و امّا القرب فليس قرب مكانٍ لتعاليه تعالي عن التحيّز و عن ان تتوسط المسافة بينه و بين غيره و لا قرب وصلٍ و اتّصال لتعاليه تعالي عن الاقتران الملزوم للاتصال و ان تكون له حالتان حالة قبل الاتصال و حالة بعده فانّ متغيّر الحالات حادث و هو سبحانه متساوي النسبة الي الجميع كما قال عزّ و جلّ الرحمن علي العرش استوي و ان كان متعالياً عن النسبة و الكيف و لا قرب عينيةٍ علي ما ذهب اليه ابنالاعرابي و اضرابه و اشباهه و اتباعه من انّ الله تعالي هو الاشياء كما قال سبحان من اظهر الاشياء و هو عينها و ذلك بفناء العبد و بقاء الرب علي ما زعموا من انّ الوجود الذي هو ذات الحق سبحانه و تعالي تنزّل بالحدود كالبحر المتنزل بالامواج و كالماء المتنزل بالثلج و كالمداد المتنزل بالحروف و الكتابة كما قال شاعرهم :
البحر بحر علي ما كان في القدم ان الحوادث امواج و انهار
لاتحجبنّك اشكال تشكّلها عمن تشكّل فيها و هي استار
و قالوا ايضاً :
و ما الخلق في التمثال الّا كثلجة و انت لها الماء الذي هو نابع
و لكن بذوب الثلج يرفع حكمه و يوضع حكم الماء و الامر واقع
و امثال ما ذكرنا من اشعارهم و كلماتهم كثيرة و هذا القول في البطلان بمكان فانّ تلك الحدود العارضة التي بها امتازت الكائنات و الممكنات [ص 27] و تحققت ان نظرت الي حقيقة الوجود مع تلك الحدود كما هو المصرّح به في كلماتهم لاتخلو اِمّا ان تعرض لذاته تعالي ام لا فان كان الاول فهل هي حادثة او قديمة فان كان الاول كانت ذاته تعالي محلّاً للحوادث و قد اجمع العقلاء كافّة علي تنزّه القديم سبحانه عنه لاستلزام انفعال القديم عن الحادث و ذلك ممتنع قطعاً و ان كان الثاني تعددت القدماء و استلزم الاقتران الذي يشهد علي الحدوث و استلزم النسبة الشاهدة علي التركيب ضرورة لزوم مناسبة المقترنين و الّا جاز اقتران كل شيء بكل شيء و الضرورة تبطله و استلزم الكثرة المنافية للتوحيد لانّ النسب كلها امور وجودية متحققة هي علة الاتصال و الانفصال كما برهنّا عليه في ساير رسائلنا و مباحثاتنا و استلزم انفعال كل من الحالّ و المحل عن الآخر فانّ المحل لو لمينفعل عن الحال ماصحّ تمكُّن الحالّ و استقراره فيه و لذا قالوا ان المادة انثي لكونها محلاً للصورة و منفعلة عنها و هذا لايشكّون فيه و اما انفعال الحالّ عن المحل فلما صحّ عندنا من انفعال الطرفين لقوله تعالي يغشي الليل النهار مع ان النهار طبع المذكر و بالجملة فليس الآن مقصودنا البحث عن خصوص هذه المسئلة بل المقصود لزوم الانفعال فان كان من الطرفين كما هو الحق بطل قدم الجميع فان المنفعل لايكون الّا حادثا و ان كان من جهة المحل و المفروض ان محل العوارض هو ذات الله عز و جل فظهر الحق و بطل ما كانوا يعملون فما هذا شأنه ليس بقديم و لا بربّ و يلزم ايضاً ان لايكون الحق سبحانه كاملاً مطلقاً فان الكمال المطلق هو الوحدة التي [ص 28] لاتعرضها شيء من الكثرة و لو بالعرض لان ذلك ابلغ في الوحدة بالضرورة و يلزم ايضاً ان يكون له حالتان حالة الاطلاق و حالة التقييد و يلزم ايضاً ان يكون معطلاً عن الافاضة و التأثير لانّ الاثر لا شكّ انه ليس جزء ذات لمؤثره و لا عرضاً حالّاً به و انما هو شيء يحدثه المؤثر في رتبة التأثير و الايجاد و الفعل و الاحداث و اين ذلك من ذات المؤثر و القول بانّ التأثير لايقع الّا كما قالوا اثبات عجز للمؤثر و نقص في قدرته الكاملة و مشيته النافذة العامة و قصور في الوحدة المطلقة الحقيقية و قبايح هذا المذهب اكثر من ان يحصي و اعلي من ان يستقصي الّا انّ القوم تاهوا و هوت بهم الريح في كل وادٍ سحيق