فظهر لك مما شرحنا و بينا ان الادلة التي ذكرها الاصوليون كلها حق و هي اربعة الكتاب و السنة و الاجماع و دليل العقل لان الاربعة هي جهات الارتباط و بها تتم نظام المعاش و المعاد في الوجودين اي الوجود التشريعي و الشرع الوجودي فان قلت علي ما قررت في دليل العقل من انه يجب ان يكون مستندا الي الشرع يلزم ان تكون الادلة ثلثة لا اربعة اذ المناط الشرع المستنبط من الكتاب و السنة و الاجماع قلت لايلزم ذلك لان العقل الضروري قد يكون له وجوه و جهات كثيرة كلها مؤسسة لحكم من الاحكام الالهية لكن عامة الناس لايلتفتون اليها و كذا اكثر العلماء فاذا نبهتهم بها يلتفتون فيدركون من غير تقليد فان لمتسبقهم شبهة يصدقون و امثال ذلك و نظايره كثيرة في الفروع و الاصول يقف عليها المتتبع الماهر و يحجب عنها الجاهل و الله ولي التوفيق ، و كذا الكلام في العقل النظري ايضا فان العقل اذا ادرك شيئا بالوجدان و صحيح الاعتبار و وجد تنبيها في كلمات الائمة [ص 64] الاطهار عليهم سلام الله ما دام الليل و النهار اما بالتلويح او بالاشارة او بالمثال او بالفعل او بالترك او بالسكوت او بالنطق او بالتعريض او بالايماء و بامثال ذلك يعرف الحق و يقطع به و يبني عليه الحكم الشرعي فلولا العقل و الوجدان لماكان ذلك التنبيه مستقلا صالحا لتأسيس الحكم الالهي فيهما معا صلح للدليل فالعقل الذي هو الحجة هو العقل الملفق بالنقل و لذا تري اهل العربية في اثبات اللغات ماجعلوا للعقل طريقا اليها و قصاري ما جوزوا في اثباتها العقل الملفق بالنقل لا العقل وحده و ليس ذلك الا لكونها توقيفية فما هذا شأنه لا سبيل اليها لغير الموقف لايقال ان هذا قياس مع الفارق فان الشريعة انما شرعت علي نظم محكم بنهج الحكمة و اقتضاء الاكوان و صفات المكلفين فماحسن في الشريعة الا ما هو حسن في الواقع و ماقبح الا ما كان كذلك و للعقل سبيل اليه لكن العقول لما كانت ناقصة قاصرة عن فهم كل ما يحتاج اليه الخلق ابان الشارع عليه السلم عن الواقع فللعقل ان يعرف بعضها بناء علي الاصل المحقق عند الفرقة المحقة ان الحسن و القبح عقليان لا شرعيان خلافا للاشاعرة فاذا عرف شيئا و قطع به كان هو حكم الشرع لان الشارع عليه السلام انما كشف عن الواقع و العقل ادرك الواقع اذ ادراك الواقع ليس بمستحيل علي جهة الجزئية و هذا بخلاف اللغات فان الوضع فيها ليس بالمناسبة الذاتية كما هو مذهب عباد بن سليمان الصيمري و اهل التكسير و انما هو بجعل الواضع و اختراعه فاذن لا مجال للعقل فيها و قصاراه التلفيق و لذا تريهم يعلقون عدم مدخلية العقل في [ص 65] اللغات بالقول ببطلان المناسبة و علي القول بها لايمنعون ذلك كما هو المعروف المقرر عندهم و المشروح في كتبهم قلت اذا كان الواضع و الشارع هو الله تعالي ففعله تعالي واحد لايتفاوت ما تري في خلق الرحمن من تفاوت و ما خلقكم و لا بعثكم الا كنفس واحدة فاذن اثبات امر في موضع و نفيه في موضع آخر مع انتساب الامرين الي واحد حكيم و امكان وقوع ذلك المنفي بعيد عن الصواب و قد كشفنا القناع عن وجه المرام في هذا المقام فيما كتبنا في بحث الدلالة فاذن لا فرق بين المقامين و ارتفعت المباينة من البين و مع ذلك كله لا سبيل للعقل القاصر الناقص في تأسيس الحكم و تأصيل الاصل و تخصيص الوضع اذ للشيء الواحد جهات كثيرة متخالفة متباينة متضادة بل متناقضة يناسب كل شيء انفرادا و متفقا و كون بعض الوجوه اظهر للشيء و انسب الي انتسابه الي الآخر و بعضها ابعد و اخفي في نظرنا لايستلزم التعيين كذلك اما لجواز مانع اقوي قد خفي علينا او لاشتباهنا الامر لعدم العصمة فالذي رأيناه قريبا كان بعيدا و بالعكس قال الله تعالي انهم يرونه بعيدا و نريه قريبا فلايجوز التخصيص و التأسيس الابتدائي الا لمن اشهده الله تعالي خلق السموات و الارض بحيث لاتخفي عليه خافية كرامة من الله في اوليائه حيث يقول عالم الغيب فلايظهر علي غيبه احدا الا من ارتضي من رسول فلايجوز للعقل القاصر التخصيص و التأسيس بوجه من الوجوه الا اذا استنبط ذلك من كلام من امر الله اتباعه و جعله واسطة بينه و بينه فلاتذهبن بكم المذاهب فان الامر اوسع و اعظم [ص 66] من ان تناله ايدي العقول و الافهام الجزئية ، فدع عنك بحرا ضل فيه السوابح ، و لاينافي ذلك كون الحسن و القبح عقليين فان المراد ان الاحكام ليست كما تقول ( تقوله خل ) الاشاعرة من انها انما صارت كذلك بامر الشارع و جعله فلو عكس الامر لانعكس و هذا قول باطل و نفي لحكمة الله تبارك و تعالي فان الله تعالي ابي ان يجري الاشياء الا بالاسباب و هي لو لمتكن مناسبة مع المسبب لمتكن سببا نعم بعد القول بالترجيح من غير مرجح و ان الظلم لايقبح من الله تعالي انقطع الكلام فالاحكام كلها علي مجري الواقع و مقتضي الاكوان و الاعيان فاذا اجري الشارع عليه السلم حكما امكن للعقل ان يدرك الوجه و الحكمة فيه بعد ما نبهه الشارع بانواع التنبيهات التي لاتحصي عددا و لاتبلغ امدا لا انه مستقل ( يستقل خل ) في التأسيس لانه يحتمل ان يكون هذا و يحتمل ان يكون لغيره اذ الامكان ثابت و التركيب واقع و الوجه متحقق و التخصيص شأن الحكيم العليم الذي فوق كل ذي علم و هو الله سبحانه و ذلك التخصيص هو المشية المتعلقة فقبل المشية لا تخصيص بل ابهام صرف و صلوح محض و كل العلوم منحطة دونه و المشاعر واقفة لديه مطلقا من جميع الخلق و لايختص بهذا العلم الا الله سبحانه و من هنا