[ص 1]

رسالة في جواب الملا مهدي الرشتي

من مصنفات السيد الاوحد الامجد

المرحوم الحاج سيد كاظم الرشتي اعلي الله مقامه

[ص 2] بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

الحمد للّه ربّ العالمين و صلّي اللّه علي خير خلقه محمّد و آله الطيبٖين الطّاهرين .

امّا بَعْد فيقول العَبْد الفقير الحقير الجاني كاظم بن قاسم الحسيني الرّشتي انّ بعض الاخوان ايّده اللّه تعالي بالاٖيمان و اوصله بمنّه و كرمه الي حقٖيقة الايقان و سلّمه عن طوارق الزّمان بالنبيّ و آله سادة الانس و الجانّ سئلني عن مسائل عمٖيقة غامضة يريد الجواب علي الوجه الواقعي الحقيقي الذي عليه الامر في الواقع الاوّل ليظهر حق الصّواب و ينكشف عن وجه المقصُود النقاب و يُري الامر ظاهراً من غير حجاب و هذا امر صعب جدا سيّما علي الفقٖير في هذه الاوقات لتراكم الامراض الظّاهرية و الباطنية و توارد الآلام الصّورية و المعنويّة و توفّر الاشتغال و اختلال الاحوال و بلبال البال و مع ذلك كله فان ما يرٖيد كما يُرٖيد لايمكن و لايتحصّل الّا بدَلٖيل الحكمة من الادلّة الثلثة التي امر اللّه سبحانه نبيّه ان يدعو الخلق الي سبٖيله بها كما قال تعالي ادع الي سبٖيل ربّك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي احسن فلايعرف الشيء علي ما هو عليه بحيث يزول و يرتفع كل الاشكال الا بدَلٖيل الحكمة الّذي هو اعلي الادلّة و اقواها و اعظمها و اشرفها و اسناها و به تعرف الاشياۤء كما هي كما قال صلي اللّه عليه و آله اللّهم ارني الاشياۤء كما هي ، و هو الّذي اعطاه اللّه داود و لقمن كما قال تعالي و آتيناه الحكمة و فَصْل الخطاب و قال تعالي و لقد آتينا لقمن الحكمة اه ، و من يؤت الحكمة فقد اوتي خيراً و [ص 3] قد بينّا الادلّة الثلثة في كثير من مباحثاتنا و رسائلنا الا ان المعروف المشتهر الآن بين علماء الزّمان هو المجٰادلة بالّتي هي احسن التي ذكرها المنطقيّون في علم الميزان و هذا الدّلٖيل لايوصل الا الي ظاهر الشيء و قشره و صورته فلاترتفع به الاشكالات و لاتذهب معه الاحتمالات فاذا سدّ احتمالا يقوم احتمال آخر و لذا تريهم كثٖيرا ما يرجعُون عن حكمهم الاوّل المعلوم المقطوع به بالدّلٖيل البُرهاني و القياس الاستثنائي و الاقتراني الي الامر الآخر فيكون الاوّل باطلا عندهم و قد يتفق انّ الامرين في الواقع شيء واحد و انّما اختلفا في الصّورة و الحدود الظاهرية و هذا دلٖيل انّهم ماشاهدوا الامر و ماوصلوا الي الواقع و مارأوا الشيء كما هو و انّما تصوّروا مفهُوماً صُوريّا و رتّبوه علي المفهوم الآخر فينتج المفهومان بهذا التزويج و الاقتران مفهُوماً آخر و صورة اخري و ان كان يتراءي لهم انه الحقٖيقة و الواقع لكنه ليس كك بدليل عدم الثبات و الاستقرار الّا انّ هذا الدليل ايضا باب فتحه اللّه سبحانه للخلق اذا عجزوا عن الدليلين الآخرين اللذين هما الاصل في معرفة الاشياء علي جهة القطع و اليقين الذي لايشوبه الظن و التخمين فاذا علمت هذا علمت ان اجراء الكلام علي دليل الحكمة لايمكن في هذا الزمان لعدم معرفتهم اياه و عدم انسهم به فينكرون كما هو عادة اكثر الطبايع و قد اخبر الله تعالي عنهم في كتابه و اذ لم‌يهتدوا بهذا فسيقولون هذا افك قديم و قال تعالي بل كذبوا بما لم‌يحيطوا بعلمه و لما يأتهم تأويله و الفقير اتي في هذه الاوراق بما هو المقدور من [ص 4] الطرفين و لايمكنني البسط في المقال كما يريد لمكان الاستعجال و تزايد المرض المانع من استقامة الحال و في مثل هذه الحالة لايمكنني ان اشتغل بشيء الا اني اذكر ما هو المقدور الميسور لانه لايسقط بالمعسور و جعلت سؤاله سلمه الله متنا و جوابي كالشرح ليطابق كل جواب بسؤاله كما هو عادتي في اجوبة المسائل .

قال سلمه الله تعالي : اما بعد فيا سيدي و مولاي و معتمدي لما علمت لطفك و شفقتك و رأفتك بالنسبة الي بادرت الي السؤال عن مسائل اشكلت علي اريد من جنابكم جوابها و خفت اني ان سئلتكم مشافهة ان تجيبني بجواب و انساه و ايضا ان حيائي مانع من السؤال مشافهة و لاتحرمني يا سيدي و مولاي من افاضتكم بحق جدكم و آبائكم عليهم سلام الله اجمعين فاني مطيع لكم و لآبائكم الطاهرين المعصومين و ارجو من الله ان اكون اهلا لاقتباس انواركم و استدعي منكم تعجيل جوابها و ان اعلم ان لكم شغلا شاغلا و تبيين مرامها سيما المسئلة الخامسة بقدر فهمي و استعدادي فاقبل استدعائي فان الله لايضيع اجركم و زاد الله في عمركم و كثر في الدنيا امثالكم .

المسئلة الاولي - ما تقول يا سيدي في الادلة التي ذكرها الاصوليون في استنباط الاحكام الشرعية هل هي اربعة ام اثنتان و علي فرض انها اربعة ما المراد بدليل العقل و هل يحصل العلم بالاجماع في امثال زماننا هذا ام لا و هل دلالة الحديث قطعية ام لا .

