قال سلمه الله تعالي : و ما معني قوله تعالي هو الذي في السماء اله و [ص 28] في الارض اله .
اقول يعني انه سبحانه القيوم الصمد في كل اوان و مكان لمتغيره الازمنة و الدهور فهو هو في عز صفاته في كل زمان و مكان لميتغير بتغير المكان و لمينتقل و لميختلف بزيادة و لا نقصان سبحانه و تعالي بل هو الله في السماء و هو الله في الارض و هو الله في المشرق و المغرب و هو الله في الجنوب و الشمال و هو الله سبحانه في كل مكان و كل حال لميخل منه مكان و ليس في مكان و لميغب عنه زمان و لايشمله زمان و هو الله في السماء و الارض و لايتوجه اهل السماء و الارض الا اليه سبحانه بنسبة واحدة و قد روي ان اربعة املاك التقوا احدهم من اعلي الخلق و احدهم من اسفل الخلق و احدهم من شرق الخلق و احدهم من غرب الخلق فسئل بعضهم بعضا فكلهم قال من عند الله ارسلني بكذا و كذا انتهي ، فهو سبحانه الذي في السماء اله اي معبود فيها و في الارض اله اي معبود فيها يعني هو المعبود في السماء و الارض و كل مكان و زمان ( زمان و مكان خل ) لا اله الا هو و هذا ظاهر ان شاء ( شاء الله خل ) تعالي .
قال سلمه الله تعالي : و ما معني قول المعصوم عليه السلم نحن وجه الله الذي يؤتي منه و لولانا لميعرف الله و لميعبد الله .
اقول قد ذكرنا فيما سبق ان الله سبحانه كان من غير اقتران بزمان و لا مكان و لميكن شيء و هو الآن علي ما عليه كان ثم اخترع بمشيته محمدا و آله صلي الله عليهم هياكل انوار ناطقة بحمده و قدسه و الثناء [ص 29] عليه فتلألأت من نور ثنائهم علي الله عز و جل انوار اخر فخلق الله سبحانه من تلك الانوار حقايق الانبياء عليهم السلم بسؤالهم و طلبهم و قسمها الي مائةالف و اربعة و عشرينالفا و كل هؤلاء الانوار متقومة بنور محمد و آله صلي الله عليه و آله كتقوم اشعة الشمس بها فاوحي الله سبحانه الي الانبياء التكاليف و الشرايع التي يعبدون الله بها بواسطة محمد و آله صلي الله عليه و آله فكان الانبياء عليهم السلم لايتوجهون الي الله الا بهم و هو سبحانه لايمدهم في وجودهم و في تكليفهم ( و تكليفهم خل ) الا بمحمد و آله صلي الله عليهم فهم عليهم السلم باب الله الي الانبياء عليهم السلم و بابهم الي الله و الباب و الوجه واحد ثم ان الله سبحانه خلق من نور الانبياء حقايق الشيعة المؤمنين باختيارهم ذلك عن الله تعالي فاوحي اليهم الشرايع و التكاليف بواسطة الانبياء بواسطة محمد صلي الله عليه و آله فكان لاينزل اليهم حكم من الله الا بواسطتهم الاتري السراج فانه لاينزل حكم من النار الي الاشعة الا بواسطته فكذلك ( فكذا خل ) محمد و آله صلي الله عليه و آله قد خلقهم الله سراجا وهاجا فاستضاء بنورهم عليهم السلم كلما كان و يكون فلولاهم لميكن شيء فبهم تشيئت الاشياء و تذوتت الذوات و عرفت الاشياء خالقها و باريها و كيفية عبادتها لخالقها و رازقها فلا احد من الاولين و الآخرين عرف الله الا بهم و لا احد عبد الله الا بدلالتهم اما الانبياء عليهم السلم فقد اخذوا عنهم معالم دينهم و براهين توحيدهم و اقروا بولايتهم و اما ساير الامم فعن انبيائهم اخذوا فرجع الامر اليهم صلي الله عليهم و اما الملئكة [ص 30] فقد دلت الروايات المتكثرة انهم قد تعلموا معرفة الله عنهم عليهم السلم و تعليم علي عليه السلم لجبرائيل من المشهورات المقبولة فهم عليهم السلم وجه الله لكل مخلوق و كلهم يتوجهون الي الله عز و جل بهم قال علي عليه السلم نحن الاعراف الذين لايعرف الله الا بسبيل معرفتنا و في الزيارة من اراد الله بدء بكم و من وحده قبل عنكم و من قصده توجه بكم ، و كذلك العبادة ماعرفت كيفيتها الا بهم صلي الله عليهم فلولاهم ماعرف الله و لاعبد الله .
قال سلمه الله تعالي : و نور نبينا محمد صلي الله عليه و آله و عترته الاخيار عليهم السلم في كم من الاصلاب و هل كانوا في اصلاب اولي العزم ام غيرهم و علي ( فعلي خل ) الاول ان موسي و عيسي لميكن لهما اولادا .
اقول قد وقع الخلاف في ذلك بعد اجماعهم علي آبائه صلي الله عليه و آله الي عدنان و عنه صلي الله عليه و آله من لميعرف آبائي الي عدنان فهو ناقص الايمان ، لكون آبائه صلي الله عليه و آله الي عدنان معروفين متفقا عليهم و اما ما فوق عدنان الي آدم عليه السلم فاختلف اهل التواريخ فيه اختلافا شديدا و ذكر المجلسي في بعض كتبه ان هذا الترتيب هو المشهور و هو محمد صلي الله عليه و آله ابن عبدالله بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبدمناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لوي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان بن اد بن اذر بن اليسع بن الهميسع بن سلامان بن النبت بن حمد بن قيدار بن اسمعيل بن ابرهيم الخليل عليه السلم بن تارخ بن ماهور بن شروغ ( تارح بن ماخور بن شروع خل ) بن ارغون بن فالغ ( فانع خل ) بن عابر بن شالح بن ارفخشد بن سام [ص 31] بن نوح عليه السلم بن ملك بن متوشلخ ( متوشلح خل ) بن اخنوخ بن اليارد بن مهلائيل بن فينان ( قينان خل ) بن انوش بن شيث بن آدم عليه السلم و كان عليه السلم في صلب نبيين من اولي العزم و هما نوح و ابرهيم عليهما السلم و هما اشرف الاربعة اتفاقا و اما تفضيل احدهما علي الآخر فاختلفوا لكن المختار عند شيخنا اطال الله بقاه ان نوحا افضل من ابرهيم لقوله تعالي في الظاهر و ان من شيعته لابرهيم فان الضمير يرجع الي نوح عليه السلام .