يستزيد العلم رسول الله صلي الله عليه و آله و يقول اللهم زدني فيك تحيرا و بالمشية يحصل التخصيص فيقع علي محالها و مهابط اشراقاتها قالوا عليهم السلم نحن محال مشية الله و السنة ارادته فيعلمون ذلك الشيء قال الله تعالي و لايحيطون بشيء من علمه الا بما شاء فكلما شاء تعالي بالمشية الثانية الكونية يعلمونه [ص 67] عليهم السلم و اما قبل ذلك فليس الا الابهام و الصلوح و الجواز فلايخصص ذلك الابهام و الصلوح المحض الا الشارع الذي هو الله فبعد ما خصص عرف الوجه للتخصيص و التعيين بتعريف الله سبحانه فافهم فقد القيت اليك سرا ما اسعدك لو فزت به و كل ( كذلك خل ) الوضع في باب اللغات لايمكن للعقل قبل الوضع و التخصيص ان يعين و يشخص لفظا مخصوصا لمعني مخصوص و ان قلنا بالمناسبة الذاتية لكثرة جهات الشيء و شئونه و قراناته و اضافاته و ارتباطاته و موانعه و اسبابه و علله و شرايطه و آثاره و اعراضه و امثالها اذ الشيء لايرتبط الي الآخر من نحو ذاته المركبة الاولية فانها جهات المخالفة فتكون الموافقة لشرط المخالفة هف فيكون الانتساب و الارتباط بالاضافات و هي غير محصورة و الترجيح لمن احاط بها جميعا لا لمن ( للذي خل ) حفظ شيئا و غابت عنه اشياء فكيف يمكنه الترجيح و التخصيص من غير التوقيف نعم بعد ما استعمل لفظ في معني يمكن للعقل في بعض المواد ان يحكم انه ( ان هذا خل ) حقيقة او مجاز او مشترك او غير ذلك و من هذه الجهة تري المختلفين في الوجود انه مشترك لفظي او مشترك معنوي يتمسكون بالامور العقلية المحضة و لايلتفتون الي النقل و الي الامور التي تثبت به اللغة من التنصيص و التواتر و الآحاد و الامارات و العقل الملفق و اللزوم و الاستغراء و الترديد بالقراين و الاستصحاب و غيرها مما ذكروا و امتنعوا في اثباتها عن غير هذه الطرق مع انهم ما التفتوا الي هذه الامور في اثبات الاشتراك اللفظي و المعنوي و الحقيقة و المجاز و لا احد من اهل العلم و اهل الفن [ص 68] ردهم و طعن عليهم ان هذه الادلة لايجوز استعمالها في باب اللغات بل مدارها ما ذكروا و مااظن ( لااظن خل ) احدا تكلم في هذا المقام بما قرروا و كذلك الخلاف في ان لفظ الله وضع كليا ام جزئيا وضع بازاء الذات ام لا و انه اسم او مسمي و كل ذلك مداره الي اللغة اثبتوها بالعقل المحض و الوجدان الصرف فظهر ان العقل بعد استعمال اللفظ في المعني يمكنه من نحوه ان يحكم ان هذا حقيقة او مجاز مشترك او ( ام خل ) متواطي ام مشكك و اما التخصيص الاولي فلا و كذلك في الشريعة حرفا بحرف فدليل العقل ليس للتأسيس و انما هو للترجيح نعم اذا وجد دليل شرعي لكنه قاصر عن الدلالة لضعف سنده او متنه بشرط ان لميكن له مناف و معارض صالح من الكتاب و السنة و الاجماع او انه تنبيه و اشارة غير معروفة من سياق الحديث و ظاهره فالعقل حينئذ يتمم ما نقص في امثال هذه الامور و يقطع به فيكون حينئذ حجة لانه حينئذ محسن و ما علي المحسنين من سبيل و ان كان كل واحد منهما بانفراده لا حجية فيه فافهم فقد اوضحت لك الامر و اما القول بان العقل و الشرع متطابقان ينبئ احدهما عن صاحبه و ان العقول انبياء في الباطن كالانبياء في الظاهر و ان الله احتج علي خلقه بما عندهم من العقول و الحديث الوارد في تفسير قوله تعالي و اسبغ عليكم نعمه ظاهرة و باطنة عن سيدنا الكاظم عليه السلم ان النعم الظاهرة هي الانبياء و النعم الباطنة هي العقول فالجواب عما ذكر و امثاله ما تقدم من ان العقل لا شك في حقيته و حجيته و انه ناظر الي نور الله و لاينظر الي نفسه ابدا فجميع مداركه حقة لكن الاشكال لغير المعصوم [ص 69] في معرفة ما يرد عليه من الوارد انه من العقل فاتاه من الجهة اليمني او من النفس و الشيطان المقيض فاتاه من الجهة اليسري و هذه المعرفة لاتحصل من نحو ذات الشخص ما دام هو ناظر الي الجهتين كما ذكرنا فيكون من خارج ذاته و هو احد الامرين الذين ذكرناهما فراجع تفهم ان شاء الله تعالي و اما ما سئلت عن دلالة الحديث هل هي قطعية ام لا فجوابه قد ظهر لك فيما مر من ان الحديث علي اقسام فالمتواترات المعنوية دلالتها قطعية يقينية عادية و اما المتواترات اللفظية فصدورها قطعي و اما دلالتها فلا لاحتمال التقية علي نفسه و علي شيعته و احتمال ارادة احد السبعين المخرج كما رواه المفيد في الاختصاص و الصفار في بصايرالدرجات و غيرهما من قوله عليه السلم اني لاتكلم بكلمة و اريد بها احد سبعين وجها لي لكل ( من كل خل ) منها المخرج و قوله عليه السلم انتم افقه الناس ما عرفتم معارض كلامنا انا لنتكلم بالكلمة لها سبعون وجها ان شئت اخذت هذا و ان شئت اخذت هذا و قوله عليه السلم والله انا لانعد الرجل من شيعتنا فقيها حتي يلحن له و يعرف اللحن و في خبر آخر حتي يكون محدثا و المحدث المفهم انتهي ، و هي و امثالها يدل علي ان المراد من كلامهم عليهم السلم ليس مشرعة لكل خائض و انما تحصيله لاشخاص مخصوصة و ذلك لكثرة الاحتمالات منه فاذا كان هكذا سبيلهم لايكاد يقطع بمرادهم ما دامت دولة الدنيا للظالمين الفاسقين نعم كل احد يأخذ نصيبه من الكتاب من الحكم الظاهري الثانوي او الواقعي فيقطع بوجوب العمل و لزومه لا ان هذا هو الحكم الواقعي كما [ص 70] ذكرنا فلايفيد الا الظن بالحكم الواقعي و اما الآحاد فصدورها ظني كدلالتها لما ذكرنا و لكثرة الافتراء و الاخبار الموضوعة و التي يدسونها في احاديثهم لنقض الحق و النقل بالمعني و الحذف و الاضمار و المجاز و الظاهر و المتشابه و المؤول و خطاء الرواة و شيوع اختلافهم و تعارض الاخبار و اختلاف العلماء في توثيق و تضعيف الرجال و كثرة الوجوه اللفظية و الاحتمالات المساوية و امثال ذلك من الامور التي يعرفها المتتبع الناظر و يجهلها الواقف الكسل القاصر فيتوهم انه علي شيء و يحسبون انهم يحسنون صنعا و قد ذكر العلماء في ظنية دلالة الاخبار اقوالا و ادلة مذكورة في كتبهم الاصولية اغلبها صحيحة و في ما ذكرنا ايضا كفاية للمتدبر المنصف فكيف يمكن القطع حينئذ نعم اذا حصلت له القراين و تراكمت الامارات بحيث افادت القطع فهو و الا فتبقي علي ظنيتها و ظنية الطريق لاينافي ( لاتنافي خل ) قطعية الحكم فافهم .
