قال سلمه الله تعالي : المسئلة الثالثة - ان من وجد حكما من الاحكام بالاخبار التي دونت و جمعت في الكتب الاربع ( الاربعة خل ) هل له ان يعمل بمقتضاه ام لايسوغ له ذلك حتي يسمع من المجتهد حكمها بواسطة او بغيرها .
اقول اعلم ان الله سبحانه خلق الخلق اظهارا لقدرته و اثباتا لعظمته و ابانة عن سلطنته فجعلهم امثلة تفريده و تمجيده و خلقهم علي هيكل توحيده فاظهر بهم علمه لما خلق فيهم العلم و قدرته لما خلق فيهم القدرة و حيوته لما خلق فيهم الحيوة و هكذا ساير صفاته الكمالية و سماته الجمالية و قال عز من قائل سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق ، و يضرب الله الامثال للناس و مايعقلها الا العالمون ، و اضرب لهم مثل الحيوة الدنيا كماء الآية ، و لما كان ظهور السلطنة و الكبرياء و القهارية و الجبروت من اعظم ما يجب علي الخلق معرفته حتي يخضعوا علي طاعته ( لطاعته خل ) و يخشعوا لعظمته فتذلل رقابهم لعبوديته و ترتعد فرايصهم من خشيته و تضمحل اهوائهم دون ارادته و تبطل مشيئاتهم دون مشيته ليخلصوا في طاعته و عبادته و [ص 91] يصيروا من اهل توحيده لينالوا ما خلقوا لاجله و يصلوا الي مقام قربه و يتنعموا في جنته بثوابه تفضلا منه و رحمة و قد جرت عادة القلوب ان بالبيان المقالي لاتسكن و لاتطمئن الا اذا رآه او اذا رأي صفته و مثاله بالمشاهدة فتستولي عليه عظمة الحق سبحانه خلق صفة تلك السلطنة و مثالها و آيتها في الخلق ليكون ابلغ في الحجة و اكمل للنعمة فجعل الخلق علي قسمين تابع و متبوع و راع و رعية بحيث لايستقيم النظام بدونه في كل مرتبة من المراتب حتي في نفسه و اهل بيته و هو قوله عليه السلم كلكم راع و كلكم مسئولون عن رعيته و لما كان الاشياء انما يجريها الله سبحانه باسبابها و شرايطها اثباتا للحكمة و اظهارا للقدرة و الا فهو يفعل ما يشاء كما يشاء لما يشاء بما يشاء جعل عند المتبوع جميع ما يحتاج اليه التابع ليأخذ عنه و يرجع اليه و يكون بذلك تابعا له و منقادا لامره و مطيعا له في جميع ما امره و ذليلا لديه و حقيرا عنده و يري انه مع ذلك عبد ليستشعر عظمة الله و قدرته و قهاريته و ان لا ملجأ من الله الا اليه و لا مفر عنه الا به ( اليه خل ) فيخلص التوحيد و العبودية فيستوجب بذلك كرامة الابد لطفا من الله العزيز الحكيم و لما كان المتبوع هو ظاهرية الحق للخلق و به ظهور سلطنته يجب ان يكون عادلا عالما متفضلا متجاوزا عظيما صعبا لينا حكيما حليما رؤفا رحيما مشفقا علي رعاياه مسددا لهم علي ما ( لما خل ) هو صلاحهم و مرشدا لهم الي ما هو رشدهم و خيرهم ليعلموا بذلك لطف الله القاهر علي الكل التابع و المتبوع و حلمه و حكمته و رأفته و رحمته و ثوابه و عقابه و [ص 92] بالجملة هذا اصل اذا نظر المستبصر اليه يعرف جميع ما يجب عليه و ما يستحب له من سلوكه سبيل ربه في عقايده و اعماله و اقواله و حركاته و سكناته و جميع ما يخطر بباله و ذلك السلطان الذي جعله الله سبحانه آية لسلطانه و مثالا لقدرته و عظمته و امتنانه هو اولوا الامر الذين يهدون الي الحق و الي طريق مستقيم فيجب ان يكونوا معصومين مطهرين عالمين