قال سلمه الله تعالي : لم لايجوز البقاء علي تقليد المجتهد بعد موته و لم لايجوز تقليد المجتهد و هو ميت .
اقول اعلم ان صاحب الشريعة و الدين هو الامام عليه السلم قد نصبه الله عز و جل علما لهداية الخلق كلهم فهو عليه السلم عنده الحكم و الامر و العزايم و الرخص و غيرها فان كان حاضرا ظاهرا مسموع الكلام نافذ الحكم فيلقي الي كل احد من الرعايا حكمه و يعطي كل ذي حق حقه و ان كان غائبا محتجبا عن ابصار الخلايق لاقتضاء المصالح فيلقي احكامه و شرايعه الي المكلفين من وراء الحجب و الوسايط فاذا اقتضت الحكمة الاختلاف يجعل تلك الحجب اي الحملة مختلفة و علي كل حال فالحكم للامام عليه السلم و عنده و في يده و المجتهد في زمان الغيبة حامل ذلك الحكم عنه عليه السلم يؤدي الي شيعته و غنمه عليه السلم كالمرآة التي هي حاملة لظهور المقابل حيث لايمكن الظهور الا بها فمهما تلك المرآة موجودة فهي حاملة للظهور فيتوجه بها اليه و اما اذا تكسرت ( انكسرت خل ) او ارتفعت فبطل الحمل و الحكاية فلا ظهور فيها فلايمكن ان يتوجه بها حال [ص 32] انكسارها الي المقابل فكذلك ( فكذا خل ) المجتهد حامل لحكم الامام عليه السلم الي الرعية في هذه الدنيا في مقام احتجاب الامام عليه السلم عن الرعية فمهما هو في هذه الدنيا فهو حامل يصح الاخذ عنه و الالتفات اليه لانه حينئذ يحكي عن الامام عليه السلم فاذا مات بطلت حامليته و حكايته فلايظهر نور الامام عليه السلم فيه فلايصح الاخذ عنه و الالتفات اليه و لذا قال عليه السلم كذلك يموت العلم بموت العلماء ، فافهم هذا الدليل الوجداني القطعي و تدبر فيه و لاتكثر المقال فان العلم نقطة كثرها الجهال و اذا اردت الدليل من جهة المجادلة بالتي هي احسن فاعلم ان الاصل هو عدم التقليد مطلقا و قد ثبت علي هذا الاصل الحلبيون حيث انكروا التقليد رأسا و اوجبوا الاجتهاد عينا لكنا نقول ان غاية ما ثبت من الادلة الشرعية تقليد الحي و اما تعميم التقليد حتي يشمل تقليد الميت فلا دليل عليه شرعا فنقف علي حد ما قام عليه الدليل شرعا مع ان ( ان معظم خل ) الاصحاب بل جلهم علي عدم الجواز و لميكن جواز العمل بقول الميت الا شعارا لعامة المخالفين و قد نقل اجماع الشيعة علي عدم الجواز و قال الشهيد في المسالك قد صرح بذلك الاصحاب في كتبهم المختصرة و المطولة و في غيرهما باشتراط حيوة المجتهد في جواز العمل بقوله و ان الميت لايجوز العمل بقوله و لميتحقق الي الآن خلاف ممن يعتد بقوله من اصحابنا و ان كان للعامة في ذلك مشهور و قال صاحب المعالم العمل بفتاوي الموتي مخالف لما يظهر من اتفاق علمائنا علي المنع من الرجوع الي فتوي الميت مع وجود المجتهد [ص 33] الحي انتهي ، و لو لميكن الا كون العمل علي قول الميت شعارا للعامة كان كافيا في عدم الجواز لما قد صح من ان الرشد في خلافهم مع ان الآيات و الروايات الدالة علي التقليد كلها مشعرة بل ظاهرة في الحي مثل قوله تعالي فلولانفر من كل فرقة الآية ، فانه ظاهر في حيوة المنذر المبين و قوله تعالي فاسئلوا اهل الذكر فان الميت ليس من اهل الذكر و انما هو في اقليم غير اقليمنا فلاينفع ذكره هناك لنا هنا لان حكم الاقليمين مختلف قطعا فافهم و قوله عليه السلم انظروا الي رجل منكم روي حديثنا الحديث ، فان الظاهر منه النظر الي الحي و بالجملة هذا مما لا اشكال فيه فلايلتفت اذن الي قول من دخلت عليه الشبهة من كثرة تتبع اقوال المخالفين و قال بجواز تقليد الميت فانه قول بغير دليل و ما ذكروا من الادلة كلها ضعيفة فلايقاوم ما ذكرنا اذ اعظم ما عندهم امران احدهما لزوم الحرج و العسر لو لمنقل بجواز تقليد ( تقليد المجتهد خل ) الميت لان كثيرا من الازمنة و الامكنة تخلو عن المجتهد فلو لميجز لزم الحرج و ثانيهما ان قول المجتهد الميت يفيد الظن فيجب العمل به لعموم ما دل علي حجية الظن و الجواب