قال سلمه الله تعالي : المسئلة الثانية - هل الاشياء التي لميصل ( لمتصل خل ) الينا من الشرع حكمه فالاصل فيه هو الحرمة او التوقف او الحلية كالغليان مثلا .
اقول اعلم ان الله سبحانه خلق الخلق علي مستقرهم اذ اجابهم بدعوة سرهم و اتاهم بذكرهم و جعل فيهم مبادي خيرهم و شرهم فانقسموا قسمين و صاروا صنفين اذ دعاهم داعي ربهم بقوله الست بربكم و سري هذا التكليف في كل شيء من الاكوان و الاعيان و الصفات و الذوات و الجواهر و الاعراض و الانسان و الحيوان و النبات و الجماد و المعدن و كلما خلقه الله قال الله تعالي و لله يسجد من في السموات و الارض طوعا [ص 71] و كرها و ظلالهم و قال تعالي المتر الي ما خلق الله من شيء يتفيؤ ظلاله عن اليمين و الشمائل سجدا لله و هم داخرون و الحمل بالتكوين المحض خلاف ظاهر الآية و خلاف المعروف بين الناس مع ان الاصل حمل اللفظ علي معناه الحقيقي و لايعدل عنها ( عنه خل ) الا بصارف قطعي و اذ ليس فليس مع توارد الاخبار و الآيات بذلك مثل قوله تعالي و ان من شيء الا يسبح بحمده و لكن لاتفقهون تسبيحهم و قوله تعالي انا عرضنا الامانة علي السموات و الارض و الجبال فابين ان يحملنها و اشفقن منها و حملها الانسان و قوله تعالي ثم استوي الي السماء و هي دخان فقال لها و للارض ائتيا طوعا او كرها قالتا اتينا طائعين ، و قول النبي صلي الله عليه و آله في دعائه علمه عليا عليه السلم لدفع الحمي يا امملدم ان كنت آمنت بالله فلاتأكلي اللحم و لاتشربي الدم و لاتفوري من الفم و انتقلي الي من يزعم ان مع الله آلهة اخري فاني اشهد ان لا اله الا الله و ان محمدا عبده و رسوله و قول سيدنا الحسين عليه السلم في مخاطبته للحمي في عيادة عبدالله بن شداد قال عليه السلم يا كباسة فسمعوا الصوت و لميروا الشخص يقول لبيك قال عليه السلم الميأمرك اميرالمؤمنين الاتقربي الا عدوا او مذنبا لتكوني كفارة لذنوبه فما بال هذا الرجل و قولهم عليهم السلم ان ولايتنا عرضت علي الجبال فما قبلها صارت جبال المعادن و ما لميقبلها صارت يابسة جامدة لمتنبت شيئا و ولايتنا عرضت علي الارضين فاول ارض قبلها مكة فشرفها الله تعالي ببيته و جعلها مطاف الخلق ثم قبلها ارض المدينة فشرفها [ص 72] برسول الله صلي الله عليه و آله ثم قبلها كوفة فشرفها بامير المؤمنين عليه السلم و كل ارض قبلها صارت طيبة تنبت الازهار و ما لميقبلها صارت سبخة خبيثة و عرضت ولايتنا علي المياه فما قبلها استعذب و استحلي و ما لميقبلها استمر و الاخبار في هذا المعني تكاد ان تبلغ حد التواتر بل و بلغت و قولهم عليهم السلم ان ارض مكة افتخرت علي ارض كربلا فاوحي الله تعالي ( تعالي اليها خل ) ان اسكتي و قري لولا كربلا لماخلقتك و ان زمزم افتخر علي الفرات فاجري الله تعالي فيه عينا من الصبر و قولهم عليهم السلم ان الارض التي يتخذونها مختلي اشتكت الي الله تعالي مما يقع عليها فاوحي الله تعالي ( تعالي اليها خل ) ان اسكني و اصبري و الا جعلتك مرقدا للعزاب و قولهم عليهم السلم انه ماتسقط ورقة و لاتفسد ثمرة الا و قد غفلت عن ذكر الله ذلك اليوم و قول سيد الساجدين عليه السلم في مخاطبته للقمر ايها الخلق المطيع اه و في مخاطبته لشهر رمضان عند دخوله و وداعه عند خروجه بل لو فتش الانسان و تدبر لميجد رواية و لا آية الا و يجد فيها دلالة علي هذا المدعا و حمل هذه الاخبار و الآيات كلها علي المجاز خروج عن حدود العلم و العلماء مع ان الاصل عدمه و الصارف القطعي و الظني ايضا معدومان نعم غاية ما في الباب انكم لاتدركون كيفية اختيارهم و تكليفهم و قبولهم و انكارهم و لايجوز ان يجعل ذلك حجة اذن اين قوله تعالي و ما اوتيتم من العلم الا قليلا و قوله تعالي و فوق كل ذي علم عليم و قوله تعالي بل كذبوا بما لميحيطوا بعلمه و لمايأتهم تأويله و قوله تعالي و اذ [ص 73] لميهتدوا بهذا فسيقولون هذا افك قديم مع ان الله تعالي في خصوص هذه المسئلة نفي علمهم بها في قوله الحق و لكن لاتفقهون تسبيحهم مع ان العقل لايأبي ان يكون كل شيء له تكليف بحسبه يتوجه الي الله سبحانه بنسبة مقامه و مرتبته و لانعلم كيفية ذلك فاذا اخبر به خالقه و من اشهده الله خلق السموات و الارض يجب قبوله و الاذعان به مثل ما قبلنا الامور الغائبة عنا مثل القيمة و الجنة و النار و الحساب و البرزخ و امثالها مع ان الادلة العقلية علي المراد ما لاتكاد تحصي و لولا اني اخاف التطويل في المقدمة لبينت لك لكنها تطلب في ساير ما كتبنا من اجوبة المسائل فاذا صح الاختيار و الشعور و الادراك و التكليف في كل شيء فبعد ما كلفوا اختلفوا لاجل قبولهم و انكارهم و مراتب قبولهم و انكارهم و ( و مراتب خل ) ذاتيتهما و