حكيمين و غير ذلك من الصفات الكمالية الظاهرة للرعية فجعلهم سلطانا علي كل من ذرء و برء من الخلق من اهل المشرق و المغرب و ما وراهما الي ما شاء الله اذ عندهم جميع ما يحتاجون في جميع جهاتهم و مراتبهم و مقاماتهم و درجاتهم و ليستشعروا رجوع كل الخلايق بكثراتها و اضافاتها و مراتبها الي الواحد القهار و لايستعجبوا ان الكثرة الغير المتناهية كيف ترجع الي الواحد و تقوم به و تصدر عنه و لما كان الليل قد تقدم علي النهار مع ان النهار خلق قبله دل علي تقدم الظلمة علي النور فلما استولت الظلمة برجسها و نتنها و خبثها يغيب النور فلذلك غاب الحجة السلطان العادل فلما غاب العادل عليه السلم اختلف امر التابعية و المتبوعية فاتبع من هو دليل الشيطان و خصيم الرحمن و غلب الحق و خفي فمابقي ظهور السلطنة الالهية علي ما خلقت له و قد علمت ان ذلك هو اقوي آيات الله سبحانه في خلقه اذ عليه يترتب كلما اراد الحق من الخلق من الاعمال و المعتقدات ارادوا عليهم السلم ان يثبتوا ذلك الحكم و يبقوا ذلك التقسيم و لما كان ذلك انما يتم بالاسباب جعلوا كلماتهم عليهم السلم كالقرآن علي ما هو عليه من [ص 93] المحكم و المتشابه و الخاص و العام و المطلق و المقيد و الظاهر و الباطن و المنطوق و المفهوم و دليل الخطاب و فحوي الخطاب و دليل الاشارة و دليل التنبيه و التلويح و التضمين و الاستخدام و الكناية و الاستعارة و من قبيل اياك اعني و اسمعي يا جارة و التشبيه و التمثيل و امثالها من الاحكام و الامور التي لايعرف المراد منها الا بالطلب و الجهد و استفراغ الوسع و العلم بنوع الطريقة و المذهب ليكون المحصل للمراد حاملا لمتبوعيته و جامعا للصفة التي يناسب و يقرب وصفهم كالعدالة و المعرفة و الورع و التقوي و امثالها ليرجع اليه من لميتمكن من التحصيل و يأخذ عنه و يذل لديه فيحصل به الغرض الذي به نظام الوجود و سر معرفة المعبود و لما كان حصر رعاياهم و غنمهم في متبوع و رئيس واحد و جمعهم علي متابعته يستلزم توجه سيوف المخالفين عليهم و اعدامهم كما بينا اوقع فيهم الاختلاف و تعددت الرؤسا و الرعايا و جعلهم بلطيف حكمتهم سلام الله عليهم ان لا تنازع بينهم و لا تحاسد و لا تباغض ليدعوهم الي فناء انفسهم كالرياسات الظاهرية ليدل علي تنزه الاصل الغائب المستتر عن ذلك و هذا الحكم يجري فيهم حتي يدول دولتهم و يظهر مستورهم ( مستودعهم خل ) عجل الله فرجه و فرجهم فهنالك يرجع الامر الي الواحد و يخلص التوحيد لله الواحد القهار و يستغني بعضهم عن بعض كما قال تعالي و ان يتفرقا يغن الله كلا من سعته و لميبق الاحتياج الا الي الواحد الذي هو ظهور الاحد جل جلاله و عم نواله فالعلماء في هذا الزمان نواب ائمتهم و حكام رعيتهم [ص 94] كما قال عليه السلم هم حجتي عليكم و انا حجة الله علي الخلق و قال عليه السلم انظروا الي رجل منكم قد روي حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف احكامنا فارضوا به حكما فاني قد جعلته عليكم حاكما فالراد عليه كالراد علي و الراد علي علي حد الشرك بالله سبحانه و تعالي و قال الله تعالي فلولانفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين و لينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون و قال تعالي فاسئلوا اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون و قال تعالي افمن يهدي الي الحق احق ان يتبع امن لايهدي الا ان يهدي فما لكم كيف تحكمون ، و قد قال مولينا العسكري عليه السلم في تفسير قوله تعالي فويل للذين يكتبون الكتاب بايديهم ثم يقولون هذا من عند الله قال فهذه لقوم من اليهود ثم قال عليه السلم و قال للصادق عليه السلم رجل اذا كان هؤلاء العوام من اليهود لايعرفون الكتاب الا بما يسمعونه من علمائهم فكيف ذمهم بتقليدهم و القبول من علمائهم و هل عوام اليهود الا كعوامنا يقلدون علمائهم الي ان قال عليه السلم فقال عليه السلم بين عوامنا و عوام اليهود فرق من جهة و تسوية من جهة اما من حيث الاستواء فان الله تعالي ذم عوامنا كما ذم عوام اليهود و اما من حيث افترقوا فان عوام اليهود كانوا قد علموا علمائهم بالكذب القراح و اكل الحرام و الرشا و تغيير الاحكام و اضطروا بقلوبهم الي ان من فعل ذلك فهو فاسق لايجوز ان يصدق علي الله و لا علي الوسايط بين الخلق و بين الله فلذلك ذمهم و كذلك عوامنا اذا عرفوا من علمائهم الفسق الظاهر و العصبية [ص 95] الشديدة و التكالب علي الدنيا و حرامها فمن قلد مثل هؤلاء فهو مثل اليهود الذين ذمهم الله بالتقليد لفسقة علمائهم فاما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا علي هواه مطيعا لامر مولاه فللعوام ان يقلدوه و ذلك لايكون الا بعض فقهاء الشيعة لا كلهم فان من ركب من القبايح و الفواحش مراكب علماء العامة فلاتقبلوا منهم عنا شيئا و لا كرامة و انما كثر التخليط فيما يتحمل عنا اهل البيت لذلك لان الفسقة يتحملون عنا فيحرفونه باسرهم لجهلهم و يضعون الاشياء علي غير وجهها لقلة معرفتهم و آخرون يتعمدون الكذب علينا الحديث ، و صلي الله علي قايله فقد ظهر لك ان النظام لايتم الا بالتابع و المتبوع و السلطان و الرعية و ظهر لك ايضا ان اخبار الائمة الاطهار و كلام الله الواحد القهار ليس مشرعة لكل خائض و منهلا لكل وارد بل لهما اصحاب و حملة و حفظة يعرفون اشاراتها و يحققون بلطيف النظر تلويحاتها و يدركون بصحيح البصر معاريضها و لطايفها و يلتفتون الي القراين و الاحوال و الارشادات التي ادرجوها في كلماتهم سلام الله عليهم و يطلعون علي مواقع الاجماع بصحة الاطلاع و يفرقون بين الشهرة الباطلة و الصحيحة و يستخرجون منها حكم الله و من لميصل الي هذه الدرجة و لميبلغ الي هذه المرتبة فهو من رعاياهم و غنمهم و يجب عليه متابعتهم و يتلقي منهم الي ان يكشف الله هذه الغمة عن هذه الامة و يرث الارض و من عليها فثبت ان عند خفاء الحجة ظاهرا الناس صنفان مجتهد و مقلد لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما و ظهر ايضا ان الاجتهاد ليس واجبا عينيا [ص 96] كما ذهب اليه الحلبيون فان ذلك خلاف نظم الوجود و خلاف ما يظهر من اخبار آل الرسول سلام الله عليهم و ما يستفاد من القرآن مع ما يستلزم ذلك من العسر و الحرج و الضيق علي كافة الخلق لان تحصيل