لعمرك انهم لفي سكرتهم يعمهون بل الحق انّ الله سبحانه ليس مختلف النسبة و متعدد الجهات حتي يقال انه تعالي قريب بعيد بجهتين مختلفتين بل لا نسبة هناك بوجهٍ ابدا فلايوصف الحق سبحانه و تعالي بالقرب و البعد و امتناع الاشياء و عدم مذكوريتها في ذات الحق عز و جل ينفي القرب و البعد لانّهما من مقبولة الاضافة فان اعتبرتهما بالنسبة الي ذاته عز و جل مايصحّ فانها علي حالة واحدة بجهة واحدة فلايصحّ المضاف و لا المضاف اليه و ان اعتبرتهما بالنسبة الي غير الذات من اطوار الخلق فاين الغير و اين ذكره في الذات فالذات منقطع الاشارات لانّ الادوات انما تحدّ انفسها و الآلات انما تشير الي نظايرها فاذن لا كلام في الذات لا بنفي و لا باثبات ، اذا بلغ الكلام الي الله فامسكوا و انّ الي ربّك المنتهي و انما المراد بالقرب قرب المظهر من حيث هو مظهر بالظاهر [ص 29] في ظهوره بآثار افعاله و اشعة انواره و قد ذكرنا في المسئلة الاُولي انّ حقيقة العبد و الخلق و الاثر ليست الا ظهور فعل المؤثر و لما كان ظهور الفعل اثر له و الاثر عند المؤثر مضمحل باطل لايلتفت اليه كان ظهور الفعل الذي هو ذاتك و حقيقتك بالنسبة الي الفعل كذلك و لما كان الفعل جهة من الجهات الظهورية الامكانية كانت نسبته الي الذات كذلك و لذا قالوا ان الذات غيّبت الصفات فاذن لايري في الاثر الّا المؤثر علي المعني الذي ذكرت فلايري فيه الا الظهور و هو حقيقة الاثر و هي جهة كون الاثر اسماً للمؤثر فلايري في هذه الجهة غير المؤثر و لايتوجه الّا اليه ابدا و له ايضاً جهة اخري و هي جهة الانيّة و الحدود المانعة عن مشاهدة المؤثر و تلك هي جهة الاحتجاب و الامتناع عن المؤثر فما دام العبد ناظراً بتلك الجهة العليا و هي وجه و قطب استمداده من المبدء فهو قريب و ما دام كونه ناظراً الي الجهة السفلي فهو بعيد فالاثر المخلوق هو العين و الحجاب و هو قول موليٰنا اميرالمؤمنين عليه السلام لاتحيط به الاوهام بل تجلي لها بها و بها امتنع منها و اليها حاكمها و قول مولانا الكاظم عليه السلام ليس بينه و بين خلقه حجاب غير خلقه احتجب بغير حجاب محجوب و استتر بغير ستر مستور . فقربك التفاتك الي تلك الجهة و تمحض نظرك فيها حتي لاتري شيئاً سواه تعالي و لاتنظر الي غيره ابدا فاذا امتدّ بك النظر و الالتفات الي ان نسيت نفسك و غيرك بالكلية و ماالتفتت اليها و ماالتفتت الي انك ماالتفتت فهناك تمّ لك القرب و حصل لك درجة الوصول [ص 30] و انت لاتزال تترقي في هذا النظر و تصعد في هذه المعاينة برفع حجاب الغيرية في الدنيا و الآخرة و اطوار الجنة في الرضوان الي ما لا نهاية له ابد الابد و دهر السرمد فانت في مقامك و لاتصل الي الذات البحت ابدا بل لاتصل باعلي مراتبك في اعلي مراقيك فيما لا نهاية له الي ادني درجة و انقص مرتبة ينالها الانبياء عليهم السلام و هكذا محفوظ النسبة الي ان تنتهي الي الحقيقة المحمديّة صلي الله عليه و آله و هي متحيّرة في ذاتها ممتنعة عن درجة الوصول قائلة اللهم زدني فيك تحيّرا بعد الامر بالاستزادة في قوله تعالي قل ربّ زدني علما و اليه الاشارة في قوله تعالي في الحديث القدسي حديث الاسرار : كلما رفعت لهم علماً وضعت لهم حلماً ليس لمحبتي غاية و لا نهاية . و هذه الانظار كلها في مقام قول اميرالمؤمنين عليه السلام رجع من الوصف الي الوصف و دام الملك في الملك و عمي القلب عن الفهم و الفهم عن الادراك و الادراك عن الاستنباط و هجم له الفحص الي العجز و البلاغ علي الفقد و الجهد علي اليأس الطريق مسدود و الطلب مردود دليله آياته و وجوده اثباته الخطبة .
