رسالة في جواب بعض الاجلاء
من مصنفات السيد الاجل الاوحد المرحوم
السيد كاظم بن السيد قاسم الحسيني الرشتي اعلي الله مقامه
الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي خير خلقه محمد و آله الطاهرين المعصومين .
اما بعد فيقول العبد الجاني و الاسير الفاني كاظم بن قاسم الحسيني الرشتي انّه قد وردت عليَّ مسائل لبعض الاجلاء الطالبين السالكين لسبيل الحق و اليقين الذين ميّزوا الغثّ من السمين اعزّه الله و ابقاه و بلّغه اكمل ما يتمناه و اخذه بهواه الي رضاه و هي لعمري علي الواقع و الحقيقة كما يريد عزيزة المنال بعيدة الوصال و لقد اكثروا فيها المقال و اطالوا التشاجر و الجدال و لميبلغوا الي حقيقة الحال علي منوال آلمحمد المفضال عليهم سلام الله بالغدوّ و الآصال اذ سرّها و منشأها مبني علي نقطة العلم التي كثّرها الجهّال و قد اتت و انا في الغاية من تبلبل البال و تهجّم انواع الكلال و الملال و عروض الامراض المانعة من استقامة الحال و توفّر دواعي الاغتشاش و الاختلال و انا في هذه الاوقات و الاحوال كما قال الشاعر و نعم ما قال :
كم بجنبيّ للصبابة وادٍ كل يوم حمامة نوّاح
و قد احببت ان تأتيني في غير هذه الايام لاستوفي فيها الكلام و استقصي المرام و ابيّن ما هو الحق في المقام و اشير الي زلّة كثير من الاقدام و لكني الآن لفي واسع العذر فاكتفي بالاشارة و آتي بالتلويح بصريح العبارة اعتماداً علي ذلك الفهم العالي و الادراك السامي و اذكر السؤال بالفاظه و اذيّله بما منّ الله عليّ من الجواب لحصول المطابقة [ص 3] و تحقق الموافقة لان السؤال ذكر و الجواب انثي و الله المستعان .
قال سلمه الله تعالي بعد البسملة : الحمد لله الذي فضّل بني آدم و اكرم .
اقول يعني آدم الاول في الكون الاول الكون الامري الفعلي الاوّلي و الثانوي المفعولي و هو ذات الذوات و الذات في الذوات للذات و ذلك اول ما برز في الوجود من عالم الغيب و الشهود فامتاز الشاهد من المشهود و الموجود من المفقود و ظهرت العبادة بظهور المعبود و اكرمه الله سبحانه بالولاية المطلقة في الازلية الثانية و اقامه مقامه في ساير عالمه في الاداء اذ كان لاتدركه الابصار و لاتحويه خواطر الافكار و طهّره عن شوائب التظنين و صفّاه عن لواعج ● التغيير و التكييف و التحديد و هذه لعمري كرامة ما وراءها كرامة و سعادة مانالها غيره من اولي المكانة ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء .
قال سلّمه الله : و علّمه ما لميعلم .
اقول اي من اسرار البيان و المعاني و احكام المعاني و المباني و هو البيان المستودع في سرّ الانسان المشار اليه في قوله عز و جل الرحمن خلق الانسان علّمه البيان و هو الذي ماكان يعلمه الّا بتعليم خاص الهي شهودي ديمومي في الدعاء بك عرفتك و انت دللتني عليك و دعوتني اليك و لولا انت لمادر ما انت و فيه يا من دلّ علي ذاته بذاته و تنزّه عن مجانسة مخلوقاته . و ذلك كشف الحال بمعاينة المثال الذي هو ذرّة من شمس العظمة و الجلال و هو العلم [ص 4] فحسب و ما سواه ظهور من ظهوراته الجمالية و الجلالية و الكمالية و البهائية و العلمية و الاسمية و القدرتية و غيرها من ساير الشئون قبل التعلق و بعد التعلق و مع التعلق مع ملاحظة المتعلِّق بكسر اللام و بدونها حين وجوده علي حسب اختلاف المتعلَّقات بفتح اللام في القوابل و الاستعدادات و كلها نشئات علمية و اسرار عملية و حقايق متأصّلة نشأت من البيان الذي عُلِّمَ الانسان فهو نقطة جامعة و هويّة مانعة و هو النقطة تحت الباء في البسملة و لذا قلنا ان اصل العلوم و سرّها و ينبوعها و معدنها هو قولك لا اله الا الله و في الدعاء فبهم ملأت سماءك و ارضك حتي ظهر اَلّا اله الا انت . فافهم ضرب المثل ،
و ايّاك و اسم العامرية انني اغار عليها من فم المتكلم
قال سلمه الله تعالي : و صلّي الله علي محمد سيّد الانبياء و آله الامناء و شيعتهم الاولياء ارباب القرب و الفناء و البقاء .
اقول الصلوة وصل و وصال و سلب فرقة و زوال و اظهار حكم الاضمحلال و الاستقلال و الوصل رسمي و الفرق ذاتي و الاضمحلال ثابت و الاستقلال راسخ و ينبئ عن ما ذكرنا حديث المعراج علي ما في الكافي عن موليٰنا الصادق عليه السلام الي ان قال : روح الامين لقد وطأت موطأ ماوطأه قبلك لا ملك مقرّب و لا نبي مرسل قِفْ فانّ ربّك يصلّي قال صلي الله عليه و آله و كيف يصلّي قال يقول سبّوح قدّوس انا ربّ الملائكة و الروح . ثم شرح سبحانه هذه الصلوة في مواضع من كتابه فقال ان الذين يبايعونك انما يبايعون الله قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله [ص 5] و مارميت اذ رميت و لكن الله رمي انما وليّكم الله و رسوله و الذين آمنوا الآية . و هكذا ساير الآيات و هذه الصلوة جارية في النبي و الولي علي الحقيقة الجامعة و فيهما عليهما السلام و في الشيعة الاولياء علي الحقيقة الفارقة و الجامعة في الرتبة الثانية و في دعاء رجب لمولانا الحجة عجّل الله فرجه ما يجمع بين الحقايق و المراتب في الصلوة عند قوله عليه السلام و بمقاماتك و علاماتك التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرفك بها من عرفك لا فرق بينك و بينها الّا انهم عبادك و خلقك فتقها و رتقها بيدك بدؤها منك و عودها اليك الدعاء . فافهم فما اسعدك لو وفّقت لفهمه و لايسعني الآن ازيد مما ذكرت و الله علي ما نقول وكيل .
