدس كالعزيز و القدوس و السبحان و العلي و امثالها و الاضافة كالعالم و القادر و السميع و البصير و امثالها و الخلق كالخالق و الرازق و المحيي و المميت و امثالها و كل الاسماء الحسني مندرجة تحته بل هي اسم له كما قال عز و جل قل ادعوا الله او ادعوا الرحمن ايا ما تدعوا فله الاسماء الحسني قال عليه السلم الله معناه المعبود الذي اله الخلق عن درك مائيته و الاحاطة بكيفيته و تقول العرب اله الرجل اذا تحير في الشيء فلميحط به علما و وله اذا فزع الي شيء مما يحذره و يخافه و الاله هو المستور عن حواس الخلايق احد هو الفرد المتفرد الذي لا تكثر فيه بوجه من الوجوه لا فرضا و لا وهما و لا خيالا و لا عقلا و لا حسا و هو الواحد في المراتب الاربعة و احد في الذات كما قال تعالي لاتتخذوا الهين اثنين انما هو اله واحد و واحد في الصفات كقوله عز و جل ليس كمثله شيء و واحد في الافعال كقوله عز و جل قل الله خالق كل شيء و واحد في العبادة كما قال عز و جل فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا و لايشرك بعبادة ربه احدا و الاحد مقوم للواحد بلا كيف و الواحد مقوم للاعداد كلها فليس الواحد من الاعداد و الاحد بالطريق الاولي لان مقوم الشيء ليس معه في رتبته و اما الصمد فعن الباقر عليه السلم قال حدثني ابي زينالعابدين عن ابيه الحسين بن علي عليهم السلم انه قال الصمد الذي لا جوف له و الصمد الذي قد انتهي سودده و الصمد الذي لايأكل و لايشرب و الصمد الذي لاينام و الصمد الدائم الذي لميزل و لايزال و عن الصادق عليه السلم عن [ص 15] ابيه عليهما السلم ان اهل البصرة كتبوا الي الحسين بن علي عليهما السلم يسئلونه عن الصمد فكتب اليهم بسم الله الرحمن الرحيم اما بعد فلاتخوضوا في القرآن و لاتجادلوا فيه و لاتتكلموا فيه بغير علم فقد سمعت جدي رسول الله صلي الله عليه و آله يقول من قال في القرآن بغير علم فليتبوء مقعده من النار و ان الله قد فسر الصمد فقال الله احد الله الصمد ثم فسره فقال لميلد و لميولد و لميكن له كفوا احد لميلد لميخرج منه شيء كثيف كالولد و ساير الاشياء الكثيفة التي يخرج ( تخرج خل ) من المخلوقين و لا شيء لطيف كالنفس و لاتنشعب منه البدوات كالسنة و النوم و الخطرة و الهم و الحزن و البهجة و الضحك و البكاء و الخوف و الرجاء و الرغبة و السأمة و الجوع و الشبع تعالي ( تعالي عن خل ) ان يخرج منه شيء او يتولد منه شيء كثيف او لطيف و لميولد و لميتولد من شيء و لميخرج من شيء كما يخرج الاشياء الكثيفة من عناصرها كالشيء من الشيء و الدابة من الدابة و النبات من الارض و الماء من الينابيع و الثمار من الاشجار و لا كما يخرج الاشياء اللطيفة من مراكزها كالبصر من العين و السمع من الاذن و الشم من الانف و الذوق من الفم و الكلام من اللسان و المعرفة و التمييز من القلب و كالنار من الحجر لا بل هو الله الصمد الذي لا من شيء و لا في شيء و لا علي شيء مبدع الاشياء و خالقها و منشئ الاشياء بقدرته يتلاشي ما خلق للفناء بمشيته و يبقي ما خلق للبقاء بعلمه فذلكم الله الصمد الذي لميلد و لميولد عالم الغيب و الشهادة الكبير المتعال و لميكن له كفوا احد .
[ص 16] قال سلمه الله تعالي : و ما معني قوله تعالي اخرجنا لهم دابة من الارض تكلمهم .