اقول اعلم ان الله سبحانه ابتدع الخلق بقدرته ابتداعا و اخترعهم بمشيته اختراعا ثم سلك بهم طريق ارادته و بعثهم في سبيل محبته و [ص 5] ذلك تكليفهم بما يوجب موفور ثوابه و ما يورد محذور عقابه ليجزي الذين اساؤا بما عملوا و يجزي الذين احسنوا بالحسني فلما وقع التكليف لطفا من الحكيم اللطيف تحققت امور خمسة متساوقة لايتقدم احدها عن الآخر و لا العكس بل تحصلت جميعا دفعة واحدة الاول المكلف بكسر اللام من حيث هو كذلك و هو الشارع الاول و هو الله سبحانه بفعله قال تعالي شرع لكم من الدين ما وصي به نوحا الآية ، و قال تعالي لايكلف الله نفسا الا وسعها لايقال ان المكلف يبطل حكم المساوقة المدعاة فان الله سبحانه كان قبل الخلق و قبل اكوانهم فضلا عن تكليفاتهم و التكليف انما وقع بعد التكوين و البلوغ الي الحد لانا نقول قيد الحيثية يرفع الشبهة و الايراد فان المكلف ليس صفة ذاتية لله سبحانه حتي تكون عينه و توجد بوجوده تعالي يعني هو هي ( هي هو خ‌ل ) ليلزم ذلك بل انما هو من صفات الافعال و اسمائها كالخالق و الرازق و الفاعل و امثال ذلك و لا شك ان الفعل الخاص المقيد المحدود لايكون الا عند المفعول الخاص و الا لوقعت الخصوصية باطلة فان الفعل من حيث هو ليس فيه سواه و هو واحد و تكثر اسمائه كالقائم و الكاتب و الآكل و الشارب انما هي بتعدد ( بتعلق خ‌ل ) المتعلقات و تلك الخصوصيات عرضية له كما هو المعلوم فيكون الاسم الفعلي الخاص مساوقا لذلك المفعول الخاص بروزا و شهودا و ان كان ذلك مذكورا في القدرة التعلقية صلوحا و استعدادا و هو معني قوله عليه السلم له معني الخالقية اذ لا مخلوق فافهم الثاني التكليف و هو فعل المكلف و تأثيره الواقع باثره علي المكلف بفتح اللام و لو لا ذلك لما وقع المكلف به [ص 6] فلاتترتب عليه الغاية فيبطل به النظام الثالث المكلف به و هو الحدود الموظفة المقررة التي هي روابط بين المكلف و المكلف حسب اقتضاء كينونات المكلف و لولاها لم‌تحصل المقابلة لفوارة النور التي تفور من بحر القدر فلم‌يظهر المدد فيبطل الاكوان لانه سبحانه ابي ان يجري الاشياء الا باسبابها و اما ما تري من الذين لم‌يقبلوا التكليف ظاهرا و مع ذلك مرزوقون موجودون فذلك من جهة فاضل اعمال الغير و ثبات حسناتهم و لولاها لبطلت اكوانهم و اضمحلت اعيانهم الم‌تر الي قوله تعالي و أمر اهلك بالصلوة و اصطبر عليها لانسئلك رزقا نحن نرزقك و العاقبة للتقوي فافهم الرابع الدليل و هو تمكين المكلف بكسر اللام المكلف لقبول التكليف بفعل المكلف به اذ من شرايط تحقق الاختيار و عدم الاضطرار التمكين و تخلية السرب و لو لا التمكين كان مضطرا او يكون القبول ممتنعا فوجب الدليل لارشاد السبيل الخامس المكلف نفسه و لولاه لم‌يكن للتكليف موقع و محل و يظهر من قوله تعالي ادع الي سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الآية ، ان هنا قسما سادسا و هو السبيل و هو كذلك و يدل عليه العقل السديد الا انه ليس مما يتعلق به غرضنا في هذا المقام فلذا تركته فاذا عرفت هذا فاعلم ان هذه الخمسة هي الاصول التي يدور عليها جميع ما اراد الله سبحانه من خلقه من الاعتقادات و الاعمال و الافعال و بحدود هذه الخمسة تنفتح ابواب معرفة جميع الاحكام التكليفية و لو كان لي قوة و نشاط و لم‌يمعني الضعف و المرض لبينت لك حدودها علي ما نطق به الكتاب و اخبار اهل فصل الخطاب و بالجملة [ص 7] فانك علمت لما ذكرنا ان كل هذه المراتب الثلثة من التكليف الي الدليل كل ذلك من جهة المكلف بكسر اللام و ليس للمكلف فيها الا قبول التكليف بفعل المكلف به بواسطة الدليل فاذا اختل احد هذه الثلثة برئت ذمة المكلف عن التكليف قطعا و الامر في الاولين ظاهر و اما الدليل فمن جهة انه متمم لقابلية المكلف و مقوم لها فلا قبول الا بعد تمام القابلية الا بالتمكن و لايحصل التمكن الا بالتمكين و من التمكين اراءة السبيل باقامة الدليل فيجب ان يكون دليل الاحكام و الشرايع ايضا من الله سبحانه كما كان الاصل كذلك .

و ان اردت بيانه بدليل المجادلة بالتي هي احسن فنقول ان كل حكم توقيفي نظري يجب ان يكون دليله ايضا كذلك و كلما كان كذلك فلايجوز اقتراح الدليل علي ذلك الحكم من غير جهة الموقف فكل حكم توقيفي نظري لايجوز اقتراح الدليل عليه بوجه من غير جهة الموقف اما الصغري فلان المطلوب من مقتضيات الدليل و نتيجته صورة كينونته فمهما تحققت علي ما ينبغي ترتب اثرها عليها و هو المطلوب المدلول و هذا ظاهر و اذا وجد السبيل الي الدليل من نفسه وصل الي المطلوب المدلول من نفسه بنفسه فلايكون ذلك توقيفيا فان التوقيفي ما لايكون اليه سبيل الا ببيان الموقف و اما الكبري فلما ذكرنا في الصغري فاذا ثبت ان الدليل في الاحكام التوقيفية يجب ان يكون توقيفيا فتكون ادلة الاحكام الالهية الشرعية الفرعية كلها توقيفية و الا لم‌تكن الاحكام كذلك و اللازم باطل قطعا فكذا الملزوم و الملازمة ظاهرة و لما ان الله سبحانه خلق الخلق و كلفهم بما هو صلاح آخرتهم و دنياهم و مقتضي مسائل صفات كينوناتهم و به [ص 8] نظام معاشهم و معادهم و كان لايتم التكليف الا بالدليل جعل لهم ادلة الحق و اقام لهم منار الصدق ليدركوا بذلك موصولهم و مفصولهم و تلك الادلة هي اولياء الله في ارضه و حججه علي خلقه و شهداءه علي عباده فكشفوا عليهم السلم عن كل ما اراد من الخلق بعد ما بينه الله سبحانه لهم في كتابه بظاهر احاديثهم و اقوالهم و افعالهم و تقريراتهم و بواطنها و اشاراتها و تلويحاتها و لكن لما كان لوقوع المكلف به بالتكليف الاول الجاري علي مقتضي هياكل التوحيد ظاهرا مشروحا مترتبا عليها الآثار و صافيا عن جميع الاكدار شرط آخر غير الخمسة المذكورة فانها شرط لتحقق التكليف و لولاها يمتنع بخلاف ما اذا تحققت وجب و ان لم‌يظهر فان ذلك ليس من قبل الحق سبحانه و انما هو من قبل الخلق و حكم الله سبحانه جار و هو جل جلاله لايخل باللطف و الواجب و ذلك الشرط هو انقياد الرعية كلهم للداعي الدليل باختيارهم و شهوتهم و هواهم فاذا انقادوا اظهرت الارض بركتها و فتحت ابواب الارزاق الظاهرية و الباطنية و لاكلوا من فوقهم و من تحت ارجلهم فاذا ماانقادوا اما باسرهم او بعضهم دون بعض و في الصورة الثانية الاكثر ام الاقل اذ لكل من هذه الصور حكم خاص يترتب عليه ثانيا و بالعرض غير ما اذا كانوا منقادين باجمعهم ففي الصورة الاولي فان لم‌يكن في اصلابهم نطف طيبة تستحق الهداية و الارشاد و لو بعد زمان طويل يجب انقراضهم و انعدامهم لوجود المقتضي و رفع المانع لانه حقت عليهم كلمة العذاب بانعكاس حقايقهم و ذواتهم عن مبدء النور و انتكاس [ص 9] رءوسهم الي اسفل السافلين و تقابلهم