رسالة في جواب الشيخ محمد الصحاف الاحسائي
من مصنفات السيد الاجل الاوحد المرحوم
السيد كاظم بن السيد قاسم الحسيني الرشتي اعلي الله مقامه
[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين .
اما بعد فيقول العبد الجاني و الاسير الفاني كاظم بن قاسم الحسيني الرشتي ان العالم العامل و الفاضل الكامل اللوذعي الالمعي معدن الورع و الانصاف جناب الشيخ محمد الصحاف امده الله بعنايته و سهل له سبيل طاعته قد اتت بمسائل في وقت اختلال البال و كثرة الاشتغال و ابتلائي بعروض الموانع المانعة من استقامة الاحوال فاخرت جوابها طلبا للطمأنينة و حرصا علي سكون القلب و الاستقامة لادري ( لاؤدي ظ ) بعض حقها من التحقيق و اوصل الطالب للحق سواء الطريق و لماجد الموانع لا ( الا ظ ) في ازدياد و رأيت العوارض ما لها من نفاد فبادرت الي رسم الجواب بمختصر المقال مع تشتت البال لان ذلك هو الميسور و لايسقط الا بالمعسور و جعلت كلامه سلمه الله تعالي متنا و جوابي كالشرح له ليطابق كل جواب بسؤاله .
قال سلمه الله تعالي : ما يقول سيدنا و السناد و من عليه في جميع الامور الدينية الاعتماد في وجه الجمع بين قوله سبحانه يوم نقول لجهنم هل امتلأت و تقول هل من مزيد و قوله سبحانه لاملأن جهنم من الجنة و الناس اجمعين فان طلب الزيادة يدل علي عدم الامتلاء .
اقول اعلم ان الدار الآخرة تنحصر علي ثلثة مقامات احدها المحشر و ثانيها الجنة و ثالثها النار نعوذ بالله منها و لكل مقام من هذه المقامات مواطن و مقامات يجتمع الخلق فيها و تختلف احوال بها باعتبار [ص 3] المقيمين الواقفين فيها فلنشر الي بعض تلك المواقف و المواطن في كل من المقامات الثلثة .
اما الاول اي المحشر يوم القيمة اليوم الذي كان مقداره خمسينالف سنة ففيه مواطن يجتمع الخلق فيها و يجري عليها احكام خاصة فاولها موطن يجتمع اهل الكفر و المعاصي فيه فيكفر بعضهم ببعض و يلعن بعضهم بعضا و الكفر يراد به البراءة كما في قوله تعالي حكاية عن ابليس اني كفرت بما اشركتمون من قبل و عن ابراهيم خليل الرحمن كفرنا بكم يعني تبرأنا منكم و ثانيها موطن يجتمعون و يبكون فلو ان تلك الاصوات بدت لاهل الدنيا لازالت جميع الخلق عن معايشهم و انصدعت قلوبهم الا ما شاء الله و لايزالون حتي يستنفدوا الدموع و يفضوا الي الدماء و ثالثها موطن يجتمعون فيه فيستنطقون فيه فيقولون والله ربنا ماكنا مشركين و هم المقرون بالتوحيد في دار الدنيا لاينفعهم ايمانهم بالله مع مخالفتهم رسله و شكهم فيما اتوا به عن ربهم و نقضهم عهودهم في اوصيائهم و اسرالهم ( استبدالهم ظ ) الذي هو ادني بالذي هو خير و انكارهم لفضل الاوصياء و اثبات ما هو النقص بهم فكذبهم الله فيما انتحلوه من الايمان بقوله الحق انظر كيف كذبوا علي انفسهم فيختم الله علي افواههم و يستنطق الايدي و الارجل و الجلود فتشهد بكل معصية كانت منهم ثم رفع عن السنتهم الختم فيقولون لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا انطقنا الله الذي انطق كل شيء و رابعها موطن يجتمعون فيه فيفر بعضهم من بعض لهول ما يشاهدونه من صعوبة الامر و عظم البلاء فذلك قوله عز و جل يوم يفر [ص 4] المرء من اخيه و امه و ابيه و صاحبته و بنيه و خامسها موطن يجتمعون فيه فيستنطق منه اولياء الله و اصفياءه فلايتكلم احد الا من اذن له الرحمن و قال صوابا فيقام الرسل فيسئلون عن تأدية الرسالات التي حملوها الي اممهم فاخبروا انهم قد اروا ( ادوا ظ ) ذلك الي اممهم و تسئل الامم فتجحدها كما قال تعالي فلنسئلن الذين ارسل اليهم و لنسئلن المرسلين فيقولون ماجاءنا من بشير و لا نذير فتشهد الرسل رسول الله صلي الله عليه و آله فيشهد بصدق الرسل و تكذيب من جحدها من الامم فيقول لكل امة بلي قد جاءكم بشير و نذير و الله علي كل شيء قدير اي مقتدر علي شهادة جوارحكم عليكم بتبليغ الرسل اليكم رسالاتهم و لذلك قال الله تعالي لنبيه صلي الله عليه و آله فكيف اذا جئنا من كل امة بشهيد و جئنا بك علي هؤلاء شهيدا فلايستطيعون رد شهادته خوفا من ان يختم علي افواههم و تشهد عليهم جوارحهم بما كانوا يعملون و سادسها موطن يجتمعون فيه و هو مقام محمد صلي الله عليه و آله و هو المقام المحمود فيثني علي الله عز و جل بما لميثني عليه احد قبله ثم يثني علي الملائكة كلهم فلايبقي ملك الا اثني عليه محمد صلي الله عليه و آله ثم يثني علي الانبياء بما لميثني عليهم احد مثله ثم يثني علي كل مؤمن و مؤمنة يبدء بالصديقين و الشهداء ثم بالصالحين فجملة اهل السموات و الارضين و ذلك قوله تعالي عسي ان يبعثك ربك مقاما محمودا فطوبي لمن كان له في ذلك المقام حظ و نصيب و ويل لمن لميكن له في ذلك المقام حظ و لا نصيب و سابعها موطن يجتمعون [ص 5] فيه عند منبر الوسيلة عن يمينها و شمالها و الوسيلة منبر لها الف مرقاة من كل مرقاة الي آخر مسافة الف سنة رسول الله صلي الله عليه و آله جالس علي المرقاة العليا و اميرالمؤمنين واقف دونه بمرقاة و بيده لواء الحمد و مفاتيح الجنان و النيران و الائمة عليهم السلام دونه علي حسب درجاتهم وقوف علي المراقي و يطول الكلام بذكر تفاصيل تلك الاحكام و الخلق كلهم وقوف عن يمين الوسيلة و شمالها ثم يجثون ليقرء كتاب الله الناطق الاكبر عليهم اعمالهم فيقرأ عليهم فطوبي لمن كان من اصحاب اليمين و ويل لمن كان من اصحاب الشمال و هو قوله تعالي و تري كل امة جاثية كل امة تدعي الي كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق انا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون هذا كله قبل الحساب فاذا اخذ في الحساب شغل كل انسان بما لديه نسئل الله بركة ذلك اليوم و اما في الحساب فهو علي الصراط و هو اصعب مواطن يوم القيمة و عليه خمسون موقفا يقفون في كل موقف الف سنة و هو قوله تعالي يوم كان مقداره خمسينالف سنة و ذلك يوم الحساب دون يوم المحشر و يوم القيمة .