اما عن الاول فبالمنع منه فان الله عز و جل يأبي كرمه ان يجعل عبيده بغير علم هداية و دليل رشد الا انهم يقصرون في الطلب و الاهتداء و قد قال عز و جل الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا و لو فرضنا خلو زمان و مكان عن المجتهد الحي فلايلزم من دفع الحرج القول بتقليد الميت لمكان الواسطة و هي الاحتياط او القول بالمشهور او التحري او غير ذلك مما بينه ائمة الهدي [ص 34] عليهم السلم عند الاضطرار و اما عن الثاني فبالمنع من حجية الظن مطلقا فانه لايغني من الحق شيئا الا اذا كان مستندا الي الكتاب او السنة او الاجماع او العقل المتفق عليه و لا ريب ان حجية الظن المستفاد من قول الميت تقليدا لاتستند الي شيء مما ذكرنا فلا حجية في هذا الظن و الحاصل ان هذا قول حادث في اصحابنا فلايلتفت اليه بوجه لعدم مساعدة الدليل و كذلك لا فرق بين التقليد الابتدائي او البقاء علي التقليد السابق لعموم ما دل علي حرمة تقليد الميت و اما ما جوزه بل اوجبه بعض العلماء متمسكا بالاستصحاب بان الحكم الشرعي من الوجوب و الندب و غيرهما قد تعلق بالمقلد بتقليده و لميعلم كون الميت و افعاله ( الميت رافعا له خل ) فالاصل بقائه او ان تقليد المقلد قد صح في حال حياة المجتهد فالاصل بقائه بعد موته فباطل فان الاستصحاب انما يجري اذا كان الموضوع باقيا و اما اذا تغير فلا كما نحن فيه لان المقلد في معرفته للاحكام ليس مستقلا و انما هو فرع و مستند الي غيره فاذا ذهب الاصل و تغير فالفرع بالطريق الاولي فان ما يعرف المقلد نور وقع عليه من ذلك المجتهد فاذا هلك المجتهد فلايبقي نوره كمن وقف مقابلا للشمس فاستنار بنور الشمس فاذا غابت الشمس فلايبقي النور علي ذلك المستنير فاذا حصل التغير في الموضوع بطل حكم الاستصحاب و بالجملة دليل المجادلة بالتي هي احسن لايوقف الانسان علي اليقين و البصيرة التامة و الذي يوصل الانسان الي البصيرة التامة هو دليل الحكمة و انا قد اشرت لك اليه في المقامين فتدبره فانك تجد الامر واضحا ان شاء الله و لايمكنني [ص 35] الاطناب في المقال لما انا عليه من ( من علة خل ) تهجم الامراض .
قال سلمه الله تعالي : و ما الثمرة في قتل يزيد بن معوية يوم القيمة اذ جهنم اشد عذابا من القتل و هذا ينافي ايضا ان يوم القيمة ليس فيه موت .
اقول ان هذه القيمة هي القيمة الصغري و هي رجعة آلمحمد عليهم السلم يخرج يزيد بن معوية و جميع اصحابه و انصاره و اعوانه علي قتل الحسين سيد شباب اهل الجنة عليه السلم و ذلك حين خرج الحسين عليه السلم و الثمرة فيه طلب القصاص و تشفي صدر الشيعة و الانصار الذين ( الذي خل ) قتلوا مع الحسين عليه السلم و هذا رجوع و بعث الي الدنيا ليستكمل السعداء ما اعد الله لهم من النعيم المقيم في الدنيا و يستكمل الاشقياء ما اعد الله لهم من الخسران و العذاب في الدنيا و ليستولي اولياء الله علي اعداء الله في الدنيا و اما الآخرة فلها حكم آخر و العذاب ( لعذاب خل ) الآخرة اشد و ابقي و اما هذا الرجوع لاستيفاء الحقوق الدنياوية و يعذبونهم اذا رجعوا بكل العقوبات الدنياوية بايدي المؤمنين لتشفي صدورهم منهم حتي ورد انهم يقتلون لكل مؤمن سبعينالف قتلة و اما القيامة التي ليس فيها موت هي يوم الفزع الاكبر و يوم يحشرهم فلايغادر ( فلانغادر خل ) منهم احدا فهنالك يذبح الموت علي صورة كبش املح و يرجع كل شيء اصله قال تعالي و ان الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون .
قال سلمه الله تعالي : و الاموات الذين لميمحضوا الايمان و لا الكفر [ص 36] الاحاديث تدل علي انهم لايحاسبون في القبر فهل ارواحهم تبقي مع اجسادهم في حفرهم الي يوم القيمة ام يخرجون في الرجعة ام تروح الي الجنة ( جنة خل ) الدنيا ام الي النار و هل المراد بهم اهل الكباير من الشيعة ام مطلق العصاة منهم ام غيرهم .