بنار الغضب و حرارة الدخان المتصاعد من الجهل الكلي فلا مهلة لهم و لايحسن ايضا في الحكمة و يلزم وضع الشيء في غير موضعه فافهم فان بيانه و شرح اسبابه و علله يطول به الكلام و لسنا بصدده و في الصورة الثانية فان كان المنكرين اقل من المنقادين فالحكم للغالب و يجب حينئذ اظهار الدين و اعلاء كلمة الله الحق المبين و ارشاد الضالين و اخماد المضلين و اثبات التكاليف علي الواقعي الاولي لوجود المقتضي و عدم مقاومة المانع اياه و ان كانوا اكثر فهناك ينقلب الامر بالظهر و البطن و ينعكس العرش الي الفرش فتختلف الاحكام لاختلاف اقتضاء الكينونات الا ان الاصل انما هو حكمان حكم اولي واقعي الهي علي حسب الكينونة الاولية المطابق لهيكل التوحيد و ذلك لايتغير و لايتبدل و لايزيد و لاينقص بل هو واحد علي كل حال و حكم واقعي ثانوي الهي علي حسب الكينونة الثانوية الغالبة عليها احكام هيكل الكفر و الشرك و النفاق و هذا يختلف و يتغير و يتبدل و يتعدد ( يتعدد و يتغير و يتبدل خ‌ل ) و يزيد و ينقص و اثبات هذا الحكم الثانوي انما هو لحفظ البنية و نظام الوجود و الكون لاظهار الحكم الاولي الواقعي الالهي و لولاه للزم احد الامرين اما الالجاء في التكليف بان يظهر الداعي الدليل امره و يعلن كلمته و يقمع من خاصمه و يقتل من ينكره فهناك يثبت الالجاء فيدخل في الدين ظاهرا من لا دين له باطنا مكرها و ملجأ فلايمكن تكذيبه لقوله تعالي و لاتقولوا لمن القي اليكم السلام لست مؤمنا و الالجاء محال في الدين قال تعالي لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من [ص 10] الغي و كذلك كان الالجاء فيما اذا كان الامام عليه السلم ظاهرا و معلنا بالامر و لم‌يحارب فيقتلونه و لم‌يقتل و يؤذونه و لم‌يتأذ و مع ذلك يبقي مدة طويلة ماجرت العادة بها في زمانهم فهم حينئذ بين قائل له بالسحر و لكن في طول البقاء لايتمشي هذا القول فان الساحر مايقدر علي تطويل عمره و بين قائل بانه الرب و بين قائل بقوله مكرها حيث لايقدرون عليه و لايجدون حيلة و بين قائل له طامعا حطام الدنيا و امثال ذلك من الامور فلايحصل التصفية الا بالغيبة و هنا امور كثيرة لايناسب المقام لذكرها و اما ما فعل رسول الله صلي الله عليه و آله من المحاربة فانه اعانة لمن سبقت له من الله الحسني لا الجاء و من هذه الجهة كان يقبل منهم فدية و جعل عليهم الجزية و جعلهم من اهل الذمة و لما كان في ذلك توهم الالجاء و عدم التصفية امر عليا عليه السلم بالسكوت و عدم المحاربة ليميز الله الخبيث من الطيب و جري هذا الحكم في خلفائه و اوصيائه عليهم السلم الي ان تنقطع النطف الطيبة من الاصلاب الخبيثة و تصفي الطبايع لرفع الغباوة فهناك يشاهد الحق فينكر من ينكر عن بينة و يقبل من يقبل كذلك فهنالك تطهر الارض من الخبائث بخلاف الآن فوجبت المقاتلة عند قيام القائم عليه السلم و قبحت الآن و لم‌يلزم الالجاء هناك و يلزم هنا فافهم او قتل الداعي الدليل اذا لم‌يجبرهم و مع ذلك يعلن الامر اعلانا كليا فان المنكر المخالف يجب قتل من يعانده و يخالفه و هم اكثر جمعا فيقتلون اهل الحق باسرهم و في قتل الامام الداعي الي الحق فساد الكون و خراب النظام فوجبت [ص 11] الهدنة و المداراة و التقية فهناك يأتي الحكم الثانوي و لا بد فيه من الاختلاف و عدم الاتفاق للتشبه بالباطل قال تعالي رجلا فيه شركاء متشاكسون و رجلا سلما لرجل ، و جعل الظلمات و النور ، و لاتتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله فعلي هذا قد يمكن اظهار الحكم الاول الواقعي و قد لايمكن و الامام عليه السلم حينئذ يجري رعيته و غنمه فيما يصلحهم و يبقي كونهم و عينهم من الاختلاف و الاتفاق انا لاندخلكم الا فيما يصلحكم راعيكم الذي استرعاه الله امر غنمه اعلم بمصالح غنمه ان شاء جمع بينها لتسلم و ان شاء فرق بينها لتسلم سواء كان عليه السلم ظاهرا غير مطاع او مكتتما مستورا و لايتفاوت الامر في الحالين ابدا فاذا غاب الامام عليه السلم عن ابصار الخلق و استتر عن نواظرهم او انه ظاهر غير مطاع لايمكن الوصول ( الوصول اليه خ‌ل ) فلايجوز اقتراح الدليل لتحصيل التكاليف الالهية فانه اذا غاب عن الخلق لم‌يغب الخلق عنه بل كل الخلق عنده كالدرهم بيد احدكم و قد دل عليه العقل و النقل و لاينكر ذلك الا مكابر لعقله او ناف لقدرة الله و عظمته في اوليائه و احبائه و لايمكنني استقصاء ما ورد من الاخبار و دلالة صحيح الاعتبار الا اني اذكر بعضها لئلايقول الجاهل ان هذا دعوي بلا دليل فمن ذلك ما في الكافي عن اميرالمؤمنين عليه السلم في خطبته اللهم انه لا بد لك من حجج في ارضك حجة بعد حجة علي خلقك يهدونهم الي دينك و يعلمونهم علمك كيلايتفرق اتباع اولياءك ظاهر غير مطاع او مكتتم يترقب ان غاب عن الناس شخصهم في حال هدنتهم فلم‌يغب عنهم قديم مبثوث علمهم و [ص 12] آدابهم في قلوب المؤمنين مثبتة فهم بها عاملون و قد قال عليه السلم في موضع اخر من هذه الخطبة فمن هذا يأزر العلم اذا لم‌يوجد له حملة يحفظونه و يروونه كما سمعوه من العلماء و يصدقون علمهم فيه اللهم اني لاعلم ان العلم لايأزر كله و لاينقطع مواده و انك لاتخلي ارضك من حجة لك علي خلقك ظاهر ليس بمطاع او خائف مغمور كيلاتبطل حجتك و لايضل اوليائك بعد اذ هديتهم بل اين هم و كم هم اولئك الاقلون عددا الاعظمون عند الله قدرا و في الكافي عن رسول الله صلي الله عليه و آله ان عند كل بدعة يكون من بعدي يكاد بها الايمان وليا من اهل بيتي موكلا به يذب عنه ينطق بالهام من الله تعالي و يعلن الحق و ينوره و يرد كيد الكايدين يعبر عن الضعفاء فاعتبروا يا اولي الابصار و توكلوا عليه و فيه ايضا عن مولينا ابي‌عبدالله عليه السلم ان الله لم‌يدع الارض بغير عالم و لولا ذلك لم‌يعرف الحق من الباطل و قال ايضا مازالت الارض الا و لله فيها الحجة يعرف الحلال و الحرام و يدعو الناس الي سبيل الله و فيه ايضا عنه عليه السلم ان الارض لاتخلو من حجة كيما ان زاد المؤمنون ردهم و ان نقصوا شيئا اتمه لهم و في الاحتجاج عن مولينا الحجة عجل الله فرجه في التوقيع الي الشيخ المفيد (ره) الي ان قال عليه السلم نحن و ان كنا ثاوين بمكاننا النائي عن مساكن الظالمين حسب الذي اراناه الله تعالي لنا من الصلاح و لشيعتنا المؤمنين في ذلك ما دامت دولة الدنيا للفاسقين فانا نحيط علما بانبائكم و لايعزب عنا شيئا من اخباركم و معرفتنا بالامر الذي اصابكم الي ان قال [ص 13] عليه السلم انا غير مهملين لمراعاتكم و لا ناسين لذكركم و لولا ذلك لنزل بكم اللأواء و اصطلمتكم الاعداء فاتقوا الله جل جلاله و قال مولينا سيد العابدين عليه السلم في الدعاء بعد العصر يوم