و اما الثاني اي الجنة ففيها مواطن كثيرة نذكر بعضا منها رزقنا الله منها الفوز بها بفضله و منه و كرمه و احسانه فاولها موطن يجتمعون فيه و يسقيهم الله سبحانه من عين الكافور و ذلك بعد شدة العطش و الحر يوم القيمة و ذلك اول مواطن السعداء ثانيها موطن يجتمعون فيه و يشربون من عين السلسبيل التي مزاجها زنجبيل لا غير و ذلك بعد سريان عين [ص 6] الكافور في جميع اجزائهم و اطوارهم و ثالثها موطن يجتمعون فيه و يأكلون من كبد الحوت لاستحقاقهم البقاء الابدي و الدوام السرمدي و رابعها موطن يجتمعون فيه و يأكلون من كبد الثور لاستيهالهم لحفظ كلما يرد عليهم من نعم الله سبحانه و احسانه و خامسها موطن يجتمعون فيه الالتذاذ اجسامهم و اجسادهم و اعراضهم في الاطوار الاثنيعشر من المشاعر العشرة الجسمانية الظاهرة و الباطنة و القلب اللحم الصنوبري بما فيه من الروح الحيواني البخار المتصاعد من العلقة الصفراء من تجاويف القلب و الصدر الوعاء للقلب فتنعمون فيها بانواع الملاذ و التنعمات الجسمانية و ذلك الموطن هو المسمي بالكثيب الاحمر و سادسها موطن يجتمعون فيه للملاذ النفسانية و التنعمات الغيبية الصورية من ظهور انواع العلوم و الحقايق و هو المسمي بالرفرف الاخضر و سابعها موطن يجتمعون فيه التذاذ الروح الرقايقي عند السدرة المنتهي عندها جنة المأوي و ذلك هو المسمي بارض الزعفران و ثامنها موطن يجتمعون فيه لالتذاذ العقل المنخفض و المستوي و المرتفع بانواع المعارف الالهية و الحقايق اللاهوتية و هو المسمي بالاعراف و هو جبل من ياقوتة حمراء في جنة الفردوس و تاسعها موطن يجتمعون فيه الالتذاذ بالمشاهدة و ظهور الوحدة الحقيقية و هو مقام الشراب الطهور عن كل ما فيه ذكر غير المحبوب و هو مقام الصحو في السكر و لجة بحر الاحدية و طمطام يم الوحدانية و هو مقام الرضوان و موضع الامان و هو قوله تعالي و رضوان من الله اكبر و هو [ص 7] هذا المقام و عاشرها موطن يجتمعون فيه لزيارة الرب عند الباب و الوجه و الجناب فينعم عليهم من الآلاء و النعماء ضعف ما كان عندهم سابقا فيقفون في المواطن التي ذكرناها من الكثيب الاحمر الي مقام الرضوان الا ان هذه المواطن غير اشخاص المواطن المذكورة و ان كانت في النوع واحدا فاذا تمت المواطن باجمعها زاروا الرب سبحانه كما ذكرنا فتعود تلك الحالات في تلك المواطن و هكذا الي ما لا نهاية له من المداء رزقنا الله سبحانه اياها و يسعدنا بها انه ذو المن العظيم و الفضل الجسيم .
و اما الثالث اي النار ففيها مواطن بحسبها و حسب ساكنيها اجارنا الله منها احدها موطن يؤتي فيه بجهنم علي هيئة مهولة قال رسول الله صلي الله عليه و آله يأمر الله سبحانه بجهنم تقاد بسبعين الف زمام لكل زمام سبعونالف ملك في يد كل ملك مقرعة من حديد فيقودونها بازمتها و سلاسلها و بها قوائم غلاظ شداد كل قائمة مسيرة الف سنة من سني الدنيا و لها ثلثونالف رأس في كل رأس ثلثونالف فم في كل فم ثلثونالف باب كل باب مثل جبل احد ثلثونالف مرة كل فم له شفتان كل واحدة مثل اطباق في كل شفة سلسلة يقودها سبعونالف ملك كل ملك لو امره الله ان يلتقم الدنيا كلها و السموات كلها و ما فيهن و ما بينهن لهان ذلك عليه فعند ذلك تفزع جهنم و تخرع و تقاد علي خوف كل ذلك خوف من الله تعالي ثم تقول اقسمت عليكم يا ملائكة ربي هل تدرون ما يريد الله ان يفعل بي و هل اذنبت ذنبا حتي استوجبت منه العذاب فيقولون كلهم لا علم لنا يا جهنم قال فتقف و [ص 8] تشهق و تعلق و تضطرب و تشرد شردة لو تركت لاحرقت الجميع كل ذلك خوفا من الله و فزعا فيأتي النداء من قبل الله تعالي مهلا مهلا يا جهنم لا بأس عليك ماخلقتك لشيء اعذبك به و لكني خلقتك عذابا و نقمة علي من جحدني و اكل رزقي و عبد غيري و انكر نعمتي و اتخذ الها من دوني فتقول يا سيدي اتأذن لي في السجود لك فيقول الله سبحانه افعلي يا جهنم فتسجد لله رب العالمين ثم ترفع رأسها بالتسبيح و الثناء لله رب العالمين و لو سمع احد من سكان السموات و الارض رفوة من ذخيرها ( زفرة من زفيرها ظ ) لصعقوا و ماتوا اجمعين و ذابوا كما يذوب الرصاص و النحاس في النار فتقوم و تمشي علي قوائمها و لها زفير و شهيق و تخطي كما تخطوا البعير الهائج و ترمي من افواهها و مناخرها شررا كالقصر كأنها جمالات صفر فتغشي الخلائق ظلمة دخانها حتي لميبق احد ينظر الي احد من شدة الظلام الا من جعل الله له نورا من صالح عمله فتضيئ له تلك الظلمة فتقودها الزبانية الغلاظ الشداد لايعصون الله ما امرهم حتي اذا نظر الخلايق اليها تزفر و تشهق و تفور يكاد تميز من الغيظ لمتقرب انيابها الي بعض و ترمي بشرر عدد نجوم السماء كل شرارة بقدر السحاب العظيمة فتطير منها الافئدة و ترجف منها القلوب و تذهل الالباب و تحر الابصار ثم تزفر الثانية فلميبق في عين دمعة الا و انهملت و انسكبت فتبلغ القلوب الحناجر من الكرب و يشتد الفزع ثم تزفر الثالثة فلو ان كل نبي عمل عمل سبعين لظن انه مواقعها و لمتجد عنها مصرفا فلميبق ح نبي مرسل و لا ملك مقرب و لا [ص 9] ولي منتجب الا و جيء علي ركبتيه و بلغت نفسه تراقيه ثم يعرض بها رسول الله صلي الله عليه و آله فيقول ما لي و ما لك فتقول يا محمد صلي الله عليه و آله فقد حرم الله لحمك علي فلايبقي يومئذ احد الا و قال نفسي نفسي الا نبينا صلي الله عليه و آله فانه يقول امتي امتي وعدك وعدك يا من لايخلف الميعاد و ثانيها موطن ايجتمعون فيه حين اول الدخول في النار و ظهور اعمالهم الخبيثة فاذا كانت صيحة القيمة يخرجون من قبورهم مسودة وجوههم مزرقة اعينهم قد طالت خواطيمهم و كسف بالهم منكسة رؤسهم فيأتيهم اعمالهم الخبيثة فيقولون لهم والله ماعلمتكم الا كنتم عن طاعة الله مبطئين و الي معصية الله مسارعين و كتموني في الدنيا و انا اركبكم اليوم و اقودكم الي النار ثم يستوي عمل كل واحد منهم علي منكبه حتي ينتهي به الي حجرة جهنم فاذا نظروا