[ص 1]

رسالة في جواب الشيخ محمد بن الحسين البحراني

عن خمس‌عشرة مسألة

من مصنفات السيد الاجل الاوحد المرحوم

السيد كاظم بن السيد قاسم الحسيني الرشتي اعلي الله مقامه

[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي خير خلقه و مظهر لطفه محمد و آله الطاهرين ( و لعنة الله علي اعدائهم و مخالفيهم و منكري فضائلهم اجمعين الي يوم الدين خ‌ل ) .

اما بعد فيقول العبد الجاني و الاسير الفاني كاظم بن قاسم الحسيني الرشتي ان جناب الشيخ الاجل الانبل الافضل الاكمل اللوذعي الالمعي المؤيد الممجد الشيخ محمد بن حسين بن خلف بن سلمان قد بعث الي مسائل يريد الجواب علي الاستعجال و انا في الغاية من تشويش البال و اختلال الاحوال و عروض الامراض المانعة من استقامة الحال و مع ذلك لايمكنني الا اجابته و انجاح طلبته و آت بما هو الميسور لانه لايترك بالمعسور و جعلت سؤاله سلمه الله تعالي متنا و جوابي كالشرح له كما هو عادتي في اجوبة المسائل ليطابق كل جواب بسؤاله ( لسؤاله خ‌ل ) .

قال سلمه الله : ما معني الآية الشريفة لواحة للبشر عليها تسعة‌عشر ، ما معني هذا العدد الخاص دون غيره .

اقول قد تكرر في القرآن ان الله سبحانه يضل من يشاء و يهدي من يشاء لقد اشتبه علي الناس معني هذه الآية ( الهداية خ‌ل ) حتي ذهبت طائفة الي الجبر و الآخرون الي وجوه بعيدة و معان غير سديدة و التبس الامر علي اهل الظاهر المحجوبين عن مراتب الحقايق و الا فاهل الحقايق لهم في كل شيء شواهد واضحات و آيات بينات تدل علي مراد الله سبحانه في جميع الآيات و الالفاظ و الكلمات و لكن المحجوبين [ص 3] يلتبس عليهم الامر بتخالف بعض الكلمات و حيث ان امر الله سبحانه و تعالي يجب ان يكون ظاهرا بينا في كل المقامات اراد سبحانه كشف الحجاب و ازاحة النقاب عن وجه المقصود علي الحقيقة ليبين المراد و بيان ذلك انه سبحانه و تعالي يريد ان يميز الخبيث من الطيب و يظهر البواطن و السرائر لانه سبحانه لايقبل الا العمل الخالص كما قال الا لله الدين الخالص فيختبر الخلق بانحاء الاختبارات و يفتتنهم بانواع الفتن لتظهر البواطن و تبدوا السرائر و تخرج ضغائن الصدور و تبين ( تتبين خ‌ل ) حقايق الامور و يتميز اهل الجنة من اهل النار لئلايكون للناس علي الله حجة فيأتي سبحانه في بعض المقامات ( مقامات الاختبار خ‌ل ) بكلام متشابه لاستخراج بواطن الفجار ثم يبينه بيانا واضحا و برهانا لائحا لينجلي الغبار و تخرج الاغيار ان في ذلك لعبرة لاولي الابصار و اليه الاشارة بقوله تعالي و ماارسلنا من رسول و لا نبي الا اذا تمني القي الشيطان في امنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته و الله عليم حكيم ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض و القاسية قلوبهم و ان الظالمين لفي شقاق بعيد الي ان قال تعالي و ان الله لهادي الذين آمنوا الي صراط مستقيم و التمني بمعني القرائة كما في قول الشاعر :