اقول اعلم ان الناس علي ثلثة اقسام الاول قوم طلبوا الحق و عرفوا الحق و قبلوا الحق و عملوا الحق فثبتهم الله بالقول الثابت في الحيوة الدنيا و الآخرة فهم لايزالون مطمئني ( مطمئنين خل ) القلب باردي الفؤاد لايضطربون في امر دينهم و لايشكون و لايرتابون اولئك الذين كتب الله في قلوبهم الايمان و ايدهم بروح منه الثاني قوم اعرضوا عن الحق و مالوا عنه الي الباطل و عاندوه لما ظهر لهم و انكروه حيث تبين لهم كما قال عز و جل يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها و اكثرهم الكافرون فخذلهم الله و طبع علي قلوبهم و ختم علي سمعهم و جعل علي ابصارهم الغشاوة ( غشاوة خل ) و لهم عذاب عظيم اولئك الذين لهم قلوب لايفقهون بها و لهم اعين لايبصرون بها و لهم آذان لايسمعون بها اولئك كالانعام بل هم اضل و اولئك هم الغافلون الثالث قوم غلبت عليهم الاعراض و الرطوبات و تراكمت عليهم الميولات المتدافعة المتعارضة فقعدت بهم عن الادراك و المعرفة ، فطائفة وافقوا الاولين من غير علم و بصيرة و قالوا بقولهم و سلكوا مسلكهم بظاهر العمل و الاخري وافقوا الآخرين كذلك و قالوا بقولهم و سلكوا مسلكهم بظاهر العمل و القول او انه مااستقرت لهم طريقة كالمجانين و الذين لميسمعوا صيت الاسلام و الذين ماتوا في زمن [ص 37] الفترة و امثالهم فالقسم الاول قد حكم الله سبحانه عليهم في ظاهرهم و باطنهم فاذا قبضت ارواحهم انفتحت لها ابواب السماوات حتي صعدت الي تحت العرش فتسجد لله تحت عرشه ثم ترجع الي حفرتها فبعد سؤال منكر و نكير بعد رومان فتان القبور تأوي الي جنة الدنيا جنة هورقليا في جهة المغرب و يبقي جسده في قبره يفتح له باب من الجنة فيأتيه هناك من روح الجنة فيتنعم الي ان يأتي اوان الرجعة فيرجع الي الدنيا من اراد الله فهؤلاء ( هؤلاء خل ) هم ماحضوا الايمان محضا و اما القسم الثاني فهم في مقابلة القسم الاول في جميع ما ذكرنا فتعذب ارواحهم بعد موتهم في عيون بقر و في بلهوت في وادي برهوت عند عين الشمس في المشرق و يفتح باب من النار في قبره يعذب فيه جسده الي رجعة آلمحمد صلي الله عليه و آله فيرجع الله سبحانه الارواح الي الابدان فيخرجها للعذاب و النكال نعوذ بالله من سخط الله و هؤلاء هم اصحاب الشمال و ماحضوا ( الشمال ماحضوا خل ) الكفر محضا و اما القسم الثالث فهؤلاء يبقون في قبورهم و يلهي عنهم الي يوم البعث فارواحهم و ابدانهم في حفرهم ( حفرتهم خل ) و لهم مراتب علي حسب تنبههم في هذه الدنيا فمنهم من يخد لهم خدا من الجنة في قبورهم يأتيهم منها روح ان كان من اهل الايمان في ظاهر اعمالهم و منهم من يخد له من النار في قبورهم فيأتيهم منها عذاب علي مقدار كفره و انكاره و منهم من لايشعرون بشيء الي يوم القيمة و هؤلاء هم الذين لميمحضوا الايمان و لا الكفر و هذه حالهم الي يوم القيمة كما دلت عليه الروايات كما [ص 38] عن الباقر عليه السلم في الكافي و تفسير علي بن ابرهيم و هؤلاء لايرجعون في الرجعة و لايدخلون جنة الدنيا و لا نارها و لا اختصاص لهم باهل الكباير من الشيعة لانهم قد يكون ( يكونون خل ) من العارفين و هؤلاء يعذبون اغلبهم في البرزخ كما عن الصادق عليه السلم انا نخاف عليكم في البرزخ و كذا لا اختصاص لهم بالعصاة بل كثيرا ما يتفق ان الرجل تراه في الظاهر عابدا زاهدا يتجنب المعاصي و هو من الذي لميمحض الايمان و لا الكفر و نظايره كثيرة و كذا العكس بل القاعدة فيهم ما ذكرنا لك انه دخل في الشيء من غير بصيرة و هو يكون من الشيعة و من غيرهم من ساير الملل و الفرق من اهل الاسلام و غيرهم من ساير الكفار و هؤلاء يجدد ( يتجدد خل ) لهم التكليف في القيمة اما الي الجنة او الي النار قال ( قال الله خل ) عز و جل و آخرون مرجون لامر الله اما يعذبهم و اما يتوب عليهم .
قال سلمه الله تعالي : و ما معني تطاير الكتب يوم القيمة .
اقول اعلم ان العبد اذا مات فادخل في قبره يأتيه ملك اسمه رومان فتان القبور فيقول له اكتب فيقول الميت اي شيء اكتب يقول اكتب اعمالك فيقول ما عندي مداد يقول ريقك و يقول ما عندي قلم يقول اصبعك و يقول العبد ما عندي قرطاس يقول قطعة من كفنك فيقول مااذكرها يقول انا اذكرك اياها فيملي عليه و هو يكتب فلايدع صغيرة و لا كبيرة الا احصيها ثم يطوق ذلك الكتاب في عنقه فيكون عليه ثقل جبل احد فان كان مملوا من الحسنات يستر لها ( بها خل ) و ان كان مملوا من السيئات كان ذلك اول عذابه و هو قوله تعالي و كل انسان الزمناه طائره في عنقه [ص 39] و نخرج له يوم القيمة كتابا يلقيه منشورا اقرء كتابك كفي بنفسك اليوم عليك حسيبا فاذا كان يوم القيمة تطايرت الكتب فمن كان محسنا اتاه كتابه من وجهه و اخذه ( اخذ خل ) بيمينه و من كان مسيئا اتاه كتابه وراء ظهره و ضربه و خرق ظهره و خرج من صدره و اخذه بشماله فيقفون صفا جميع الخلايق بين يدي كتاب الله الناطق صلوات الله عليه و هو الذي يعرض عليه الاعمال فينطق علي الخلايق بما كانوا يعملون و كل ينظر في كتابه فلايخالف حرف حرفا و هو يقول قولا واحدا و هو قوله تعالي و تري كل امة جاثية كل امة تدعي الي كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق انا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون لانه كانت اعمال الخلايق تعرض عليه في دار الدنيا .
قال سلمه الله تعالي : و هذا الدود الذي يأكل لحوم الاموات في القبر هل يحييه الله في ( الله تعالي يوم خل ) القيمة ثم يعود لحما كما كان ام يضمحل و يكسيها الله غيره .