الي الملائكة قد استعدوا بالسلاسل و الاغلال قد عضوا علي شفاههم من الغيظ فيقول كل واحد منهم يا ويلتي لماوت كتابيه و ثالثها موطن يؤتي فيه بكتابهم لزيادة حسرتهم و ذلك غير ما يؤتون به في عرصة القيمة عند وقوفهم علي شمال منبر الوسيلة و بيانه ان كل واحد منهم اذا قال يا ليتني لماوت كتابيه ينادي الجبار جيئوا به الي النار فصارت الارض تحته نارا و جائت نار فاحدقت بعنقه فينادي وا طول عقباه قال فتكلمه النار فتقول ابعد الله عقبك ثم تجيء صحيفة تطير من خلف ظهره فتقع في شماله ثم يأتيه ملك فيثقب صدره الي ظهره ثم يغسل بشماله الي خلف ظهره ثم يقال له اقرء كتابك [ص 10] فيقول كيف اقرء و جهنم امامي فيقول الله للملك دق عنقه و اكسر صلبه و شد ناصيته الي قدميه ثم يقول خذوه فغلوه فيبتدر لتعظيم قول الله سبعونالف ملك غلاظ شداد فمنهم من ينتف لحمه و منهم من يعض لحمه و منهم من يحطم عظامه فيقول اماترحموني فيقولون يا شقي كيف نرحمك و لايرحمك ارحم الراحمين و رابعها موطن يجتمعون فيه فيدفعون بهم الي النار و ذلك اول دخولهم في عذاب النار و رقوعهم فيها و بيان ان الملائكة يقولون له بعد ما فعلوا به ما ذكر فيوذيك هذا فيقول نعم اشد الاذي فيقولون له يا شقي كيف و لو قد طرحناك في النار فيدفعه الملك في صدره دفعة فيهوي سبعينالف عام فيقولون يا ليتنا اطعنا الله و اطعنا الرسول فيقر معه حجر كبريت من نار يشتعل في وجهه و شيطانا عن يساره فيخلق الله له سبعين جلدا كل جلد غلظه اربعون ذراعا بذراع الملك الذي يعذبه بين الجلد الي الجلد حيات و عقارب من نار و ديدان من نار رأسه مثل الجبل العظيم فخذاه مثل جبل درقا و هو جبل بالمدينة فيسحبه سحبا فيلقي عليه سبعون سلسلة و كل سلسلة سبعون ذراعا ما بين الذراع حلق عدد قطر المطر لو وضعت حلقة منها علي جبال الارض لاذابتها و عليه سبعون سربالا من قطران من نار و عليه قلنسوة من نار و ليس في جسده موضع الا و فيه حلقة من نار و فيه ( في ظ ) رجله قيود من نار و علي رأسه تاجا ستون ذراعا من نار و قد ثقب رأسه ثلثمائة و ستين ثقبة يخرج من ذلك الثقب الدخان من كل جانب و قد غلا منها دماغه حتي [ص 11] يجري علي كتفيه يسيل منها ثلثمائة و ستون نهرا من صديد و ضيق عليه منزله كما يضيق الرمح فمن ضيق منازلهم عليه و من ريحها و شدة سوادها و زفيرها و شهيقها و تغيظها و نتنها اسودت وجوههم و عظمت ديدانهم فينبت لهم اظفار كاظفار النسور تاكل لحمه و تقرض من عظامه و تشرب دمه ليس لهن ماكل و مشرب غيره و خامسها موطن يجتمعون فيه بعد شدة العذاب فيأملون و يتوقعون من اهل الجنة و غيرهم و ذلك انتم لما يحدون ( انهم لما يجدون ظ ) ما بهم من الشدة و العذاب فيتوجهون الي اهل الجنة فينادونهم فيقولون لهم افيضوا علينا من الماء و مما رزقكم الله فيحبس عنهم الجواب اربعين سنة ثم يجيبونهم بلسان الاحتقار و التهوين ان الله حرمهما علي الكافرين و يرون خزنة النار عندهم و هم يشاهدون ما نزل بهم من المصائب فيأملون ان يجدوا فرجا بسبب من الاسباب كما قال الله جل جلاله و قال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب فيحبس عنهم الجواب اربعين سنة ثم يجيبونهم بعد خيبة الآمال قالوا فادعوا و ما دعاء الكافرين الا في ضلال فاذا يئسوا من خزنة جهنم رجعوا الي مالك مقدم الخزان و املوا ان يخلصهم من ذلك الهوان كما قال جل جلاله و نادوا يا مالك ليقض علينا ربك فيحبس عنهم الجواب اربعين سنة و هم في العذاب ثم يجيبهم الله انكم ماكثون فاذا يأسوا من الله و خابوا و خسروا قال لهم سبحانه المتكن آياتي تتلي عليكم و كنتم بها تكذبون قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا و كنا قوما ضالين ربنا اخرجنا منها فان عدنا [ص 12] فانا ظالمون فيبقون اربعين سنة في ذل الهوان لايجابون و في عذاب النار لايكلمون اربعين سنة ثم يجيبهم الله سبحانه بقوله اخسئوا فيها و لاتكلمون فعند ذلك يأسون ( يئسوا ظ ) من فرج و راح ( راحة ظ ) و تغلق ابواب جهنم عليهم و سادسها موطن يجتمعون فيه مع الشياطين في مقام غير الاول فذلك ان الملائكة يدفعون في صدورهم مرة ثانية فيهون بهم سبعينالف عام حتي يقعوا في الحطمة فاذا واقعوها دقت عليهم و علي شياطينهم فيقترنون معهم فيقول كل منهم لقرينه من الشياطين يا ليت بيني و بينك بعد المشرقين فبئس القرين اعمل ( احمل ظ ) عني عذابي كما اعرنتني ( اغويتني ظ ) فيقول الشيطان يا شقي كيف احمل عنك عذاب الله من شيء انا و انت في العذاب مشتركون و سابعها موطن يجتمعون فيه فيهوون الي عين آنية و بيانه انهم بعد ما فرغوا من مخاطبة الشياطين و معاتبتهم يضرب علي رؤسهم ضربة فيهون بها سبعينالف عام حتي ينتهون الي عين يقال لها آنية و هي عين اوقد عليها مذ خلق الله جهنم كل اودية النار تسكن و تنام و تلك العين لاتسكن و لاتنام لها انيين من شدة حرها فتقول الملائكة يا معشر الاشقياء ادنوا فاشربوا منها فاذا اعرضوا ضربتهم الملائكة بالمقامع و قيل لهم ذوقوا عذاب الحريق ذلك بما قدمت ايديكم و ان الله ليس بظلام للعبيد ثم يؤتون بكأس من حديد فيه شربة من عين آنية فاذا دني منهم تغلصت شفافهم و اشتوت لحومهم و وجوههم فاذا شربوا منها و صار في اجوافهم تصهر به ما في بطونهم و الجلود فلهم مقامع من حديد و ثامنها موطن يجتمعون فيه ليهون الي السعير [ص 13] و ذلك انه يضربه علي رؤسهم ضربة فيهوون بها سبعينالف عام آخر حتي يواقعوا السعير فاذا واقعوها سعرت في وجوههم فعند ذلك غشيت ابصارهم من شدتها و تاسعها موطن يجتمعون فيه فيهوون الي شجرة الزقوم و بيانه انه يضرب علي رؤسهم ضربة فيهوون سبعينالف عام حتي ينتهوا الي شجرة الزقوم شجرة تخرج في اصل الجحيم طلعها كأنه رؤس الشياطين قيحا و نتنا تنبت علي صخرة ملسة سوداء كانها مرات زلقة ما بين اصل الصخرة الي الصخرة سبعونالف عام اغصانها تشرب من نار ثمارها نار و فروعها نار