تمني كتاب الله في كل ليلة تمني داود الزبور علي الرسل

و القاء الشيطان عبارة عن الاحتمال الباطل الغير المراد لاجل التمويه و التلبيس و ليس اللفظ صريحا ظاهرا في رده كما في قوله تعالي انما وليكم الله و رسوله و الذين آمنوا الذين يقيمون الصلوة و يؤتون الزكوة و هم راكعون و قد اتي بلفظ ما يمكن [ص 4] القاء الشيطان من الانس ( بلفظ يمكن القاء الشيطان الانس خ‌ل ) و الجن الاحتمال الباطل فيه كالاتيان بلفظ الولي المشترك في معاني عديدة و الاتيان بلفظ الجمع و هو يريد المفرد و الاتيان بلفظ الزكوة الظاهر منها الواجبة و هو سبحانه يريد المستحبة فبهذه الآية و اتيانه هكذا اخرج ما في قلب الرازي و اضرابه من الضغائن بصرف هذه الآية عن اميرالمؤمنين عليه السلام باحتمال ان الولي بمعني المحب و غيره من الاحتمالات الباطلة و لما اخرج ضغاينه و ابدي سرايره احكم الله آياته و قال النبي اولي بالمؤمنين من انفسهم فبين ان ولاية النبي صلي الله عليه و آله ولاية تصرف فولاية الذين آمنوا الذين يقيمون الصلوة ولاية التصرف لان المعطوف متحد مع المعطوف عليه في الحكم و كذلك في هذا المقام قال تعالي يضل من يشاء و يهدي من يشاء اخرجت الاشاعرة و الجبرية ضغائن صدورهم و كوامن ضمائرهم ثم احكم الله ذلك المتشابه بالبيان الواضح في هذه الآية الشريفة و اوضح معني الهداية و الضلالة و قال عز من قائل عليها تسعة‌عشر اي علي جهنم تسعة‌عشر فلما نزلت هذه الآية ضحك الكفار و المشركون و منافقوا هذه الامة و الذين كانوا يظهرون الاسلام و يكتمون النفاق فقالوا ما اقل الموكلين علي سجن رب محمد حتي قال بعضهم ممن يعد من شجعانهم ان علي ثمانية‌عشر من الموكلين بجهنم و انتم كلكم تعجزون عن واحد فاخذوا في السخرية و الاستهزاء و اظهروا البغضاء و الشحناء و ظهرت الضغاين من البواطن و تبين المحق من المبطل و من آمن ظاهرا دون ان يكون باطنا فلما تبين و تميز بين الله [ص 5] سبحانه المراد و قال و ماجعلنا اصحاب النار الا ملائكة و ماجعلنا عدتهم الا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين اوتوا الكتاب و يزداد الذين آمنوا ايمانا و لايرتاب الذين اوتوا الكتاب و ليقول الذين كفروا و الذين في قلوبهم مرض ماذا اراد الله بهذا مثلا ثم لما بين سبحانه وجه الحكمة و ابان عن سر الحقيقة قال سبحانه كذلك يضل من يشاء و يهدي من يشاء و مايعلم جنود ربك الا هو فتبين لنا المراد عن معني هداية الله و اضلاله و اما خصوص العدد فان المراد بتسعة‌عشر هو الواحد و هو استنطاق حروف بسم الله الرحمن الرحيم المكتوبة و لما كانت البسملة هي الاسم الاعظم و حاملة سر الاسم الاعظم الاعظم الاعظم بل الذكر الاجل الاعلي الاعلي الاعلي كان حامل هذا الاسم واحدا وترا فردا و هو الذي اليه الاياب و عليه الحساب و عنه الثواب و العقاب و هو قسيم الجنة و النار و هو نعمة الله علي الابرار و نقمته علي الفجار و هو الماء النازل من سحاب القرآن الذي مقام الوصال و الاجمال المعبر عنه بالحقيقة المحمدية و هو شفاء و رحمة للمؤمنين و لايزيد الظالمين الا خسارا و هو الواحدة في قوله تعالي انما اعظكم بواحدة كما نص عليه مولينا و سيدنا الصادق عليه السلام و التاء لمبالغة الوحدة كما في قوله تعالي و ما امرنا الا واحدة و لما كان الولي اليه امر النار كالجنة و هو الواحد و هو استنطاق تسعة‌عشر و هي عدد حروف البسملة التي هي الاسم الاعظم فبين سبحانه ان المتولي لدائرة النار و القائم عليها لايكون الا حاملا سر الاسم الاعظم و لايكون الا واحدا فافهم [ص 6] و لاتكثر المقال فان العلم نقطة كثرها الجهال .

قال سلمه الله تعالي : ما معني روح القدس المسددة لهم هل هي هم ام غيرهم ما معني هذا التسديد لهم لانه الحجج بلا واسطة .

اقول المراد بالروح القدس هو اول الروحانيين حملة العرش و هو العقل الاول الكلي و هو عقلهم عليهم السلام و قد قال مولينا الصادق عليه السلام ان الله خلق العقل و هو اول خلق من الروحانيين عن يمين العرش و في حديث محمد بن مسلم عن الباقر عليه السلام اول ما خلق الله العقل ثم قال له اقبل فاقبل ثم قال له ادبر فادبر الحديث ، و قال رسول الله صلي الله عليه و آله اول ما خلق الله عقلي ، فاذا جمعت هذه الروايات بصحيح الفكرة و صافي الطوية علمت ان الروح المسددة لهم هو روح القدس و هو عقولهم و لا ريب ان التسديد و التأييد كله بالعقل في كل بحسبه و هو نور انا انزلناه في ليلة القدر فيسددهم الله سبحانه بهم لا بغيرهم لان عقلهم سلام الله عليهم اول مراتبهم في الوجود المقيد و به قوام الاكوان و الاعيان فلاينافي ذلك انهم الحجج بلا واسطة صلي الله عليهم و هذه الواسطة ليست غيرهم و هي العمود من نور و نور التفرس و التوسم فافهم .