الجمعة في الصلوة علي محمد و آله صلي الله عليهم الي ان قال عليه السلم قد اكملت به الدين و اتممت به النعيم الي ان قال و نهجت به لخلقك صراطك المستقيم و بينت به العلامات و النجوم الذي به يهتدون و لم‌تدعهم بعده في عمياء يهيمون و لا الي شبهة يتيهون و لم‌تكلهم الي النظر لانفسهم في دينهم بآرائهم و لا التخير منهم باهوائهم فينشعبون في مدلهمات البدع و يتحيرون في مطبقات الظلم و تتفرق بهم السبل فيما يعلمون الدعاء ، و امثالها من الاخبار كثيرة بل لو تأمل البصير في كلام الله المجيد و خطبات اهل بيت النبوة عليهم السلام و اخبارهم و نظر الي الفطرة لايشك فيما اقول و بسط الكلام هنا يفضي الي ما لايحسن فالمكلف المستوضح يجب عليه ان يستوضح الحكم بسراج جعله الله له فما دام ذلك السراج امامه فهو يسير بنور الله سبحانه و ضيائه و اذا فقد السراج فليعلم انه علامة عدم الاذن للمسير فيجب عليه الوقوف اذ ليس عنده سراج يضيء غيره و لايعرف الطريق اذ لم‌يسلكه ليستغني عنه فليس عليه الا السكوت فان الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات فاذا اراد المكلف استيضاح حكم من الاحكام الالهية التكليفية فليطلبه من مظانه و ادلته التي قررها الله سبحانه فمنها كتاب الله الذي جعله الله تعالي نورا يستضيء به العباد في ظلمات الحيرة و استيلاء الشكوك و الشبهات و [ص 14] روحا لتقوي به اجساد الاعمال للصعود و العروج الي رب الارضين و السموات و ذكرا يذكرهم الله به احوال النشأتين و حكمي المبدء و المعاد و هدي يهتدون به سبيل الرشاد و يبلغون به كمال رتبة الاستعداد و هو حجة اجماعا فلايعبؤ بمخالفة بعض الاخباريين كيف و هو من اكبر معاجز النبي عليه السلم بقي الي يوم القيمة علي حكم الاعجاز فلو لم‌يعرفوه و لم‌يدركوه و لم‌يبلغوا الي بعض اسراره و مزاياه ماكان قاطعا لحجج المخالفين و لا رافعا للجاج المعاندين فاذا عرفوا بعض ( بعض احكامه و ادركوا بعض خ‌ل ) اسراره علموا انه فوق طاقة المخلوقين ان هو الا ذكر للعالمين تنزيل من رب العالمين و لا شك ان الذي لايعرف الشيء لايظهر له محسناته و مزاياه و لذا تري الاعجام لايتميزون بين جيد اشعار العرب و رديها بل و لايعرفون لها حسنا و لايكفي مجرد حسن الاسلوب و الترتيب و استعمال الالفاظ الملائمة و ترك الالفاظ المنافرة اذ كل ذلك تابع للمعاني و مواقع الاداء و هذا معلوم لكل من له فهم مستقيم نعم لايعرف العباد كلما في القرآن اذ فيه تفصيل كل شيء و له بواطن و اشارات و تلويحات و لطايف و حقايق و في الظاهر ايضا مشتمل علي متشابهات ليكون ابلغ في الاعجاز و ليظهر احتياج الخلق الي الائمة الراشدين و الهداة المنتجبين سلام الله عليهم فلو لم‌يعرف كل القرآن لم‌يثبت كونه معجزا و انه ملتفت اليه فتبطل فائدة الانزال و لو عرف كله لادي الي ما لايحسن في الحكمة اذ ليس كل احد موضعا للعلم و محلا للحكم و في القرآن تفصيل كل شيء و لا رطب و لا يابس الا في [ص 15] كتاب مبين فجعله مشتملا للامرين ليكون هاديا للنجدين فجعل فيه محكما يعرف تفسيره و متشابها يرد علمه الي الله و رسوله و الراسخين في العلم و هو قوله تعالي و هو الذي انزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن ام الكتاب و اخر متشابهات الآية ، فقولهم في عدم الحجية ان القرآن لايعلمه الا الله و رسوله و الائمة الطاهرون عليهم السلم مدفوع بهذا التقسيم اذ ليس المتشابه عند العارف بالامر و لايحتاج الي محكم يكون ذلك ام الكتاب اي اصلا يرجع اليه كلما سواه فان هذا تعليم لمن لايعلم و اما الذي هو محيط بالامر او يأتيه تأويله و تفسيره من الله بالخصوص فلايحتاج الي هذا التقسيم مع ان من تدبر في القرآن عرف ان لايريد به الا الرعية قال تعالي افلايتدبرون القرآن ام علي قلوبهم اقفالها و ضرب الامثال و حكي القصص و امر الخلق بالتدبر و التفكر فيه و في الآيات الآفاقية و الانفسية مرة يوعظ الخلق و مرة يحذرهم عن عقابه و مرة يرغبهم في ثوابه و مرة يضرب لهم الامثال و مرة يحثهم الي الاعمال و يأمرهم بطاعة الرسول و اولي الامر و مودة ذي القربي و لما نزل سورة برائة امر عليا عليه السلم ان يقرء علي كفار اهل مكة و القول بان الرسول صلي الله عليه و آله يفسر لهم كل جزئي جزئي ممنوع اذ لم‌يثبت ذلك مع انا نقول ان القرآن ليس خاصا بطائفة دون طائفة و قوم دون قوم بل هو امر الله في الخلق الي يوم القيمة فكيف يتأتي هذا القول السخيف و التفرقة بين آيات الاحكام و آيات الامثال خرق للاجماع و مكابرة للوجدان و معارضة لصريح القرآن [ص 16] حيث يقول تلك حدود الله يبينها لقوم يعقلون و امثال ذلك و لا احد ثلث ما ثني الله سبحانه فافهم و كذا قولهم في منع الحجية ان القرآن مشتمل علي تحريف و تغيير و تبديل فلايعرف ( فلايعلم خ‌ل ) المراد منه مدفوع ايضا بان الامة قد اجمعت علي انه ما زيد علي القرآن شيء و ان هذا المجموع هو القرآن المنزل علي النبي المرسل صلي الله عليه و آله و اما كون بعض الآيات التي في فضايل اهل البيت عليهم السلم و ذم اعدائهم و اثبات خلافتهم و رجعتهم و كرتهم و تعذيب المنافقين باسمائهم نقصت منه فلايقدح في حجية الآيات التي تدل علي الاحكام الالهية اذ لا شك انهم ما نقصوا من كل حرف حرف من القرآن شيئا او من كل آية آية لتبطل حجية الكل اذن يبطل النظم و يفضح امرهم مع ان المنافقين ليس مرادهم تحريف القرآن من حيث هو هو كيف و قد قالوا حسبنا كتاب الله بل مرادهم تحريف الآيات الدالة علي افتضاحهم و اثبات خلافة غيرهم فماتعرضوا لما لم‌يتعلق بذلك ابدا مع انهم ماقدروا علي حذف ما ارادوا و احبوا علي ما ارادوا و احبوا امارأيت ما في الاحتجاج في احتجاج اميرالمؤمنين عليه السلم لما سئله طلحة عن امر القرآن و تعلل عليه السلم في الجواب ثم قال طلحة لااراك يا اباالحسن اجبتني عما سئلتك عنه من امر القرآن الا تظهره للناس قال عليه السلم يا طلحة عمدا كففت عن جوابك فاخبرني عما كتب عمر و عثمان اقرآن كله ام فيه ما ليس بقرآن قال طلحة بل قرآن كله قال عليه السلم ان اخذتم بما فيه نجوتم من النار و دخلتم الجنة فان فيه [ص 17] حجتنا و بيان حقنا و فرض طاعتنا قال طلحة حسبي اما اذا كان قرآنا فحسبي الحديث و يؤيد ذلك احاديث العرض علي كتاب الله و العمل بما يوافق و ترك ما يخالف فاذن كلما يظهر من القرآن و يفهم تفسيره و لم‌يكن له مناف و معارض فهو حجة يقينا لانه قرآن يقينا منزل من عند الله سبحانه و احتمال ان هذا بخصوصه نقص منه مرجوح مخالف للاصل مع انهم عليهم السلم امرونا بالاخذ عنه و عرض اخبارهم عليه و حكم اميرالمؤمنين عليه السلم في الحديث المتقدم بالاخذ بما فيه فانه موصل