اقول ان كل شيء له اعراض تعرض عليه من الامور و الاوضاع الخارجية و له ذات و تأصل بها هو هو لايمكن له تحقق بدونها و منه الاجساد التي في القبور فان لها اجزاء ذاتية و اجزاء عرضية اما الذاتية فانها تبقي في القبر و لا لاحد تسلط عليها من الجن و الانس لانها فوق هاضمة اهل الدنيا و اما الاعراض فهي التي يتصرف فيها فالدود الذي يأكل لحوم الاموات مايأكل من الاجزاء الذاتية التي هي الطينة الاصلية فانه قد روي عن الصادق عليه السلم بانها تبقي في القبر مستديرة لكنها [ص 40] لاتري لشدة صفائها و كمال نورانيتها و انما يأكل من الاجزاء العرضية و تلك ايضا ليست جزء ذاتيا له فاذا اعيد يوم القيمة يعاد علي ما هو عليه من الذاتيات الاصلية فاذا اكل الانسان او السبع او غيره جميع لحوم اهل الارض فلاترجع الا الي التراب و يعود كل واحد منهم في ( في يوم خل ) القيمة علي ما هو عليه من اللطايف الذاتية لانهم مااكلوا من الجسد الذاتي الحقيقي و انما اكلوا من الاعراض فاذا عاد كل شيء الي اصله رجعت الاعراض الي اصولها و مباديها و كذلك الذوات و الجواهر فكل شيء من جسم او جسد او روح او نفس او غير ذلك له ذاتيات لاتفارقه لانها كينونته و له اعراض تفارقه و لما كانت هذه الدنيا دار تكليف و امتحان اختلطت الاعراض مع الذاتيات و الآخرة لما كانت دار التصفية و رجوع الاشياء الي مباديها و اصولها ترجع الاشياء الي كينوناتها الاصلية و تصفي الاعراض و الغرائب كالذهب المغشوش و الذهب المصفي فجسد الانسان يحشر يوم القيمة علي ما هو عليه في الذات و الاصل لان الدود مثلا او السبع مااكلا من الاجزاء الذاتية و انما اكلا من العرضية و الاعراض ليست داخلة في حقيقة الذات حتي لايتم بدونها و الدود و السبع ايضا يحشران علي ما هما عليه في الدنيا فكلما من ذاتيات لحوم الانسان رجعت اليه لانها فوق هاضمة الدود و السبع و كلما هو من عرضياته ترجع الي التراب فافهم فاني كررت العبارة لاجل التفهيم .
قال سلمه الله تعالي : و هل جنة الآخرة و النار موجودتان في الدنيا ام في الآخرة ينشئان و هل يكونان في السماء ام في الارض .
[ص 41] اقول لا شك انهما موجودتان الآن و قد دخلهما النبي صلي الله عليه و آله ليلة المعراج و اخبر الله عز و جل بوجودهما في كتابه العزيز في غير موضع و لاينشئان في الآخرة و الا لزم وجود الاشرف بعد الاخس بل ليس في هذه الدنيا نور و رحمة و خير و لذة الا من الجنة التي في الآخرة و كذلك الشرور بالنسبة الي النار و قد روي ان هذه النار التي في ( في هذه خل ) الدنيا قد اخذت من نار جهنم اخذها جبرئيل عليه السلم و غسلها في الكوثر سبعين مرة و الا لاحرقت الدنيا و ما فيها و بالجملة وجودهما من ضروري المذهب لايختلف احد من الشيعة فيه و اما قولكم في الدنيا فاعلم انهما موجودتان في باطن باطن الدنيا فلو كانتا في الدنيا لماكان فرق بين الدنيا و الآخرة و انما قلت باطن الباطن لان باطن الدنيا هو البرزخ و فيه جنة الدنيا و نارها و باطن البرزخ و غيبه جنة الآخرة و نارها فاذا اردت ان تعرف ذلك فاعلم انك نسخة العالم الاكبر كما قال اميرالمؤمنين عليه السلم :
و تزعم انك جرم صغير و فيك انطوي العالم الاكبر
و انت الكتاب المبين الذي باحرفه يظهر المضمر
فانظر في نفسك فانك انت الذي في الدنيا فانت ( و انت خل ) الذي في البرزخ و انت الذي في الآخرة و ليس الذي في البرزخ غير الذي في الدنيا و كذا الذي في الآخرة غير الذي في البرزخ و الدنيا و الا لبطل الثواب و العقاب فكذلك العالم الاكبر بعينه فيكون عالم البرزخ غيبا لهذه الدنيا و الآخرة بجنتها و نارها غيبا و باطنا للبرزخ فنسبة جنة الدنيا و نارها الي نعيم [ص 42] الدنيا و اليمها نسبة السبعين الي الواحد و نسبة جنة الآخرة و نارها اليها نسبة الاربعة الآلاف و التسعمائة الي الواحد و اما قولكم انهما في ( قولكم في خل ) السماء او الارض فقد اشرنا الي حقيقة الجواب و نقول ايضا كيف يمكن ان يكونا في الارض او السماء من السموات السبع مع ان ادني ما يؤتي لاحد في الجنة جنة عرضها عرض السموات و الارض كما قال عز و جل و سارعوا الي مغفرة من ربكم و جنة عرضها السموات و الارض و في الحديث ان المؤمن اذا ادي زكوة ماله يخلق الله سبحانه فرسا كاحسن جواد في الدنيا فيقال للمؤمن ( للمؤمن هذا الفرس خل ) اركب هذا الفرس و اركض في ارض الجنة سنة فما بلغ جوادك فهو لك و انه يقطع في اقل من طرفة عين ( العين خل ) بقدر الدنيا سبع مرات ، تأمل في هذا الحديث بعين البصيرة و انظر كيف يمكن للدنيا ان تسع جنة الآخرة و نارها فجنة الآخرة في باطن الكرسي الذي قال عز و جل وسع كرسيه السموات و الارض و سقفها عرش الرحمن كما في الحديث و نار الآخرة تحت الارض السابعة السفلي بل تحت الصخرة و الثور و الحوت و البحر و الريح العقيم نعوذ بالله من النار .
قال سلمه الله تعالي : و كيف يجوز علي الله تعالي ان يعذب الجمادات و هي لاتعقل حين اتخذت اصناما اذ من شأن من يعقل ان يكون له قابلية الامتناع فهي لو فرض لها ادراك في الجملة و بحسبها فهي مجبورة علي ذلك من الخلق و علي تقدير تعذيبها فهل تعذب في الجهنم ( جهنم خل ) ام نوع آخر من العذاب و الطايع منها في الجنة يجزي ام نوع [ص 43] آخر من النعيم و علي الاولين فما الفرق بين البشر و بينها و كيف صورة حسابها .