الاحكام عن اجتهاد لا بد من تحصيل مقدماته من العلوم التي هي النحو و الصرف و اللغة و علم الاصول و مواقع الاجماع و فتاوي العلماء و معرفة الاخبار و معرفة الآيات القرآنية الدالة علي الاحكام و الملكة الراسخة و القوة القدسية التي بها يقتدر عن رد الفروع علي ( الي خل ) الاصول و اني لعامة الناس ذلك و كيف و الطلاب الذين يصرفون اعمارهم في تحصيل العلم مانري البالغين مرتبة الاجتهاد منهم الا القليل مع ان الله سبحانه يقول ما جعل عليكم في الدين من حرج و يقول و ماكان المؤمنون ان ينفروا كافة فلولانفر الآية ، كما سبق و الاحاديث السابقة و الاخبار في هذا الباب كثيرة و كذا الادلة العقلية كما سمعت من دليل الحكمة و المجادلة بالتي هي احسن فلا معني لتكليف الخلق كلهم علي معرفة الاحكام الاستنباطية و الشريعة الحنفية السهلة السمحة تأبي من ( عن خل ) ذلك فاذا عرفت ما ذكرنا لك ظهر الجواب عن المسئلة بان الذي يجد حكما من الاحكام من الكتب الاربعة ان كان من اهل الاستنباط و الاستيضاح فيعمل بمقتضاه و الا فلايجوز فان اخبارهم صعب مستصعب مفتاحها عند المجتهد و هو الباب ليس البر بان تأتوا البيوت من ظهورها و لكن البر من اتقي و اتوا البيوت من ابوابها فلو ان مجرد ملاحظة الحديث كان كافيا لكان كل من عنده كتاب من الحديث لاكتفي و استغني به و البديهة [ص 97] تشهد بخلافه فكما ان كتاب الله له حملة يحفظونه يؤخذ علمه عنهم كذلك الاخبار لها حملة يحفظونها عن تحريف الغالين و انتحال المبطلين فيؤخذ علمها منهم الا ما كان من قسم الضروريات .
قال سلمه الله تعالي : المسئلة الرابعة - ما معني علم الحال الذي ذكره الطوسي القدوسي في آداب المتعلمين في تفسير قوله عليه السلم طلب العلم فريضة علي كل مسلم و مسلمة .
اقول المراد بالحال حال الشخص مع ربه و حاله مع نفسه و حاله مع غيره لان الله سبحانه لما خلق الخلق نظر المخلوق الي نفسه فبذلك تكثرت شئونه و احكامه و قواه و شهواته و ارادته و لما كان من جهة وقوعه في رتبة الامكان الجائز مايقدر علي اظهار جميع ما يمكن في ذاته الا بمعونة الخارج من الاشياء الخارجية حصلت له علاقة الي غيره و ارتباط به فهناك تتحقق حالات ثلث حالة ملاحظة خالقه و حالة ملاحظة نفسه و حالة ملاحظة غيره و لما كان محتاجا في الاحوال الثلثة ( الثلث خل ) الي المدد و كان تلقي المدد موقوفا علي مقابلته لفوارة القدر و كان جاهلا بكيفية تلك المقابلة في المقامات الثلث ابان الحق سبحانه عن ذلك و شرح له ذلك في كتابيه التكويني و التدويني فيجب عليه ان يعرف تلك الكيفيات لان قوام وجوده و بنيته الظاهرية و الباطنية موقوف علي المدد و ايصال المدد موقوف علي المقابلة و هي موقوفة علي العلم بكيفية المقابلة في الاحوال الثلث و قد كشف مولينا رسول الله صلي الله عليه و آله عن هذا العلم بقوله الشريف انما العلم ثلثة آية محكمة و [ص 98] فريضة عادلة و سنة قائمة فالعلم بالحالة الاولي معرفة توحيد الله سبحانه و معرفة اركان توحيده و ترجمان توحيده و حفظة توحيده و الثمرات المترتبة علي توحيده و المترتبة علي كفره فالترجمان هو النبي (ص) و