الي الجنة و هذه الاخبار الكثيرة كلها معتضدة بالادلة العقلية و الاصل و سالمة عن المعارض و الاخبار التي تدل علي ان القرآن لايعلمه الا الله و من انزله اليه و اهل بيته ليست علي عمومها بل المراد بها متشابهاته دون محكماته فان الله سبحانه يقول فاما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة و ابتغاء تأويله و مايعلم تأويله الا الله و الراسخون في العلم علي قراءة الوقف عليه فدلت هذه الآية الشريفة علي ان متابعة المحكم فيه الهدي و لا اختصاص له بما اختص به المتشابه بل يعم الخلق كلهم كما هو سياق المفهوم من الآية الشريفة و الاجماع ايضا حاصل علي مضمون ما في الآية الشريفة و الاخبار الكثيرة فان لم‌تسلم الاجماع فلا اقل من الشهرة العظيمة بين المسلمين و لاينكرها الا مكابر لحسه و الخبر اذا اشتهر يجب العمل بمضمونه و هذا واضح و قولهم في منع الحجية بتواتر القراءات السبع و اختلافاتها ( اختلافها خ‌ل ) فلايقطع اذن بالمعني المراد مدفوع ايضا بان الاختلاف في القراءة [ص 18] في الاغلب لايغير المعني و لو سلمنا في بعض الاحوال كما في قراءة يطهرن بالتخفيف و يطهرن بالتشديد فان مقتضي الاولي كراهة الجماع بعد النقاء و قبل الغسل و مقتضي الثانية حرمته قبل الغسل فلا حجية في مثل هذه المواضع بل يلتمس دليل آخر و حجة اخري و بالجملة فلاينبغي التوقف في حجية كتاب الله فما اجمعوا علي تأويله و تفسيره منه لا محيص عنه و وجب العمل عليه لقول الكاظم عليه السلم فما ثبت لمنتحليه من كتاب مجمع علي تأويله الي ان قال ضاق لمن استوضح تلك الحجة الرد اليها و التسليم لها انتهي ، فما لم‌يجمعوا عليه و حصل للمستوضح ترجيح من القرائن الاخر و مرجحات اخري لم‌تظهر لغيره و قطع به فلا شك في حجيته لكن لايجب علي غيره ان يقبله منه بل يجوز له انكاره و اثبات معني آخر غيره حسب ما اراه الله سبحانه بمقتضي كينونته و اختلاف الكينونات في الاقتضاءات دليل اختلاف الاحكام كما ذكرنا فافهم فان لم‌يحصل له القطع الاولي لكنه بعد الفحص البالغ لم‌يجد له منافيا و معارضا من محكم الكتاب و لا من السنة و لا من الاجماع بوجه من الوجوه فهو حجة ايضا بحكم التقرير كما نبينه لك فيما يأتي ان شاء الله تعالي لكن ليست حجية عامة بل تخصه كما في حديث الكاظم عليه السلم علي ما رواه المفيد في الاختصاص فما لم‌يثبت لمنتحليه من كتاب مجمع علي تأويله او سنة عن النبي صلي الله عليه و آله لا اختلاف فيها او قياس تعرف العقول عدله وسع خاص الامة و عامها الشك فيه و الانكار له انتهي ، فافهم فان لم‌يحصل الظن بوجه ابدا فلا حجية فيه بوجه ابدا و هو [ص 19] ظاهر ان شاء الله تعالي و من الادلة التي جعلها الله سبحانه هي السنة المطهرة المعصومة ( المعصومية خ‌ل ) علي مفتتحها آلاف الثناء و التحية و هي اعظم الابواب في هذا الباب و هي تنقسم الي متواترات و آحاد فالمتواترات علي قسمين لفظية و معنوية فالمتواترات لا شك في حجيتها و انها تفيد القطع و لا نزاع فيها فان كانت لفظية فحكمها حكم القرآن حرفا بحرف بلا فرق و ان كانت معنوية فيفيد القطع بالواقع الاولي بالقطع العادي و يحتمل الثانوي ايضا الا انه يقطع ان هذا الحكم مما امر به و لا شك ( لايشك خ‌ل ) فيه و اما الآحاد المحفوفة بالقراين المفيدة للقطع فكالمتواترات و اما المفيدة للظن فكذا ( فكذلك خ‌ل ) ايضا للاجماع و دلالة ( لدلالة خ‌ل ) الاخبار عليه فانهم عليهم السلم امروا بالكتابة و انهم يحتاجون اليها فيما بعد في زمان هرج و مرج و لا شك انها لاتفيد الا الظن و التخصيص بما يفيد القطع بالقراين الخارجية خلاف الاصل و ادعاء كون الآيات الناهية عن العمل بالظن قرينة للتخصيص غير مسموعة اذ لا نسلم ان المراد جميع افراد الظن علي سبيل الشيوع و العموم مع صراحة قوله تعالي ان بعض الظن اثم و التقييد بالبعض يوهن قطعية القرينة فلاتصلح فان العبرة في اعتبارها كونها قطعية يقينية و لو سلمنا نقول كلما هو حرام في حالة السعة حلال في حالة ( عند خ‌ل ) الضيق و الشدة قال تعالي فمن اضطر غير باغ و لا عاد فلا اثم عليه ان الله غفور رحيم و قال تعالي فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لاثم فان الله غفور رحيم و قال ايضا فمن اضطر غير باغ و لا عاد فان ربك غفور رحيم و الاخبار في هذا المعني كثيرة مثل ما في البحار عن الصادق [ص 20] عليه السلم قال ليس شيء مما حرمه الله الا و قد احله الله لمن اضطر اليه الا ما اخرجه الدليل مع انه لو اقتصر في العمل علي المتواترات المعنوية يبطل النظام لبطلان التكاليف ( التكليف خ‌ل ) فان المتواترات المعنوية قليلة جدا و كذا الاجماعات لايثبت بها حكم من الاحكام بجميع جهاتها فيبقون الخلق حياري و الله سبحانه اجل من ان يجعل الخلق هكذا كيف و قد اقام الحجج و اوضح البينات و حجة الله صلوات الله و سلامه عليه بين ظهراني الخلق يتصرف فيهم الي ما امره الله سبحانه و انما جعله الله بين الخلق كيما ان زاد المؤمنون ردهم و ان نقصوا شيئا اتمه لهم فهو صلي الله عليه و علي آبائه لايزال ناظرا الي احوال رعيته و غنمه و يسددهم و ينصب لهم القراين و يوقفهم علي ما اراد الله سبحانه منهم ان قلت انه عليه السلم غايب كيف يتصرف و ينصب القرائن ( القرينة خ‌ل ) و لو صح ذلك فلم عطل الحدود و اجرائها قلت اما اجراء الحدود فيتوقف علي ظهوره عليه السلم قائما بالامر و ليس الآن اوانه مع ما في اجراء الحدود من الامور الغير اللايقة سيما في دولة الفاسقين و الظالمين و اما التصرف في اصلاح احوالهم و شئونهم فلايستلزم ظهوره بحيث يعرفه الرعية بل هو يدبرهم من حيث لايشعرون و دخل المدينة علي حين غفلة من اهلها و نصب القرينة للفقيه المستوضح لايلزم المشافهة ابدا اذ قد يكون ( يكون ذلك خ‌ل ) بالعبارة او بالاشارة او بالارشاد او بالالهام او بالتنبيه او غير ذلك في نص او ظاهر بخصوص او بعموم او تقييد او اطلاق او ايماء بعمل او تقرير او مثل و ما اشبه ذلك ان قلت اذا كان هو [ص 21] المدبر لهم و مسددهم لم يختلفون و لايوصلهم الي الحق الواقع قلت ان هذا اصلح و اسلم للرعية و لو اتفقوا علي شيء لاخذ برقابهم كما قال عليه السلم لعبيد بن زرارة بن اعين راعيكم الذي استرعاه الله امر غنمه اعلم بمصالح غنمه ان شاء جمع بينها لتسلم و ان شاء فرق بينها لتسلم ان قلت اذا كان هو المتصرف و المدبر لشؤن الخلق و احوالهم خصوصا الشيعة لم لم‌يوصلهم الي مقام الحق و اليقين و لم يبقيهم في رتبة الظن و التخمين و لا ريب انه صلي الله عليه و آله قادر علي ذلك كما في الاجماع ( الاجماعات خ‌ل ) و لاينافي ذلك الاختلاف مع ان هذا ادخل في اطمينان النفس قلت في زمان دولة الظالمين و اجراء الحكم الثانوي لاتجري الامور علي نهج واحد و طور غير متعدد سيما اذا كان المطلوب التشبه بهم فانهم اهل الرأي و القياس و الظن فاذا حصلت بينهم نوع مشابهة و مناسبة يسلمون من كيدهم و شرهم و يحسبونهم من سنخهم و جنسهم فتبقي كينونتهم و يتمكن بذلك من اجراء الاحكام الواقعية في اغلب الاحوال بخلاف ما اذا كانوا جميعا قاطعين بالامر باردي الفؤاد اذ بذلك ترتفع المناسبة و يحصل الخلل في السد الذي بناه ذوالقرنين الحقيقي للسلامة عن شر ياجوج و ماجوج و بالجملة فالذي دعاه الي ايقاع الاختلاف هو الذي دعاه الي عدم ايصالهم الي اليقين و شرح ذلك و علله و ذكر ما عسي ان يرد عليه يطول به الكلام و لسنا بصدده الا ان العاقل تكفيه الاشارة و كأني بك تقول ان هذه امور لم‌يتكلم بها احد من العلماء و تعرض عنه و تنسبه الي الغلط و تستهزئ به ( بي خ‌ل ) و اني اقول ( اقول لك خ‌ل ) :