فيقال لهم يا معشر الاشقياء اصعدوا فلما صعدوا زلقوا فكلما زلقوا صعدوا و لايزال كذلك سبعينالف عام في العذاب و اذا اكل فيها ثمرة يجدها امر من الصبر و انتن من الجيف و اشد من الحديد فاذا وقعت في بطنه غلت في بطنه كغلي الحميم فيذكرون ما كانوا يأكلون في دار الدنيا من طيب الطعام و عاشرها موطن يزداد عليهم غضب الجبار و ذلك انهم تجذبهم الملائكة فيهوون دهرا في ظلم متركمة فاذا استقروا في النار سمع لهم صوت الصبح السمك علي المقلي او كعصب القصب ثم يرمون بانفسهم من الشجرة في اودية مذابة من صفر و هو اشد حرا من النار تغلي بهم الاودية ترمي بهم في سواحلها فتحمل عليهم هوام النار و الحيات و العقارب كامثال البغال الدهم لكل عقرب ستون فقارا في كل فقار قلة من سم و حيات سود زرق امثال البخاتي فيتعلق بالرجل سبعونالف حية و سبعونالف عقرب ثم يكب في سبعينالف عام ثم يعلق علي كل [ص 14] غصن من الزقوم سبعونالف رجل ماينحفي ( ماينحني ظ ) و ماينكسر فتدخل النار من ادبارهم فتطلع علي الافئدة تغلص الشفاه و تطير الجنان و تنضج الجلود و تذوب الشحوم و يغضب الحي القيوم فيقول يا مالك قل لهم ذوقوا فلننزيدكم الا عذابا يا مالك سعر سعر قد اشتد غضبي علي من شتمني علي عرشي و استخف بحقي و انا الملك الجبار فينادي مالك يا اهل الضلال و الاستكبار في دار الدنيا كيف تجدون مس سقر فيقولون قد انضجت قلوبنا و اكلت لحومنا و حطمت عظامنا فليس لنا مغيث و لا معين فيقول مالك و عزة ربي لاازيدكم الا عذابا فيقولون ان عذبنا ربنا لميظلمنا شيئا فيقول مالك فاعترفوا بذنبهم فسحقا لاصحاب السعير ثم يغضب الجبار فيقول يا مالك سعر سعر فيغضب مالك فيبعث عليهم سبحانه سوداء فتظل اهل النار كلهم ثم تناديهم فيسمعها اولهم و آخرهم و افضلهم و ادناهم فتقول ماذا تريدون ان امطركم فيقولون الماء البارد وا عطشاه وا طول هوناه فتمطرهم حجارة و كلاليب و خطاطيف و غلينا و ديدانا من نار فتنضج وجوههم و جباههم و تعمي ابصارهم و يحطم عظامهم فعند ذلك ينادون وا ثبورا فاذا بقيت العظام عواري اشتد غضب الله فيقول يا مالك اسعرها عليهم كالحطب في النار ثم يضرب عليهم امواجها سبعين خريفا ثم تطبق عليهم ابوابها من الباب الي الباب مسيرة خمسمائة عام و غلظ الباب مسيرة خمسمائة عام ثم يجعل كل رجل منهم في ثلث توابيت من حديد بعضها في بعض فلايسمع لهم كلام ابدا الا ان لهم فيها شهيق كشهيق البغال و نهيق كنهيق الحمار و عواء كعواء الكلب صم بكم عمي [ص 15] فليس لهم كلام الا اعين تطبق عليهم ابوابها و يشد عليهم عمدها فلايدخل عليهم روح و لايخرج منهم الغم ابدا و هي عليهم موصدة يعني مطبقة ليس لهم من الملائكة شافعون و لا من اهل الجنة صديق حميم فينساهم الرب و يمحو ذكرهم من قلوب العباد فلايذكرن ابدا فنعوذ بالله العظيم الغفور الرحيم و حاديعشرها موطن يستهزء بهم المؤمنون و يضحكون عليهم مستهزئين و ذلك ان الله عز و جل اذا اقرهم في دار اللعنة و الهوان و عذبهم بتلك الالوان العجيبة فان هؤلاء المؤمنين في الجنان بحضرة رسول الله صلي الله عليه و آله صفي الملك الديان اطلعهم علي هؤلاء المستهزئين بهم في الدنيا حتي رأوا ما فيه من عجائب اللاعن ( اللعاين ظ ) و بدايع النقمات فتكون لذتهم و سرورهم و شماتهم بهم لدنهم و سرورهم ببغيهم ( و سرورهم بشماتتهم كما لذتهم و سرورهم بنعيمهم ظ ) في جنان ربهم فالمؤمنون يعرفون اولئك الكافرين المنافقين باسمائهم و صفاتهم و هم علي اصناف منهم من هو بين انياب افاعيها تمضغه و تفترسه و منهم من هو تحت بساط زبانيتها و اعمدتها و منهم من هو في بحار جحيمها يغرق و يسحب فيها و منهم من هو في غليلها و غساقها تزجره فيها زبانيتها و منهم من هو في سائر اصناف عذابها و اما الكافرون و المنافقون فينظرون فيرون هؤلاء المؤمنين الذين كانوا بهم في الدنيا مستهزئين فيرونهم منهم من هو علي فراشها يتقلب و منهم من هو علي فواكهها يرتع منهم من هو في غرفها او في بساتينها و منازلها يتبجح و الحور العين و الوصفاء و الولدان و الجوار و الغلمان قائمون بحضرتهم و [ص 16] طايعون بالخدمة حواليهم و ملائكة الله عز و جل يأتونهم من عند ربهم بالحباء و الكرامات و عجائب التحف و الهدايا و المبرات يقولون سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبي الدار فيقول هؤلاء المؤمنون المشرفون علي هؤلاء الكافرين المنافقين يا فلان و يا فلان و يا فلان حتي ينادوهم ما بالكم في بال خزيكم ماكثون هلموا الينا و فتح لكم ابواب الجنان لتتخلصوا من عذابكم و تلحقوا بنا في نعيمها فيقولون يا ويلنا اني لنا هذا فيقولوا المؤمنون انظروا الي هذه الابواب فينظرون الي ابواب من الجنان مفتحة يخيل اليهم الي جهنم التي فيها تعذبون و يقدرون انهم ايمكنهم ان يتخلصوا اليها فيأخذون في السباحة في بخار ( بحار ظ ) حميمها و عدوي من بين ايدي زبانيتها و هم يلحقون يضربونهم باعمدتهم و مرزباتهم و سياطهم فلايزالون كذلك يسيرون هناك و هذه الاصناف من العذاب تمسهم حتي اذا قدروا ان يبلغوا تلك الابواب وجدوها مردومة عنهم و قد هدهم الزبانية باعمدتها فهدوهم الي سواء الجحيم و يستلقي اولئك المنعمون علي فرشهم في مجالسهم يضحكون منهم مستهزئين بهم و ذلك قول الله عز و جل يستهزؤ بهم و قوله عز و جل فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون و ثانيعشرها موطن يسئل الله سبحانه و تعالي عن جهنم هل امتلأت فنقول هل من مزيد و بيان ذلك ان الله سبحانه و تعالي يحاسب اهل جهنم علي الصراط المنصوب علي متن جهنم فوجا فوجا و كلما فرغ فوج مما يقتضي لهم قبل النار فيدخلهم النار و يسير بهم في تلك المواطن التي ذكرناها [ص 17] ثم يسئل جهنم هل امتلأت و تقول هل من مزيد فاذا قالت هل من مزيد يدخل فوجا آخر علي الوجه الذي ذكرنا من سيرهم في تلك المواطن حتي يقرهم قعر جهنم ثم يسئلها سبحانه هل امتلأت و