قال سلمه الله تعالي : و ايضا سيدي اخبرني ان الله خلق المشية بنفسها و خلق الاشياء بالمشية فكيف قبضها هل هو بنفسها ام بغيرها ان قلنا بنفسها فما الوجه في الاخبار الواردة في قبض ملك الموت ارواحهم عليهم السلام كما جري للنبي صلي الله عليه و آله حين موته (ص) .

[ص 7] اقول ان لهم سلام الله عليهم مراتب و مقامات في كل مقام يجري عليه حكم ذلك المقام فهم في مقام مشية الله لانها اول صادر لقد قام الاجماع مع الاخبار المتواترة انهم ( انه خ‌ل ) ماسبقهم سابق و لايلحقهم لاحق و لايطمع في ادراك مقامهم طامع فان كانت المشية غيرهم فان كانوا سبقوها ايضا ( سبقوها فماخلقت الاشياء كلها بالمشية و ان كانوا سبقوها خ‌ل ) فلا سابق علي المشية غير الذات جل و علا فلم‌يبق الا انها هم لكنها في اعلي مراتبهم و درجاتهم سلام الله عليهم و في مقام هم محل المشية و هذا دون مقامهم الاول و في مقام ثالث هم ( هو خ‌ل ) المفعول المطلق و المصدر و هنا اثر المشية الاثر المتصل و في مقام رابع هم حملة آثار المشية الي المنشئات ( المشاءات . خ ) و هكذا ساير المراتب و اما قبضهم الي الله ففي المراتب الاول فالله سبحانه هو المتولي لقبضها بما جعل عندهم من الاسم الاعظم و السر الاكبر و اما في مقام بشريتهم التي من سنخ الناس كما قال تعالي انما انا بشر مثلكم و قال تعالي و لو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا و للبسنا عليهم ما يلبسون ( و قال تعالي قد جاءكم رسول من انفسكم الآية ، و قال تعالي هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم . خ‌ل ) و قال تعالي يا معشر الجن و الانس الم‌يأتكم رسل منكم و الآيات بهذا المعني كثيرة و لقد ظهروا للرعية ببشريتهم من نحو سنخ البشر الرعية فالمتولي لقبض الروح الظاهرة في مقام البشرية هو المتولي لقبض ارواح سائر البشر كما ان جبرائيل و سائر الملائكة يأتون اليهم بالعلوم و الاحكام [ص 8] عن ( من خ‌ل ) الله سبحانه فملك الموت يقبض الروح في عالم الدنيا من البشرية الظاهرة في الجسمانية الجسدانية لا المراتب الحقيقية و هكذا في سائر الناس لان ملك الموت يقبض الروح من هذا البدن و اما باقي مراتب الموت فلايتوليها ملك الموت الظاهري الجسماني و ان كان الكل بملك الموت علي المعني الاعم و الوجه الاتم و اما ما سواها من مراتب البشرية فان الله سبحانه هو الذي يتولي لقبضها و لذا ورد ان المؤمن يتولي الله سبحانه قبض روحه فافهم لقد اوضحت المقال .

قال سلمه الله تعالي : و ما معني قول النبي صلي الله عليه و آله عند الشدائد ( لاتخذلني خ‌ل ) يا اخي جبرائيل مع انه خادم من جملة خدامه و في هذا المقام يحتاج الي جبرائيل .

اقول لا منافات باعتبار مقام البشرية كما قلنا في ملك الموت حرفا بحرف مع انا نقول ان ذلك من باب اياك اعني و اسمعي يا جارة و حيث ان رسول الله صلي الله عليه و آله نسب شيعة اميرالمؤمنين عليه السلام الي نفسه و اختصهم به و جعل شدتهم شدته و اذيتهم اذيته و اوصي رسول الله صلي الله عليه و آله جبرائيل ان يحضر شيعتهم عند موتهم حتي يكون سببا لتفريح كربه و تنفيس غمه و رفع الشدائد و الكروب عنه و قد امتثل جبرائيل امره صلي الله عليه و آله و بقي يحضر معه صلي الله عليه و آله و الطيبين من اولاده عند نزع روح كل مؤمن من ماحض الايمان محضا و قوله صلي الله عليه و آله لجبرائيل عند الشدائد لاتخذلني كقوله تعالي لموسي بن عمران علي نبينا و آله و عليه السلام [ص 9] اني مرضت فلاتعودني و هو جل شأنه يجل علي المرض فالمقصود مرض بعض المؤمنين فنسبه اليه سبحانه تفخيما و تكريما و قال تعالي فلما آسفونا انتقمنا منهم و هو سبحانه لايأسف كأسفنا و لكنه سبحانه خلق احباء لنفسه يحزنون و يأسفون و جعل اسفهم اسفه و رضاهم رضاه و محبتهم محبته و بغضهم بغضه و طاعتهم طاعته و معصيتهم معصيته و نسب احوالهم الحادثة الي نفسه تكريما و تفخيما و كذلك هم سلام الله عليهم بالنسبة الي خواص شيعتهم و محبيهم اماسمعت حديث الطاس و المنديل و قول اميرالمؤمنين عليه السلام اني شككت في وضوئي فاردت ان اسبغ الوضوء و حاشا اميرالمؤمنين عليه السلام عن الشك و اعتراء الشبهة فافهم لقد فتحت لك بابا واسعا فادخل فيه حيث شئت و قل حطة .