و امّا كيفية القرب فاعلم انه لما كان عبارة عن النظر الي الظهور ذاهلاً عن الظهور و الظاهر من حيث هو الظاهر بالظهور و عن النسب الحاصلة و القرانات الواصلة حتي يتمحض له النظر الي الوحدة الحقيقية علي حسب مقامه و مرتبته كان ذلك النظر مجرداً عن جميع النسب و الحدود القلبية و العقلية و الرقايقية الروحية و الصورية النفسية و الابهامية الطبيعية و الذكرية المادية [ص 31] و الشبحية المثالية و التفصيلية الجسمية فلايحصل ذلك النظر المعبّر عنه بالقرب الّا بسلب الالتفات عن جميع المدركات الغيبية و الشهودية و الظاهرية و الباطنية و الحقيقية و المجازية و الاجمالية و التفصيلية و ساير الحالات الكلية و الجزئية و الذاتية و الاضافية فاذن انتفت الحدود و الكيفية و الكمّية و النسب و الاوضاع و كلما فيه جهة الغيرية و المخالفة و الكثرة و الاثنينية (ظ) فذلك مقام لا كيف هناك و لا نسبة فامتنع السؤال عن الكيف فكيفية القرب ان لا كيف كما قال مولانا الصادق عليه السلام في تفسير العبد انه ثلثة احرف فالعين علمه بالله و الباء بونه عن الخلق و الدال دنوّه من الخالق بلا كيف و لا اشارة ه . فاذا انقطعت الاشارة و الكيف فكان لا كيف كيف و ان الكيف حدود الخلق و احواله و العبد ح ناظر الي الربّ و صفاته و لذا قال اميرالمؤمنين عليه السلام في حديث كميل كشف سبحات الجلال من غير اشارة . و السبحة هي النور و نور الشيء آثاره و اطواره و احواله و حجبه المانعة عن مشاهدة ذاته من حيث انها مظهر توحيد الله و امره و نهيه فقال عليه السلام تلك الحقيقة و الذات لاتظهر حتي لاتري الّا الله وحده الّا بعد ان تكشف جميع سبحات الجلال اي انواره و آثاره و اطواره و اوطاره و تنظر الي صرف الجلال الذي هو قدر سم الابرة من نور العظمة وحده من غير اشارة الي ظهورات اطواره التفصيلية و من غير اشارة الي الكشف و من غير اشارة الي قطع الاشارة و معني ذلك ان تنسي كلما سوي الله سبحانه من نفسك و من غيرك و ذلك هو القرب الذي هو عين البُعد [ص 32] فالقرب قرب لا نهاية له في عين البعد كذلك فلا قرب و لا بعد لانهما ايضاً من السبحات التي لا بدّ من كشفها و ازالتها و قطع الاشارة عنها الّا انّ ما ذكرنا حكم الواقع و هذا غاية مقام العبد فلا مقام له اعلي من ذلك و لايزال يترقي من نوع هذا المقام الي ما لا نهاية له و لايحصل له القرب الذاتي ابداً فان ذلك محال و ليس في محال القول حجة و لا في المسئلة عنه جواب و لا في معناه لله تعظيم .