تقول هل من مزيد فلايزال يدخل سبحانه فوجا فوجا ممن يكذب بآيات الله و يسير بهم في دركاتها الي ان يوصلهم قعرها و يسئل هل امتلأت فتقول هل من مزيد الي ان تمتلي و تتصل باهلها و تستوفي حقها فهناك يحصل الامتلاء التام فتقول جهنم حسبي فبلغ الكتاب اجله و امتلأت جهنم و صدق قوله تعالي لاملأن جهنم فتنغلق الابواب و تنقطع الاسباب و يبطل الخطاب فلا منافاة بين الآيتين و لا تناقض في البين و هنا ابحاث : البحث الاول لم هذا السؤال و هو سبحانه اعلم من كل شيء بكل شيء فيما له من المقتضيات و الطلبات من الزيادة و النقيصة البحث الثاني لم نسب سبحانه الزيادة هنا الي جهنم و في الجنة نسب الي نفسه بقوله تعالي لهم فيها ما يشاؤن و لدينا مزيد البحث الثالث لم نسب الامتلاء الي جهنم دون الجنة و قد روي ان الله سبحانه اذا ادخل جميع اهل الجنة الجنة تبقي ناحية من الجنة فارغة فيخلق الله سبحانه خلقا جديدا يسكنهم فيها و الجواب اما عن البحث الاول فاعلم ان ذلك مثل قوله تعالي و ما تلك بيمينك يا موسي و قوله تعالي لعيسي بن مريم ءانت قلت للناس اتخذوني و امي الهين من دون الله و قوله تعالي انا عرضنا الامانة علي السموات و الارض و الجبال فابين ان يحملنها و اشفقن منها و حملها الانسان انه كان ظلوما جهولا و كل ذلك لاجل البيان [ص 18] و الاشارة الي سر حكمة من الحكم و سر من الاسرار و يطول الكلام بذكر الجميع الا انا نشير اشارة الي ما هو المقصود من الآية الشريفة فنقول ان الله سبحانه بمشيته الحتمية ان لايعطي شيئا شيئا الا بما تقتضي كينونته و تتوجه اليه طلبته لئلايكون ترجحا للمرجوح او من غير مرجح و لما كان الخلق حوادث ليسوا بقدماء وجب ان يوههم سبحانه للسؤال اولا ثم يسئل عنهم طلباتهم و يعطيهم مقتضي شؤناتهم و ذواتهم حسب بدو شأنهم في علم الغيب فاعطاهم ما اذا سئلوا اجابوا فقال فلميعطهم الا ما سئلوا و لميسئلوا الا ما لهم ان يقبلوا او لايفيض سبحانه اليهم الا بعد ان يسئلهم و لذا قال سبحانه الست بربكم قالوا بلي و قال تعالي كن فيكون و هذا هو الوجه الحقيقي في الحوادث و اعطاء الحق سبحانه اياها من فضله في ذواتها و صفاتها و اعراضها و كينوناتها سواء ذكر بلفظ السؤال او لميذكر علي الوجه الذي ذكر و هو قوله تعالي امن يجيب المضطر اذا دعاه فالسؤال دائم ثابت عند كل حال و عطاء من اطوار القضاء و القدر حتي لايلزم الترجيح من غير مرجح و التخصيص من غير مخصص و السؤال ليس للجهل حاشاه ثم حاشاه و انما هويتهم قابلية العطاء فافهم فانه دقيق و الوجه الآخر ان بين الحال و المحل و الظرف و المظروف مناسبة و مرابطة تقتضي اختصاص ذلك الحال بذلك المحل دون غيره فما دامت قابلية الحمل موجودة مكونة يجب اعطاء المقبول فاذا تمت القابلية و كملت عن القبول لميحس الاعطاء و الله سبحانه و ان كان يعلم تمام القابلية و عدم تحمل الزيادة و عدمه و لكنه [ص 19] سبحانه انما يسئل لتعريف الخلق و التبيين لهم انه سبحانه انما يجري الاشياء علي حسب مقتضياتها اكمالا للحكمة و هو قوله تعالي قل ان كنتم في ريب من البعث فانا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من مضغة مخلقة و غير مخلقة لنبين لكم فالتفصل و السؤال للبيان اظهارا لحكمة الحكيم السبحان و تبيانا لقوله سبحانه صنع الله الذي اتقن كل شيء و اما عن البحث الثاني فاعلم ان الله سبحانه خلق الوجود و الخير و النور اولا و بالذات و خلق الماهية و الشر ثانيا و بالعرض اكمالا و اتماما لقابلية الخير و الوجود فالخير منسوب اليه و منه و له و اليه و الشر ليس منسوبا اليه و ان كان به تعالي فما هو مقتضي الوجود و الخير ينسبه الي نفسه سبحانه تشريفا و تفخيما و تكريما كما نسب البيت و الروح و الاسف الي نفسه سبحانه مع تنزهه تعالي عنها عز ذكره و طهر بيتي للطائفين و القائمين و نفخت فيه من روحي فلما آسفونا انتقمنا منهم و ما هو مقتضي الشر و الماهية حيث انه مجعول بالعرض لاينسبه الي نفسه لالي الواسطة في ثبوته و لما كانت الجنة من مقتضيات الخير و النور و الوجود نسب الزيادة فيها الي نفسه الكريمة و قال و لدينا مزيد و ان كانت تلك الزيادة ايضا من مقتضياتها بحسب طلبها اهلها و لما كانت النار و جهنم من مقتضيات الماهية و الشر و الظلمة نسب الزيادة فيها اليها و الي طلبها للزيادة مازادت بخلاف الجنة فانها مجعولة بالذات و مقصودة اولا فجميع مقتضاتها ( مقتضياتها ظ ) منسوبة اليه تعالي دون جهنم و لذا قال تعالي و اما الذين شقوا ففي النار خالدين فيها [ص 20] بالبناء للمعلوم لبيان ان السعادة من الله سبحانه و بامداده و توفيقه و الشقاوة منسوبة الي العبد بخذلان الله سبحانه و عدم توفيقه و ان كان الجميع بامر بين الامرين و اما عن البحث الثالث فاعلم ان الله سبحانه حيث ان رحمته سبقت غضبه و رحمته المكنونة محض فضل و كرم وجب ان يكون الجنة واسعة بلا نهاية و لا غاية لسعة فضله سبحانه و رحمته و اما جهنم فحيث انها مقصودة ثانيا لا اولا و ابتداء وجب ان يكون علي مقتضي العدل و هي للضرورة التي تتقدر بقدرها و اما الجنة فلايجوز ان تتقدر لانها علي مقتضي كرمه و لا حد و لا غاية له و النار يراعي فيها قابلية العصاة المخذولين فتمتلي باهلها و تنطبق عليهم بخلاف اهل الجنة فكلما يبلغون مقاما يجدون اوسع و اعظم حتي تخلوا ناحية منها من اهل الدنيا فيخلق الله سبحانه خلقا علي مقتضاها فيسكنهم فيها و لاتزال في الزيادة و الازدياد و ما لها من نفاد و لا لسعتها حد و لا نهاية و لا غاية و تزداد سعتها آنا فآنا بخلاف النار فانها تمتلي و لاتتسع و لاتزداد سعتها عن ساكنيها فهي منطبقة عليهم و هم منطبقون عليها فافهم و الكلام في هذا المقام طويل و الوجوه في الجميع بين الآيتين كثيرة اقتصرنا علي هذا الوجه .
قال سلمه الله تعالي : و ما معني الاستثناء في قوله عز و جل خالدين فيها ما دامت السموات و الارض الا ما شاء ربك .