قال سلمه الله تعالي : ما الوجه في اكل المعصوم السم و تأثير السيف فيه مثل اميرالمؤمنين و الحسين عليهما السلام و السم بباقي الائمة مع ان الامام يعرفه و هو لايخفي عليه شيء و يعلم به حال اكله و يعلم ضرره فكيف يتناول منه مع علمه به و بضرره و ايضا كيف يؤثر و هو العلة في وجوده و المعلول لايؤثر في العلة ، اجبني يا سيدي و اكشف عني بالله عليك .

اقول هذه المسئلة تنحل الي سؤالين :

احدهما ان السيف و السم كيف يؤثران فيهم سلام الله عليهم و هم العلة في وجودهما و هم العالي و غيرهم السافل و السافل لايلحق العالي بنفع او ضرر . الجواب قد سبق منا [ص 10] انهم سلام الله عليهم في مقام البشرية يظهرون بما هو من سنخهم و من جنسهم و ما تلونا عليك من الآيات المتقدمة فاذا كانوا معهم من جنس واحد فيؤثر فيهم كما يؤثر الحديد في الذهب و النار في الاكسير و ابدانهم سلام الله عليهم في هذه الدنيا بالنسبة الي ابدان الرعية كالاكسير بالنسبة الي باقي الاجسام الكثيفة الغاسقة و لا ريب ان الاكسير من سنخ باقي الاجسام و من جنسها لكنه فعال مؤثر فيها يجعل السافل عاليا و الزيبق و النحاس ذهبا و كذلك هم سلام الله عليهم في مقام بشريتهم يؤثرون في الناس من هذا النوع من التأثير و يؤثر الرعية فيهم سلام الله عليهم تأثير الحديد و النار في الذهب لا غير و انهم سلام الله عليهم لم‌يظهروا للرعية في مقام كونهم علة و الا لهلكوا و فنوا و اضمحلوا و انعدموا و قد قال سيد الساجدين علي بن الحسين عليهما السلام انا لو ظهرنا للناس بالصورة التي خلقنا الله عليها مارآنا احد الا و قد مات و قد ظهر مقدار سم الابرة من نور رجل من الكروبيين الذين هم من شيعتي لموسي بن عمران علي الجبل فدك الجبل و خر موسي صعقا و مات بنوا اسرائيل و هذا مقام سم الابرة من نور رجل من شيعتهم فما ظنك لو ظهروا للخلق بما هم عليه من البهاء و الجمال و الكمال و النور فلم‌يظهروا للناس الا قدر ما يطيقون و يتحملون ، و بالجملة فبشريتهم من سنخ الرعية يجري عليها ما يجري عليهم حرفا بحرف و ان كانت بشريتهم في اعلي المقامات و ارفع الدرجات كما مثلت لك بالاكسير الخالص و الجسم الكدر المتغير ، و مثال آخر بشريتهم كالقلب و سائر الناس كباقي [ص 11] ( كسائر خ‌ل ) الاعضاء و الجوارح و لذا كان الامام عليه السلام قلب العالم و قوام البدن و ان كان بالقلب الا ان القلب ايضا ينفعل بهيجان الاخلاط الغريبة الغير الغريزية فينطفي لكثرة البلغم و يتضيق بهيجان الدم و يحترق بغلبة الصفراء و يموت بهيجان السوداء و هكذا سائر العلل الواردة كيف ينفعل القلب بها فافهم الكلام و علي من يفهم الكلام السلام و هذا هو المثال الجامع فتدبر فيه تجد صحوا بلا غبار .