اقول قد انعقد اجماع الفرقة المحقة ان الدابة في قوله تعالي هو اميرالمؤمنين عليه السلم يخرجه الله سبحانه قبل يوم القيمة و بعد قيام القائم عليه السلم اقول بل بعد رجعة الحسين و الائمة عليهم السلم فيميز بين الخبيث و الطيب و يسم كل احد علامة الايمان و الكفر فهناك ينسد ( منسد خل ) باب التوبة و لاينفع نفسا ايمانها لمتكن آمنت من قبل او كسبت في ايمانها خيرا و قد دلت عليه اخبار متكثرة كما عن الصادق عليه السلم قال انتهي رسول الله صلي الله عليه و آله الي اميرالمؤمنين عليه السلم و هو نائم في المسجد قد جمع رملا و وضع رأسه عليه فحركه برجليه ثم قال له قم يا دابة الارض فقال رجل من اصحابه يا رسول الله صلي الله عليه و آله يسمي بعضنا بعضا بهذا الاسم فقال لا والله ما هو الا له خاصة و هو الدابة التي ذكره الله تعالي في كتابه فقال عز و جل و اذا وقع القول عليهم الآية ثم قال صلي الله عليه و آله يا علي اذا كان آخر الزمان اخرجك الله في احسن صورة و معك ميسم تسم به اعداءك فقال رجل لابيعبدالله عليه السلم ان العامة يقولون ان هذه الدابة انما تكلمهم فقال ابوعبدالله عليه السلم كلمهم الله في نار جهنم انما هو تكلمهم ( انما تكلمهم خل ) من الكلام و عنه عليه السلم قال قال رجل بعمار ( لعمار خل ) بن ياسر يا ابااليقظان ان آية في كتاب الله قد افسدت قلبي و شككتني فقال و اية آية هي قال ( آية قال خل ) قوله عز و جل و اذا وقع القول عليهم الآية فاية دابة هذه قال [ص 17] عمار والله مااجلس و لاآكل و لااشرب حتي اريكها فجاء عمار مع الرجل الي اميرالمؤمنين عليه السلم و هو يأكل تمرا و زبدا ( زيتا خل ) فقال عليه السلم يا ابااليقظان هلم فاقبل عمار و جلس يأكل معه فتعجب الرجل منه فلما قام عمار قال الرجل سبحان الله انك حلفت ان لاتأكل و لاتشرب و لاتجلس حتي تريني الدابة قال عمار قد اريتكها ان كنت تعقل و في الكافي عن الباقر عليه السلم قال قال اميرالمؤمنين عليه السلم و لقد اعطيت الست علم المنايا و علم البلايا و الوصايا و فصل الخطاب و اني لصاحب الكرات و دولة الدول و اني لصاحب العصا و الميسم و الدابة التي تكلم الناس و في الاكمال عن مولينا اميرالمؤمنين عليه السلم في حديث بعد ان ذكر الدجال و من يقتله قال الا ان بعد ذلك الطامة الكبري قيل و ما ذلك يا اميرالمؤمنين قال خروج دابة الارض من عند الصفا معها خاتم سليمن و عصي موسي عليهما السلم تضع الخاتم علي كل مؤمن ينطبع فيه هذا مؤمن حقا و تضعه علي وجه كل كافر فيكتب هذا كافر حقا حتي ان المؤمن لينادي الويل لك حقا يا كافر و ان الكافر ينادي طوبي لك يا مؤمن وددت اني كنت مثلك فافوز فوزا عظيما ثم ترفع الدابة رأسها من بين الخافقين باذن الله جل جلاله و ذلك بعد طلوع الشمس من مغربها فعند ذلك ترفع التوبة فلاتقبل توبة و لايرفع عمل و لاينفع نفسا ايمانها