و الآل هم قصبة الياقوت النابتة في اجمة اللاهوت المعرفة في اسرار الملك و الملكوت الظاهرة في اعلي الجبروت فمن اعلي الجبروت مَبدء الشكل المثلّث و من الملك و الملكوت مبدء الشكل المربّع فمن اجتماعهما كان ظهور السبع المثاني و القرآن العظيم من اعظم العطايا و الكرامات التي انعم بها نبيّنا صلي الله عليه و آله اشرف خلقه و من تربيعهما كان ظهور شهور الحول و عدد الساعات و حروف لا اله الا الله في الرقوم المسطرات كما في الزيارة .
و الشيعة هم الفرقة الناجية عن جميع الشكوك و الشبهات و الاوهام و الخيالات و درن الآثام و السيئات و عمّا يشغله من الله سبحانه و هم الصادقون الموفون بعهدهم لمّا قالوا بلٰي فاخلصوا افئدتهم و فرّغوها لمعاينة التجليات و مشاهدة الظهورات و فرّغوا قلوبهم للتوجه اليه تعالي بسرّ التوجهات و العنايات بتكرّر [ص 6] الالتفاتات الي بارئ المسموكات و داحي المدحوات حتي يتمحضوا فيما ذكره الامام سيّد السادات بقوله أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتي يكون هو المظهر لك الدعاء . و قوله عليه السلام لايري فيه نور غير نورك و لايسمع منه صوت غير صوتك . و اخلصوا صدورهم و فرّغوها لتلاوة الآيات و مشاهدة الاسماء و الصفات و مراقبة الخوف و الخشية بحيث يشغله عن تلاد نفسه و مكارهها ، هبني صبرت علي عذابك فكيف اصبر علي فراقك و هبني صبرت علي حرّ نارك فكيف اصبر عن النظر الي كرامتك الدعاء . و هؤلاء هم الاولياء الذين شوّقتهم المحبة و انحلتهم العبادة و اصفرّت الوانهم للاشتياق و اضرّ بهم البعاد و الفراق و هم ارباب القرب الي تجلّيه تعالي الذي هو وجهه لهم بل هم عين ذلك التجلي فقربوا بالتجلي الي المتجلي الظاهر للتجلي بالتجلي بلا كيف و لا اشارة كما يأتي مجمل بيانه ان شاء الله تعالي و هم ارباب الفناء الذين دكّت انيّاتهم و اضمحلت هويّاتهم و نسوا انفسهم و غفلوا عن اعتبار ذاتهم فلميشاهدوها و لمينظروا اليها و لا ترتّب اثر عليها فكانوا بذلك ارباب البقاء و التذوّت و الاستقلال فاضمحلالهم اقتضي استقلالهم و موتهم استدعي حياتهم و ذلّتهم اقتضت عزّتهم كما قال الشاعر :
اقتلوني يا ثقاتي انّ في قتلي حياتي
و حياتي في مماتي
و هو قوله عز و جل فتوبوا الي بارئكم و اقتلوا انفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم و قوله تعالي و لاتحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتا بل احياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتيهم الله من فضله و يستبشرون [ص 7] بالذين لميلحقوا بهم اَلّا خوف عليهم و لا هم يحزنون فافهم الاشارة بلطيف العبارة و سيأتي زيادة بيان لذلك ان شاء الله تعالي .
قال سلمه الله تعالي : و بعد فالمرفوع الي حضرة الخ ، و يبيّنوا لنا هذه المسائل الثلٰث علي وجه لايبقي فيها محل كلام و يندفع به عنها كل شبهة و نقض و ابرام مع بسط ميسور في المقال و اكمال ايضاح للحال من غير اغلاق و لا اجمال .
اقول قوله ايده الله علي وجه لايبقي فيها محل كلام الخ ، يتحقق اذا كان المبيِّن و المبيّن له في صقع واحد و متوافقين في اصل النظر و طوره و المشعر و الدليل و المقام فان كل نظر له اطوار متعددة طور الاجمال و طور التفصيل و طور الوحدة و طور الكثرة و طور الاتحاد و طور الاختلاف و طور اصل الحقيقة ببيان النقطة و طور الاقتصار علي ادني ما يتأتي به المطلوب و غير ذلك من اطوار الانظار و المشاعرُ ايضاً مختلفة و وقوف السُّلّاك فيها كذلك فمِنْ واقف في مقام الجسم الي مقام النفس و بينهما عشرون مقاماً لكل مقام اهل و لهم ايضاً في كل مقام مواقف يعثر عليها الكامل العارف و من مقام النفس الي مقام العقل مقامات كثيرة و من مقام العقل الي اقصي درجات الفؤاد و اعلي مراتب الاستناد مقامات كثيرة و كذلك من اقصي الفؤاد الي اعلي درجات النقطة و كل هذه مشاعر و مواقف و مدارك للعلماء و هي مختلفة متفاوتة لايشبه ما في بعضها الآخر بل اهل كل مقام يكذّب ما عند الآخر و لايسعني الآن تفصيل هذه المقامات و شرح هذه الدرجات و المقصود [ص 8] الاشارة الي نوع المسئلة و الادلة ايضاً ثلٰثة و لكل درجات ثلٰث فترتقي الي تسعة و لكل شرايط و لوازم و متممات و مكمّلات و مقتضيات و موانع و علل و اسباب و معدّات و غيرها فاذا حَصَلَ الاختلاف في شيء واحد من هذه المذكورات جاء الكلام و توجّه النقض و الابرام و ان كان المجيب يؤدّي و يجري كلامه علي مخّ الواقع بالنسبة الي مقامه اذ قد يكون مقام السائل اعلي و ليست له ايضاً تلك الاحاطة الكاملة ليري كل شيء حقاً في مقام ذلك الشيء علي حسب ما اعطاه الله تعالي او انّ صعوده الي المقام الاعلي ليس تفصيليّاً ليشاهد المقامات السفلية و يحيط بما فيها او انّ نظره الي ذلك المقام الاعلي و لاينظر الي ما تحته ليري ما فيه و يقول غيره مما ليس معه في تلك الرتبة و قد يكون الامر بعكس ما ذكرنا بالنسبة اليهما نعم لو كان المسئول يجري كلامه علي جميع اطوار تلك المقامات ببسط الكلمات و ايراد المقدمات و ما يناسب لكل مقام ربّما يتيسر للسائل ما اراد كما اراد بما اراد اذ اجتمع فيه الشرايط الاربعة مع خامس و هو جودة الذكاء و سرعة الانتقال و لكن هذا يؤدّي الي تطويل المقال و شرح ما لاينبغي ذكره من دقايق الاحوال فاذن يجب اجراء الكلام علي حسب مقام السائل او اقرب ما يكون اليه ليعرف نوع المراد بالشرط المذكور و اما غيره فلا التفات اليه اصلاً فاذن اجراء الكلام علي وجهٍ لايبقي لاحد فيه الكلام شيء ابي الله الّا كتمانه و هو سبحانه مااجري كلامه كذلك و لا رسوله و لا اولياؤه صلّي الله عليه و عليهم و لا عباده المخلصون من الشيعة الكاملين و الله سبحانه هو الموفِّق .