و ثانيهما ان الامام عليه السلام مع علمه بالسم و ان ابن‌ملجم لعنه الله هو الذي قصد قتله كذلك قاتل الحسين عليه السلام فلماذا مامنعاهما عن انفسهما و شربوا السم مع قدرتهم علي الامتناع منه فهذا القاء النفس علي التهلكة ( بالتهلكة خ‌ل ) . و الجواب انهم سلام الله عليهم عباد مكرمون لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون لايتخطون ما امرهم الله سبحانه لقد انزل الله سبحانه اربعة‌عشر صحيفة لاربعة‌عشر معصوما عليهم السلام كل واحد منهم اذا آل الامر اليه نشر صحيفته و نظر فيها و عمل بمضمونها فاذا امره الله ان يخرج من الدنيا مقتولا يمتثل امر الله و اذا امره ان يخرج مسموما يمتثل امر الله لا راد لمشيته و لا معقب لحكمه له الحكم و اليه ترجعون ( يرجعون خ‌ل ) فهم انما قتلوا و شربوا السم بامر من الله سبحانه لعن الله من قتلهم و سقاهم السم و هذا ليس بالقاء للنفس بالتهلكة لان الهلاك هي معصية الله و اما في طاعة الله فهو عين الراحة و الفوز بالسعادة الاسمعت ان اميرالمؤمنين عليه السلام لما ضرب علي قرنه الشريف قال فزت و رب الكعبة و اي فوز مع القاء النفس في التهلكة ؟ اماتأملت في الجهاد فان الامام عليه السلام اذا [ص 12] امر رجلا ان يخرج الي الجهاد و لايرجع حتي يقتل هل يسعه ان يقول ان الله نهاني عن ذلك بقوله فلاتلقوا بايديكم الي التهلكة فلو قال هذا الكلام كان رادا علي الامام مشركا بالله الملك العلام و كذلك هم سلام الله عليهم لما امرهم الله يجب عليهم امتثال امر الله و ان علموا ان ذلك يوجب مماتهم و خروجهم عن الدنيا فان ذلك هو السعادة الابدية ، أماسمعت قول الحسين عليه السلام لاخيه محمد بن الحنفية شاء الله ان يراني قتيلا و لما عذر له منعه ( عذله و منعه خ‌ل ) عن الخروج باهله قال عليه السلام شاء الله ان يراهن سبايا لايقال فعلي هذا لا تقصير لقاتليهم حيث انهم سلام الله عليهم مأمورون بذلك قلت ان القاتل لعنه الله منهي عن قتلهم و كان محرم عليهم ذلك فلما علم الله سبحانه ان القاتل بسوء اختياره يقدم علي هذا الفعل الشنيع امرهم الله بالكف عن دفاعه و عدم التعرض له ليقضي الله امرا كان مفعولا و اليه الاشارة بقوله تعالي حكاية عن هابيل الامة لئن بسطت الي يدك لتقتلني ما انا بباسط يدي اليك لأقتلك اني اخاف الله رب العالمين و قد كفر القاتل بفعله و استحق الخلود في النار في دار البوار و استحقوا سلام الله عليهم بنيلهم مقام الشهادة افضل السعادة في الدنيا و الآخرة .

قال سلمه الله تعالي : و ايضا سيدي ما معني خلق المعصية في العبد و هو يعلم انه يأتي بها و هذا من باب الاعانة عليها ام لا .

اقول ان الله سبحانه و تعالي نهي العبد عن فعل المعصية و اعطاه ما يتمكن به عن الامتناع عنها و حفظ سبحانه بالعبد قدرته عليها و تمكنه [ص 13] منها فاذا قارن بسوء اختياره مع قدرته علي الامتناع معصية ( معصيته خ‌ل ) خلق الله سبحانه بفعله ظلمة تكون منشأ تكون نوع من انواع العذاب فان كانت المعصية ذاتية يعني ناشئة من القلب كانت تلك الظلمة توجب الخلود الدائم و الا فتوجب العقوبات العرضية ( عقوبات عرضية خ‌ل ) زائلة فيشتمله خطاب يا عبادي الذين اسرفوا علي انفسهم لاتقنطوا من رحمة الله ان الله يغفر الذنوب جميعا انه هو الغفور الرحيم مثلا ان الرجل اذا ارتكب الزنا العياذ بالله بسوء اختياره خلق الله سبحانه في الرحم ولد الزنا و هذا معني خلق المعصية لا كما تزعمه الاشاعرة من ان العباد خلق الله سبحانه فيهم المعصية فهم مجبورون فيها مقهورون عليها لايسعهم الامتناع منها فان ذلك لايجوز و تأبي حكمة الله ذلك و قد يطلق الخلق و يراد به الفعل المتعلق بمادة الشيء فحينئذ يمكن ان يراد من خلق المعصية اثر القوة الحاصلة لصرفه في الطاعة و المعصية فاذا صرفها في الطاعة كان سبب خلق الطاعة و ان صرفها في المعصية كان سبب خلق المعصية فالطاعة و المعصية متقومتان بتلك المادة فلولاها لم‌يكن شيء منهما الا ان صيرورتها معصية او طاعة فذلك بفعل العبد المتقوم بتلك المادة و تلك المادة كالماء النازل من السماء و الطاعة كالنبات الطيب اذا وقع في الارض الطيبة و كاللؤلؤ اذا وقع في الصدف و المعصية كالنبات المر مثل الحنظل و غيره و اذا وقع في الارض السبخة الخبيثة و كالسم القاتل اذا وقع الماء في بطون الحيات و الافاعي و العقارب فلولا الماء ماكان شيء من النبات الطيب و المر و اللؤلؤ و السم و لولا الارض و الصدف و بطن [ص 14] الافعي ماتميز اللؤلؤ من السم و النبات الطيب من النبات الخبيث فالارض و الصدف و بطون الافاعي اختيار العبد و الماء من الله تعالي فالله هو الخالق ابدا و العبد هو الفاعل ابدا و هو سر الامر بين الامرين قل الله خالق كل شيء و الله سبحانه لايفعل القبايح و لايأتي بها و لايأمر بها و لايريدها لان الله لايأمر بالفحشاء و المنكر أتقولون علي الله ما لاتعلمون و ذلك ليس من باب الاعانة فانه تعالي لايعين علي الاثم و المعصية كيف و هو سبحانه يقول تعاونوا علي البر و التقوي و لاتعاونوا علي الاثم و العدوان .