لمتكن آمنت من قبل او كسبت في ايمانها خيرا ثم قال عليه السلم لاتسئلوني عما يكون بعد هذا فانه عهد الي حبيبي رسول الله صلي الله عليه و آله الااخبر به غير عترتي و عنه عليه [ص 18] السلم انه سئل عن الدابة فقال عليه السلم اما والله ما لها ذنب و ان لها للحية ، و بالجملة هذا امر معلوم لاينبغي التشكيك فيه لكنك اعلم ان هذه الاحوال اي ظهور دابة الارض انما كان في الكرة الثانية فانه ( فان خل ) له عليه السلم كرتين و يقتل قتلتين و يخرج مرتين كما قال عليه السلم انا الذي اقتل مرتين و احيي مرتين و لي الكرة بعد الكرة ه ، الكرة الاولي بعد خروج سيدنا الحسين عليه السلم و قتل القائم عليه السلم و استقلال الحسين عليه السلم بالامر و هجوم الكفار عليه عليه السلم من كل جانب و احتصاره في مكة المعظمة فيخرج مولينا علي عليه السلم لنصرة ابنه فيقاتل مع اولئك الكفار الي ان يبدد شملهم و يفرق جمعهم فيبقي عليه السلم مقدار بقاء اصحاب الكهف في الكهف و هو ثلثمائة سنة و تسع سنين ثم يقتل صلوات الله عليه فيبقي ( و يبقي خل ) ما شاء الله ثم يرجع الي الدنيا فهو عليه السلم هناك دابة الارض و معه عصي موسي و خاتم سليمن فيميز بين الخبيثين و الطيبين فيظهر ابليس لعنه الله و يجمع عساكره و جنوده فيقاتل عليا عليه السلم بجنوده و يكون قتالا عظيما حتي يكون الغلب بعسكر ( لعسكر خل ) ابليس فيأتي تأويل قوله تعالي هل ينظرون الا ان يأتيهم الله في ظلل من الغمام و الملئكة الآية ، فينزل رسول الله صلي الله عليه و آله من السماء و هو في الغمام و الملئكة محتفون به صلي الله عليه و آله فيهرب ابليس لعنه الله اذ يري تلك الحالة فيقول له اصحابه اين تهرب و قد صار لك النصر و الغلب فيقول لهم اني اري ما لاترون اني اخاف الله رب العالمين فيلحقه رسول الله صلي الله عليه و آله و يطعنه [ص 19] في كتفه فيقتله هذا مجمل القول فيه و التفصيل يطلب فيما كتب شيخنا اطال الله بقاه في شرح الزيارة الجامعة و في الرسالة المنفردة في الرجعة و انما سمي الله عليا عليه السلم دابة الارض لان الارض هي ارض العلم و الوصاية و الولاية قال تعالي ( افلايرون خل ) انا نأتي الارض ننقصها من اطرافها قال عليه السلم يعني بموت العلماء و قال تعالي و الارض وضعها للانام قال عليه السلم اي الامام نصبه للخلق و علي عليه السلم هو اصل العلم و الوصاية و الولاية فكان عليه السلم هو الداب لتلك الاراضي بالاصالة و ما سواه اما بالبدلية او بالفرعية و لوجوه اخر اعرضت عن بيانها لما بي من شدة هيجان مواد الامراض و الاعراض و اغتشاش البال لتوجه النفس بالطبيعة لدفع الامراض و الله المستعان و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم .
قال سلمه الله تعالي : و ما معني قوله تعالي حكاية عن ابرهيم و لما جن عليه الليل رأي كوكبا قال هذا ربي الآية .