[ص 9] و اغرب من الكل قوله ايّده الله من غير اغلاق و لا اجمال بعد قوله بحيث لايبقي لاحد محل كلام . المتعلم ان العلوم علي انحاء و اطوار من ظاهريّة و باطنيّة و سرّيّة و سرّ سرّيّة و غيرها و الناس كذلك علي انحاء كثيرة من اهل الظاهر و الباطن و باطن الباطن و لا شك ان الدليل من سنخ المطلوب فيكون سرّيّاً اذا كان المطلوب كذلك كما قال عليه السلام و سرّ لايفيده الّا سرّ و سرّ مقنّع بسرّ . فان اجرينا الكلام علي مذاق البعض جاء الاغلاق و الاجمال بالنسبة الي الآخرين او توجّه النقض و الابرام بالنسبة الي الاوّلين فمن نتايج الآخرين زايداً علي ما ذكرنا ما اشار اليه بقوله تعالي بل كذّبوا بما لميحيطوا بعلمه و لمايأتهم تأويله و قوله تعالي و اذ لميهتدوا به فسيقولون هذا افك قديم و من الاوّلين ما اشار اليه النبي صلي الله عليه و آله يا سلمان لو عرض عملك علي مقداد لكفر و يا مقداد لو عرض عملك علي سلمان لكفر و في رواية علمك و المعني في الجميع واحد و هذه فتنته امتحن الله بها عباده ليهلك بها من هلك و ينجو من سبقت له من الله العناية فافهم راشداً و اشرب صافيا .
قال سلمه الله تعالي : الاُولي - ما معني الحديث المشهور المحكي عن كا و غيره من ان الله داخل في الاشياء لا بالممازجة و خارج عنها لا بالمزايلة و كذا ما في معني هذا الحديث من قوله عليه السلام داخل لا كدخول شيء في شيء و خارج لا كخروج شيء عن شيء و غيره مما يقرب منه مضموناً .
[ص 10] اقول اعلم اوّلاً انّ كلمات اهل بيت النبوة و معدن العلم و الفتوة سلام الله عليهم ليس فيها اختلاف و لا اضطراب و انما يجري الجميع عن ينبوع واحد و ان اختلفت الجداول بحسب القوابل و الا فالمراد في الجميع واحد و ذلك معلوم قد دلّ عليه العقل و النقل علي الوجه القطعي كما فصّلنا في ساير رسائلنا و مباحثاتنا و ثانياً انّ كلماتهم عليهم السلام مما لايتعلق بالاحكام الظاهرية العامة البلوي التي لا تعلّق لها بالتقليد و الظن و الاجتهاد لاتعرف و لاتعلم الّا بكلماتهم عليهم السلام في تصريحاتهم و تلويحاتهم و اشاراتهم و عباراتهم و ساير الحان خطاباتهم عليهم السلام لان الكلام علي مقدار عقل المتكلم و عقلهم العقل الكلي الذي قد ظهرت الموجودات كلها باقباله و ادباره بتنزّلاته في شئوناته و اطواره فانّٰي للسافل و ادراك كلام العالي من حيث نفسه نعم للعالي ان يبيّن له كلامه و يكشف عن مرامه من حيث نفسه اي العالي في نفس السافل و هو قوله تعالي و علي الله قصد السبيل و قوله تعالي انّ علينا جمعه و قرآنه فاذا قرأناه فاتبع قرآنه ثمّ انّ علينا بيانه و البيان ايضاً موكول علي ارادة العالي حسب اقتضاء المصالح في الكون الثانوي من احكام الاختلاف و ان كان قد شرحه علي اكمل ما ينبغي في الكون الاوّلي بالبيان الحالي و المقالي علي الحكم الاعتدالي فاذا عرفت ما ذكرنا فاعلم ان ذات الله عز و جل قد سدّ باب معرفتها الغناء المطلق الذاتي فلايوصف بشيء من احوال الخلق لانّ حقيقة الخلق و ذاتهم فقر محض و هو لايقتضي في صفاته و شؤناته و اطواره الّا الفقر و الفاقة و الحاجة فكلما في عالم الخلق فقر و حاجة علي اختلاف المراتب فكيف يوصف به من كان غنياً [ص 11] محضاً و الّا لميكن وجوده ذاته هف فكل صفات الفقر منتفية عن الغني المطلق المحض و لذا قال جلّ من قائل ليس كمثله شيء و قال سبحانه لاتدركه الابصار و هو يدرك الابصار اذ لو كانت المشاركة في الصفات موجودة لادركته الابصار و الحواس ضرورة انّ الادوات و الآلات تشير الي نظايرها و قال موليٰنا الصادق عليه السلام علي ما في الكافي و غيره في عدة اخبار ان الله سبحانه خلو من خلقه و خلقه خلو منه . اذ لو جاز الاتصال و النسبة ماصحّ هذا الكلام و قال ايضاً عليه السلام كلما في المخلوق يمتنع في خالقه و قال موليٰنا الرضا عليه السلام كنهه تفريق بينه و بين خلقه و غيوره تحديد لما سواه . و امثالها من الروايات لاتكاد تحصٰي و لاتستقصي و يشهد علي مضمونها العقل السليم كما اشرنا اليه و ضرورة الاسلام و المسلمين فاذن هو سبحانه و تعالي لايوصف بالدخول و الخروج و الممازجة و المبائنة و النسبة و الارتباط و الخفاء و الظهور في رتبة ذاته لانّ كل ذلك حدود خلقه و لايجري عليه ما هو اجراه و لما كان الاثر من حيث هو كذلك انما هو صفة فعل المؤثر و تلك الصفة هي الاسم الدالّ علي المؤثر و يتوجه بذلك الي الذات بحكم انّ الذات غيّبت الصفات صارت الآثار كلها صفات و اسماء دالّات عليه ضرورة ان كل اثر يكون منشأ اشتقاق اسم للمؤثر الاتري القيام فانه يكون منشأ اشتقاق اسم القائم و القعود للقاعد و الكلام للمتكلم و الكتابة للكاتب