اقول قد دل العقل و النقل علي ان كل ذرة من ذرات الوجود باي نوع من انواعه لها شعور و اختيار و قبول و امتناع كما قال عز و جل في الجماد انا عرضنا الامانة علي السموات و الارض و الجبال فابين ان يحملنها و اشفقن منها فاثبت الله عز و جل لها الامتناع و عدم القبول و الاشفاق و الخوف و هو سبحانه اصدق القائلين و قال عز و جل فقال لها و للارض ائتيا طوعا او كرها قالتا اتينا طائعين فاثبت عز و جل لها القبول و الطاعة و المحبة فكل ذي شعور يحب ( يجب خل ) ان يكلف و الا لكان خلقه عبثا و وجوده مهملا و كل مكلف يجري عليه الثواب و العقاب و الحشر و النشر فظهر ان الله عز و جل يعذب الجمادات بسوء اختيارها و عدم قبولها لطاعة ربها و اما الاحجار التي تؤخذ اصناما فانما تعذب لرضاءها بان تعبد من دون الله عز و جل فان الذين عبدوا من دون الله سبحانه علي قسمين قسم ماكانوا راضين بذلك و يرون انفسهم عبيدا اذلاء كمولينا علي بن ابيطالب و الائمة عليهم السلم و عيسي بن مريم عليهما السلم و الملئكة و امثالهم و قسم رضوا بذلك و فرحوا به كفرعون و شداد و الشمس و القمر و بعض الاحجار التي اتخذت اصناما و قد اشار سبحانه و تعالي الي القسمين فقال عز و جل انكم و ما تعبدون من دون الله حصب جهنم انتم لها واردون فاشار الي القسم الثاني ثم قال عز و جل ان الذين سبقت لهم من الله الحسني اولئك عنها مبعدون فماعذبت [ص 44] الاحجار حين اتخذت اصناما الا لرضاءها بذلك و قد اشار الله اليه بقوله تعالي لو كان هؤلاء آلهة ماوردوها بضمير العقلاء لانها لو لمتكن لها عقول لقال ماوردتها و انما قال ماوردوها للدلالة علي ان لها عقولا فاذا ثبت ان لها عقول و شعور ( عقولا و شعورا خل ) فهل رضيت بان يعبدوها من دون الله ام لا فان رضت ( رضيت خل ) فهو الذي قلنا لك و ان لمترض فالله سبحانه اعز و اكرم من ان يعذب من يقال فيه شيء لايحبه بمجرد القول فيه فعلي هذا يلزم ان يعذب عيسي بن مريم و الملئكة عليهم السلم حيث عبدوهم فثبت ان العذاب انما هو لرضاءها و طلبها ان تعبد من دون الله و اما قولكم ليس لها قابلية الامتناع فقد صرح الحق سبحانه بان لها قابلية الامتناع بل امتنعت حين ( حيث خل ) عرضت عليها الامانة لان يقبلها ثم انها لو امكن اجبارها و ليست لها قابلية الامتناع فلأي شيء لميكن ( لايمكن خل ) ان يبني الجدار من الماء السيال او يظهر الرطوبة من الحجر الصلد مثلا فلو امكن للخلق اجبارها فلم لايجبرونها فيما ذكرنا بل الاشياء كلها مختارة قابلة في احوالها و شئوناتها الا ان بعضها لضعفه مايمكنه اظهار الآثار المتضادة الا باعانة الامر الخارج و الكلام فيه طويل و الاشارة كافية لاهلها و اما ان تعذيبها في جهنم الخ ، فقد قال شيخنا و مولينا اطال الله بقاه و جعلني فداه ان القصاص من الجمادات و الاشجار فانه في الدنيا كما وردت به الاخبار الكثيرة مثل ان زمزم افتخرت علي الفرات فاجري الله فيها عينا من صبر و مثل قوله عليه السلم لو طغي جبل علي جبل لهده الله ، و امثال ذلك كثيرة و انما كانت عقوبة الجمادات مثل ما ورد ان الارض السبخة و [ص 45] الماء المالح و النبات المر كالبطيخ المر لما عرضت عليها ولاية محمد و اهل بيته صلي الله عليه و آله و لميقبل جعلت مرة و مالحة و انما جعلت عقوبتها في الدنيا لانها ليس لها اختيار كلي قوي فينتظر بها الي الآخرة ( بها الآخرة خل ) عسي ان ترجع بل اختيارها جزئي لايكاد يرجي رجوعها و انما اخرت عقوبة الاصنام الي الآخرة و ان كان اختيارها و ادراكها ( ادراكها و اختيارها خل ) جزئيا لاجل التبكيت لمن يعبدها من دون الله انتهي كلامه جعلني الله فداه و هو متضمن لجواب ما سئلت و صورة حسابها اعطاء ما سئلت و طلبت بلسان قابليتها حين ما عرضت عليها ولاية الائمة عليهم السلم فان بادرت بالقبول ( القبول خل ) جعلت طيبة طاهرة في الجمادات كالمعادن من الذهب و الفضة و الياقوت و امثالها و في الاشجار جعلت مثمرة حلوة نضرة و ان انكرت جعلت سبخة و مالحة و مرة كما مر .
قال سلمه الله تعالي : و ما السر في ان القمر بعد النصف من الشهر ينقص و يضعف حتي انه يري في اول كل شهر كما يري بعد ذلك النور العظيم و الشمس تبقي علي حالها و اين تذهب في الليل و ما يكون سبب انكسافهما .