اقول معني هذه الآيات علي ما ذكره مولينا الرضا عليه السلم علي ما رواه الصدوق (ره) في العيون ان المأمون سأله عليه السلم فقال ( و قال خل ) له يا بن رسول الله صلي الله عليه و آله اليس من قولك ان الانبياء معصومون قال عليه السلم بلي قال فاخبرني عن قول الله عز و جل فلما جن عليه الليل رأي كوكبا قال هذا ربي فقال الرضا عليه السلم ان ابرهيم عليه السلم قد وقع الي ثلثة اصناف صنف يعبد الزهرة و صنف يعبد القمر و صنف يعبد الشمس و ذلك حين خرج من السرب الذي اخفي فيه فلما جن عليه [ص 20] الليل رأي الزهرة قال هذا ربي علي الانكار و الاستخبار فلما افل الكوكب قال لااحب الآفلين لان الافول من صفات المحدث لا من صفات القديم فلما رأي القمر بازغا قال هذا ربي علي الانكار و الاستخبار فلما افل قال لئن لميهدني ربي لاكونن من القوم الضالين فلما اصبح و رأي الشمس بازغة قال هذا ربي هذا اكبر من الزهرة و من القمر علي الانكار و الاستخبار لا علي الاخبار و الاقرار فلما افلت قال للاصناف الثلثة من عبدة الزهرة و القمر و الشمس يا قوم اني بريء مما تشركون اني وجهت وجهي للذي فطر السموات و الارض حنيفا و ما انا من المشركين و انما اراد ابرهيم علي نبينا و آله و عليه السلم بما قال ان يبين ( يتبين خل ) لهم بطلان دينهم و يثبت عندهم ان العبادة لخالقها و خالق السموات و الارض و كان ما احتج ( كان احتج خل ) به علي قومه ما الهمه الله و آتاه كما قال تعالي و تلك حجتنا آتيناها ابرهيم علي قومه نرفع درجات من نشاء .
قال سلمه الله تعالي : و قوله تعالي رب ارني كيف تحيي الموتي قال اولمتؤمن قال بلي و لكن ليطمئن قلبي .
اقول روي الصدوق (ره) في العيون عن مولينا الرضا عليه السلم في معني هذه الآية الشريفة ان الله تعالي كان اوحي الي ابرهيم اني متخذ من عبادي خليلا ان سئلني احياء الموتي لاجبته فوقع في نفس ابرهيم عليه السلم انه ذلك الخليل فقال رب ارني كيف تحيي الموتي قال اولمتؤمن قال بلي و لكن ليطمئن قلبي علي الخلة قال فخذ اربعة من الطير فصرهن اليك ثم اجعل علي كل جبل منهن جزء ثم ادعهن [ص 21] يأتينك سعيا و اعلم ان الله عزيز حكيم فاخذ ابرهيم عليه السلم نسرا و بطا و طاووسا و ديكا فقطعهن و خلطهن ثم جعل علي كل جبل ( علي جبل خل ) من الجبال التي كانت حوله و كانت عشرة منهن جزء و جعل مناقيرهن بين اصابعه ثم دعاهن باسمائهن و وضع عنده حبا و ماء فتطايرت تلك الاجزاء بعضها الي بعض حتي سوت ( استوت خل ) الابدان و جاء كل بدن حتي انضم الي رقبته و رأسه فخلي ابرهيم عليه السلم عن مناقيرهن فطرن ثم وقعن فشربن من ذلك الماء و التقطن من ذلك الحب و قلن يا نبي الله احييتنا احياك الله فقال ابرهيم بل الله يحيي و يميت ه ، فالاستفهام للتقرير و التثبيت مثل قوله تعالي هل اتي علي الانسان حين من الدهر لميكن شيئا مذكورا و لبيان ان السؤال المذكور لمينشأ عن شك او اضطراب في ايمانه عليه السلم بان الله يحيي الموتي و انما كان اطمينان القلب المطلوب في الخلة كما ذكر عليه السلم و الا فقلبه عليه السلم في غاية الاطمينان و الانشراح لانه معصوم مسدد و من اكابر اولي العزم .
قال سلمه الله تعالي : و قوله تعالي حكاية عن آدم عليه السلم فنسي و لمنجد له عزما .