و امّا معني الوصول الي الحق سبحانه فهو خرق الحجب الثمانية التي هي منازل نفسه و مقامات ذاته فلا بدّ من قطعها اذا اراد السير الي جهة مبدئه فهو يقطع هذه المنازل و يسير في هذه المراحل بالسير المستوي لا بالخط المستقيم و ان حاز ذلك بوجهٍ من الوجوه الي ان يصل الي الحجاب الثامن و هو حجاب الفؤاد و باب المراد و اول المداد فينظر الي ما وراءه بنظر السرّ و الحقيقة فيقع نظره علي نقطة بسيطة غير منقسمة فيمتد النظر و يتقوي حتي يري قطاعاً اصغر فيكبر شيئاً فشيئاً في النظر حتي تتم كرة تامّة متحركة الي محورها الي ان يري الكرة نفسه و هي نفس المحور و هو نفس القطب يدور في مركزه علي نفسه الي مبدئه في مقام ذاته بحركة هي ذات القطب الذي هو ذات المحور الذي هو ذات الكرة التي هي ذات الدائرة التي هي ذات القوس التي هي ذات الاثر و حقيقته فاتّصل الاوّل بالآخر و الظاهر بالباطن و هو قول الشاعر :
قد طاشت النقطة في الدائرة و لمتزل في ذاتها حائرة
محجوبة الادراك عنها بها منها لها جارحة ناظرة [ص 33]
سمت علي الاسماء حتي لقد فوّضت الدنيا مع الآخرة
فافهم و في الحديث انّ نبياً من الانبياء سئل ربه قال يا رب كيف الوصول اليك قال تعالي القِ نفسك و تعال اليَّ ه . و قد ذكرنا ان ليس بينك و بين ربّك حجاب غير ذاتك و نفسك فاذا رفعت حجاب ذاتك في وجدانك بان نسيتها و ماذكرتها فتجد ربّك قد دخل المدينة علي حين غفلةٍ من اهلها و هو معني قول البهائي : گفت نصف الليل لكن في المنام . و قد نظم بعض شعراء العجم معني ما ذكرناه من اوله الي آخره في بيت واحد فاعرفه و اتقنه و ابنِ عليه امرك و هو قوله :
ز بس بستم خيال تو تو گشتم پاي تا سر من تو آمد رفته رفته رفت من آهسته آهسته
و هو قوله تعالي كسراب بقيعة يحسبه الظماۤن ماءً حتي اذا جاءه لميجده شيئاً و وجد الله عنده فوفاه حسابه و الله سريع الحساب و حقيقة ذات العبد المخلوق اذا نظرت الي تحققها و تأصّلها و تذوّتها و شيئيّتها فهو اضعف من السراب فتفهّم راشداً و اشرب صافيا .
و اما معني الفناء فيه فكما ذكرنا من قوله تعالي لذلك النبي عليه السلام القِ نفسك فانه عند ظهور سلطان الوحدة و اشراقات انواره لاتبقي لظلمات كثرات الانيّات قرار و لا ثبات فلا بدّ ان ترتفع و لايصحّ النظر اليها بوجه فاذا لمينظر العارف الي جميع ما يتعلق بنفسه و بميولاتها و شهواتها من العقلانية و الروحانية و النفسانية و الطبعانية و الجسمانية فقد اماتها و افناها في ظهور مولاها و سيّدها و هو قوله تعالي خطاباً [ص 34] لموسي علي نبينا و آله و عليه السلام و ما تلك بيمينك يا موسي قال هي عصاي اتوكّؤ عليها و اهشّ بها علي غنمي و لي فيها مآرب اخري قال القها يا موسي و اِلقاؤها قطع النظر عنها و التوجه الي حضرة ذي الجلال و الاكرام و هو التوبة الخالصة المورثة للمحبة كما في قوله تعالي ان الله يحبّ التوّابين و قوله تعالي فتوبوا الي بارئكم فاقتلوا انفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم . فالفناء في الله عبارة عن اضمحلال شئون العبد عند ظهور نور العظمة و الجلال و له مراتب ادناها فعل الطاعات و ترك المناهي و المحذورات و اعلاها ان ينسي نفسه بكل الجهات و لايري الا الواحد الاحد الحي القيوم داحي المدحوات و في هذه المرتبة العليا ايضاً درجات و مقامات و ما بينهما احكام المتوسطات و لايسعني الآن تفصيل هذه المقامات لما انا فيه من الكسل و الملل و الله المستعان و عليه التكلان .