عرضيتهما بالحسن و القبح و الطيب و النتن و الطهر و النجاسة و النور و الظلمة و السواد و البياض و الحل و الحرمة و امثال ذلك و مرجع الكل الي القبول الذاتي و القبول باعتبار اللطخ و الانكار الذاتي و الانكار باعتبار اللطخ فبالاول يورث النورية الذاتية و بالثاني النورية العرضية و بالثالث الظلمة الذاتية و بالرابع الظلمة العرضية و ليس هنا امر خامس بان لايكون قابلا و لا منكرا لا ظاهرا و لا باطنا و الا لميوجد اذ الايجاد انما هو بالمادة و الصورة فالمادة قبل تعلقها بالصورة لا تحقق لها بالظهور كما لا تحقق للصورة قبل عروضها للمادة في الوجود و الصورة الشخصية انما تكون بالاجابة و الانكار و الا كان التخصيص في هذه الصور المختلفة الشريفة و الكثيفة [ص 74] ترجيحا من غير مرجح و هو لايليق بالحضرة الواحدية الالهية المتنزهة عن كل الخلق و احوالهم و صفاتهم فاختلف ما اختلف بالصور حين اختلافهم بالقبول و الانكار و حين استقرار الكل في مقامه و ما منا الا و له مقام معلوم فالتابع في رتبة التابعية و المتبوع في رتبة المتبوعية فترتبت الاصقاع فكان انسانا و حيوانا و نباتا و جمادا و اختلف كل صقع بنسبة مقامهم في القبول و الانكار بالنورانية و الظلمانية و الطيب و الخبث و السواد و البياض و الطهارة و النجاسة و تلك الاحوال كلها تتبع النورانية و الظلمانية و قد تكون ذاتية و قد تكون عرضية فسرت هذه الاختلافات في كل شيء بنسبة مقامه و الآثار الصادرة عن الشيء و مقتضيات كينونته و ساير شئوناته انما تتبع الصورة لا المادة الاتري ان الصنم انما كان خبيثا محرما يترتب علي فعله العقاب لما صنعت الخشب علي صورته و كذا السرير انما كان شريفا بصورته و الا فالخشب الذي هو المادة في المقامين واحد من غير اختلاف فاذا تصورت المادة بالصور الشخصية اقتضت كل صورة اثرها ( باثرها خل ) و مقتضاها الذي هو من نحو ذاته من الخير و الشر و النور و الظلمة فيترتب عليها اذا تحققت شرايطها فيؤثر البعض الظلمة المحضة التي هي اصل كل شر و نجاسة و رجاسة و نتن و قبح في الظاهر و الباطن و البعض الآخر يؤثر النور الذي هو اصل كل خير من القوة و النشاط و امثالهما و البعض الآخر لايستقل في تأثير النورية بل انما هو يعين و يزيد و يكمل بل و يتم النورانية في الشيء علي انواعها و اشخاصها و البعض الآخر بعكس [ص 75] ذلك اي الثالث يعني يزيد في الظلمة و الكدورة و ان لميستقل بذلك و لايتصور هنا قسم آخر ليخمس التقسيم بان لايحدث النور و لا الظلمة و لا المجموع المركب و لايعين علي الزيادة فيهما بل تكون مادة مبهمة و طبيعة ساذجة من غير صورة و قد علمت ان المادة لاتظهر الا بالصورة فتبقي في رتبة الامكان حتي تتم شرايط وجود الصورة و الصورة لاتخل من الامرين اما شيطانية او انسانية اي هيكل التوحيد و هيكل الكفر و الجحود و لا واسطة بينهما فيترتب عليها آثارها و مقتضاها و لما كان الانسان المكلف مدنيا بالطبع لاتتم معيشته الا بمعاشرة ( بمباشرة خل ) كل المراتب من رتبة الانسان نفسه و رتبة الحيوان و النبات و الجماد و المعدن في اطوارها و احوالها المختلفة المتباينة و كان كل جزئي جزئي من تلك المراتب اما بنفسه او بالاضافة الي غيره و اقترانه معه يترتب عليه اثره و مقتضاه المستجن في كينونته من اقتضاء الصورتين من الخير و الشر فيلزم الانسان المباشر له حكمه من اصلاح امره و افساده من الامور الظاهرية التي تتم بها امر معاشه و الامور الباطنية التي يكمل بها امر معاده و لما كان الانسان جاهلا بمقتضي الكينونات و ما استجنت في الذوات و الاحوال الظاهرة بالصفات و في الصفات ليأخذ ما يوافقه و يصلحه و يجتنب عما يضره و يفسده و ينافيه ( و ينافيه و يفسده خل ) و كان من تمام امره معرفة الامور المصلحة و الامور المفسدة و التمييز بينها ليستكمل في مراتبه و يترقي الي درجاته و يتنزل الي دركاته ابان الحق سبحانه اكمالا للنعمة و اتماما للحجة تلك الامور فجعل سبحانه و له الحمد [ص 76] استعمال الامور التي تصلحه ظاهرا و باطنا و لايتقوم امره الا بها و يفسد لولاها واجبا حتما لايسعه تركه و الا يلزمه ما يقتضي الترك مثلا يجب علي الانسان الاكل بقدر سد الرمق فلو لميأكل يترتب عليه مقتضاه الذي هو الموت فيموت و يفسد عليه امره و هكذا كل الواجبات و هذا معني قولهم في تفسير الواجب انه طلب يترتب العقاب علي تركه و العقاب هو الذي ذكرت لك فافهم فانه امر بيد الله سبحانه فيجري عليه عند الترك و لو اراد عدم الاجراء لفعل انه علي كل شيء قدير و من هنا ينفتح باب الفضل و الشفاعة و جعل سبحانه استعمال الامور التي تفسده ظاهرا و باطنا و لولا اجتنابه عنها لترتب عليها مقتضاها فيهلك اما الهلاك الظاهري او ( او الهلاك خل ) الباطني الذي هو الهوان الاكبر نعوذ بالله منه محرما لايسعه فعلها و الا لزمه مقتضاها مثلا يحرم عليه شرب السم و لو اكله لمات من ساعته و هذا معني قولهم ان الحرام طلب ترك يترتب العقاب علي فعله ضد الواجب و جعل سبحانه ما يزيده نورا و ضياء و بهاء و قوة و نشاطا فيتمم ما لو نقص شيء من نورية الواجب لعدم ادائه علي ما ينبغي بنوريته او يكمله او لمينقص منه شيء او يوجد في بعض افراده الغير المعينة المأمور به الواجب ندبا مستحبا يسعه ترك اغلب افراده للامن من المضرة المقطوع بها و تقوم البنية بدونها لا ترك الكل فان ترك كل المستحب حرام لوجود الواجب في بعض افراده و لذا استحب