اقول حيث ان الله سبحانه لاتتقدر قدرته و لاتحد عظمته كان البدا من لوازم الامكان اظهارا لكمال قدرته و اثباتا لمنتهي عظمته و انه سبحانه [ص 21] لايحتم عليه حال يفعل ما يشاء بما يشاء كما يشاء كيف يشاء لا راد لحكمه و لا مانع لامره فهو سبحانه و ان وعد اهل الجنة الخلود و اوعد اهل النار الخلود لكنه سبحانه لايحتم عليه امر و الوعد لمقتضي فضله و عدله و هو سبحانه قادر علي كل شيء و محيط بكل شيء كما قال لنبيه صلي الله عليه و آله و لو شئنا لنذهبن بالذي اوحينا اليك مع انه سبحانه و تعالي لايفعل ذلك ابدا لكرامته علي الله سبحانه كما قال عز و جل و كان فضل الله عليك عظيما و لكنه سبحانه اذا فعله لايسئل عما يفعل و هم يسئلون و قال ايضا سبحانه و تعالي و لو شئنا لآتينا كل نفس هديها و لكن حق القول مني لاملأن جهنم من الجنة و الناس اجمعين و بالجملة فالله سبحانه يفعل ما يشاء كما يشاء لا راد لمشيته و لا مانع لحكمه و لا منازع لامره لكنه سبحانه لايخلف الميعاد و قد روي ان يونس عليه السلام قد سجد و بالغ و تضرع الي الله سبحانه ان لايعذبه فاوحي الله سبحانه اليه يا يونس ارفع رأسك فاني لااعذبك قال يونس يا رب ان قلت لمتعذبني ثم عذبتني الست عبدا لك فاوحي الله سبحانه اليه يا يونس اني لااخلف الميعاد و بالجملة فالله سبحانه يفعل ما يشاء و لو اراد ان يخرج اهل الجنة منها و اهل النار منها و ادخل اهل الجنة النار و اهل النار الجنة لفعل و لايمنعه مانع و لايسده ساد و لكنه سبحانه لايفعل كرما و جودا و تصديقا لوعده و اثباتا لحكمته و اقامة لبرهانه و حجته و هذا هو سر الاستثناء فافهم فهمك الله و هذا اعم من جنة الدنيا و الآخرة و نارهما و نعيمهما و اليمهما و جحيمهما و قد [ص 22] روي عن اهل البيت عليهم السلام انهما من جنان الدنيا و نارها كما في تفسير علي بن ابراهيم و اما قوله تعالي و اما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها جنات الدنيا التي تنقل اليها ارواح المؤمنين ما دامت السموات و الارض الا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ يعني غير مقطوع من نعيم الآخرة في الجنة و يكون متصلا به و هنا وجه آخر و هو ان المراد بالجنة في هذه الآية الشريفة ولاية آلمحمد عليه و عليهم السلام و النار عداوتهم و ولاية اعدائهم فان السعيد هو الداخل في هذه الجنة اي الولاية الا ما شاء الله اذا خرج عنها و العياذ بالله و اما الشقي فهو الداخل في النار نار العداوة و هي الاصل لنار جهنم و هي فرعها الا ما شاء الله اذا ادركته السعادة و خرج منها بالايمان لمن سبقت له من الله الحسني و قد روي ان رجلا قال بمحضر مولينا الصادق عليه السلام اللهم ادخلنا الجنة قال عليه السلام لاتقل هكذا انتم في الجنة سلوا الله ان لايخرجكم منها فان الجنة ولايتنا اهل البيت عليهم السلام فاذا كانت الجنة ولايتهم عليهم السلام تكون النار عداوتهم و علي هذا البيان التام يظهر معني الاستثناء جليا ظاهرا و قد نص علي ما ذكرنا زايدا علي ما بينا مولينا الصادق عليه السلام كما في الصافي عن تفسير العياشي عنه عليه السلام و ابيه الباقر عليه السلام ان المراد بالجنة و النار في هذه الآية الشريفة ولاية آلمحمد عليهم السلام و ولاية اعدائهم و قال الصادق عليه السلام قال الجاهل بعلم التفسير ان هذه الاستثناء من الله انما هو لمن ادخل الجنة و النار و ذلك ان الفريقين جميعا يخرجان [ص 23] منهما فتبقيان و ليس فيهما احد و كذبوا قال و الله تبارك و تعالي ليس يخرج اهل الجنة و لا كل اهل النار منها ابدا كيف يكون ذلك و قد قال الله تعالي في كتابه ماكثين فيه ابدا ليس فيه استثناء و هنا وجه آخر قد اشار اليه مولانا الباقر عليه السلام كما في الصافي ان هاتين الآيتين في غير اهل الخلود من اهل الشقاوة و السعادة ه ، اما هذا الشقاوة فظاهر فان العصاة من الشيعة اذا ماتكفرت ذنوبهم في الدنيا و عند الموت و البرزخ و اهوال يوم القيمة و الحساب و الصراط يدخلون نار الحظاير ليستوفوا ما يستحقون من العقاب ثم يخرجون منها و يدخلون الجنة بعد ان غمسوا في عين بحر الحيوان و اما اهل السعادة التي هم في الواقع اهل الشقاوة كاهل الشقاوة التي هم في الواقع اهل السعادة و هؤلاء قوم من الكفار يفعلون في الدنيا بحسب ما عندهم من لطخ اهل الايمان بعض افعال الخير فيجازيهم الله سبحانه في الدنيا فان لميستوف يخفف عليهم سكرات الموت و ان لميستوف يخفف عليهم اهوال القيمة و ان لميستوف يجعل في النار و يخفف عليه من العذاب مقدار ما يستحقه من غير ان يحس بذلك فاذا استوفي حظه من مقتضي فعل ذلك الخير يزداد عذابا لانه يضعف له العذاب مقدار قابليته في اصل استحقاقه فيعلم انه قبل ذلك كان في التخفيف و هذا الذي ذكرنا من انواع الملاذ الدنيوية و عزتها و شوكتها و تخفف سكرات الموت و ما بعده هو عبارة عن الجنة التي يدخل فيه الشقي ثم يخرج منها و يدخل في العذاب المقيم نعوذ بالله من ( منه ظ ) و صح الاستثناء فافهم .
[ص 24] قال سلمه الله تعالي : و ما حقيقة الشفاعة الثابتة لمحمد و اهل بيته عليهم السلام .
اقول الشفاعة عبارة عن جبر الكسير و تتميم الناقص و اعطاء المضطر الحقير و الشفيع انما سمي شافعا لان نوره من عطائه و جاهه يشفع و يقرن الناقص او المنكسر فيجبره و يتممه و هو لايكون الا ان يكون لطيفته زائدة علي ذاته فان الاشياء علي اقسام ثلثة منها ما لطيفته ناقصة عن ذاته كالجوامد الغاسقة في الظاهر و الباطن التي ليس لها نور فظهر ذاته و شئونه فضلا عن غيره و منها ما لطيفته مساوية لذاته كالجمر مثلا في الظاهر و الباطن فانه يظهر نفسه و ليس له من النور الزايد ما يظهر غيره و منها ما لطيفته زائدة علي ذاته فينور و يظهر ذاته و غيره كالشمس و السراج في الظاهر و الباطن فبتلك الزيادة التي له يتمم نقصان غيره و يجبر كسره و علي هذا فكل مؤمن له شفاعة لان له نور زايدة و تلك الشفاعة تختلف بحسب اختلاف تلك الزيادة فمنهم من شفاعته مختصة بوالديه و منهم من يتعدي الي اقاربه و معارفه و منهم من يتعدي الي العصاة عدد شعر معرفتي كلب و منهم من يشفع بعدد رمل عالج و منهم من يشفع فئاما و فئاما و فئاما الي عشرة او ازيد و كل فئام مائةالف و العالم من علماء اهل البيت عليهم السلام علي رأسه تاج له اركان و من كل ركن نور ساطع يضيء كل المحشر و يتمسك به كل من اخذ العلم منه و من اخذ العلم ممن اخذ العلم منه و هكذا الي يوم