و اما معني البقاء بالله فحقيقة البيان فيه مما لاينطق به فمي و لايجري به قلمي و لكنه لما كان لكل سؤال جواب فلا بدّ من الاشارة اليه و ان كان بنوع من لحن الخطاب ليعرفه اهله من اولي الافئدة و اولي الالباب و مختصر البيان في قوله تعالي خطاباً لموسي قال القها يا موسي اي اَمِتْها و اَفْنِها و اعْرِض عنها و لاتلتفت اليها فانها حجابي و لاتصل اليَّ الّا برفعها و قتلها و افنائها فالقاها ممتثلاً لامر ربّه و قطع النظر و الالتفات عنها و تمحض في النظر الي باريها و منشيها لا من حيث اضافة تعلق فعله بها فلما استدام في النظر الي ذلك المنظر تمت له المقابلة باشراق نور المعاينة في حدود الرسم و الاسم و ان كان [ص 35] بلا حدّ و لا رسم فاستنار بالنور و احاط به الظهور في جميع مراتبه و مقاماته في احواله و اطواره فتقوت تلك الجهات و استنارت تلك الظلمات و حيّت تلك الاموات فنظر موسي عليه السلام الي نفسه فاذا هي حية تسعي فحيّت بحياة الله تعالي و استنارت بنوره و استشرقت بظهوره فنظرت الي هذه الدنيا الضيّقة و خرابها و فساد اهلها و الي سعة تلك العوالم فنفرت منها و اشتاقت الي موطنها و مسكنها و هو خلاف مقصود الحكيم سبحانه من تكميل الخلق و بعثه الي الناس بشيراً و نذيراً فامره تعالي بان يلتفت اليها و لايقطع النظر عنها لتقلّ نفرتها و تسكن زفرتها فقال عز من قائل خذها و لاتخف سنعيدها سيرتها الاُولي لكنها محفوظة بعين العناية و مرعية بدوام الرعاية حتي لاتنسي معدنها و لاترضي بغربتها و تعود حية حيث ما اراد الله ثمّ لمّا القي موسي نفسه و طهّرها بدوام النظر الي ربه و تفضّل عليه الكريم بان القي فيه مثاله ليظهر منه افعاله فكان محلّاً للاسم و منبعاً للرسم اراد سبحانه اظهار بعض آثار ذلك المثال في افعال موسي عليه السلام الجارية علي يديه اللتين هما كنايتان عن قدرته فقال عز و جل و اضمم يدك الي جناحك تخرج بيضاء من غير سوء آية اخري و هي اليد البيضاء اي القدرة الظاهرة بامر الله و بمشيته مارميت اذ رميت و لكن الله رمي و هي آية اخري في مقام التفصيل و الا فهي تلك الآية بعينها و تلك الحيوة الحاصلة بعد القاء العصي هي البقاء بالله و هذه لها مراتب لاتتناهي ففي مقام لنا مع الله حالات هو فيها نحن و نحن فيها هو الّا انه هو هو و نحن نحن و في مقام فلمتقتلوهم و لكن الله قتلهم [ص 36] و مارميت اذ رميت و لكن الله رمي و في مقام كنت سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصر به و يده التي يبطش بها و في مقام ان دعاني اجبته و ان سئلني اعطيته و ان سكت عني ابتدأته و هكذا مقاماته لاتتناهي و درجاته لاتستقصي و منها بقاء اهل الجنة فيها و ظهور آثار ذلك المثال في حقايقهم و ذواتهم و يلزمها بقاء النار و بقاء دركاتها و آلامها بحكم المعاكسة و المقابلة و الحاصل شرح هذا الكلام طويل و انا عليل و اعجب مني اهل هذا الزمان و انّٰي لهم و تحمّل بعض اسرار هذا البقاء و خواصه و لوازمه و مقتضياته و لكني قد اشرت الي حقيقة المراد و لوّحت الي مقاماته و مراتبه و الله خليفتي عليك و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم و الله المستعان .
قال سلمه الله تعالي : و الثالثة - ما معني قوله تعالي لنتنالوا البر حتي تنفقوا ممّا تحبّون . ظاهراً و باطناً تأويلاً و تفسيراً و غيرها و السلام .