و ترك الكل يستلزم ترك المأمور به يقينا و جعل سبحانه ما يزيده ظلمة و كدورة و ضعفا و كسالة مكروها يسعه فعله لكن الاحسن [ص 77] تركه لما ذكرنا و هو معني قولهم المكروه ما لايترتب العقاب علي فعله كما ان المستحب ما لايترتب العقاب علي تركه فتربع حكم الانسان بالنسبة الي مباشرته للاشياء اما الخصوصية في ( اما لخصوصه الي خل ) نفس تلك الاشياء او باعتبار اضافته ( اضافتها خل ) اليه او اليها بعضها الي بعض و ليس هنا شيء لايضر و لاينفع و لايزيد و لاينقص و لايتمم ( لايتم خل ) و لايكمل بل يكون عارية عن جميع الاقتضاءات و الاحوال و يلزم ايضا لو كانت عارية عن جميع الاقتضاءات العبث في ذلك النوع و الاهمال فيه تعالي عن ذلك علوا كبيرا و اذا جاز في البعض جاز في الكل و لازمه المصير الي مقالة اهل الضلالة و الكفر لانا قد قلنا لك ان كل صورة اما شيطانية او انسانية لان الصورة هي الحدود و الهيئات و هي اما تشابه جهة الحق او جهة النفس و ليس هنا ثالث لاتشابه جهة الحق و لا جهة النفس و الا لكان اله آخر فافهم فالذي لايقتضي ( لاتقتضي خل ) شيئا اصلا ليست مصورة فليس بعد موجودا فاذن لا مباح بحسب الواقع و الاحكام الواقعية ليست الا اربعة بالبرهان الالهية من دليل الحكمة ما اسعدك لو فزت به فاذن اخذت النصيب من المعلي و الرقيب فليس في الواقع الوجودي الاولي الا الواجب و المكروه و الحرام و المندوب هذا حكم الاشياء في الواقع و ان كان باعتبار اضافتها الي المكلف فالذي اشهده الله خلق السموات و الارض و يشاهد الاشياء علي ما هي عليه ليس عنده و عمله الا الاحكام الاربعة اما المكلفون فمن جهة جهلهم بالواقع و عدم مشاهدتهم الاشياء علي ما هي عليه فوجب علي الله سبحانه ان يعلمهم اياها بواسطة سفرائه عليهم السلم و اما التعليم [ص 78] فهو علي قسمين تعليم شهودي كشفي و هو تعليم واحد عام بكشف الغطاء عن وجه صدره و قلبه و فؤاده ليري الاشياء كما هي و ينطق كل شيء له بما اودع الله فيه من صحة او فساد مضرة او منفعة ذاتية او عرضية كما كان شأن الانبياء و خواص الاولياء و اظن ان في زمان القائم عليه السلم عجل الله فرجه يكون الامر علي هذا المنوال و هذا التعليم ايضا يكشف عن الواقع من غير تغيير و تبديل و هنا ( هذا خل ) ايضا بقي التقسيم علي حاله و القسم الاخر من التعليم هو التعليم البياني القولي او الفعلي او التقريري و هذا من جهة عدم احاطة المتعلم يجب ان يبين له كل جزئي و الجزئيات لاتتناهي فلايمكنهم حصرها و يتعذر عليهم هذا لو فرضنا بقاء السفير في المكلفين ظاهر الامر نافذ الحكم و تمكن الرعية من الوصول الي خدمته الشريفة و تقبيل عتبته المنيفة فما ظنك فيما اذا لميظهر و غاب او انه ظهر و ماتمكن الرعية من الوصول بخدمته و مانفذ حكمه و ماظهر امره فاذن كيف صنعهم في جزئيات امورهم المتجددة لهم آنا فآنا و الاشياء التي لا بد لهم من استعمالها اذ بها نظام معاشهم و حيوتهم و لا ريب ان في هذا ضيقا شديدا و حرجا عظيما علي فرضنا الاول فكيف في الثاني الذي نحن فيه ( عليه خل ) فرحم الله سبحانه هذا الخلق الضعيف لانه البر اللطيف لايريد بهم العسر بل يريد بهم اليسر و ما جعل عليهم في الدين من حرج لطفا منه للعباد و تيسيرا في البلاد فاباح لهم الاشياء علي جهة الاطلاق فلهم ان يفعلوا فيها ما شاءوا الا ان يأتيهم الحكم الجديد من احد الاربعة فقبل ورود الحكم و الامر [ص 79] علي المكلف هو في سعة في ذلك ان اراد ان يترك فعل و ان اراد ان يفعل فعل تيسيرا من الله و توسعة له و لميجعلها حراما لانه اشد في الضيق و الحرج من الامر الاول و لميجعلها باقي الاربعة اما الواجب فلما قلنا في الحرام فان ما وصل الي المكلفين من الامور المتناهية بالنسبة الي ما لميصل جزء من مائةالف جزء من رأس الشعير و استغفر الله من التحديد بالقليل فاذا كان ما لميصل اليهم واجبا عليه لاصابهم ضر شديد و لايخفي ذلك لمن كان ( علي من خل ) له قلب او القي السمع و هو شهيد و الوجه للجميع ان الاشياء اذا ماامكن في الحكمة اجراءها علي الواقع الاولي فيحمل و يجري علي اقرب الاحوال اليه ثم الاقرب و هكذا و الوجه فيه ظاهر فاذا ماامكن ايصال الاحكام الي المكلفين في كل شيء فلايجوز الزامهم علي شيء اذ قد يكون ذلك علي خلاف الواقع و الحكيم منزه عن ذلك فيجعلهم في سعة و فسحة حتي يرد عليهم الامر و النهي اللزوميين و التنزيهيين و اما التوقف و ان كان هو الواقعي بالنسبة الي الجاهل لكنه في ذلك عود للمحذور الاول الذي صار سببا للتوسعة و التخفيف اذ لا شك ان شئونات المكلف لا نهاية لها و يحتاج اليها و لايمكنه السكوت عنها و القطع حاصل بانه ما اتي الامر و النهي فيما يتعلق بجميع شئوناته من حركاته و سكناته و لحظاته و خطواته و لمحاته و انواع مآكله و ملابسه و هيئات احواله و اوضاعه و اضافاته و قراناته و صفات مشيه و هيئات مكالمته و غير ذلك من سبحاته و شئونه و لو انه توقف في كل ما لميصل اليه لاضطرب اضطرابا شديدا و اصابه ضر [ص 80] عظيم فلا اقل من العسر و ضيق الصدر و الذي لايريد الا اليسر و السعة و ان لايكون للناس عليه حجة و لو وهمية لايسلك بالخلق الي هذا السبيل فانه وعر جدا فتأمل و اما اذا اردت الوجه الحقيقي فاسمع لما يتلي عليك ان هو الا وحي يوحي و ليس وراء ذلك كلام فنقول اعلم ان الحدود الالهية التكليفية صور شرعية يتحدد بها الشيء و الحكم الزام تلك الصورة اياه باقتضائه