القيمة و الكل يدخلون الجنة و لما كان نبينا صلي الله عليه و آله [ص 25] هو السراج الوهاج في الوجود كله كما قال سبحانه و تعالي يا ايها النبي انا ارسلناك شاهدا و مبشرا و نذيرا و داعيا الي الله باذنه و سراجا منيرا فلا سراج سواه و لا منير غيره و نفسه صلي الله عليه و آله فنوره صلي الله عليه و آله يفضل كل نور فيتمم كل ناقص و يجبر كل كسير و لما كان الامكان لايخلو من نقص و كسر كائنا من كان من نبي و ولي و وصي و صديق و شهيد و عادل و فاسق و مؤمن و كافر و لا نور اعظم من نور محمد صلي الله عليه و آله فهو الشافع المطلق و كل احد محتاج الي شفاعته لايصال الفيض اليه و تتمم نقصانه في الدنيا و الآخرة و في كل حال و هذا هو حقيقة الشفاعة الثابتة لمحمد صلي الله عليه و آله و لما كان اهل بيته عليهم السلام نفسه و من حقيقته و طينته كانت الشفاعة الثابتة له صلي الله عليه و آله لهم حرفا بحرف اشهد ان ارواحكم و نوركم و طينتكم واحدة طابت و طهرت الا انهم عليهم السلام محتاجون الي شفاعة النبي صلي الله عليه و آله فيشفع لهم اولا و هم يشفعون لباقي الخلق زايدا علي ظاهريته صلي الله عليه و آله و اما كيفية الشفاعة فان الشفيع يصلح قابلية المحتاج الصالح للشفاعة بحسب الاسباب الجارء علينا صنع الحكيم القادر حيث ان الله سبحانه اجري الاشياء باسبابها و ان كان الله سبحانه قادرا علي ان يفعل ما يشاء كما يشاء بما يشاء لما يشاء كما سبق فيصلح القابلية اولا و يمكنها حتي يقبل الفيض من المبدء الفياض فتكون الشفاعة علي انحاء مختلفة فقد تكون باعطاء النور من زايد لطيفته اذا كانت القابلية ناقصة لاتتحمل ما يرد [ص 26] عليها من الفيض و النور كما قال الحجة المنتظر عجل الله فرجه و روحي له الفداء في الدعاء للشيعة و ثقل موازينهم بفاضل حسناتنا و هؤلاء يدخلون الجنة بالشفاعة من غير حساب و كتاب و عذاب فان المقتضي موجود و المانع نقصان القابلية لا خلطها باعراض يقتضي تطهيرها و مثاله البلور الصافي اذا لميشرق عليه الشمس لميحصل اللمعان و ظهور الالوان و الاحراق فهو ناقص عن بلوغ هذه الدرجة و تمامها باشراق شمس العناية اليه فالشمس تشفع للبلور بالاشراق حتي تدخله جنة الكمال و الانوار و الاشرار ( الاشراق ظ ) فافهم المثل فانه مطابق موافق فالشمس شمس النبوة و الولاية و قد تكون بازالة الاغيار و رفع الاكدار حتي تتاهل القوابل للاشراق و هذا القسم علي انحاء مختلفة فمنها ما كانت الغرائب و الاعراض في الظاهر من دون السراية الي الباطن و هذا القسم شفاعته اولا بازالة تلك الغرائب ثم تتميم ما نقص من القابلية بافاضة النور الزائد و اللطيفة الزائدة و هذا النوع يكون بالابتلاء في الدنيا بالاعراض و الكدورات الدنياوية و الهموم و الغموم و الاحزان و الامراض و العزة و الغنا و الاولاد و امثالها و عند الموت يصفي و يطهر فيشفع له بتتميم ما نقص منه بالافاضة من النور المعدلة و منها ما كانت الغرائب و الاعراض و المعاصي متمكنة سارية ممزوجة بظاهره و باطنه اي باطن الظاهر و لاتستحق هذا النوع للاشراق عليه بالافاضة الا بازالة تلك الاوساخ اولا ثم الافاضة الثانية هي الشفاعة الثانية و الازالة التي هي اول الشفاعة في هذا النوع يكون بالعذاب في البرزخ و هم علي انحاء [ص 27] منها التشديد عند الموت فيطهر و منها التشديد في القبر بحضور النكيرين و رومان فتان القبور فيطهر و يستحق الاشراق من عالم الوفاق بالشفاعة الثانية و منها بمقاسات شدايد نار برهوت و اول مشاهدتها فيطهر و منها بالدخول في حظاير نار البرزخ مدة قليلة فيطهر و منها بالبقاء فيها الي نفخ الصور فيطهر و هكذا و الضابط ازالة تلك الاخلان ( الاخلاط ظ ) الظلمانية الحاصلة من لطخ اهل الكفر و هي تتفاوت بحسب حال المختلطين من الذين خلطوا عملا صالحا و آخر سيئا عسي الله ان يتوب عليهم و عسي موجبة و لا بد من ادراك الشفاعة و منها ما كانت الاعراض و الغرائب متمكنة في باطن الباطن و لميطهرها الآلام البرزخية و يمنعها عن قبولها للافاضات الحقيقية و الاشراقات الالهية فيكون تطهيرها في القيمة علي حسب قلة الاعراض و رقتها و غلظتها فتكون الشفاعة هنا في مقامات فمنها بمشاهدة اهوال المحشر و فقره و غربته و وحدته و عدم اطلاعه بما يؤل اليه امره من جنة او نار و منها بمقاسات شدايد القيمة و اهوال المحشر و شدة العرق الي ان يقول يا رب اما الي الجنة او النار و منها بمشاهدة جهنم و اتيانها في المحشر بتلك الصورة الموصولة التي ذكرناها في المسئلة الاولي و منها بوقوعه علي الصراط المنصوب علي متن جهنم ادق من الشعر و احد من السيف و بالجملة هكذا تجري عليه الاحوال من الاهوال فاذا بقيت لتلك الاخلاط باقية يدخل في حظاير النيران الي ان يتصفي و يطهر فيخرج من النار و يغسل في عين الحيوان و يدخل الجنة و ذلك كله بالشفاعة المحمدية [ص 28] صلي الله عليه و آله و مثال هذه الاقسام الثلثة البلور اذا كان كدرا كدورة ظاهرية فيمسح بخرقة و ينظف و هو القسم الاول الذي تطهيره في الدنيا و مثال الثاني الذهب اذا كان مغشوشا يتصفي اذا برد و صار برادة و مثال الثالث الذهب اذا كان مغشوشا برصاص و نحاس و غيرهما فلايطهر حتي يذاب بالنار و يزال تلك الغرائب و يخزن بالخزانة فالتصفية لا بد منها و لاتكون بالاسباب الا بالاذابة بالنار و الا فالله سبحانه هو القادر علي ما يشاء كما يشاء الا ان الحكمة و اتقان الصنع اورثت ما ذكرنا و شرحنا فالشافع هو الذي يصفي و يجعله صالحا للخزانة الالهية التي هي الجنة و هذا الذي هو حقيقة الشفاعة و كيفيتها و احوالها و اما محلها فهو الذي ارتضاه الله دينه و هو الماذون بالشفاعة له في قوله تعالي و لايشفعون الا لمن ارتضي و قوله تعالي منذا الذي يشفع عنده الا باذنه لانا قلنا ان الشفاعة تتميم الناقص و جبر المنكسر فالذي قلبه مؤمن طاهر و عرضته نجاسة الذنوب فيتطهر بالشفاعة و اما نجس العين الذي قلبه معرض عن الله و مصاغ بصيغة الصورة الشيطانية و منصبغ بصبغ الهيئة الابليسية لايمكن تطهيره الا بقلب الماهية و هو محال علي الحق سبحانه في الحكمة و ذلك معلوم واضح و هو قوله تعالي استغفر لهم او لاتستغفر لهم ان تستغفر لهم سبعين مرة لنيغفر الله لهم .
قال سلمه الله تعالي : و ما معني تحملهم ذنوب شيعتهم عليهم السلام و الله سبحانه يقول كل نفس بما كسبت رهينة و لاتزر وازرة وزر اخري [ص 29] و ان تدع مثقلة الي حملها لايحمل منه شيء الآية .