قال سلمه الله تعالي : ما معني ليلة القدر و نزول الملائكة علي صاحب الوقت مع انه الحجة علي الكل بلا واسطة و كيف تكون الملائكة واسطة .

اقول معني ليلة القدر ليلة الضيق فان القدر بمعني الضيق و هو قوله تعالي و من قدر عليه رزقه فلينفق مما آتيه الله و قوله تعالي و ذا النون اذ ذهب مغاضبا فظن ان لن‌نقدر عليه يعني تيقن ان لن‌نضيق عليه و انما سمي تلك الليلة ليلة القدر لان الارض تضيق لكثرة نزول الملائكة فانها ليلة تنزل الملائكة و تخبر امام العصر روحي له الفداء بما حتم مما كان مشروطا من احوال العالم في تلك السنة من اجل و رزق و حيوة و عزة و ذلة و غناء و فقر و سائر الاحوال و معني قولي « بما حتم مما كان مشروطا » ان من الاشياء مشروطات معلقات باشياء فاذا وقع ذلك الشرط حتم ان لم‌يمنعه مانع مثلا كان مشروطا بان من وصل الرحم او فعل طاعة مثلا يكون له من العمر كذا و ينسي في اجله كذا و هكذا في مقابلاته فاذا وصل الرحم و فعل تلك الطاعة وقع الشرط فحتم فصار المشروط محتوما و كلما وقع في تلك السنة من هذا القبيل تخبر الملائكة [ص 15] امام العصر في تلك الليلة و لذا كان ليلة القدر يستحب الاجتهاد في العمل لعله يمنع مقتضي الشرط عن وقوع ما حتم او يمحوه بعد ما حتم و ثبت لقوله تعالي يمحو الله ما يشاء و يثبت و هذا مجمل الكلام في هذا المقام و التفصيل يطلب في سائر رسائلنا و اجوبتنا للمسائل فان لي في هذا المقام تحقيقا شريفا قل من عثر عليه من العلماء الاعلام و اما اخبار الملائكة مع انهم عليهم السلام ( هم خ‌ل ) الواسطة في وجودهم فانهم اسباب لظهور الفيض الي هذا العالم في البشرية الظاهرة مثاله القلب فانه الواسطة في وجود الحواس الخمس من الظاهرة و الباطنة مع انها هي التي تؤدي الي القلب جزئيات ما في العالم الجسماني الاتري ان العين اذا لم‌تكن او اذا اغمضها ( غمضها خ‌ل ) الانسان لم‌يدرك القلب المبصرات كالسمع عند فقده لم‌يدرك المسموعات و كذا ساير الحواس مع ان القلب هو العلة و المقوم لهذه الحواس فيعطي كل ذي حق حقه فتعطيه منافعها و هو قوله تعالي و من اصوافها و اوبارها و اشعارها اثاثا لكم و متاعا الي حين و بالجملة فهي اسباب في عالم التفصيل كما انك اذا علمت المسئلة من كتاب لايقتضي ان يكون ( الكتاب خ‌ل ) افضل منك او هو الواسطة في ايصال الفيض اليك و ذلك معلوم ظاهر انشاء الله تعالي .

قال سلمه الله تعالي : ما يقول سيدنا في رجل دعي الي السب او البرائة ( و خ‌ل ) ما يعمل هل ( هو خ‌ل ) يعمل كما ورد اذا دعيتم الي السب فسبوا و الي البرائة فمدوا الاعناق او يعمل عمل عمار بن ياسر كما قال تعالي الا من اكره و [ص 16] قلبه مطمئن بالايمان .