فالشيء المحكوم عليه هو مجموع تلك الصورة و ذلك الشيء الذي هو المادة او كالمادة فقبل تحقق الصورة يبقي ذلك الشيء مطلقا معري عن كل تلك الصور و صالحا للتقيد بها و هذا لا اشكال فيه ثم ان الحدود الجارية علي الاشياء علي انحاء منها حدود تلزمها من حيث نفسها و اقتضاء كينونتها من حيث مراتبها و شئونها و ذاتها و منها حدود تلزمها من حيث انتسابها الي غيرها و اقترانها معه و افتراقها عنه علي ما هو عليه في الواقع الوجودي و منها حدود تلزمها مع الجميع باعتبار علم الآخر به و تعلقها به اذ حدود الشيء الواحد باعتبار العلم و الجهل تختلف الاتري من واقع الاجنبية جاهلا فانها حلال عليه و لو انعقد ( انعقدت خل ) نطفة ليست نطفة حرام و ذلك الولد ليس بولد الزنا بخلاف ما لو كان عالما فانه ينعكس الامر و كذلك الصائم يأكل و يشرب جاهلا بحيث يشبع و يروي و لايبطل صومه و لا قضاء عليه و لا كفارة بخلاف ما لو كان عالما فان عليه القضاء و الكفارة و هذا لا ريب فيه اذا علمت هذه المراتب الثلثة فاعلم ان كل مرتبة ثانية حدود المرتبة الاولية و تلك المرتبة الاولية بمنزلة المادة للثانية و ان [ص 81] كانت مصورة في مرتبتها كالخشب فانه مركب من المادة و الصورة لكنه مطلق بالنسبة الي السرير و الصنم و الباب و غير ذلك فالشيء من حيث هو قبل التعين و التصور قابل لكل صورة مطلق لا بشرط فلما تصور و تعين تقيد و لايشمل الآخر و هذا الشيء المصور المقيد في رتبة قبل الاقتران بالآخر الذي يفيد الحدود الثانوية مطلق بالنسبة الي الرتبة الثانية صالح للتقييد بكل قيد و حد في المقام الثاني غير محكوم علي شيء مما في هذه المرتبة فيكون المجموع المركب من الحد و المحدود مادة للحدود الثانوية سواء طابقت الاولي ام خالفت او ناقضت و ذلك كالصدق فانه من حيث هو طيب طاهر حلال يوصل صاحبه الي اعلي مقامات القرب و الكذب فانه من حيث هو رجس نجس خبيث منتن حرام يوصل صاحبه الي اسفل دركات البعد لكن اذا اضيف مع الآخر ينقلب الحكم فاذا اضيف الصدق الي هلاك المؤمن فيكون حينئذ من حيث هذا الوصف رجسا نجسا باطلا حراما و الكذب اذا اضيف الي نجاة المؤمن في الله يكون حلالا طيبا طاهرا مباركا و لا ريب فيه فاذا قطعت النظر الي الاضافة و رجع كل منهما الي صقعه و رتبته سقط الحكم الثانوي و رجع الي الاولي فكذلك هذا المجموع باعتبار علم المكلف و جهله به يختلف حكمه و يتجدد حده فيكون ذلك المجموع مادة او بمنزلة المادة المطلقة للحدود الثالثة فاذا قطعت نظرك عن علم المكلف رجع ذلك الشيء الي صقعه و سقطت الاحكام المتعلقة بتلك الرتبة رأسا فتكون حينئذ الرتبة الاعلي الاولي مطلقة بالنسبة الي السفلي الثانية فالشيء مطلق بالنسبة الي السفلي الثانية فالشئ مطلق [ص 82] بالنسبة الي الحدود الاولية الثابتة له من حيث هو و لولا تلك الحدود لاجريته في كل ما يصلح له و لايأبي عن ذلك و الشيء المحدود بالحدود الاولية الذاتية مطلق بالنسبة الي حال الاقتران فلولا الحدود الثانية الثابتة له من هذه الحيثية لاجريته الي ما يصلح له من حيث الاقتران علي الاطلاق و كذلك المحدود بالحدود الثانوية مطلق بالنسبة الي الحدود الثالثة الثابتة له من حيث علم المكلف به و تمكنه عليه فلولا تلك الحدود لاجريته في ما يصلح و لايأبي عن ذلك و للاشارة الي هذا السر المخفي قال عليه السلم كل شيء لك مطلق حتي يرد عليك امر او نهي و لنوضح لك المراد بذكر المثال و يضرب الله الامثال للناس و ما يعقلها الا العالمون فنقول ان الذات و الجوهر المجرد عن الصفات المخلوق اولا قبل الصور و التعينات مطلقة عامة شاملة لكل الصور و الحدود و ليس بحد اولي من الحد الآخر بالنسبة اليه و ينتسب الي الكل و ينتفي عنه فاذا تحددت بالحدود الجنسية و تصورت بصورها فامتازت لكن كل حد من هذه الحدود الجنسية مطلق بالنسبة الي الصور النوعية فتصلح كل حصة من الحيوان مثلا لكل من الانسان و الفرس و البقر و امثالها ظاهرا فيجوز لك ان تنسب كل حصة الي الكل و تنفي عنه و هذا المحدود بالحدود النوعية مطلق بالنسبة الي الحدود الشخصية فتنسب كل حصة الي كل هذه الحدود و تنفي عنها مما استجن فيها من امكان كل تلك الحدود فاذا تشخص بالمشخصات الجزئية ارتفع العموم و اختص كل حصة بما لها من الصور فتقول زيد و عمرو و بكر و غير ذلك [ص 83] فتدبر في هذا المثال تجد الامر واضحا و ان اردت اوضح من ذلك اذ ربما تستشكل لقصورك و لغرابة المطلب و بعده عن الافهام فلنمثل لك مثالا مطابقا في بادي النظر فنقول ان الشيء من حيث هو هو مع قطع النظر عن ملاحظة كيفيته معه مطلق يصلح لكل طبيعة و كل لون فاذا اضفت اليه الحرارة و اليبوسة اقتضي الحمرة فحكمت ( فحكمت عليه خل ) انه احمر و اذا اضفت اليه الحرارة و الرطوبة اقتضي الصفرة فحكمت عليه بها و اذا اضفت اليه البرودة و الرطوبة اقتضي البياض فحكمت عليه به و اذا اضفت اليه البرودة و اليبوسة اقتضي السواد فحكمت عليه به هذا اصول الالوان في الجملة و براهينه مذكورة في العلم الطبيعي هذا حكم كل واحد من حيث نفسه فاذا اضفت بعضها الي الآخر يختلف حكمه فتحكم عليه بحكم آخر مثل ما اذا اضفت الصفرة الي ( الي السواد تحصل الخضرة فتحكم عليه من هذا الاقتران بالخضرة و اذا اضفت الصفرة الي خل ) البياض تحصل الحمرة و اذا اضفت السواد الي البياض تحصل الزرقة و هكذا هذا حكمه من حيث الاقتران الواقعي و اما حكمه باعتبار ظهوره في