الحافظ هو الوصي و الثمرة المترتبة معرفة الحشر و النشر و الثواب و العقاب يوم القيمة و معرفة صفات الحق و افعاله و الفرق بين صفاته الذاتية و الفعلية و الفرق بين الصفات اللايقة لجلال قدسه و التي لاتليق به مطلقا اي في الصفات الذاتية و الفعلية و معرفة عبادته و مناجاته و دعائه و كيفية الاعمال الموصلة الي ثوابه و الاعمال الموصلة الي عقابه و هذا القدر بالاجمال للعوام و بالتفصيل للخواص و بالتحقيق للخصيص و قد ذكرنا في تفسيرنا علي آيةالكرسي عند تفسير لا اله الا هو ان التوحيد له مائة و ستون مرتبة و كل الخلق من الذرة الي الدرة لهم مقام فيها علي حسب درجاتهم و ترقياتهم و تنزلاتهم و الاعمال تتبع التوحيد فالحقيقي يستدعي الحقيقية و الباطني اي الشهودي يستدعي الباطنية و الملاحظة الاضمحلالية و الصوري يستدعي الصورية ،
و لكل رأيت منهم مقاما شرحه في الكلام مما يطول
فافهم وفقك الله و العلم بالحالة الثانية ان يراقب النفس و يطهرها من اوساخ الاغيار و يحليها بحلية الابرار و يستشعر عظمة الله و قدرته آناء الليل و اطراف النهار و انه ليس شيء الا بمدده و وجوده من فاضل جوده و لايتعقل باطلا و لايتصور زايلا و لايتخيل خيالا بل يجعل همه في ذكر الباقي و فكره و السعي في طلبه و الباقي له مراتب من اول جنان [ص 99] الآخرة الي الكثيب الاحمر الي مقام الرفرف الي مقام الرضوان ثم منه الي ما شاء الله من البقاء الابد و الدوام السرمد او الباقي الذي لايهلك و هو وجهه سبحانه الظاهر في اسم الله الرحمن الرحيم ففي الرحيم ينظر الي الوجه بذاته و في الرحمن بشبحه و في الله بنوره او الباقي الذي هو الحق المتعال عن وصمة الزوال بان لايكون همك الا هو لا بان تصل الي ذاته كما هو من خرافات الصوفية لعنهم الله بل بان تقطع نظرك عن كل ما سواه بحيث استولي بظهوره علي كل الظهور فاضمحل عند نوره كل نور و انعدم بوجوده كل الغيور و انت في مكانك و هو جل جلاله في ازله تعالي عما يقوله الظالمون و عما يصفه الواصفون علوا كبيرا و قد قال عليه السلم المؤمن كلامه ذكر و صمته فكر و نظره اعتبار و قد شرحنا هذا العلم في جواب المسئلة التي اتانا من ارض الغري علي مشرفها سلام الله الملك العلي فان ما فيه تمام الامر لمن عرفه و ليس لي الآن توجه الي التفصيل و العلم بالحالة الثالثة له بيان مجمل و مفصل اما المفصل فمذكور في اخبار الائمة الاطهار عليهم سلام الله الملك الجبار و الكتب الموضوعة في علم الاخلاق فليرجع اليها و اما المجمل فبان تعاشر غيرك مثل ما تحب ان يعاشرك اذا كنت معتدل المزاج و متوسط الاحوال و الا فانظر حال المعتدلين الواقفين مقام اليقين فشابههم ثم عامل معاملتهم و هذه الحالات الثلثة هي تقوي الله في القرآن في قوله تعالي ليس علي الذين آمنوا و عملوا الصالحات جناح فيما طعموا اذا ما اتقوا و آمنوا و عملوا الصالحات ثم اتقوا و آمنوا ثم اتقوا و احسنوا ان الله يحب [ص 100] المحسنين فالاولي تقوي الناس و الثانية تقوي النفس و الثالثة تقوي الله علي ما شرحت لك و الله ولي التوفيق و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين .
قال سلمه الله تعالي : المسئلة الخامسة - كيف تبييض الثفل اذا اخذ منه المياه هل بالاحراق او الطبخ مع لبنة العذراء و ما المراد بالجسد الجديد الذي ذكره الحكماء فابسط لي يا سيدي هذا المقال و بين لي حقيقة الاحوال و اكشف القناع عن وجه الاجمال بيض الله غرة احوالكم و جعل الفردوس مآلكم .
اقول كلا الامرين يصح لكنك اعلم اولا ان تبييض الثفل في مقامين احدهما في المقام الاول الذي هو العمل المكتوم فان هذا العمل له اربع مراتب الاولي المغتذي حتي يكون نطفة و يتميز بين نطفة الرجل و نطفة المرأة ثم يجمع بينهما بالتزويج بالزوجات الاربع الي ان ينعقد الماءان الخارجان من صلب الرجل و ترائب المرأة و يصيران ماء واحدا و هيهنا يتم ربع العمل الثانية رتبة المعدن و هو بعد انعقاد الاصل و المادة و السقي بالمياه الاربعة الاول بمثله ثم بنصف ثلث مثله ثلث مرات لاتمام الاربعة و ظهوره في كل سقي بلون من الالوان الي ان يعود الي البياض كالروب و الي هنا يتم نصف العمل الثالثة رتبة النبات و هو استخدامها بالجواري الست و طوافها بالبيت الحرام اسبوعا ثم استخراج الارواح الي الانوار الحقيقية النور الابيض و النور الاصفر و النور الاحمر و جعلها هي النور الاخضر و الي هنا يتم ثلث العمل [ص 101] الرابعة مرتبة الحيوان و هو مقام التركيب و الضم و اخراج التسعة المفسدة من الارض المقدسة بالتساقي التسعة ( التسع خل ) و وضعها علي الجبال العشرة فهناك يتم العمل فبعد اتمام الثلث يظهر القمر في فلكه الجوزهر في مقام انشأناه خلقا آخر فباتمام التسع يكمل الولد و يبلغ مبلغ الرجال و ينطق معلوم المبدء و المآل و هو الشجاع الذي يهزم الصفوف و لايكترث بالالوف و القوم انما كتموا الربع الاول و ما ذكروه ابدا تضنينا لهم بالامر و تعمية للفهم و لذلك سموه بالعمل المكتوم و ربما يشيرون الي الربع الثاني باشارات بعيدة المنال و يشرحون النصف الآخر في اغلب الاحوال بالرمز و الايماء في المقال فالتبييض في العمل المكتوم مما لا بد منه بل هو الاصل و الا يبقي المركب كدر اللون فيؤثر هكذا كدرا اغبر و هذا نقص عظيم في العمل و كيفية هذا التبييض انك بعد ما فصلت المادة الي ماء جامد و نار سائلة و صفيت النار و اخذت صفوها و القيتها علي الماء اربعة امثاله او ثلثة فجذبتها منه ثم رويتها الي ان انقلب نصف الماء نارا ثم القيت عليه من ذلك الصفو مثله فجذبتها منه ثم اعدتها عليه الي ان انحل النصف الآخر فرميت الباقي فانه ميت لا حيوة فيه فهناك انعكس الامر فانقلب الماء بالنار و النار بالماء ثم تعقد النار حتي يكون في قوام العسل او الشحم فهناك محل التبييض بان تدخل عليه الماء المستخرج عنها و تعفنها ثلثة اسابيع حتي يصير ماء واحدا ثم تقطره و ترفق في تقطيره و ترد الاعلي الي الاسفل سبع مرات فيصير الاعلي في اعلي طبقة الزيبق الغواص و تقطره بالرطوبة و لاتزال كذلك [ص 102] حتي يكون الماء ابيض كالثلج و النار التي هي