و هكذا فاذن لايري في الآثار غير المؤثر كما لاتري في القائم و القاعد و المتكلم و الكاتب و غيرها مثلا سوي زيدٍ الظاهر بتلك الآثار [ص 12] المدعوّ بتلك الاسماء مع ان ذات زيد في مقامها و رتبتها مانزلت في مقام الآثار و هي قائمة بمبادٖيها و عللها و هي جهات تعلّقات افعاله الظاهرة بتلك الشئونات و الاطوار فلو كانت ذاتُ زيد مرتبطة بتلك الآثار و انفكاك الذات عن ذاتيّاتها ممتنع عند اولي الابصار و الانظار ماجاز ان تلتفت الي صرف الذات البحت مجرّدة عن تلك الشئون و الاطوار و الوجدانُ يكذّبه و البرهان يبطله و صريح كلام اميرالمؤمنين عليه السلام في حديث كميل كشف سبحات الجلال من غير اشارة ، يزيّفه فانّا بالضرورة نلتفت الي حقيقة الشيء مجردة عن كل اعتبار سوي ذاته بل لايعرف صرف الذات الّا بقطع هذا الالتفات مع انّا نشاهد بالعيان ان تلك نسب تتجدد عند الآثار و الافعال . فان قلت ان هذه النسب و الاضافات التي هي منشأ تعدّد الاسماء و الصفات انما هي في رتبة الآثار و الذات البحت خلو منها و انما تدلّ عليها في مقامها دلالة رسم بحكم ان الذات غيّبت الصفات ثبت المطلوب و تمّ المراد و ان قلت ان عند حدوث تلك الآثار تظهر اسماء للذات من حيث تعلّقها باحداث ذلك الشأن و الاثر كالقائم فانه اسم للذات المتصفة بالقيام قلت اذن تغيّرت الذات بآثارها و افعالها فكانت منفعلة لافعالها و هذا شيء لايتفوّه به انسان و ذلك معلوم بالعيان فاذن ثبت ما قلنا من انّ الآثار كلها اسماء افعال و صفات آثار لاتدلّ الا علي موصوفاتها و مسمّياتها و لكن الفعل عند الذات باطل مضمحل فلايصحّ الالتفات اليه و ينصرف الذهن الي الذات مع قطع النظر عن الفعل و ساير النسب و الاضافات و ان كان هذا التوجه في مقامه كما انّ [ص 13] نظره الي الفعل في مقامه لا في مقام الفعل اذ الشيء لايتجاوز ذاته و حقيقة مبدئه فاذن هو اي الاثر خلو من الذات و ان كان لايري سواها و لايجد غيرها كما في الدعاء لايسمع فيه صوت غير صوتك و لايري فيه نور غير نورك و قال موليٰنا الحسين عليه السلام أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتي يكون هو المظهرَ لك متي غبت حتي تحتاج الي دليل يدل عليك و متي بعدت حتي تكون الآثار هي التي توصل اليك عميت عين لاتراك و لاتزال عليها رقيبا و خسرت صفقة عبد لمتجعل له من حبّك نصيبا تعرّفت اليَّ في كل شيء الدعاء . و هذا الظهور في الآثار ليس هو الظهورُ الذاتي فيها لانّ الذات اذا ظهرت بذاتها انعدمت الآثار بحذافيرها في جميع رتب ظهورها مع ان ظهور الذات بذاته لذاته في الآثار غيرُ معقول لانّ الاثر اذا كان في رتبة الذات لميكن اثراً و اذا كانت الذات في رتبة الاثر لميكن ذاتاً بل معني ظهور الذات في الاثر اضمحلال الاثر و فنائه و افتقاره الي غيره فنظره دائماً الي غيره الذي به تقوّمه و تأصّله و تحصّله و ذلك الغير هو اظهر له عن نفسه عند نفسه اذ يجب ان ينظر اليه لسدّ فقره و خلّته فهو في نفسه دائماً مضمحل باطل و مبدءه دائماً ثابت متحقق موجود و ليس معني ظهور الذات انها هي في الاثر فانّ ذلك مع استلزامه لانحاء المفاسد و القبايح غير معقول و لا متصوّر كما ذكرنا آنفاً فتبصّر فصحّ بحمد الله معني قولهم عليهم السلام ان الله خلو من خلقه و خلقه خلو منه و معني قولهم أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك الدعاء . [ص 14] انظر الآن في المرآة هل تجد ذاتك فيها و هل تجد غيرك فيها من حيث انها مرآة لك فان قلت اجد ذاتي فيها كذّبتك الضرورة فانك انت انت علي ما انت عليه قبل مواجهتك للمرآة و بعدها و لاتجزّءت و لاتغيّرت عن كينونتك و لاخرجت عن مقامك و لافقدت نفسك عما كنت عليه و ذلك معلوم و ان قلت اجد غيري فيها فكذلك كذبتك الضرورة و الا لماصحّ ان تستدل بها عليك مع انك عند النظر اليها تراها تحكي عنك فلاتري غيرك فيها ابداً كما لاتجد نفسك و ذاتك فيها ابداً فانت خلو منها و هي خلو منك مع انها اسمك و رسمك في مقامها و ذاتها و قد شرحت هذه المسئلة باكمل شرح و اوضح بيان باقامة الدليل و البرهان في شرحنا علي حديث عمران الصابي فليراجع هنالك و لمّا كان الامر كذلك ارادوا عليهم السلام ان ينبّهوا الي هذه الدقيقة و البيان فعبّروا عنه بعبارات مختلفة متفاوتة قريبة الي الافهام علي حسب مقتضي المقام فتارة عبّروا عن هذا المعني ببينونة الصفة كما في قول اميرالمؤمنين عليه السلام ما معناه توحيده تمييزه عن غيره و حكم التمييز بينونة صفة لا بينونة عزلة و غير ذلك مما يقرب مضمون هذه العبارة و معني هذا الكلام انّ المغايرة بين الواجب و الممكن اي الخالق و المخلوق ليست كمغايرة