[ص 22]

و هب اني اقول الصبح ليل ايعمي الناظرون عن الضياء

ان قلت علي هذا ينبغي ان لايحصل اليقين للفقيه و الواقع بخلافه قلت ان الضرورات انما تتقدر بقدرها فاذا حصل نوع مشابهة تكفي و لايلزم من ذلك ان يكونوا في كل حال كذلك ان قلت فعلي هذا لما وقع الخطاء من احد من اهل الاستنباط مع انكم لاتقولون به بل تجوزون الخطاء و تنكرون علي اهل التصويب قلت علي ما قررت سابقا يظهر الجواب من ان الحكم علي قسمين حكم واقعي و حكم نفس امري اما الاول فيقع فيه الخطاء كثيرا و اما الثاني فلا بل مايهتدي احد الا الي حكمه الظاهري في ذلك الزمان و كل هذه الاحكام الظاهرية النفس الامرية وجوه لذلك الحكم الاولي الواقعي و اهل التصويب لايقولون بذلك بل عندهم ان حكم الله تابع لرأي المجتهد و ليس لله سبحانه علي الاشياء في الواقع الذي لايتعدد و لايختلف حكم و هذا غلط فاحش و كذب واضح و الله سبحانه و تعالي اجل من ذلك مع ان هذا قول لايتصور و بالجملة فاذا استفرغ المجتهد المستوضح وسعه و لم‌يجد السبيل الا الي ذلك المظنون فيعمل به قطعا و لايتركه ليكون فاعلا للقبيح بتركه الراجح و فعله المرجوح و ليس الامر حينئذ الا مترددا بين الامرين و الشبهات الواردة كلها مرتفعة من البين فافهم و كيف يمكن حصر الامر في القطع الواقعي اذن لا فرق بين الظهور و الخفاء و لايستريبه عاقل و قد قال عليه السلم ان الناس ينتفعون به عليه السلم كما ينتفع الناس بالشمس اذا جللها السحاب الم‌تفرق بين الحالتين اين حالة ظهور الشمس [ص 23] من غير حجاب مشرقة منيرة و انتفاع السفليين بها من حالة الاحتجاب سيما اذا تراكمت السحب بل يخفي نورها و لم‌يظهر الا قليل و العلم المشوب بالظلمة الغالب عليها جهة النورية و العلمية لايكون الا الظن فافهم ان كنت تفهم و الا فاسلم تسلم و قولي حالة الظهور و الخفاء لم‌ارد به خصوص الغيبة عن ابصار الخلق بل اريد عدم تمكنهم و ظهور سلطانهم فهم عليهم السلم في حجب الخفاء مختفون حتي يمكنهم الله في ارضه عجل الله فرجهم و لذا يشار اليهم بالليل في الكتاب المجيد في قوله تعالي و الفجر و ليال عشر و فسروا عليهم السلم الفجر بالحسين عليه السلم و الليالي العشر هم الائمة ( بالائمة خ‌ل ) التسعة من ذرية الحسين و مولينا الحسن عليهم السلم اذ ماقدروا علي اظهار الامر و احقاق الحق و اثبات الحكم الاولي الواقعي الم‌تنظر الي قول سيد الساجدين في الصحيفة حتي عاد صفوتك و خلفاءك مغلوبين مبتزين يرون حكمك مبدلا و كتابك منبوذا و فرايضك محرفة عن جهات اشراعك و سنن نبيك متروكة الدعاء فاذن لا فرق بين ايامهم سلام الله عليهم و ايامه صلوات الله عليه و وصول بعض اهل المدينة و الكوفة و ما يحاذيها بخدمتهم الشريفة مع هذه الحالة الشديدة التي وصفها عليهم السلم لايكفي في ايصال الاحكام و الشرايع الي جميع المكلفين من اهل المشرق و المغرب لانهم حجة الله علي كل الخلق و يجب عليهم نشر الاحكام التكليفية علي الكل و الا لم‌تكن الحجة البالغة الاتريهم يحكمون بالحكم الواقعي حاشا و كلا و هو يقول عليه السلم يرون حكمك مبدلا و [ص 24] فرايضك محرفة و انما يحكمون بالحكم الظاهري فاذن كيف يحصل العلم القطعي للمشافهين المشاهدين ان هذا هو حكم الله الواقعي بل قد يكون ما يلقي اليه هو الحكم الظاهري غاية الامر ان تقول انهم حينئذ قاطعون بالتكليف و انا اقول نعم لكنهم ظانون بالحكم الواقعي الاولي مثل هذا الزمان حرفا بحرف فانهم يظنون بالحكم الاولي و يقطعون بالحكم الثانوي الذي اراد الله سبحانه منهم و بين الامام عليه السلم لهم فاذن لا فرق بين يومنا و يومهم الا انا حرمنا من شرف ملاقاة امامنا و سيدنا روحي فداه صلي الله عليه و علي آبائه الطاهرين المعصومين فقولهم ان باب العلم منسد بغيبة الحجة عليه السلم لم‌اعرف له وجها صحيحا فانك علمت علي ما بينت لك ان حكم الزمانين واحد فان كان اهل ذلك الزمان يعملون بالعلم دون الظن فكذلك انتم و ان كانوا يعملون بالظن فكذلك انتم فمن جهة مساواتكم في حكم ذلك الزمان و تقرير الائمة عليهم السلم اهل ذلك الزمان علي ما هم عليه الذي هو ما انتم عليه فاستبشروا بحقية امركم و ان ما انتم عليه هو الذي اريد منكم من قبل الله و قبل الائمة الهداة سلام الله عليهم نعم بقي هنا شيء يمكن ان يحتج به في مقام الفرق فيقال ان اهل ذلك الزمان الذين يمكنهم لقاء امامهم صلي الله عليه اذا اشتبه عليهم امر من امور دينهم مما يتعلق باصولهم او فروعهم كانوا يستعلمون و يستخبرون منه عليه السلم و لو بواسطة او بوسايط و كثيرا ما يسعهم الحضور لكنا نقول و انت ايضا يمكنك ذلك لان مذهبنا دين الله الذي لايطفي نوره و لايرتفع [ص 25] عن اهله محفوظ عن كل ما يخدشه اذ لايكون جهة من جهات العبادات و لا نحو من انحاء النفوس و لا مذهب من مذاهب العقول الا و قد وضع لنا حفظة الشرع عليهم السلم عليه دليلا يبينه من صحة او فساد او امارة توصل الي ما فيه السداد و حجة واضحة موضحة الي سبيل ( لسبيل خ‌ل ) الرشاد و ذلك يحصل بالعبادة او بالارشاد او بالالهام او بالتنبيه او غير ذلك في نص او ظاهر بخصوص او عموم او تقييد او اطلاق او ايماء بعمل او تقرير او مثل و ما اشبه ذلك و لذا ( لهذا خ‌ل ) قال عليه السلم ما من شيء الا و فيه كتاب او سنة فاذا استفرغ من له اهلية الاستيضاح وسعه في تحصيل معرفة حكم الامام عليه السلم وقع عليه و عرف قوله و حكمه فيه لانه عليه السلم مهما طلب من النحو الذي امر بطلبه منه وجد لانه هو القيم علي هذه الفرقة و هم رعيته و عليه تسديدهم كما اشارت اليه النصوص و براهين هذه المعاني مما يطول به الكلام الا ان فيما تقدم كفاية لاهل الاشارة فان العاقل تكفيه الاشارة و الجاهل لاتنفعه الف عبارة .