اقول اعلم ان الله سبحانه وصف نبيه صلي الله عليه و آله بالرأفة و الرحمة علي المؤمنين حيث صدق عنهم و آمن من قبلهم لما كلفه الله سبحانه بمضمون الآية و هو قوله تعالي ان تخفوا ما في انفسكم او تبدوه يحاسبكم به الله الآية ، فسلم رسول الله صلي الله عليه و آله و صدق و قبل و الانبياء عليهم السلام كانوا اذا كلفوا بمضمونها يستصعبون التكليف و يمتنعون و يقولون يا ربنا لاتطيق امتنا ذلك فحيث امتنعوا كان سبحانه يلزمهم بذلك التكليف و لما سلم النبي صلي الله عليه و آله و قبل لانه كان حبيبا و من شأن الحبيب ان يأتي بجميع ما يريد المحبوب قال سبحانه آمن الرسول بما انزل اليه ثم قال صلي الله عليه و آله عن امته رأفة بهم و رحمة عليهم و المؤمنون كل آمن بالله و ملائكته و كتبه و رسله الآية ، و من رأفته صلي الله عليه و آله بامته انه لما رأي انهم يرتكبون المعاصي و السيئات و يستوجبون بذلك انواع سخط الله و مقته و كان قد دعي لهم ان يغفر الله ذنوبهم في الآخرة و استجاب الله سبحانه دعائه و وعد ان يغفر لهم في الآخرة و لما كانت المغفرة لهم في الآخرة وجب ان تكون المكافات و المجازات في الدنيا فوجب ان يبتلوا بانواع البلايا و المحن و الشدايد و المصائب و النوايب في دار الدنيا فرحم لهم النبي صلي الله عليه و آله و عطف عليهم لعلمه بهم انهم لايطيقون ذلك فنسبهم الي نفسه الشريفة و جعل ذنوبهم ذنبه و نسبها اليه رحمة عليهم و تفخيما لامرهم كما ان الله سبحانه [ص 30] نسب الاسف الذي هو شأن الحدوث و الامكان الي نفسه لما اسف اوليائه بقوله تعالي فلما آسفونا انتقمنا منهم و الاسف لايجوز علي الله سبحانه و كذلك رسول الله صلي الله عليه و آله نسب الذنب و المعصية التي هي منزه عنها و لاتجوز عليها الي نفسه و سئل سبحانه ان يجعل البلاء الذي لامته الذين هم شيعة اميرالمؤمنين عليه السلام الاثنيعشرية خاصة لانهم هم امة الاجابة لا غيرهم فجعل نفسه الشريفة و اهل بيته الاكرمين عليهم السلام وقاء و فداء لامته المرحومة و المحن و المصائب التي كانت معدة للامة صرفوها عنهم الي انفسهم الشريفة عليهم السلام رأفة لهم و رحمة عليهم و هو قوله تعالي لقد جائكم رسول من انفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم و ذلك من كمال الرأفة و الرحمة بالمؤمنين الذين هم شيعة مولانا اميرالمؤمنين و اهل بيته الطاهرين عليهم سلام الله ابد الآبدين و اما ما يرد علي الشيعة من المصائب و الآلام فليس ذلك مجازاة و انما هي لئلايركنوا الي الدنيا لان الانسان ليطغي ان رآه استغني و لامر آخر نشير اليه في المسئلة الآتية ان شاء الله تعالي و لاينافي هذا التحمل قوله تعالي و لاتزر وازرة وزر اخري و ساير الآيات التي اشار اليها جنابكم لان الامة المرحومة بتصديقهم اياه صلي الله عليه و آله و ايمانهم به استحقوا منه صلي الله عليه و آله عظيم العناية و جسيم الرأفة و دفعوا عنهم الشدايد و نسبها الي نفسه كما نسبهم الله سبحانه الي نفسه مع ما هم عليه من الامكان و الحدوث و تنزه الحق سبحانه عنه و كذلك النبي و [ص 31] خلفائه عليهم السلام نسبوا شيعتهم الي انفسهم مع ما هم عليه من المعاصي و الذنوب و السيئات فنزلوا انفسهم منزلهم و جري عليهم ما كان بحسب ان يجري عليهم و هو قوله تعالي ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك و ما تأخر و اي ذنب كان لرسول الله صلي الله عليه و آله فافهم فهمك الله .
قال سلمه الله تعالي : و ما فائدة هذا التحمل مع عذاب بعض عصاة الشيعة فان وزر المعصية بعد التحمل ان كان موجودا فلاتحمل و ان كان مغفورا فكيف يستحق العذاب و ربما ادي هذا المعني بظاهره الي غرور الشيعة و الرخصة لهم في المعصية فهل هو خاص او عام .
اقول فائدة التحمل ظاهرة و هي دفع العذاب عن رعيته و امته و اللائذين به المنقطعين اليه صلي الله عليه و آله و اما عذاب بعض عصاة الشيعة فاعلم ان المعصية لها سبب و لها اثر اما آثار المعصية التي هي الادبار عن الله سبحانه فهي كل اذية و بلية و ضرر و فقر و فاقة و جريان و خذلان و مرض و سقم و هم و حزن و قتل و نهب و سلب و غصة و الم و ساير البلايا و المحن و العقوبات و الفتن اماسمعت الله سبحانه يقول الذين يأكلون اموال اليتامي ظلما انما يأكلون في بطونهم نارا و سيصلون سعيرا فالذي تحمله الائمة عليهم السلام و رسول الله صلي الله عليه و آله انما هو زوال تلك الآثار و ترتبها علي العاملين لها و المرتكبين اياها و لو يؤاخذ الناس بما كسبوا ماترك علي ظهرها من دابة فببركة هذا التحمل عاش الخلق و بقي الوجود و الوجود اما [ص 32] الامة المرحومة التي هي امة الاجابة و هم الشيعة الاثنيعشرية فبما تحملوا سلام الله عليهم من ذنوبهم و اما ساير الناس فلاجل اولئك الاطهار لمن الشيعة لتكون لهم انسا و سببا لوصولهم و بلوغهم الي مآربهم و مقاصدهم فلاتؤثر تلك المعاصي بظهور آثارها فيهم و اما سببها اي سبب المعصية لطخ من ظله انكار اهل الطغيان و اهل الشقاق و قد تلطخت طينة الشيعة بها لما نزلت من شجرة المزن و وصلت الي الارض و قارنت البقلة او الثمرة التي صعدت من سجين حاملة لروح ملعون من الملاعين فلما تمكنت تلك الظلمة صارت سببا لصدور المعصية من الشيعة و الا لمتصدر منهم لانهم الطيبون الذين خلقوا من شعاع نور اهل البيت عليهم السلام و من فاضل طينتهم فلايتصور منهم وقوع المعصية و لكن ظلمة اولئك لما تلطخت بهم و تمكنت فيهم صارت سبب معصيتهم فالمعصية لمبادي الظلمة و الموجودة بالعرض في هؤلاء الشيعة يد لاولئك الاصول في المعصية فهم المعصية فهم العاصون بايديهم و هي تلك الظلمات الموجودة في اولئك الابرار من جهة اللطخ و من هذه الجهة كانت معاصي الموجودات و سيئاتهم ثابتة برقابهما و هما الفاعلان كما يعترفان بذلك و لما كان يجب عود كل فرع الي اصل كما قال تعالي الطيبات للطيبين و الطيبون للطيبات و الخبيثات للخبيثين و الخبيثون للخبيثات وجب عود تلك الظلمة التي تلطخت بها ظاهر ابدان الشيعة و الارواح المتعلقة بالابدان و لما تمكنت تلك الظلمة و امتزجت بكينوناتهم صار حكمها حكم الذهب المغشوش فوجبت الاذابة [ص 33] لاخراج الفاسد فالعذاب الذي لبعض عصاة الشيعة انما هو لاخراج ذلك الغش و الاعراض التي تمكنت في تلك الكينونات فابتلائهم في الدنيا و في البرزخ و القيمة كل ذلك لتصفيتهم عن تلك الكدورات و الظلمات و حيث وجبت تصفيتهم فلا بد من العذاب و الاذية لاخراج ذلك الداء عنهم كما انك تكوي نفسك بالنار لمنع صب المواد الفاسدة و دفع الاعراض الغريبة و ما قصدك الا الاصلاح و لاينافي الا بهذه الوجوه و لاحظ تتمة ما ذكرنا . . .