الذوات المتبائنة كالمغايرة بين الافراد المنشعبة عن حقيقة واحدة او بين الحصص المحدودة بالحدود المتخالفة الناشئة من شيء واحد او كالمتضادّين و المتناقضين او غير ذلك من انحاء التباين اي مطلق المغايرة التي لايذكر احد المتغايرين [ص 15] عند الآخر برسمه و اسمه و صفته فان ذلك يستلزم الغفلة و ماكنا عن الخلق غافلين و يوجب النوم و السنة ، لاتأخذه سنة و لا نوم و ينافي الاحاطة و القيومية ، الله لا اله الا هو الحيّ القيوم بل المغايرة بينهما واقعة و لكنها مغايرة الصفة الفعلية لموصوفها اي المقصود بالوصف و ذلك حكم الآثار بالنسبة الي مؤثراتها الاتري انّ القيام اثر يشتق منه القائم و هو صفة دالّة علي الذات بالضرورة بحكم الاضمحلال و دلالة الرسم لا دلالة التكشف و كذا الكلام و الكتابة و الخياطة و الصناعة و غيرها من آثار الافعال فانها كلها آثار معدومة باطلة عند الذات في مقام ذاتها و لكنها صفات دالّة عليها في مقام الافعال بل القيام و القعود و الحركة و السكون لاتدلّ الّا علي القائم و القاعد و المتحرك و الساكن و هي صفات دالّة علي موصوفاتها و هي الذات الظاهرة بتلك الافعال علي المعني الذي قدّمنا سابقاً فصحّ لك القول بالبينونة لانّ ذات الاثر معدومة فانية ممتنعة عند ذات المؤثر و الّا لميكن الاثر اثراً بل كان مؤثراً او لميكن المؤثر مؤثراً بل كان اثراً لانّ المتّحدين في الرتبة مشتركان في الاقتضاءات الذاتية و ان منع بعضها مانع عن الظهور فافهم و صحّ لك القول ايضاً بنفيها فان الاثر اسم و صفة للمؤثر و هما دالّان عليه و مباين الشيء لايدلّ عليه من حيث التباين و لمّا كانت الصفة من حيث هي هي غير الموصوف كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام لشهادة كل صفة علي انها غير الموصوف . و انّ الصفة لا تحقّق لها و لا تذوّت و لا استقلال بوجهٍ الّا بالموصوف كالشبح المرئي في المرآة اذ لا شيئيّة لها [ص 16] الا بالتفات القابل و مواجهته و انّ هذه الصفة تدل علي الذات دلالة رسم بسرّ الافتقار و لا دلالة لها عليها دلالة تكشف و انّ القائمة مثلاً لايدلّ ابداً الّا علي الظاهر بالقيام و لايدلّ ابداً علي الظاهر بالقعود و بالكلام و بغيرها من الظهورات الفعلية و لا علي الصفات الذاتية من ذكورية الذات و انوثيتها و طولها و قصرها و سوادها و بياضها و سعادتها و شقاوتها و بلادتها و ذكاوتها و غيرها من حالاتها العرضية و الذاتية فكانت هذه الصفات صفة استدلال عليه لا صفة تكشف له كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام و روحي فداءه فلاجل هذه الامور التي ذكرنا و التي لمنذكر اتي عليه السلام بهذه العبارة اي بينونة الصفة فانها لعمري عبارة جامعة لجميع احكام الاثر بالنسبة الي المؤثر علي اكمل شرح و اوضح بيان كما اشرنا الي بعض منها و لايسعني الآن ذكر تفاصيل المقامات و هذه الكلمة من جوامع الكلم اتوا بها تنبيهاً للشيعة المخلصين و العلماء الموحّدين و اكمالاً للنعمة علي المؤمنين و اتماماً للحجة علي الجاحدين و ما ذكرنا هو المستفاد من العقل و النقل و الضرورة و اما ما ذكر اولئك من توجيهات باردة و تكلّفات فاسدة و تمحّلات كاسدة فلاينبغي الاصغاء بها و الاعتناء اليها لانّها عيون كدرة يفرغ بعضها في بعض و لولا ما انا فيه من تهجّم الامراض و تراكم الاعراض لنقلت كلامهم و ذيّلته بما يرضي الله و رسوله و الحكم لله و كذلك عبّروا ايضاً عليهم السلام عن هذه الدقيقة المذكورة بالدخول و الخروج و اثباتهما و نفيهما و قد مثّل موليٰنا الرضا عليه السلام لهذا [ص 17] المعني بالمرآة و المقابل فقال عليه السلام لعمران انت في المرآة ام المرآة فيك قال كلّ ذلك لميكن و حاصل الكلام انّه لا شك و لا ريب انك لست في المرآة و لا المرآة فيك مع انك تستدل عليك بها فلو كنت خارجاً عنها كيف تدلّ عليك فان مباين الشيء لايدلّ عليه و ان كنت داخلاً كانت المرآة ذاتاً لا شبحاً و الضرورة تقضي ببطلانه فانت داخل في المرآة بظهورك و تجليك باثر فعلك فالداخل هو الظهور و التجلي لا الذات لكنهما لما كانا غير ملتفتٍ اليهما مع الذات تذهل المدارك عنهما و تتوجه و تنصرف الي الذات و ان كان في المرآة و لذا لو كانت المرآة حمراء تحكم علي الذات بانّها احمر مع انّ الامر ليس كذلك و هذا الدخول ليس بامتزاج كما هو سبيل المتداخلين في عالم الامكان من حيث هو لا من حيث الدلالة فانها ح صفة استدلال كما ذكرنا فان المتداخلين لا بدّ فيهما من الاقتران و الاتّصال و الاتّحاد و هي المعبّر عنه بالامتزاج و اما في هذا المقام فالداخل ليس هو الذات بذاتها حتي يلزم ذلك و انما الداخل ظهور الذات