و ان اردت ان ازيدك بيانا في هذا الشأن نقول انه قد ثبت بالادلة القطعية الالهية ان التكاليف علي مقتضي الكينونات و المكلف به هي صفاتها من حيث مباديها و اصولها اذ هي روابط الافاضة و اسباب الاغاثة و علة المقابلة لفوارة النور و قابلية تحقق الظاهر بالظهور و هذا ظاهر واضح معلوم ذكرنا برهانه في كثير من مباحثاتنا و ليس المقام مقتضي البسط في الكلام لما في من الضعف المفرط و الكينونات علي خمسة اقسام احدها كينونة الهية مبدئية نورية التي هي نور صرف و وجود بحت قد انخلعت [ص 26] عن قيد التركيب بانخلاع جميع مقتضياته و احواله و ان بقي للتركيب اسم من غير حقيقة و لا رسم و ثانيها الكينونة المظلمة الخبيثة المنتنة الشجرة الخبيثة المجتثة من فوق الارض و هي الكينونة الشيطانية و رتبة المبدئية الظلمانية ظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض اذا اخرج يده لم‌يكد يريها و ثالثها الكينونة النورانية التابعة للكينونة الاولي و رابعها الكينونة الظلمانية التابعة للكينونة الثانية و خامسها الكينونة البسيطة الغير المحكومة ظاهرا التي ترجي امرها الي الله ليستنطق اسرارهم و يبلو اخبارهم فيرجع امرها الي احد الامرين فيعود الوجود الي التربيع هو الذي خلقكم فمنكم كافر و منكم مؤمن و اما الكينونة الثانية فهي ولت و ادبرت و انكرت فخبثت و اظلمت و حقت عليهم كلمة ربك انهم لايؤمنون فبقيت لاتقتضي الا الجحيم و لاتطلب الا العذاب الاليم بل اتيناهم بذكرهم و هم ( فهم خ‌ل ) عن ذكرهم معرضون و اما الثالثة فهي الفرع تلحق باصلها يوم الصفو و الصحو و اما الخامسة فهي بعد ما نضجت بنيتها و ماينعت ثمرتها و لااكملت مداركها فهي فاقدة لشرايط التكليف كالاطفال الذين لم‌يبلغوا الحلم و اما الاولي فهي الاصل و المبدء لحصر القسمة و بطلان الطفرة فهي باب الايجاد و متمم الاستعداد و اما الثانية فهي و ان كانت نورا و شعاعا و هو يقتضي الشوب بشيء من الظلمة لتحقق الانية الا انها ما دامت تقابل المنير الذي هي الكينونة الاولي مستنيرة بنورها مستشرقة باشراقها فهي تابعة تجري عليها احكامها فجميع احوالها و [ص 27] مقتضياتها كلها نورانية مصفاة عن الكدورات النفسانية فادني مداركها العلم الغير المشوب بظلمة الجهل ابدا ليتحقق الظن و الوهم و الوسوسة و الشك فانها تحصل اذا اظلمت المدارك و اما اذا صفت فليس هناك ( هناك الا خ‌ل ) العلم الصافي النوراني لصفاء المقابل و نورانيته فليس في ذلك الصقع ظلمة وهم و شك و ظن فاذا حصلت احيانا فانها تحترق و تضمحل عند مقابلة النور فلم‌يبق الا العلم الخالص الناشي منه الدين الخالص الا لله الدين الخالص و هذا هو الحكم الاول و قد عرفت المراد من الاشارة ان الكينونة الاولية هي المعصومون المطهرون و الثانية هي شيعتهم لانهم من شعاع انوارهم قالوا عليهم السلم انما سموا الشيعة شيعة لانهم خلقوا من شعاع انوارنا و قالوا ايضا عليهم السلم ان شيعتنا لتنفصل منا كانفصال الاشعة من الشمس و قالوا ايضا ان شيعتنا لاشد اتصالا بنا من اتصال الاشعة بالشمس و الذي ذكرنا حال تلقي الشيعة احكام الالهية التكليفية من ائمتهم عليهم السلم اذا كانوا ظاهري الامر نافذي الحكم مطاعين في الوجود فهنا ( فهناك خ‌ل ) ليس الا البصيرة الواضحة و المعرفة الكاملة و القطع البات و رتبة التمكين و الثبات فلا سبيل للظن و الوهم و الشك هناك لاضمحلالها عند انوارهم و انعدامها عند لمعان آثارهم سلام الله عليهم و اما اذا حيل بين الشمس و اشعتها و يحتجب ( فيحتجب خ‌ل ) نورها عنهم بقدر الحايل و كثافته و لطافته فتستمد الاشعة منها من وراء الحجاب من ذلك الباب لكن النور حينئذ ليس كالاول اذ بقدر احتجاب النور ازدادت الظلمة فتختلط بالنور فحينئذ يخفي الحكم الاول الذي كان بينها و بين الاشعة الا [ص 28] اذا ارتفع الحجاب فتمد الاشعة حينئذ بالنور المشوب بمقتضي منع الحجاب و هو قوله عليه السلم ان الناس ينتفعون منه عليه السلم في غيبته كما ينتفعون من الشمس اذا جللها السحاب و لا شك ان العلم ليس فوقه مرتبة و لا اشرف منه مقام حتي يفرض في المقام الاول فلم‌يبق في المقام الثاني الا الظن و هو الاغلب الاكثر و الشك في بعض الاحوال عند تكافؤ الادلة و تعارض الاحتمالات فيبني علي التخيير و اما الوهم فانه في صقع آخر غير صقعهما فلايثبت معهما لايقال اذن يجب ان لايحصل القطع لاحد لانا نقول قد يرتفع المانع و يثبت الحكم الاول و الا لفسد الكون كما اذا كانت الشمس بقيت محتجبة ابدا و اما اذا ارتفع الحجاب قليلا فيقع النور علي مرايا القلوب فيتحقق العلم و لايكون ذلك الا في الاجماعين الضروري و المذهب و اما في غيرهما من الاجماعات فمرجعها الي الظن اما الاجماع المركب فظاهر بالنسبة الي كل واحد منهما و اما المشهوري و المحصل و السكوتي فكذلك اذ كل منهما قد تنعكس اما في الازمنة البعيدة او الامكنة النائية و هذا دليل عدم الثبات فلو سئلت القاطع بالامر من الاجماع ان هذا هو حكم الله الواقعي الاولي الذي اراد من المكلف لايمكنه ان يقول نعم لمكان التعاكس و الاختلاف حتي من نفسه نعم هو قطع بالحكم الثانوي كما هو شأن ساير الظنون فان مآل الكل الي القطع و لايعبد الله سبحانه بالظن ابدا فان قلت ان هذا القطع لم لم‌يوقع ( لم‌يوقعه خ‌ل ) في الرعية قلت لما سبق من ان الاختلاف هو المطلوب و قد يقتضي احوال شخص واحد و تبعه اختلافات كثيرة من اثبات حكم و نفي ذلك [ص 29] بعينه كما كان يتفق كثيرا في زمان ائمتنا سلام الله عليهم يفتون الشخص بما يوافق المخالفين ثم يرجعونه عن ذلك ثم يأمرونه بالآخر و هكذا لتسلم رقبتهم عن شر طاغية زمانهم و فرعون اوانهم و كذلك في هذه الاوقات و الاختلاف في القطعيات اقل بل لايكاد يجد الا نادرا بخلاف الظن فانه يتطرق فيه ما لايتطرق في القطع قطعا فايقاع الاختلاف في هذه الحالة امكن مع انه لهم و لشيعتهم اسلم لتحقق المشابهة و المناسبة قال عليه السلم انا لاندخلكم الا فيما يصلحكم ان قلت من اين يثبت لنا من ان الامام عليه السلم امرنا علي العمل بالظن قلت ان لم‌يكفك ما ذكرنا من الحجج الواضحة نقول اتماما للحجة و اكمالا للنعمة ان التكليف لا شك انه باق فان السبب الباعث الداعي لارسال الرسل و انزال الكتب و ايقاع التكليف هو الآن موجود و لايمكن تخلف المسبب عن سببه و الا لم‌يكن سببا و المانع ليس مانعا مطلقا بل انما هو مانع للكمال علي وجه خاص لا علي جميع الجهات فاذا ثبت التكليف لانتظام امور المعاش و المعاد و ليس لنا سبيل ظاهري اليه الا بالكتاب و السنة اما الكتاب فمن جهة اشتماله علي المحكم و المتشابه و المطلق و المقيد و الخاص و العام و التقدير و الاضمار و التقديم و التأخير و امثالها لايفيد القطع به بالمراد كيف و كل اهل ملة و فرقة من هذه الثلث و السبعين فرقة يحتجون به و يستدلون به بل ساير الملل و الطوايف ايضا في مقام الالزام و الاحتجاج فلو كان الكتاب فيما يحتاجون اليه نصا لم‌يقع الخلاف فان النص هو الذي لايحتمل الخلاف في لغة يتحقق التخاطب بها و مع ذلك [ص 30] كله فليس الكتاب جامعا لجميع الاحكام التكليفية التي تنتظم به احوال العباد ظاهرا بل ليس فيه الا قليل من ذلك و هو ايضا كله عمومات و اطلاقات و اجمالات ( احتمالات خ‌ل ) يحتاج الي البيان التام و لايوجد فيه ظاهرا بحيث يتناوله