الجسد اسفل اغبر فلاتزال تردد عليه الماء و تقطر حتي يبيض النحاس المحروق و هو الثفل كالرخام المدقوق و الماء كالورد الاحمر و قد بلغ غايته و ان قل الماء اذا زدت تقطيره وضع عليه من الماء المدخر عندك و اطبخ الجسد به و قطره و اعلم ان الغرض كله في البياض فلاتضجر من طول زمانه فبعد يقصر الزمان و اعلم ان العمل علي الماء القراح و ليس له قدر معلوم فلاتضر كثرته و ان زاد الا انه يبطي في الانجلاء فاذا ابيض ذلك الجسد او تلك النار او العسل او الشحم او نطفة الرجل فهناك محل التزويج بالمرأة فتوزن من ذلك الماء ضعفه اربع مرات فزوجه اولا بكفوه و هو مثله ثم اقسم الباقي نصفين و اجعل النصف ثلثة فزوج كل ثلث مرة و عفن في هذه المراتب الثلث كل مرتبة عشرين يوما بعد ما عفنت الازل اربعين يوما ففي التزويج الاول يكون اسود كالقار و في الثاني كالزبرجد و في الثالث ازرق كلون السماء و في الرابع ابيض كالروب و هذا تمام نصف العمل ثم تدبير رتبة النبات و تمام الستة التامة و كمال السبعة الكاملة في التساقي الستة و الاشواط السبعة فبعد اتمام هذه المراتب و قطع هذه المسافة يؤخذ في اخذ الماء و تطهير الجسد الثاني الذي هو الجسد الجديد بعد تطهير الجسد الاول العتيق و اخذ الماء الذي هو الحيوة و به روح الحيوة بل هو روح الحيوة التي يقبضها ملك الموت و هذا الجسد الثاني هو الارض المقدسة التي فيها قوما جبارين و قد امر الله موسي الصبغ الاحمر يطهر تلك الارض بجنوده و اعوانه و هم المياه [ص 103] المستخرج من الجسد اولها الماء ذو الوجهين كوكب اميرالمؤمنين عليه السلم اي زحل و ثانيها الماء الابيض البراق الشفاف في غاية التلألأ و اللمعان اشبه الاشياء بالزيبق و هو الغربي و الفتاة الغربية و هرمس حكيم و يوشع بن نون و هو الحمامة في قوله تعالي فخذ اربعة من الطير و كانت الطاووس و الحمامة و الديك و الغراب لما سئل ابرهيم علي نبينا و آله و عليه السلم ربه ان يريه كيفية احياء الاموات و كيف تدبير الحكيم لذلك الشيء اللئيم حتي يكون حيا و محييا و كاملا و مكملا و نورا و منورا يحكي بالمثال و يدعو الي القادر المتعال و يناجيه باسمه ذي الجلال فيكون اخت النبوة و عصمة المروة في المآل و لعمري ان ذلك بعيد المنال و منيع الوصال ظاهره ظاهر الادوار و باطنه حقيقة الاكوار في الاطوار و هو ظهور الصنع و المصنوع و الحقايق و المعارف ينبوع الولد الكريم الشجاع العظيم المسمي عند طائفة بعبدالواسع و عبدالكريم و عندي بعبدالله العلي العظيم فابان الحق عز و جل عن كيفية ذلك بقوله الحق فخذ اربعة من الطير ، و شرح مولينا اميرالمؤمنين عليه السلم ذلك بقوله عليه السلم :
خذ الطيار و الطلقا و شيء يشبه البرقا
اذا مزجته سحقا ملكت الغرب و الشرقا