و لكن الملتفت اليه ليس هو الظهور بل الذات فكانها داخلة و خارجة ، داخلة من حيث انها خارجة و خارجة من حيث انها داخلة و هذا معني قوله عليه السلام لنا مع الله حالات هو فيها نحن و نحن فيها هو الا انه هو هو و نحن نحن . اي حال كوننا نحن هو و هو نحن هو هو و نحن نحن فهو داخل من حيث كونه خارجاً فنحن هو من حيث الظهور لا من حيث الذات فانّ الاثر حقيقته ظهور المؤثر و لا ظهور له في مقام الاثر الّا نفسه و لمّا كان [ص 18] الظهور بالضرورة غير الذات و لايكون الظهور ظهوراً الّا بعدم الالتفات الي غير الذات بل بقصر النظر اليها فهو من حيث النظر الي الذات ظهور فيكون خارجاً و من حيث عدم النظر الي السوي ذات في مقامه مع قطع النظر عن مقامه فيكون داخلاً و من حيث الالتفات الي صرف الذات و الحقيقة بالنظر و الوجدان يكون منزهاً عن الدخول و الخروج فلك ان تقول ليس بداخل و لا خارج لانّهما جهة من الجهات الخلقية فيجب التنزيه عنهما و لك ان تقول داخل خارج في حال واحدة و ان لميشعر الناظر بالدخول و الخروج و لكن العبارة اخبار عن متن الواقع كما في حدود النية علي قول من يري انها ليست اخطاراً بالبال و لك ان تقول داخل لا كدخول شيء في شيء فان المتداخلين بينهما اقتران و اتّصال و ليس هنا كذلك بل هنا التفات الي الظهور مجرداً عن اعتبار سوي الذات فاين الغير حتي يتصور الاقتران او الظرفية او غيرهما من النقايص و خارجٌ لا كخروج شيء عن شيء فانّ الشيئين اذا خرج اعتبار كلٍ منهما عن الآخر تباينا و لميدلّ احدهما علي الآخر يقيناً و هنا ليس كذلك لان الاثر مع كونه خلواً من الذات كالذات منه كما في الحديث المتقدم انّ الله خلو من خلقه و خلقه خلو منه و مع هذا كله لايري في الاثر ظهور سوي ظهور المؤثر حتي كان المؤثر اظهر من الاثر كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام مارأيت شيئاً الا و رأيت الله قبله . و ذلك لايمكن في المخلوق من حيث نفسه ابداً لا من حيث كونه كتاب استدلال عليه بحروف الذوات و الصفات فافهم و لك ان تقول داخل لا [ص 19] بالممازجة و خارج لا بالمزايلة كما ذكرنا حرفاً بحرف فاذا رجعنا ضمير المشتق الي الظهور كما هو الاصل في كل المشتقات فالامر هيّن فان الدخول و الامتزاج و الخروج و المزايلة احكام في مفهومها الاقتران بالغير و ليس ثمّة غير لانّ ذلك الظهور لايتأتي الّا بكشف السبحات و ازالة الانيّات و سلب الاعتبارات و نفي الاشارات كما في كلام اميرالمؤمنين عليه السلام كشف سبحات الجلال من غير اشارة و محو الموهوم و صحو المعلوم الحديث . فالسالك الساير حيث ما يسير و اينما يسير و يتوجه و لو سار الي ما لا نهاية له لمتقصر المسافة بينه و بين الذات سبحانه و تعالي نعم حظّه الظهور و منتهي سيره ادراك النور و سلب الغيور في حدّ الغيور كما قال الشاعر :
منتهي الحظ ما تزوّد منه اللحظ و المدركون ذاك قليل
و علي ما ذكرنا لك انفتح باب معرفة قوله عليه السلام في دعاء رجب لا فرق بينك و بينها الّا انهم عبادك و خلقك فتقها و رتقها بيدك و بدؤها منك و عودها اليك الي ان قال عليه السلام : فبِهِم ملأت سماءك و ارضك حتي ظهر اَلّا اله الّا انت و كذا قوله عليه السلام علي ما في مصباحالشريعة العبودية جوهرة كنهها الربوبية فما فقد في العبودية وجد في الربوبية و ما خفي في الربوبية اصيب في العبودية قال الله تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق الحديث و الحديث المشهور : الجمع بلا تفرقة زندقة و التفرقة بلا جمع تعطيل و الجمع بينهما توحيد . و قد شرحت كلاً من هذه الاحاديث في [ص 20] اجوبة المسائل شرحاً وافياً و اوردت فيه كلاماً شافيا و اكتفينا هنا بالاشارة الي محل السؤال و ما سويٰه كله علي ذلك المنوال و علي ما فصّلنا و شرحنا بطل استناد اصحاب وحدة الوجود و غيرهم من المموّهين بهذه الاحاديث الشريفة فانها و لعمري بالدلالة علي خلاف مطلوبهم اقرب و اقرب منها بالدلالة علي مطلوبهم و قد ذكرنا في ساير رسائلنا و اجوبتنا في بطلان كلامهم ما يشفي العليل و يبرّد الغليل خصوصاً في اللوامع الحسينية و علم الله لولا ما انا فيه من ضعف الحال و توزّع البال لاطلقت عنان القلم في هذا الميدان و لكني لفي واسع العذر و قد ذكرت ما يتعلق بظاهر هذه الاحاديث الشريفة و وراءه كلام في انحاء الباطن و باطن الباطن و ساير الوجوه و غرايب الامور فان كتمانها في الصدور خير من ابرازها في السطور لاسيما في هذا الزمان الذي قد مدّ الجور باعه و اسفر الظلم قناعه و دعي الغي اتباعه فلبّوه و اجابوه و اسرعوا اليه من كل فجّ عميق و المستعان بالله و لا قوة الا به و السلام .