ايدي العوام دون ائمة الانام عليهم سلام الله الملك العلام فلو اقتصر علي الكتاب لما يثبت شيء من الاحكام التفصيلية بوجه من الوجوه و لو جوزنا العمل بالظن و اما في صورة المنع فيجب الاعتزال عن القرآن و عن الانتفاع به كما فعلوا و اما السنة فتشتمل علي ما يشتمل عليه الكتاب من قواطع القطع و زيادة ورودها في اغلب الموارد و مورد التقية و وضع اهل الخلاف احاديث كثيرة لتناقض دين الحق و دسهم مفترياتهم في اخبارنا و تكلمهم سلام الله عليهم و ارادتهم احد سبعين وجها و اختلاف الروات و اختلاف العلماء فيهم و تعارض الاخبار و امثال ذلك من الامور التي لايشك عاقل عدم تحقق القطع معها و اما المتواترات المعنوية فليست الا قليلة لا تكفي لاثبات حكم من الاحكام بجميع وجوهه و كذلك المحفوف بقراين القطع كما يظهر للعارف المتتبع في الاخبار كيف يحصل قرائن القطع في كل المواضع و هو عليه السلم يقول اني لاتكلم بكلمة و اريد منها احد سبعين وجها لي لكل منها المخرج و القول بان اهل الشرع عليهم السلم يضعون قرينة ان اريد بها قرينة القطع مطلقا فممنوع لعدم تحققها في اغلب المواضع و اكثرها لما ذكرنا من السر الحقيقي و عدم وجداننا ذلك مع سلوكنا سبيل الرب ذللا و اعتراف جمع كثير و جم غفير من العلماء الاخيار و الفقهاء الابرار [ص 31] الذين يشقون الشعر بدقة علومهم و افهامهم و لايشك احد في ورعهم و اجتهادهم و تبحرهم في العلوم و معرفتهم بمواضع القراين كالعلامة و الشهيدين و المفيد و الشيخ الطوسي و المقدس الاردبيلي و غيرهم ما لايحصي عددهم الا الله و اغلبهم كانوا مؤيدين بنور الله فلو كان الامام عليه السلم يوصل احدا الي القطع في كل المسائل باعتبار القراين لكانوا اولي الناس بها و لم‌نجد في الذين يدعون القطع من الاخبار من الذكاء و الفهم و التورع و الاقبال بازيد و اكثر مما شاهدنا فيهم بل و لا نسبة بينهم ذلك بوجه من الوجوه و كلهم رحمهم الله بذلوا مجهودهم و استفرغوا وسعهم في استنباط الاحكام و لم‌يصلوا الي مقام القطع فاضطروا الي العمل بالظن فلو كان طريق الي القطع و هم ماسلكوه و اقتصروا علي الظن لكانوا فساقا حاشاهم عن ذلك و هم اجل و اعلي من هذه النسبة و ايصال الامام عليه السلم بعضهم اليه دون بعض مع ان الكل رعيته و غنمه و عليه تسديدهم من دون مرجح لايناسب رتبة الامامة و الولاية اذ المرجح اما دقة النظر او العمل و العبادة و الاقبال الي الله سبحانه او اجتماع القلب و المجموع في المدعين ليس بازيد عن غيرهم لو لم‌ننف كلها منهم اذ آثارهم و اعمالهم و اقوالهم شاهد صدق علي حالهم و الحاصل لاينبغي الشك في ذلك و دعوي قطعية الكتب الاربعة من حيث الصدور باطلة اذ ما ذكروا من شهادة المشايخ الثلثة علي صحة الاخبار المذكورة في كتبهم لايدل علي قطعيتها اذ الشهادة انما تقبل اذا ماتعارض الشهود بعضهم مع بعض مع ان كل واحد في [ص 32] كتابهم يطعن علي الآخر و ليس عندي الآن احد من هذه الكتب حتي ابين ذلك لك و احققه و ايضا انهم انما قالوا ذلك لا من جهة انهم راون و سامعون من الامام مشافهة بل انما ذلك من جهة اجتهادهم و استفراغ وسعهم و ما ثبت لهم ليس حجة عامة لغيرهم و لذا ساغ لاحدهم مخالفة الآخر مع ان قول الصدوق (ره) في الفقيه اني لم‌اقصد فيه قصد المصنفين في ايراد جميع ما رووه بل قصدت الي ايراد ما افتي به و احكم بصحته و اعتقد فيه انه حجة فيما بيني و بين ربي انتهي ، لايدل علي انه قاطع من جهة وروده عن المعصوم عليه السلم بالقطع الاولي لعل مراده القطع الثانوي كما هو الآن دأب المجتهدين فان كلما يذكرون في كتبهم الاستدلالية او في فتاويهم يقطعون بصحته و يحكمون عليه و يعتقدون فيه انه حجة بينهم و بين ربهم و لايشكون فيه ابدا بل الظاهر ان مراده هو الذي ذكرنا فانه يعتمد في استدلالاته علي امور عجيبة مثل ما قال في كتاب محمد بن احمد بن يحيي العطار ما معناه انه قد اخرج شيخنا محمد بن الحسن بن الوليد ثلثين رجلا من رواته لم‌يعمل بما تفردوا به من الرواية و عدهم ثم قال و كلما لم‌يصححه شيخنا ليس بصحيح فلايجوز العمل بما تفردوا به ثم ذكر في الفقيه في باب الطهارة صحة الطهارة بماء الورد مستندا الي رواية محمد بن عيسي عن يونس بن عبدالرحمن و قد عدهم من الثلثين الذين لم‌يجوز العمل بما تفردوا به مع مخالفتها للمشهور و عمل الاصحاب علي خلافه و معارضته مع الروايات الاخر فظهر ان مراده ايضا هو مراد المجتهدين فيما يقولون [ص 33] الا انه (ره) كان لايتعدي عن الاخبار و لايعمل بمطلق الظن كما هو الحق الصواب و لايدل شهادته علي صحة ( بصحة خ‌ل ) ورود هذه الاخبار عن الائمة الاطهار سلام الله عليهم و ليس ما صح عند فقيه حجة علي الفقيه الآخر بل يجب علي الكل النظر لعل ما يعتمد ذلك الفقيه و يجعله دليلا لم‌يعتمد عليه الآخر كما انا مااعتمدنا علي كلية ما ادعاه الشيخ الصدوق (ره) محمد بن الحسن بن الوليد تبعا للصفار بل فيهم ثقات معتمد عليهم مثل محمد بن عيسي بن عبيد اليقطيني و اغلب ما تمسكوا به من الحجج في تضعيف الثلثين امور ضعيفة لايجوز الاعتماد عليه لكنهم اعتمدوا اذ لم‌يجدوا غيرها و بخل الصدوق ان يعتمد علي شيخه تقليدا او شيخه و هو من ثقات اصحابنا يعتمد علي شيخه كذلك او ان شيخه محمد بن الحسن الصفار يقول من غير حجة الا ان المدارك مختلفة و الله عند ظن كل امرء فلايكون ما ثبت عند فقيه اذا لم‌يكن اجماعيا علي التفصيل الذي نذكر ان شاء الله حجة علي فقيه آخر و لذا ترانا نمنع حجية الاجماع المنقول اذا كان عن محصل خاص و لذا قال عليه السلم فما لم‌يثبت لمنتحليه من كتاب مجمع علي تأويله او سنة عن النبي صلي الله عليه و آله لا اختلاف فيها او قياس تعرف العقول عدله وسع خاص الامة و عامها الشك فيه و الانكار له انتهي ، نعم اذا رووا مشافهة و هم ثقات نعتمد عليه بخلاف ما اذا رووا عن رواة اخر و لذا نقول ان الحق الحقيق بالتحقيق و التصديق ان التوثيق في الرجال ليس من باب الشهادة و انما هو من باب الظنون الاجتهادية مع ان الرواية اقرب الي الصواب من الشهادة و ليس الآن [ص 34] موضع تحقيق هذه المسئلة و بالجملة ليس لقطعية الاخبار الموجودة في الكتب الاربعة دليل يعتمد عليه و يركن لديه بل كلها تمويهات يضيع العمر بالاشتغال بها مع انه لو فرض قطعية صدور ما فيها لاتضر ما نحن بصدد بيانه من الظن بالحكم المستفاد من الخبر فان استفادة الاحكام ليست من الالفاظ بل من الدلالة غاية ما في الباب سبيلها سبيل المتواتر اللفظي و القرآن و هما لايفيدان في اغلب المواد الا الظن و ليست الاخبار التي يستنبط منها الفقيه محصورة في الكتب الاربعة بل كل خبر اذا استجمعت شرايطه يجب العمل عليه و الحاصل ان الاخبار لاتفيد اكثرها و اغلبها الا الظن ، و اما الاجماع فالضروري منه لايكفي و باقي الاجماعات قد انكروا تحققها سيما في هذه الازمنة و قالوا ان الاجماع في هذه الازمان لايوجد الا منقولا و لو سلم تحققه فانما هو قليل قليل فان قلته و ندرته صارت علة لانكار طايفة تحققه في هذه الاوقات فلايكفي لاستنباط الاحكام التي يحتاج اليها الانام ، و اما العقل فانه لايصح استقلاله في تأسيس الاحكام اتفاقا اما في ترجيحها فلا بد من مستند و ليس الا الكتاب و السنة و الاجماع و قد عرفت الكلام فيها و سيأتي الكلام ان شاء الله في دليل العقل مشروحا .