اقول ان الشمس لما كانت خلقها الله سبحانه نيرة بذاتها مضيئة بجوهرها و الكواكب ما عديها كلها مستنيرة و مستضيئة ( مضيئة خل ) بها كانت حال الشمس لاتختلف في الغروب و الطلوع بزيادة النور و نقصانه و تختلف احوال الكواكب الاخر في ازدياد النور و نقصانه و لما كان القمر اقرب الكواكب الينا و اشد بياضا من غيره و اسرعها في الحركات كان تحس زيادة [ص 46] النور و نقصانه فيه دون ساير الكواكب و الوجه فيه ان الافلاك لما كانت مستديرة و بعضها اسرع حركة من الآخر لميكن للكواكب المركوزة فيها ان تكون نظراتها متسقة فتختلف بالسرعة و البطؤ لا محالة و القمر له مع الشمس اجتماع و افتراق فاذا اجتمع مع الشمس في درجة واحدة لايري للقمر نور لانه جرم كثيف و واقع تحت الشمس فيكون الطرف الذي يقابلنا مظلما و الوجه المقابل للشمس مستنيرا فاذا تحرك و تطرف استنار الطرف المقابل فكلما يبعد تظهر المقابلة للنور اكثر حتي اذا بعد عنها بنصف الفلك و هو نظر المقابلة في اصطلاح اهل النجوم يقابل الشمس بكل الوجه الذي يلينا و هو نهاية البعد عن الشمس و هي ليالي البيض و في هذه الليالي تقع الخسوف في العادة لان الارض يمكن ان تكون حائلة بين القمر و بين الشمس فينخسف القمر بقدر الحيلولة لاحتجاب نورها عنه بقدر الحيلولة فاذا تجاوز النصف يأخذ بالقرب من الشمس فيتطرف كما ذكرنا اولا فكلما يقرب اليها يضعف و ينقص حتي يقع تحت شعاع الشمس اي في درجتها بالمقابلة و المحاذاة حتي لايبقي له نور في الوجه الذي يلينا فاذا بعد عن درجة الشمس بقدر اثنيعشر درجة يقابل الشمس بطرف منه و لما كان شكل القمر مستديرا فيستنير قوسا من محيطه و هكذا كلما بعد زاد استنارة الي النصف كما ذكرنا و اما الشمس فليس نورها مكتسبا من الغير حتي تختلف حالاتها بمقابلتها مع ذلك الغير كالقمر فانه مستنير من الشمس و مكتسب عنها كما قال عز و جل هو الذي جعل الشمس ضياء و القمر نورا و اما قولكم اين [ص 47] تذهب في الليل فاعلم ان الشمس اذا غربت ترفع من سماء حتي ترفع الي السماء السابعة العليا حتي تكون تحت العرش فتخر ساجدة فتسجد معها الملئكة الموكلون بها ثم تقول يا رب من اين تأمرني ان اطلع من مغربي ام من مطلعي ( ام مطلعي خل ) فيأتيها جبرئيل بحلة ضوء من نور العرش علي مقادير ساعات النهار في طوله في الصيف او ( او في خل ) قصره في الشتا او ما بين ذلك في الخريف و الربيع فتلبس تلك الحلة كما يلبس احدكم ثيابه ثم ينطلق بها في جو السماء حتي تطلع من مطلعها هكذا ورد عن اهل بيت العصمة سلام الله عليهم و الحكماء يقولون ان الارض لما كانت مستديرة كثيفة و الفلك ايضا مستدير فاذا قابلت الشمس جزء من الارض يحدث من الارض بانعكاس نور الشمس ظل مخروط و هو الظلمة و هو الليل فاذا كانت الشمس فوق الارض بالنسبة الينا كان نهارا لنا و ليلا لما تحت الارض فاذا تحركت و مالت عن محاذاتنا كان ليلا لنا و نهارا بالنسبة الي ما يقابلنا و يحاذينا من الارض و هكذا لميزل يوم لطائفة و ليلة لآخرين و الشمس علي ما هي عليه و هذا القول لاينافي ما ذكرنا من الحديث و يطول الكلام بذكر رفع المنافاة و الاختصار اولي و اما سبب انكسافهما فقد ورد عن السجاد عليه السلم قال من الاقوات التي قدرها الله للناس مما يحتاجون اليه البحر الذي خلقه الله بين السماء و الارض و ان الله قد قدر فيه مجاري الشمس و القمر و النجوم و الكواكب ثم قدر ذلك كله علي الفلك ثم وكل بالفلك ملكا و معه سبعونالف ملك و هم يديرون الفلك فاذا اداروه دارت الشمس و القمر و النجوم و الكواكب [ص 48] معه فتنزلت في منازلها التي قدرها الله فيها ليومها و ليلتها فاذا كثرت ذنوب العباد و اراد الله سبحانه ان يستعتبهم بآية من آياته امر الملك الموكل بالفلك ان يزيل الفلك الذي عليه مجاري الشمس و القمر و النجوم و الكواكب فيأمر الملك اولئك السبعينالف ملك ان يزيلوا الفلك عن مجاريه فيزيلونه فتصير الشمس في ذلك البحر الذي يجري الفلك فيه فيطمس ضوءها و يتغير لونها فاذا اراد الله ان يعظم الآية طمس الشمس في البحر علي ما يحب الله ان يخوف خلقه بالآية فذلك عند شدة انكساف الشمس و كذلك يفعل بالقمر فاذا اراد الله ان يجليها و يردها الي مجراها امر الملك الموكل بالفلك ان يرد الشمس الي مجراها فيرد الملك الفلك الي مجراه فيخرج من الماء و هي كدرة و القمر مثل ذلك ثم قال السجاد عليه السلم اما انه لايفزع لهما و يرهب بهاتين الآيتين الا من كان من شيعتنا فاذا كان كذلك فافزعوا الي الله تعالي ثم ارجعوا اليه انتهي ، هذا هو قول الامام عليه السلم و هو اولي بالتصديق فاحمل كلما قال عليه السلم علي حقيقته و لاتتكلف فيه بصرفه الي المجاز فاقوال الحكماء ان كانت تطابق ما قال عليه السلم فصحيحة و الا فلا فلانطول الكلام بذكر ما قالوا و تطابقه بالحديث لان الحكماء تكلموا بلسان الظاهر و المجاز و اهل البيت عليهم السلم تكلموا بلسان الحقيقة فافهم .
قال سلمه الله تعالي : و لم كانت الشمس اشد حرارة من القمر و كيف ان الشمس في السماء الرابعة و نري نورها و حرارتها كذلك و هي جزء من سبعين جزء من نور العرش و العرش لمنره .