قال سلمه الله تعالي : و الثانية - ما المراد من القربة التي تشترط في صحّة العبادات و ما كيفية القرب و ما معني الوصول الي الحق و الفناء فيه و البقاء به و نتمني في هذا المقام علي الخصوص كمال البسط و الايضاح و ان تفصحوا عن حقيقة الامر حق الافصاح .
اقول اعلم اوّلاً انّ العبد له ظاهر و باطن و لباطنه بواطن هي ظواهر و باطن اضافيات حتي تنتهي الي النقطة التي هي سرّ الهوية و غيب الحقيقة و ذاته المعبّر عنه باَنا التي بها قوامه و تحصّله و تأصّله و تلك هي [ص 21] حاملة لظهور المبدء الحق و ناظرة اليه تعالي بالنظر المطلق في مقام الاسم و مرتبة الرسم كما ذكرنا في المسئلة الاولٰي و ثانياً انّ الخلق بحسب الاسباب و العلل و الحِكَم و المصالح التي يطول بذكرها الكلام علي قسمين في مقام النزول و هما محفوظان بمرتبتهما في مقام الصعود ايضاً لايلحق احدهما الآخر و النسبة محفوظة دائماً و ان حصل الترقي لهما ابد الآبدين و دهر الداهرين احدهما ما تميزت مشاعره و مداركه و ظهرت آثار تلك النقطة الذاتية فيها بحيث اذا اراد النظر بتلك النقطة يتمكن من ذلك و لو في وقتٍ مّا و حالٍ مّا و امرٍ مّا في حكمٍ مّا و لهم مراتب في ذلك بحسب قوّة النظر بها و ضعفه و ظهوره و خفائه و استمراره و عدم استمراره و استمراره في جميع المطالب او في بعض دون بعض و اعلي مراتب هؤلاء الانبياء عليهم السلام و اوسطه الانسان من الرعية و آخره الملك و الجن كل ذلك في مقام القطبية و ثانيهما ما ليس كذلك سواء لمتتمايز مشاعره اصلاً كالجمادات و النباتات او تميّزت مشاعره لكنّها من غير ظهور ذلك الامر الغيبي و السرّ الذاتي الذي به التوحيد و التنزيه و التفريد و التجريد كالبهايم من الحيوانات و الحشرات و ثالثاً انّ الشيء حقيقة هي نقطة الذات خاصّة و ما سواها من المراتب الغيبية و الشهودية و الظاهرية و الباطنية كلها ادوات و آلات لها تستعملها في مطالبها و مقاصدها اذا ارادت النظر الي مقام من المقامات السفلية الاتري القلب فانّه المالك المستقل في البدن فاذا اراد الابصار الحسّي استعمل القوّة الباصرة و اذا اراد الاستماع استعمل القوة [ص 22] السامعة و اذا اراد تصوّر الصور و الاشباح استعمل النفس و اذا اراد المعاني و الارواح استعمل العقل و هكذا فهو الاصل و الباقي اطواره في اوطاره و له حكم ذاتي في مقامه و حكم عرضي حصل له بالاضافة الي تلك الاطوار و لذا كان ينسب اليها دونه و لذا اذا مات الانسان بالموت الصوري تعطّل البدن عن الادراك مع وجود تلك القوي و الآلات و ما ذلك الّا لانّ المدرِك المدبّر المتصرف قد قطع نظره و اعتباره عنه و ذلك معلوم بالعيان و غني عن اقامة الدليل و البرهان فاذا عرفت ذلك فاعلم ان العبد المخلوق لايقوم الّا بالاقبال الي مبدئه لسدّ فقره و فاقته في اطوار مطالبه و حاجته و هي تختلف بحسب المقامات و المشاعر و المدارك بحسب قوة الناظر و ضعفه في علوّ همته و دنائته فمن طالب للرسوم و من طالب للحقايق و العلوم و من طالب للسراب و طالب للكتاب و طالب لمن به البدء و اليه الاياب علي حسب الهمم بحسب المقام و ما اكتنفه من العوارض و الاحلام و لا شكّ و لا ريب انّ الجهات كلما قلّت و الروابط كلما اضمحلّت تقلّ الكثرات و تضمحلّ الارتباطات المتعارضة المتعاورة المتناقضة و لمّا كان الاثر و المخلوق لا ذكر في ذاته و حقيقته الّا المؤثر الخالق و لذا لايدلّ الا عليه كما فصّلنا في المسئلة الاولٰي و انّ الاثر لايقوم و لايسدّ خلته الا بذلك النظر و لايمنعه عن التمحّض في ذلك النظر الا كثرة الجهات و الحدود و الروابط الغيرية الخلقية و قد ثبت بالبرهان و العيان كما اشرنا اليه سابقاً انّ ذات الشيء من حيث هي مجردة و منزهة عن جميع الحدود و الكيفيات و الرسوم [ص 23] و ليس فيها الّا جهة الحدوث و الافتقار و لا فيها شيء من مقتضيات الاغيار المستلزمة للاكدار فهي لاتطلب و لاتريد شيئاً سوي الله سبحانه و سوي قربه و الاتصال به لمكان فقرها و استمدادها و عدم الجهات المستدعية لما سوي الحق سبحانه فوجد المقتضي الذي هو الحدوث المقتضي بطلب المحدث الموجد و النظر و الالتفات اليه و ارتفع المانع الذي هو الحدود المقتضية لكثرة الجهات و الاعتبارات الحاجبة عن النظر الي الله سبحانه كما في الدعاء و انت لاتحتجب عن خلقك الّا ان تحجبهم الآمال دونك . فذات الشيء من حيث هي لاتجد و لاتري و لاتشاهد غيره تعالي