اقول ان الله عز و جل نهي آدم عليه السلم عن اكل الشجرة المعينة المخصوصة كما يشهد عليه قوله تعالي و لاتقربا هذه الشجرة و كان الاولي و الاليق ان لايأكل آدم عليه السلم عما هو من نوع تلك الشجرة ايضا تنزيها و تكرمة و ماكان يحرم عليه ذلك لان النهي انما تعلق بالفرد المعين لا النوع المطلق و لكن الافراد الاخر من جهة نوع التشابه ( التشابه به خل ) [ص 22] قد تظهر فيها العلة الموجبة للاحتراز لكنها لما كانت غير تامة ماتعلق النهي التحريمي بها نعم قد تعلق النهي التنزيهي بها و للمكلف ان يفعلها لكنه ترك الاولي و الارجح و لايعد عاصيا لا شرعا و لا عرفا و لا لغة و يدل علي ما ذكرنا ما روي الصدوق رحمه الله في العيون عن الرضا عليه السلم ان الله تعالي قال لهما لاتقربا هذه الشجرة و اشار لهما الي شجرة الحنطة و لميقل لهما و لاتأكلا من هذه الشجرة و لا مما كان من جنسها فلميقربا من تلك الشجرة و انما اكلا من غيرها الحديث ، فاذا كان كذلك فكان الاولي و الاليق لآدم عليه السلم ان يجتنب من نوع تلك الشجرة و هذا هو العهد المأخوذ منه عليه السلم كما قال عز و جل و لقد عهدنا الي آدم من قبل في اكل الشجرة ان يتركها بخصوصها وجوبا و ما كان من نوعها استحبابا فنسي اي ترك لا بمعني النسيان كيف و ان الشيطان قال مانهيكما عن هذه الشجرة الا ان تكونا ملكين او تكونا من الخالدين و قاسمهما اني لكما لمن الناصحين فدليهما بغرور فكان النسيان هنا بمعني الترك كما في قوله تعالي نسوا الله فنسيهم و قوله تعالي و كذلك اتتك آياتنا فنسيتها فكذلك اليوم تنسي و لمنجد له عزما و هو الثبات التام الذي لايترك معه الارجح و الاولي ابدا و لاينظر الي نفسه ابدا و لايجد لنفسه شهوة و تحققا دون ارادة الله عز و جل و لميتشرف بهذه المرتبة الجليلة الا الخمسة محمد صلي الله عليه و آله و نوح و ابرهيم و موسي و عيسي عليهم السلم و اذا سمعت بعض الاخبار من ان الآية انما نزلت هكذا و لقد عهدنا الي آدم من قبل في محمد و علي ( علي و خل ) فاطمة و [ص 23] الحسن و الحسين فنسي و لمنجد له عزما و الاخبار الاخر التي تدل ان آدم حسدهم عليهم السلم و تمني مكانهم و مرتبتهم و الاخبار الاخر التي تدل ان آدم اكل من شجرة الحسد و امثال ذلك فالمراد من كلها واحد و هو ما ذكرنا لك الا ان معرفته تصعب علي الاذهان و بالبيان التام يفتح ( يفتق خل ) المغلق و يزول الاشكال الا اني من جهة تشدد المرض مايمكنني البسط في المقال لكني اشير اليه بمجمل القول لمن طلب الهداية و المعرفة فاقول اعلم ان الله عز و جل خلق محمدا و آله صلي الله عليه و آله لنفسه لا لغيره كما قال عز و جل و اصطنعتك لنفسي و ان كان في الظاهر يخاطب به موسي لكنه في الحقيقة يريد به محمد ( محمدا خل ) صلي الله عليه و آله فهو و اهل بيته المعصومون سلام الله عليهم قد خلقهم الله قبل ان يخلق الانبياء بالف دهر و كل دهر مائةالف سنة و كانوا يعبدون ( يعبدوا خل ) الله عز و جل و يقدسونه ثم خلق سبحانه الانبياء ثم خلق ساير المخلوق ( المخلوقين خل ) فامرهم بالطاعة لهم و اخلاص الولاء فيهم و لما كانوا عليهم السلم لايحبون الا ما هو الارجح و الاولي فضلا عن الراجح و الواجب فكان طاعتهم في الحقيقة هو فعل ( فعل كل خل ) ما يحب الله عز و جل من جميع المستحبات و هو مقتضي ولايتهم فمن قصر في شيء من طاعة الله عز و جل فمااطاعهم حق الاطاعة فكل من لميطع احدا فقد جعل نفسه مساويا له او اعلي منه و ان لميكن بالاعتقاد لكن ( و لكن خل ) بالعمل و لذا قال تعالي ارأيت من اتخذ الهه هويه و آدم عليه السلم لما اكل من الشجرة ترك الاولي فقصر في طاعتهم فقد تمني مرتبتهم و مقامهم بعمله لا باعتقاده [ص 24] اذ لو لميتمن و كان تابعا لهم عليهم السلم مخلصا لماوقع منه هذا التقصير ( لماوقع هذا التقصير منه خل ) و عن هذا و مثله يعبرون عليهم السلم بالشك في الولاية و الترديد و التوقف فيها و الحسد و امثال ذلك فافهم فان هنا عجايب يقصر اللسان عن ادائها و هذه الاشارة المجملة كافية لمن طلب الحق .