اقول بل يعمل عمل عمار بن ياسر فان الوقت وقت الهدنة و حفظ البنية اذا كان القلب مطمئنا باليقين و الصدر منشرحا بالايمان فلا بأس باظهار خلافه بما تحفظ به من كينونته ( به كينونته خ‌ل ) و تسلم نفسه و نوعه و الروايات دالة عليه و المذهب منطبق عليه و الاعتبار يقتضيه و اما التفصيل الذي في الحديث فمحمول علي كمال المبالغة في عدم اظهار البرائة و علي كل حال لايعارض هذه الرواية النصوص الكثيرة و المذهب و اجماع الشيعة و ذلك واضح معلوم .

قال سلمه الله تعالي : ما معني قوله عليه السلام فيما رواه الشيخ فخرالدين في رواية مسمع بن عبدالملك ان الكوثر ليفرح لمحبينا اذا ورد عليه حتي انه ليذيقه من ضروب الطعام ما لايشتهي ان يصدر ، ما معني هذا الفرح المنسوب للحوض و هل هو الحوض الموجود ام غيره و ما كيفية الكوثر المذكور و اين هو الآن و في القيمة في اي مكان في الجنة ام خارج عنها و هل هو ( الآن خ‌ل ) موجود في الدنيا ام لا و ما معني ان علي الكوثر اميرالمؤمنين و بيده عصا عوسج .