اقول اما ظاهر هذه الآية الشريفة فظاهر لا خفاء فيه و هو انّكم لنتبلغوا حقيقة البر و هو كمال الخير او البرّ المعهود الذي هو برّ الله حتي تنفقوا مما تحبون من المال او ما يعمّه و غيره كبذل الجاه في معاونة الناس و البدن في طاعة الله و المهجة في سبيل الله و قرء بعض ما تحبّون و هو يدل علي ان من للتبعيض و يحتمل التبيين و هو قراءة اهل البيت عليهم السلام كما في الكافي باسناده عن يونس بن ظبيان عن ابيعبدالله عليه السلام لنتنالوا البرّ حتي تنفقوا ما تحبّون قال عليه السلام هكذا فاقرءها . و لا شكّ ان هذه القرائة انسق بالمقام و اولي [ص 37] بمدارك الافهام فانّ حقيقة البر و الخير الشاملة المنبسطة علي جميع افراده و جزئياته و اجزائه لنتنال بانفاق بعض المحبوب الّا ان يتكلف في العبارة و هو بعيد عن سوق تعبير من لاتسعه العبارة فمن انفق المحبوب بكله و بذل حقيقة الحبّ نال حقيقة المطلوب و استأنس علي سرير القرب و يشير الي هذا المعني ما ورد في العوالي انه نقل عن الحسين عليه السلام و روحي فداءه انه كان يتصدق بالسكّر فقيل له في ذلك فقال عليه السلام اني احبّه و قد قال الله تعالي لنتنالوا البر حتي تنفقوا مما تحبّون . و السكّر هو الحلاوة و لها مراتب فافهم .
و اما تفسيرها فاعلم انه لا شيء احبّ الي الشيء من نفسه و ذلك معلوم بالوجدان غني عن اقامة الدليل و البرهان فاذا انفق نفسه و تصدّق بها و اخرجها عن حيطة تصرّفها و افناها عن شهواتها و ميولاتها فقد اتي بحقيقة الانفاق فينال ممن انفقها في سبيله كمال الاكرام لانه غاية الخضوع و نهاية الخشوع و السافل لاينال ما عند العالي الّا بزيادة الخضوع و لا زيادة علي انفاق الذات فيجب علي العالي ان يملّكه الكرامة الممكنة في مقامه و مرتبته فصحّ ان يقال ايضاً انه حقيقة البرّ قد ادركها بهذا الانفاق و هذا هو المراد من الآية الشريفة بعد ما عرفت ما ذكرنا في مقدمات المسئلة الثانية من انّ حقيقة الشيء هي ذاته و الخطابات كلها تجري عليها في ذاتها و في ظهوراتها في اطوار شئوناتها فاذا تنزّلت تلك الحقيقة في المراتب السفلية تنزلت جهات المحبة و جهات المحبوبية فظهرت في البدن و المهجة و المال و الجاه و غيرها فانت اذا اردت [ص 38] الامتثال بهذه الآية الشريفة افنِ ذاتك و تصدَّقْ بها و اذبحها في سبيل الله سبحانه و تعالي لتنال البر كل البر نعم البر من الجلوس علي بساط الاُنس و التشرّف بشرف البقاء بالله و في الله و لله و في الحديث القدسي يا ابن آدم اطعني اجعلك مثلي اقول للشيء كن فيكون و انت تقول للشيء كن فيكون انا حي لااموت اجعلك حياً لاتموت و قد روي ان المؤمن حيّ في الدارين .