المرآة مع هذه الالوان و هو مثال علم المكلف فان العلم ظهور صورة المعلوم في مرآة خيال العالم فيختلف باختلاف المرآت فلون الابيض يري في المرآت البيضاء ابيض و في السوداء اسود و في الحمراء احمر و في الخضراء اخضر و في الصفراء اصفر و في العوجاء اعوج و هكذا فقبل مقابلته بالمرآة يصلح ان يتلون بالاحمر و الاخضر و الاصفر و الاستقامة و الاعوجاج الي غير ذلك من احوال المرآت فلايمكنك قبل المقابلة ان تحكم [ص 84] عليه بشيء من هذه الالوان فيسقط اعتبار حكم المرآة فهو قبل مقابلة المرآة اياه مطلق بالنسبة الي الصور المنطبعة فيها لايجري عليه من حيث المقابلة قبلها حكمه نعم بعد ما ظهر في مرآة من المرايا اختص حكمها به فافهم فانه تمام الامر فظهر لك مما شرحنا ان الاشياء و ان كانت لها حدود من حيث انفسها و حدود من حيث اضافتها الي المكلفين لكنها مطلقة بالنسبة الي علم المكلفين بها و تمكنهم عليها فاذا فقد احد الشرطين اللذين هما تمام قابلية تلك الحدود انتفي المشروط المقبول نعم اذا حصل العلم و المكنة هنالك حصلت المقابلة التامة فيلزمهم الحكم و يترتب عليه مقتضاه من السعادة و الشقاوة و اما قبل ذلك فالناس المكلفون في سعة من ذلك هذا حكم الوجدان الصحيح الصريح و تطابقت عليه الآيات و الروايات عن سادات البريات مثل قوله تعالي و ما كنا معذبين حتي نبعث رسولا و قوله تعالي ليهلك من هلك عن بينة و يحيي من حي عن بينة و قوله تعالي لايكلف الله نفسا الا ما آتيها و قوله تعالي و ما كان الله ليضل قوما بعد اذ هديهم حتي يتبين لهم ما يتقون و قوله تعالي معاذ الله ان نأخذ الا من وجدنا متاعنا عنده ، و قوله صلي الله عليه و آله رفع عن امتي ما لايعلمون و قوله صلي الله عليه و آله ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم و قوله عليه السلم ايما امرء ركب امرا بجهالة فليس عليه شيء و قوله صلي الله عليه و آله الناس في سعة ما لميعلموا و قوله عليه السلم كل شيء مطلق حتي يرد فيه نهي كما رواه الفقيه (ره) حتي يرد امر او نهي كما رواه الشيخ (ره) و قوله عليه السلم حين سئل عن الرجل [ص 85] فتزوج المرأة في عدتها اهي مما لاتحل له ابدا فقال لا اما اذا كان بجهالة فليتزوجها بعد ما ينقضي عدتها و قد يعذر الناس في الجهالة بما هو اعظم من ذلك فقلت باي الجهالتين اعذر بجهالته ان ذلك محرم عليه او ( ام خل ) بجهالته انها في عدة فقال عليه السلم احدي الجهالتين اهون من الاخري الجهالة بان الله حرم ذلك عليه و ذلك انه لايقدر علي الاحتياط معها فقلت فهو في الاخري معذور قال نعم الحديث ، و قوله صلي الله عليه و آله ان الله احتج علي الناس بما آتاهم و عرفهم و قوله عليه السلم في قول الله عز و جل و ما كان الله ليضل قوما بعد اذ هديهم حتي يتبين لهم ما يتقون قال عليه السلم حتي يعرفهم ما يرضيه و ما يسخطه قال فالهمها فجورها و تقويها قال بين لها ما تأتي و ما تترك و قال انا هديناه السبيل اما شاكرا و اما كفورا قال عرفناه اما آخذ و اما تارك و عن قوله تعالي و اما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمي علي الهدي و هم يعرفون و في رواية بينا لهم و في رواية عبدالاعلي اصلحك الله هل جعل للناس ( في الناس خل ) اداة ينالون بها المعرفة ( المعرفة قال خل ) فقال لا فقلت فهل كلفوا المعرفة قال لا علي الله البيان لايكلف الله نفسا الا وسعها و لايكلف الله نفسا الا ما آتيها و قوله عليه السلم ليس علي الخلق ان يعرفوه و للخلق علي الله ان يعرفهم و لله علي الخلق اذا عرفهم ان يقبلوا و رواية عبدالاعلي بن اعين قال سئلت اباعبدالله عليه السلم من لميعرف شيئا فهل عليه شيء قال لا و رواية حمزة بن الطيار عن ابيعبدالله عليه السلم قال لي اكتب فاملا علي ان من قولنا ان الله يحتج علي العباد بما آتيهم و عرفهم ثم ارسل اليهم رسولا و انزل عليهم الكتاب فامر فيه و [ص 86] نهي الحديث ، و قوله عليه السلم ان الحجة لايقوم لله علي خلقه الا بامام حتي يعرف و الروايات في هذا المعني كثيرة لاتحصي بل لاتجد خبرا و لا آية من كتاب الله الا و رأيته شاهدا علي هذا المدعا بل الكون و الخلق و الرزق و الحيوة و الموت مابنيت الا علي هذا و السر فيه ما ذكرت لك من دليل الحكمة و ان اردت دليل المجادلة بالتي هي احسن فقل ان الخلق جهال من نحو ذاتهم و التكليف امر توقيفي من عند الله سبحانه لا سبيل للخلق اليه كما عرفت سابقا مشروحا فاذا اراد حكما من العبد يجب عليه في الحكمة ان يبينه له لانه هكذا وعد و قال و علي الله قصد السبيل فاذا لميبين مع اقتداره عليه و ايصاله الي الخلق و جهل الخلق اياه لميرده من الخلق فاذا اراد ذلك و لميبين كان مكلفا بما لايطيقه الخلق و هو سبحانه اجل من ذلك و انما كلفهم علي وسعهم كيف و لو فتح هذا الباب لانسد باب ارسال الرسل و انزال الكتب و تعيين الحفظة لجواز ان يريد من الخلق ما لايبينه لهم فكلما جاز علي الله وجب اذ ليس عنده تردد و لا انتظار الا اذا كان ذلك الشيء في نفسه قبيحا مثل اسعاد الاشقياء و اشقاء السعداء فان قلت ان في التكليف من غير بيان قبحا قلت فالله تعالي اجل ان يرتكبه و ان قلت ليس فيه قبح لكن البيان احسن و لاجله بعث الانبياء قلت فالله اجل ان يعدل عن الاحسن ما لميكن مانع فان قلت ان المانع غيبة الحجة و المبين عليه السلم و روحي له الفداء قلت اولا ليس هذا هو المانع لما ذكرنا مكررا ان الحجة يد