قال سلمه الله تعالي : و ما معني قوله تعالي لنوح احمل فيها من كل زوجين اثنين هل خاص بنوع الحيوان ام شامل لانواع الاشجار و الفواكه .
اقول بل خاص بنوع الحيوان فان الفواكه و الاشجار تحصل في كل حال و لاتتوقف ( لايتوقف خل ) علي اسباب كثيرة كالحيوان و انما هي تتوقف علي الماء النازل من السماء الواقع علي الارض و اشراق الشمس عليها كما ذكره الله عز و جل ( جل في خل ) صفة تكون النبات في كلامه العزيز و انما قلنا هذا لان الله عز و جل ابي ان يجري الاشياء الا بالاسباب ( باسبابها خل ) و الا فهو القادر علي ما يشاء كيف يشاء و قد روي ( كما قد روي خل ) علي بن ابرهيم عن الصادق عليه السلم لما اراد الله عز و جل هلاك قوم نوح عقم ارحام النساء اربعين سنة فلايولد لهم مولود فلما فرغ نوح من اتخاذ السفينة امره الله ان ينادي بالسريانية ان تجمع جميع الحيوانات فلميبق حيوان الا حضر فادخل من كل جنس من اجناس الحيوان زوجين ما خلا الفار و السنور و انهم لما شكوا سرقين الدواب و القذر ( القذرة خل ) دعي بالخنزير فمسح جبينه فعطس فسقط من انفه زوج فار فتناسل فلما كثروا شكوا اليه منها فدعي بالاسد فمسح جبينه فعطس فسقط من انفه زوج سنور و في حديث آخر انهم شكوا القذرة فامر الله الفيل فعطس فسقط الخنزير و عن الصادق عليه السلم في حديث فلما فرغ نوح [ص 25] من اتخاذ السفينة امر ( امره خل ) الله ان ينادي بالسريانية لايبقي بهيمة و لا حيوان الا حضر فادخل من كل ( فادخل كل خل ) جنس من اجناس الحيوان السفينة و كان الذين آمنوا به من جميع الدنيا ثمانين رجلا فقال الله عز و جل احمل فيها من كل زوجين اثنين الآية ، و كان نجر السفينة في مسجد الكوفة فلما كان في اليوم الذي اراد الله عز و جل هلاكهم كانت امرأة نوح تختبز في الموضع الذي يعرف بفار التنور في مسجد الكوفة و كان نوح عليه السلم اتخذ لكل ضرب من اجناس الحيوان ( الحيوانات خل ) موضعا في السفينة و جمع لهم فيها ما يحتاجون اليه من الغذاء فصاحت امرأته بما فار التنور فجاء نوح الي التنور فوضع عليها طينا فختمه حتي ادخل جميع الحيوان السفينة ثم جاء الي التنور ففض الخاتم و رفع الطين و انكسفت الشمس و جاء من السماء ماء منهمر صب بلا قطر و تفجر الارض عيونا و هو قوله عز و جل ففتحنا ابواب السماء بماء منهمر و فجرنا الارض عيونا فالتقي الماء علي امر قد قدر ه ، و اما سبب حمل هذه الحيوانات فلوجوه منها ان الانسان مايتم تمام معاشه و معاده الا بها فان في كل منها خاصية تنفع الانسان ليست في غيرها كما اشارت اليها الاخبار و اما الفواكه و الاشجار فهي لما كانت تفسد اذا قطعت من اصلها بخلاف الحيوان جعلت في الارض و هي حاملة لبذرها مستودعة لها يخرجها الله عز و جل منها اذا احتاج الخلق اليها و اما الحيوانات فهي في تحققها محتاجة الي اسباب كثيرة لمتجر عادة الله عز و جل علي اجرائها بدونها و لمتنضج بنية العالم حتي يكون جميع احواله فعلية فلذا امره الله عز و جل ان يحمل [ص 26] في السفينة من كل زوجين اثنين لتوقف النظام عليه .