و امّا تأويلها فله وجوه اذكر هنا وجهاً واحداً طلباً للاختصار و صوناً عن الاغيار و تجنّباً عن الاكدار . اعلم انه سبحانه لايترك الخير و لايأمر الخلق بالخير و البر و هو يفعل و العياذ بالله بخلاف ذلك الّا ان يكون بعض وجوه الخير مما يليق للممكن و لايليق له تعالي كامره تعالي بالعبادة و الطاعة فانهما لايجوزان عليه تعالي اذ هو وراء الوري بما لا نهاية له فاين المطاع و المعبود و اما فيما سوي ذلك مما ينبغي لجلال قدسه و يليق بعظم شأنه فلايتركه سبحانه الاتري ما ذكره سيد الساجدين عليه السلام في دعاء السحر اللهم انك امرتنا بالاحسان الي ما ملكت ايماننا و نحن ارقاؤك فاعتق رقابنا من النار و امرتنا ان لانردّ سائلاً عن ابوابنا و قد جئناك سؤالاً فلاتردنا الّا بقضاء حوائجنا الدعاء . فاذن فالله سبحانه و تعالي ماامر عباده بالانفاق مما يحبّون الّا و قد سبقهم سبحانه بذلك في اصل الوجود و بسط عوائد الكرم و الجود حيث افصح عن ذلك لسان الوحي و التنزيل بقوله كنت كنزاً مخفياً فاحببت ان اعرف فخلقت الخلق لكي اعرف فالمحبة تعلقت بالمعرفة فهي المحبوبة المطلوبة لله تعالي قد جاد بها و انفقها علي [ص 39] الفقراء المعدمين و الضعفاء و المساكين فجعل ذاتهم تلك المعرفة و خلقهم علي هيكل التوحيد و المحبة و تصدّق باعزّ الاشياء و احبّها اليه في مقام الفعل و التأثير علي هؤلاء الضعفة فاراد سبحانه و تعالي ان تجري كينونات الكائنات علي مجري فعله تعالي لتحكي حكمته و قيوميّته و انّ امره واحد لا اختلاف فيه و ان الاختلاف ليس من جهته تعالي و لما انه سبحانه حتم علي نفسه ان لايجبر شيئاً علي شيء و ان يجري امره و فعله و مشيته علي كمال الاختيار و المطاوعة و لما ان الاختيار لايتم للمختار حتي يعرف النتيجة و الثمرة من اختيار شيء دون الآخر كلّف الله سبحانه السابحين في لُجّة الامكان و الواردين علي شريعة الاكوان و الاعيان ان يجروا علي ذلك المنوال و ان يشرحوا حقيقة تلك الحال و اخبرهم سبحانه ان هذا يوصلهم الي كمال البرّ و اصله و حقيقته و هو الوصول الي مقام الجمع من قوله عليه السلام لا فرق بينك و بينها الا انهم عبادك و خلقك . و انّ بعدم مراعاته لايمكن الوصول الي تلك الدرجة القصوي و الذروة العليا فقال عز من قائل لنتنالوا البرّ حتي تنفقوا مما تحبّون كما فعلت انا فاجابت كينونات الكائنات من الذوات و الصفات ذلك النداء و لبّوا للمنادي فبقيت الاشياء في تأثيراتها و آثارها و اطوارها تلقي اليها مثالها و تحدثها علي هيئة معرفتها و توصيفها كالاشباح الظاهرة في المرايا و هكذا كل فعل و اثر و لذا تري القيام و القعود و الكلام و الكتابة و الاكل و الشرب و الضحك و البكاء تنبئ عن القائم و القاعد و المتكلم و الكاتب و الآكل و الشارب و الضاحك و الباكي [ص 40] الدالة عليك و هذه الاسماء هي اشباح معرفتك التي احببت ان تعرف بها بعد ما كنت مخفياً عند عدمها في الفعل و التأثير فجرت صنعة الايجاد علي طبق هذا المراد ثمّ اخبر الله سبحانه عن قبولهم لهذا التكليف و ابانتهم لهذا الامر الشريف و الحكم المنيف و امر نبيه صلي الله عليه و آله ان يبيّنها لكافة المكلفين الغافلين فقال جلّ من قائل قل كل يعمل علي شاكلته و هذه بيان لاجابة الدعوي و امتثال الامر فمن عرف هذه الدقيقة الرشيقة و سرّ هذه الحكاية الشريفة عرف حقايق الاشياء في بدوها و عودها و وسط الامر بينهما بحسب النظر الظاهر بموادها و صورها و هياكلها .