فالطيار هي الحمامة و هو الابيض الغربي و يقال له لبنة العذراء ايضا لوجه لايخفي و كوكب عطارد و ان كان المشتري هنا اقرب و له اسماء كثيرة علي نحو اشاراتهم و ثالثها الماء الاصفر الشرقي و هو يخرج بعد [ص 104] هذا الماء الابيض الغربي و هو الديك في قوله تعالي المتقدم و يشار اليه بالبراق و هو بريد التلاق و به المساق و هو البقرة الصفراء و كوكب الزهرة و رابعها الماء الغليظ الاحمر القاني الشرقي و هو يخرج بعد هذا الماء بتضعيف الحرارة و هو الطاووس و الماءان معا شيء يشبه البرقا في قول اميرالمؤمنين عليه السلم و هو كوكب المريخ ثم يضاف الماء الاول ذو الوجهين الذي ظاهره ناظر الي القمر و باطنه الي الشمس علي الثفل الباقي فيطبخ علي النار و لو مكشوف الرأس فتظهر الشمس مادة الكبريت الاحمر و هو موسي الكليم الملقي في اليم خوفا من فرعون اللئيم فيأخذه عدو له بذلك الثفل فلما استخلص نبئ و امر بتطهير الارض المقدسة فقام عليه السلم مناديا في قومه يا قوم ادخلوا الارض المقدسة التي كتب الله لكم و لاترتدوا علي ادباركم فتنقلبوا خاسرين اذ بهم تعمر ذلك الارض و يعلو ذكر الله سبحانه فيها قالوا يا موسي ان فيها قوما جبارين و هم ريش غراب و الصخور و الجبال و لذا قيل ان العرب لاتقدر علي حمل الصخور و الجبال فازل رٖيش الغراب ليكون عقابا قال رجلان من الذين يخافون انعم اللّه عليهما ادخلوا عليهم الباب فاذا دخلتموه فانكم غالبون و علي اللّه فتوكّلُوا ان كنتم مؤمنٖين و الرجلان يوشع بن نون و كالب بن يوحنّا و دخل يوشع بن نون في المدينة و هو عبارة عن الابيض الغربي فيطهّر و يبيّض ( فتطهّر و تبيّض ) تلك الارض و الثفل بَعْد اخذ المياه بارسال الابيض الغربي او بالتكليس و لهم في ذلك طرٖيقان الاول اولي لئلايتحجر و لموافقته لكتاب اللّه اما الاوّل فيوضع [ص 105] عليه من ذلك الماء الغلٖيظ فيعفّن بحرارة شمس الشتا ثم يقطّر بحرارة شمس الصّيف فيكرّر العمل الي ان يبيض ان احتٖيج الي ذلك و الّا فالمرّة الواحدة تكفي و ذلك الماء المصفّي به الصافي باطنا و الكدر ظاهراً بالعرض يصفي مرّة ثانية بالتقطٖير فيعود الي الحالة الاولي و هذا لَيْس بواجب و لا دخل له في حقٖيقة العمل الّا انّ المسافر كلما يكون عنده الماء اكثر احسن لئلايعطش في اثناء الطرٖيق و لايجد ماء فيهلك و امّا الثاني بان يوضع الثفل الذي هو الارض "٢" قبل التطهٖير نتنها و لزوجتها في اَثال من خزف صابر علي النّار ثم يوقد تحتها "-٢" اول اليوم بنار ليّنة يوم و ليله ثم تنقله الي نار الفحم الدّقٖيق ثم الي نار الحطب تدرّج النّار الي ستة ايام و في السّابع تضرمه بنار التّصعٖيد القويّة حتي يَصْعد الجسد كله الي القبّة و يبقي الثّفل كالخشب الاحمر فارمه فلا نفع فيه و هذه النار القوية تسمّي بالهايجة و هذا الصّاعد هو الارض المقدّسة و هذا هو الجسد الجَديد . هذا آخر ما اردنا ايراده في جواب هذه المسايل و الحمد للّه وَحْده و صلي اللّه علي محمد و آله الطاهرٖين .
و كتب منشيها العَبْد الجاني كاظم بن قاسم الحسيني الرّشتي حامداً مصلّيا مستغفراً و لا حول و لا قوة الا باللّه العلي العظيم .