و لاتطلب سويٰه كما قال سيد الساجدين عليه السلام انت لا غيرك مرادي و لك لا لسواك سهري و سهادي و لقاؤك قرّة عيني و وصلك منٰي نفسي و في مناجاتك ولهي و الي رضاك صبابتي و عندك شفاء علّتي و دواء غلّتي و برد لوعتي يا نعيمي و جنتي يا دنياي و آخرتي . و الحقيقة المستدعية لهذا المعني هي حقيقة كل شيء و ذاته و هي الاصل في الشيء و ما سواها اطوارها و شئوناتها و تنقلاتها و قد ذكرنا ان هذه المرتبة و المشعر و الناظر بهذا النظر قد تتميز عن بعض الحيوانات كالانسان و الملك و الجن و قد لاتتميز كما في البهائم و الحشرات و النبات و الجماد و قد ذكرنا انّ الشيء حقيقة هي تلك فاذا تميّزت بمشاعرها و ادراكها الخاص بها جري الحكم علي الشيء علي مقتضاها و كينونتها و من هذه الجهة كلّف الانسان بالتوحيد و رفع الانداد و رفع الاضداد و نفي القرانات و الحدود و الجهات و الاعتبارات بحيث اذا لميعتقد بشيء من ذلك [ص 24] خرج عن حدّ الاسلام الي حدّ الكفر و استحقّ العذاب الاليم و الخلود في الجحيم و امّا البهايم فلمتكلّف بشيء من هذه الحدود التي هي نفي الحدود لعدم ظهور تلك المرتبة فيها لعدم نضجها و اعتدالها و قوّة حرارتها بالنسبة الي الانسان و لما كانت العبادات هي جهات اقبال العبد الي الله تعالي لسدّ حاجتها و فقرها فحاجة كل مقام كما ذكرنا يختلف بحسب الجهات و الكثرات و قلّتها و كثرتها و قلّة الالتفات اليها و كثرته و لمّا انّ حقيقة الذات لاتطلب سوي القرب و الوصال و الاتصال و المشاهدة و المعاينة كلّف الانسان في العبادة بالقربة و جعلت فعل العالم العيني و السرّ المعنوي و كنّوا بها عن النية و لذا قلنا انها القصد البسيط الداعي للفعل الحسّي المساوق له و المقارن له لانّ اصلها في العالم الاوّل الالهي هي القربة المطلقة ثمّ تنزلت الي عالم الاجمال عالم العقل و ذكرت معها الخصوصية اي القربة الظاهرة في العالم التفصيلي بالوجه الخاص لكن علي وجه الاجمال كما هو مقتضي مقام عالم الجبروت فمَن جعلها بمعني الاخطار بالبال فقد جعل العبادة منشأها من عالم النفس و قد اخطأ جدّاً فانّ النفس مقام نفي العبادة و العقل مقامها و هو العابد و لذا تري الصبي الغير البالغ مبلغ ادراك العقل و المجنون ليسا بمكلفين بالعبادة فافهم فان شرح هذه الكلمة يطول بها الكلام فظهر لك انّ القربة الي الله سبحانه هي العلة لتوجه الذات و الحقيقة التي سمّيناها الفؤاد و باب المراد و اول المداد و منشأ الاستعداد بل هي نفس عبادتها و اقبالها الي باريها و منشيها لقلّة جهاتها و حدودها و كيفياتها و كمّياتها بل لعدمها فلاتري سويٰه و لاتطلب غيره و كما انّ [ص 25] تلك الحقيقة تنزلت باطوارها و اوطارها الي المراتب السفلية الي ان انتهت الي عالم البشرية الجسمية كذلك ذلك العمل الحقيقي الذي هو القربة المطلقة الي الله سبحانه يتنزل بمظاهرها و اطوارها و محالّها و مواقعها الي الحدود و الاعمال الظاهرة مبدءها النية المقترنة و منتهاها ما يعمل بالجوارح الجسمية فهذه الاعمال مظاهر للقربة و المظهر بدون الظاهر باطلٌ فانٍ مضمحل الاتري انك اذا نظرت الي المرآة لاتريها شيئاً الّا بالتعلق بالتفات جهة المقابل و ظاهريتها فيها في نظر التفصيل و الاختلاف و اما في نظر الوحدة و الجمع و الايتلاف فلايري غير المقابل و يذهل عن المرآة و اما اذا نظرت الي الصورة من دون المقابل فهو نظرٌ باطل و التفاتٌ مجتث و القربة في الاعمال كالظاهر في المظاهر فلاتقوم المظاهر الّا به و لايَظهر الّا بها فقوام العبادات بها قيام ركن و عضد و تحقق اشبه الاشياء بالقيام الصدوري فلاتصحّ عبادة بدونها كلا بل و لاتقع و لاتكون فهي العمل و هي روح العمل من قوله تعالي خطاباً لآدم عليه السلام : يا آدم روحك من روحي و طبيعتك خلاف كينونتي ، رواه في الكافي يا آدم بروحي نطقت و بضعف كينونتك تكلّفت ما ليس لك به علم . و هي علّة العمل و هي مادة العمل و هي غاية العمل و لقد كشفت لك عن سرّ مقنع و رمز معمي لو عرفته لعرفت جميع المسائل المتعلقة بالنية و اتّضح لك الحق الصريح فيما خالف فيه فقهائنا الاعلام اسكنهم الله دار السلام و عرفت سرّ الوجود و مبدء اختلاف جهات العبادات و منتهاها و اصلها و فرعها و لايسعني الآن شرح هذا الكلام [ص 26] لما انا فيه من توزّع البال و اغتشاش الاحوال و عروض الامراض المانعة عن استقامة الحال و الله المستعان في كل الاحوال .