الله في الارض و عين الله الناظرة في العباد ( عباده خل ) يد الله مبسوطة ينفق [ص 87] منها كيف يشاء من احكام الوجودي و التكليفي و الذاتي و الصفتي كيف و لولا ذلك لمتجد الحق اصلا قال رسول الله صلي الله عليه و آله علي ما رواه ابنعباس ما معناه لميوجد حق في يد احد من الخلق الا بتعليمي و تعليم علي عليه السلم و لايلزم ذلك المشاهدة و المعاينة بل يدبرهم من حيث لايشعرون كما كان سنن الانبياء الماضين مع رعيتهم و شيعتهم حال اختفائهم اقرء قوله تعالي و دخل المدينة علي حين غفلة من اهلها الآية ، و ثانيا ان هذا هو المصادرة فان المراد ان في صورة الغيبة و عدم التمكن من ايصال التكليف و المكلف به يرتفع التكليف فلايجوز ان يكون مثبتا للمدعا فافهم فان قلت ان الخلق لا شك انهم يدرون ان في كل شيء حكما يكلف به الانسان قلت هذا لمجمل نعم لكن من اين يدرون عموم هذا حتي الي انفسهم حين عدم وصول الحكم اليه مع انه قد سبق لك ان علم المكلف بالتكليف و المكلف به و كذا الدليل من تمكين المكلف ( المكلف للمكلف خل ) للقبول او للانكار فان التمكين يجب ان يكون من الفاعل لا من القابل فاذا اثر الفاعل و ما مكن القابل يرفع الحايل بينه و بينه لميظهر ذلك الاثر و لميقع علي المفعول المتأثر قطعا و هذا لا شك فيه فاذا لميصل اليك من المكلف امر و نهي فاقطع قطعا يقينيا انك لست مكلفا بذلك و لايريده منك و الا لاقام لك الدليل فانت في سعة منه و اباحة ان قلت انك قررت سابقا ان الاحكام في الواقع اربعة واجب و حرام و مندوب و مكروه و لا شك ان هذه الاربعة صفات الاشياء و من مقتضيات كينونتها و الشارع ابان عن الواقع فالمضرة و [ص 88] المنفعة انما هما ثابتان في ذلك الشيء كالسم و كالعسل اذ لانقول كما قالت الاشاعرة ان الاحكام لا مدخلية للخارج فيها بل نري الحسن و القبح عقليين فاذا كان هكذا فما وصل اليك من الشارع بيان عملت علي مقتضاه و ما لميصل اليك فعليك التوقف لان الشارع مبين لا مخترع حينئذ و قد يكون في ذلك مضرة و الاحتراز عن الضرر لازم قلت بلي ان الحسن و القبح عقليان و ان الشارع يحكم علي ( علي حسب خل ) مقتضي الشيء لكن ليس ذلك الشيء مستقلا في ذلك الاقتضاء بل متوقف علي اذن و اجل و كتاب فاذا ماقصر المكلف في الطلب و لميعثر علي الدليل فلميرد الله منه ذلك فيدفع عنه ما فيه من المضرة اذا استعمل ذلك الشيء الاتري ان الرجل اذا واقع اجنبية جاهلا و انعقدت نطفته يحكم بان الولد ليس ولد الزنا و انه يرث و اذا مات يدخل الجنة الاصلية ان عمل صالحا لا الحظاير مع ان ولد الزنا لايدخل الجنة و ذلك لاقتضاء كينونته و استدعاء قابليته و صفته فرفع الله مرتبته و رفع عنه كدورته و رقاه الي اصل جنته و بالجملة ان الاسباب انما كانت اسبابا اذا كانت بيده و المقتضي انما يترتب علي المقتضي باذنه و اللازم يترتب علي ملزومه ( الملزوم خل ) بفعله و بامره فاذا مااذن و حال بين اللازم و ملزومه و المقتضي و مقتضاه فانه علي كل شيء قدير و ما ذلك عليه بعزيز و اذا اتقنت هذا الاصل الذي اشرنا اليه مجملا يهون عليك الامر في الاختلافات الواقعة في الشريعة و ايقاع الاحكام و العقود و الايقاعات علي آراء مختلفة و الكل مثابون في اعمالهم و افعالهم و مأجورون و يزيد الله بذلك درجاتهم و يرفع مقاماتهم تفضلا [ص 89] منه و رحمة انه ذو الفضل العظيم فلو كان الامر دائرا مدار الواقع و الوصف الاولي لهلك الناس المتر ان الاطباء اذا اختلفوا في طبيعة دواء و سقوه المريض لا شك و لا ريب انه لاينفع الا فيمن اصاب الواقع في طبيعته و الباقي يتضررون بذلك بل ربما يهلكون و ليس الشارع كالطبيب مبين محض و لا التأثيرات الثابتة في الاشياء كالتأثيرات الثابتة في العقاقير بالنسبة الي الاطبا و لا كما تقوله الاشاعرة فان القول به نقصان في الحكمة كما ان في القول بانها كالعقاقير عزل لله سبحانه عن السلطنة بل امر بينهما اوسع من السماء و الارض لايعلمه الا من انار الله قلبه و شرح صدره و فيما ذكرنا كفاية لاهل الدراية و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم فظهر لك ان الاشياء التي لميصل الينا له من الشارع حكم و الاصل فيها الاباحة بالعقل و النقل و الوجدان و اشرنا الي الجميع فمن لميجد ما قلنا و تأمل فيه فليسأل الله ان يصلح وجدانه فبطل القول بالتوقف فانه فرع ثبوت التكليف و القول بالاحتياط لانه لتحصيل القطع بالمكلف به و هو فرع ثبوت التكليف مع ان مولينا الصادق عليه السلم منع من الاحتياط و احاله بقوله ان الجاهل باصل التكليف و الحكم لايقدر معه علي الاحتياط و هو كما قال روحي فداه و كذا الاقوال الاخر فان كلها ساقطة عن الاعتبار فمن نظر الي ما كتبنا و عرف ما اشرنا يري صحوا بلا غبار و نورا كالشمس في رابعة النهار و علي الله قصد السبيل و منها جائر و اما ما مثلت به من امر التتن فالقائل بحرمته او التوقف فيه لايستند الي مجرد كونه ما لا نص فيه بل يستند الي اخبار تنافيها عمل [ص 90] اصحابنا رضوان الله عليهم و تعارضها ما تقاومه فان تلك الاخبار اكثرها ( اكثرها بل كلها خل ) ضعيفة عامية مع ان دلالتها علي المطلوب ممنوعة و ليس لي الآن اقبال في ذكر ما تمسكوا به من الاخبار في حرمته و لو ادعي احد الاجماع علي جوازه امكن نعم هنا اعتبارات اخر يصلح للاعتبار و انا الي الآن ماتأملت فيها لاجل الترجيح و لميتبين لي صحة ما ذكروا و الله الهادي الي سواء السبيل .