قال سلمه الله تعالي : و ما معني قوله تعالي لنبيه صلي الله عليه و آله ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك و ما تأخر .
اقول لبيانه وجوه كثيرة مستفادة من الاخبار و نحن نكتفي بوجهين منها طلبا للاختصار احدهما ما في العيون عن مولينا الرضا عليه السلم انه سئل عن هذه الآية قال عليه السلم لميكن احد عند مشركي اهل مكة اعظم ذنبا من رسول الله صلي الله عليه و آله لانهم كانوا يعبدون من دون الله ثلثمائة و ستين صنما فلما جاءهم بالدعوة الي كلمة الاخلاص كبر ذلك عليهم و عظم قالوا اجعل الآلهة الها واحدا الي قوله الا اختلاق فلما فتح الله علي نبيه مكة قال يا محمد انا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك و ما تأخر اي عند اهل مكة و قريش يعني ما تقدم قبل الهجرة و بعدها فانك اذا فتحت مكة بغير قتل لهم و لا استيصال و لا اخذهم بما قدموا من العداوة و القتال غفروا ما كان ( كانوا خل ) يعتقدونه ذنبا لك عندهم متقدما و متأخرا و ماكان يظهر من عداوته لهم في مقابلة عداوتهم له فلما داره ( رأوه خل ) قد تحكم و تمكن و مااستقصي غفروا ما ظنوه من الذنوب و ثانيهما ما روي عن الصادق عليه السلم كما رواه القمي انه سئل عليه السلم عن هذه الآية فقال ( فقال لا خل ) والله ماكان له ذنب و لاهم بذنب و لكن الله حمله ذنوب شيعته ثم غفرها له و عنه ايضا عليه السلم في هذه الآية قال والله ماكان له ذنب و لكن الله سبحانه ضمن له ان يغفر ذنوب شيعة علي عليه السلم ما تقدم من ذنبهم [ص 27] و ما تأخر ه ، و ذلك لانهم عليهم السلم جعلوا شيعتهم منهم كما قال الحجة عليه السلم اللهم ان شيعتنا منا خلقوا من فاضل طينتنا و عجنوا بماء ولايتنا الدعاء ، فجعلوا معصية شيعتهم معصيتهم لكمال الاتصال الذي بينهم لان مرجع العبد الي سيده و معوله الي مولاه و كل الشيعة عبيد لمحمد و آله صلي الله عليه و آله و محسوبون منهم فجعلوا سلام الله عليهم ذنوبهم منسوبة اليهم فاستغفروا الله عنها فغفرها الله لهم فقال ليغفر الله ما تقدم من ذنبك اي من ذنب شيعة علي عليه السلم من آدم الي زمانه عليه السلم لانهم كلهم من شيعة علي لانه عليه السلم كان وليا و الآدم ( آدم خل ) بين الماء و الطين و كذلك محمد صلي الله عليه و آله كان نبيا و آدم بين الماء و الطين فالمؤمنون من كل امة مع انبيائهم من امة محمد و شيعة علي صلي الله عليهما و ان من شيعته لابرهيم و ما تأخر الي يوم القيمة و في هذا المقام تفصيل لايسع الوقت لذكره و المغفرة العامة لكل الشيعة ان لايدخل احدا منهم النار الاصلية و ان ادخل بعضهم النار التي في الحظاير تطهيرا لدرن ذنوبهم و استيهالا لدخول الجنة و لذا قال مولينا الصادق عليه السلم في قوله تعالي ما لنا لانري رجالا كنا نعدهم من الاشرار اتخذناهم سخريا ام زاغت عنهم الابصار قال عليه السلم والله لايرون منكم مائة و لايرون منكم خمسين و لايرون منكم عشرة بل و لايرون منكم واحدا ( احدا خل ) انكم في الجنة تحبرون و في النار تطلبون .