و اما باطنها فله وجوه كثيرة اذكر هنا وجهين : الاوّل انّ المراد بالبرّ هم آلمحمد صلي الله عليه و عليهم فلاينالون ( اي الشيعة ) و لاينال ما عندهم من العلوم و الاسرار و الرأفة و الرحمة و الشفقة و العطف الّا بان ينفقوا لاجلهم و في سبيلهم الذي هو سبيل الله تعالي احبّ ما عندهم من نفسهم و مالهم و اولادهم و هذا الانفاق هو لازم المودّة و المحبّة في قوله تعالي قل لااسئلكم عليه اجراً الا المودّة في القربي و هو ملزوم الطاعة في قوله تعالي اطيعوا الله و اطيعوا الرسول و اولي الامر منكم . فان المحبة تستلزم الطاعة لا محالة و المحبة الكاملة تستلزم انفاق اعزّ الاشياء لاجل المحبوب كما قال الشاعر :
لو انّ روحي في يدي و وهبتها لمبشّر بوصالكم لمانصف
و الكلام في هذا المقام طويل الذيل و قد عرفت ان نفس الشيء احبّ الاشياء اليه فاذا انفقها في طاعة الامام عليه السلام نال ما لاتدركه الاوهام [ص 41] و لاتحيط به الافهام و الاحلام كما قال الصادق عليه السلام علي ما في الكافي ذروة الامر و سنامه و باب الاشياء و رضي الرحمن الطاعة للامام الحديث . و يدلّ علي ما ذكرنا من باطن هذه الآية الشريفة ما نقل عن تفسير العيّاشي عن مفضل بن عمر (ره) قال دخلت علي ابيعبدالله عليه السلام و معي شيء فوضعته بين يديه فقال ما هذا فقلت هذه صلة مواليك و عبيدك قال فقال لي يا مفضّل اني لاقبل ذلك و مااقبله من حاجة بي اليه و مااقبله الّا لتزكو به سمعت ابي يقول من مضت له سنة لميصلنا من ماله قلّ او كثر لمينظر الله اليه يوم القيمة الا ان يعفو الله عنه ثمّ قال يا مفضّل انها فريضة فرضها الله علي شيعتنا في كتابه اذ يقول لنتنالوا البر حتي تنفقوا مما تحبون فنحن البر و التقوي و سبيل الهدي و باب التقوي لايحجب دعائنا عن الله اقتصروا علي حلالكم و حرامكم فاسئلوا عنه و اياكم ان تسئلوا احدا من الفقهاء عما لايعنيكم و عما ستر الله عنكم و في هذا الحديث كفاية لاُولي الدراية .
و الثاني ان هذا الخطاب خاصّة لآلمحمد عليهم السلام في العالم الاول قبل هذه الدنيا لما تراكمت المظلمة من هيجان ظلمة انكار اولئك المنافقين اراد الله تعالي كشف هذه الظلمة بنور الولاية لا من جهة الالجاء و الجبر بل بالخضوع و الخشوع و الشهادة فخاطبهم فقال تعالي لنتنالوا البرّ حتي تنفقوا مما تحبّون فاختاروا الحسين عليه السلام و روحي له الفداء لانّه المحبوب عندهم و انفقوه في طاعة الله و اعلاء كلمته حتي سفك دمه و استبيح حريمه صلي الله عليه و لعنة الله علي قاتله و ظالمه فكتب [ص 42] بذلك الكتاب و ختمه اولئك الاطياب سلام الله عليهم في المبدء و المآب و هو قوله تعالي الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدي للمتقين الآيات . و هذا الكلام لايوضح تفسيره الّا بعد النظر فيما كتبنا في رسالة اسرار الشهادة في ذكر وقعة الطفوف علي ما عند اصحاب الحقايق و الكشوف و لايمكن الآن ذكر مختصر البيان في هذا المقام لما انا فيه من كمال الضعف و اختلال الحال و اما غيرها من التفاسير فلميؤذن لنا في البيان لاسيّما في هذا الزمان الذي قد مدّ الجور باعه و اسفر الظلم قناعه و علم الله كتبت هذه الاجوبة في غاية الاضطراب و اشتداد المرض و ضعف الحال و المرجو منكم المسامحة و لو كان لي سعة في الحال لاسمعتكم من غرائب الكلام و عجائب المقال و لكن الله لما يشاء فعّال .
قد فرغ من تسويدها منشيها ضحي يوم الاثنين في العشر الآخر من شهر رمضان المبارك سنة ١٢٤٢ حامداً مصلياً مسلماً مستغفرا .