[ص 49] اقول روي علي بن ابرهيم في تفسيره عن الباقر عليه السلم قيل له لاي شيء صارت الشمس اشد حرارة من القمر فقال عليه السلم ان الله خلق الشمس من نور النار و صفو الماء طبقا من هذا و طبقا من هذا حتي اذا كانت سبعة اطباق البسها لباسا من النار ثم صارت اشد حرارة من القمر قيل و القمر فقال عليه السلم ان الله تعالي ذكره خلق القمر من ضوء نور النار و صفو الماء طبقا من هذا و طبقا من هذا حتي اذا كانت به سبعة اطباق البسها لباسا من ماء ثم صار ( صارت خل ) القمر ابرد من الشمس و اما العرش فهو مظهر العلة الفاعلية في الاجسام فهو من شدة صفائه و لطافته و قربه من مبدئه و كونه اعلي مراتب الاجسام كان لايظهر نورها لاهل العناصر و الكثافات الارضية و العرضية بذاته ( بذاته لها خل ) و انما يظهر بظهوراته و آثاره كالكواكب خصوصا الشمس فانها المظهر الاعظم لاهل السموات و الارضين كالروح فان آثارها لاتظهر في عالم الاجسام و الشهود الا بالجسد مع ان الجسد متقوم بالروح و لا نسبة لقوة نورانية الروح بظلمانية الجسد كذلك العرش فان اهل الارض من اهل العناصر لايمكنهم ان يشاهدوا نور العرش الا من وراء الحجاب كالشمس و القمر و ساير الكواكب و الا فلا شيء في الجسمانيات ( للجسمانيات خل ) الا و قد سري فيه نور العرش بل كل الجسمانيات انوارا ( انوار خل ) متلألأة من العرش و انما خفي لشدة ظهوره و استتر لعظم نوره و الابصار قاصرة عن مشاهدة تلك الانوار الا اذا خرج عن طور هذا العالم الحسني ( الحسي خل ) و دخل في الباب الملكي الصوري اذ هناك تظهر له الانوار العرشية و يشاهد استواء الرحمن عليه فافهم و [ص 50] الشمس جزء من سبعين جزء من نور الكرسي و الكرسي جزء من سبعين جزء من نور العرش فالشمس جزء من اربعةآلاف و تسعمائة جزء من نور العرش .
قال سلمه الله تعالي : و اي شيء اول ما خلقه الله و اطاعه و اي شيء اول ما خلقه الله و عصاه و اي شيء يبقي الي آخر الدنيا .
اقول اعلم ان الله سبحانه اول ما خلقه العقل نورانيا من الماء العذب الفرات فاستنطقه ثم قال له اقبل فاقبل ثم قال له ادبر فادبر فقال عز و جل و عزتي و جلالي ماخلقت خلقا احب الي منك و لااكملتك الا فيمن احب فالعقل اول ما خلقه الله كما قال صلي الله عليه و آله اول ما خلق ( خلقه خل ) الله عقلي و اول ما خلق الله القلم و اول ما خلق الله روحي ، و المراد من الكل واحد باعتبار و هو اول من وقع عليه الخطاب التكليفي بالاقبال و الادبار فامتثل امر الله و آمن و اطاع فجعله الله نبيا و جعل له الهيمنة علي كل الخلق و لذا كان عالمه عالم الجبروت و اما اول ما خلقه الله و عصاه فهو الجهل الكلي الذي في مقابلة العقل الكلي خلقه الله عز و جل ثم قال ( قال له خل ) ادبر فادبر ثم قال له اقبل فلميقبل فخالف امر الله و عصي حكم الله فلعنه الله و طرده فصار سبب طغيان كل الطغاة و علة عصيان كل العصاة و مبدء ظلمة كل الظلمات و لايعصي احد الا بوجه من وجوهه و اما الذي يبقي الي آخر الدنيا فهو ابليس خلقه الله عز و جل قبل آدم اول الدنيا ثم كلفه بالسجود لآدم عليه السلم فامتنع و ابي فلعنه الله و غضب عليه فاستنظره سبحانه الي يوم القيمة فانظره الله عز و جل [ص 51] الي يوم الوقت المعلوم و هو آخر الدنيا عند ظهور الجنتين المدهامتين عند مسجد الكوفة فيقتل و يموت لعنه الله و لهذا الكلام وجوه كثيرة و فيما ذكرنا كفاية لاولي الدراية .
قال سلمه الله تعالي : و ما معني قوله تعالي و كان ربك قديرا .
اقول الظاهر ان وجه الاشكال في اتيان الفعل بصيغة الماضي لان قدرته عز و جل هي ذاته و ذاته سبحانه و تعالي لايوصف بمضي و حال و استقبال لانه عز و جل فوق الزمان و المكان بلا نهاية الجواب ان الافعال المستعملة في الله سبحانه مثل قوله عليه السلم كان الله و لميكن معه شيء و امثال ذلك كلها منسلخة عن الزمان اذ لاتقع هذه العبارات علي الذات البحت و انما هي تعبيرات للدلالة و البيان و لايراد منها خصوصات ( خصوصيات خل ) الصيغة و لذا قال اميرالمؤمنين عليه السلم فان قيل كان فعلي معني ازلية ( ازليته خل ) الوجود انتهي ، فلايراد منه زمان الماضي حتي يرد الاشكال و القدرة قدرتان احديهما هي ذاته عز و جل بلا مغايرة لا فرضا و لا مفهوما و ثانيهما هي القدرة الفعلية و هي المتعلقة بالمقدورات و هي التي تقبل التشكيك كما في قوله عليه السلم في دعاء سحر اللهم اني اسئلك من قدرتك باوسعها و كل قدرتك واسعة اللهم اني اسئلك بقدرتك كلها ، و القدرة هي الهيمنة و التسلط علي كل شيء ممكن مما يحس و يجس و يتخيل و يتوهم و يتفكر و يتصور و يتعقل و يشاهد و يعرف بحيث لايشذ عنها شيء و هو واضح ظاهر ( ظاهر واضح خل ) ان شاء الله تعالي .
[ص 52] قد فرغ من تسويد هذه الاجوبة منشيها كاظم بن قاسم الحسيني يوم الاحد الرابع من شهر ذيالقعدة الحرام مع كمال اختلال البال و اغتشاش الاحوال و الله المستعان في المبدء و المآل من شهور سنة ١٢٣٥ .