اقول اعلم ان الله سبحانه و تعالي قال و ان الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون فليس في الآخرة ما يقتضي الموت فكل شيء فيها حي من جماد و نبات و حيوان فانا قد بينا في كثير من مباحثاتنا و رسائلنا ( و اجوبتنا خ‌ل ) للمسائل ان كلما دخل عالم الكون حي لانه آية للحي و اثر الحي القيوم لايكون الا حيا قيوما لان الاثر يشابه صفة مؤثره و قد [ص 17] قال اميرالمؤمنين عليه السلام القي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله ، فكل اثر لا بد ان يكون حيا يجري عليه مقتضي الحياة و لكن في هذه الدنيا لما كانت ملتقي العالمين و موقع امتزاج نقطة النور و الظلمة سرت الظلمة و لم‌يقبلها النور فتعارضا و تخالفا فضعف ( فضعفت خ‌ل ) آثار النور و ضعفت آثار الظلمة فبقي جمادا لايتحرك فبهذا انقسم الخلق الي حي و ميت و متحرك و ساكن و اذا خلص المزج و مال كل شيء الي مركزه و مبدئه و تنتفي العوارض و الموانع و تزاحم المقتضيات و عدم ظهور آثار كل منها علي وجه الحقيقة رجعت الآثار الي مؤثراتها و المقتضيات الي اقتضائها فتظهر آثار الظلمة و آثار النور كل في محله اللايق و موضعه المقرر و لذا لما ذهبت احكام هذه الدنيا يؤتي بالموت في صورة كبش املح و يذبح بين الجنة و النار بشفرة يحيي و لذا قال سبحانه و تعالي تأكيدا لهذا المطلب و تبيينا لهذا المذهب و ان الدار الآخرة لهي الحيوان جمع بين تأكيدات كثيرة لفظية من الاتيان بان و الضمير المنفصل و ادخال اللام علي الخبر و تأكيدات اخر معروفة عند اهلها مشروحة في محلها فاذا تبين لك ذلك عرفت ان الكوثر ماء الحيوة و هو حي تظهر منه آثار الحيوة فيفرح و يحزن و لكن لا موجب للحزن لان مقتضياته منتفية فاذا ورد عليه شخص من المحبين عرفه و اقبل عليه و توجه اليه بذاته و حقيقته للمناسبة الذاتية و المجانسة الحقيقية فيفرح باقباله اليه و يستبشر بتوجهه اليه و يذيقه من كل طعام و يسقيه من كل شراب من الانهار الاربعة الماء الغير الآسن و اللبن [ص 18] الغير المتغير طعمه و الخمرة ( الخمر خ‌ل ) التي هي لذة للشاربين و العسل المصفي و هكذا مما يقتضي الطعم الحاصل من مزج الجميع او من مزج الاثنين او الثلثة فلا اقل ستة‌عشر طعما من قسم الماء و اما من الطعام فان شاء الوارد عليه جامدا انجمد له و ظهر علي وفق مشتهاه من انحاء الاطعمة من اقسام الحيوان و من اقسام النبات او المركب من الجمادات من اقسام الحلويات المركبة و البسيطة بسائر اطوارها و احوالها و اقتضاءاتها و صورها و طبايعها و مزاجها و امثال ذلك و ان شاء الوافد مايعا ( فان خ‌ل ) كان رقيقا جدا يرق له مثل النسيم و ان كان مشتهاه غليظا جدا يغلظ له في حال ميعانه و ان كان متوسطا يظهر له كما يشاء و ذلك لان الطبايع معتدلة و ارتفع عنها التنافر و التباغض و حصلت بينها المودة و المحبة و الالفة فعند الانجماد فالحكم للتراب و سائر الطبايع تتبعه علي مقتضي آثاره و عند الميعان مع الرقة فالحكم للهواء بمعاونة النار بظهورهما في الماء و عند الميعان مع الغلظة فالحكم للماء و يتبعه التراب بما يقتضيه و بالجملة فالكوثر ماء و هو شخص حي عنده كل طعام و كل شراب اصله و مبدئه بحر الصاد بحر توضأ به رسول الله صلي الله عليه و آله ليلة المعراج وضوءا دني به الي مقام القرب و هو مقام او ادني و اليه الاشارة بقوله تعالي في تلك الليلة يا محمد صلي الله عليه و آله ادن من صاد و توضأ لصلوة الظهر فالدنو مقام او ادني و الصلوة وصل و اتصال و الظهر مقام غاية الظهور و زوال الفيء الموجب لبقاء الانية و الماهية و وسطه ماء يجري في الجنة يسقي اشجارها و يكون معادنها و يجري انهارها و يكون شرابا [ص 19] لاهلها اول ظهوره في جنة عدن ثم هكذا يتدرج في النزول الي آخر الجنان الاخروية ثم يتنزل الي ان يظهر في طرف من القيمة ( و خ‌ل ) يظهر بثلاثة عيون الاولي عين الكافور يشرب منها عباد الله المخلصون بعد حر عطش المحشر و عطش حرارة الشمس القريبة الي الجماجم و عطش ضم الخلق بعضهم الي بعض و حصول العرق الشديد يسقيهم الله سبحانه من هذه العين لتسكن فورة الحرارة و تؤثر اليبوسة المعتدلة المقتضية للبقاء و حفظ ما يرد عليه من الاضافات ( الافاضات خ‌ل ) الثانية عين السلسبيل التي مزاجها زنجبيل لاصلاح ما حصل في الطبايع و الغرايز من البرودة من شرب الكأس الاوفي من العين الاولي الثالثة عين كان فيها شراب طهور بعد ان تصفو القوابل في القيمة بالكسر و الصوغ و شدة الحر و تطاير الكتب فيبقي كل احد علي ما هو عليه من مقتضي شؤنه الغيبية و الشهودية فظهر ( فطهر خ‌ل ) و خلص عن الروابط العرضية الغير الذاتية الحاصلة من الاحكام النفس الامرية و عند ذلك يكون الكوثر هو الشراب الطهور المذكور في القرآن في سورة هل اتي فالكوثر الموجود في القيمة عبارة عن هذه العيون الثلاثة و كل عين علي حافتها حور و غلمان و بايديهم كؤس و قوارير يسقون من يأمرهم اميرالمؤمنين عليه السلام من الاشخاص الذين ذكرتهم لك بحسب احوالهم يوم القيمة ثم تنزل الي عالم البرزخ الجنتين المدهامتين فجري في انهارها و اينع به ثمارها و ظهر في طبقاتها و مراتبها و درجاتها ثم تنزل و ظهر في الجنة التي خلق فيها ابونا آدم و امنا حواء عليهما السلام و هي ايضا تسمي الجنتان [ص 20] المدهامتان تظهران في الكوفة و ما ورائها الي ما شاء الله و قد سقي مولانا الصادق عليه السلام من هذا الكوثر عبدالله بن سنان و شرب منه فيه العيون الاربعة المذكورة فلما اقتضي خروج آدم من الجنة الي الارض اتي جبرئيل بقطرة من الكوثر فمزجه بطبايع هذه الارض و هذه الدنيا و امزجتها فنبت منه النبات ( النباتات خ‌ل ) من انحاء الموجودات و تكون منها المعادن و الاحجار و تفجرت منها العيون و الانهار و سقيت منها الاشجار و اينعت منها الثمار و اختلاف اطوار الموجودات الارضية بسبب كثرة المزاج ( المزج خ‌ل ) و قلته و زيادته و نقصه و غلظته و رقته و امثال ذلك من سائر حالاته و عرضياته و قد ظهر صفاء الكوثر في هذه الدنيا بصفة العلم فالعلوم كلها من الكوثر و الموجودات كلها من الكوثر و ثمار الجنة و نعيمها من الكوثر و انه حي بالذات يفرح اذا ورد عليه محب آل‌محمد السادات عليهم السلام من رب البريات و يذيقهم من انواع الطعام و الشراب و قد تبين مما ذكرنا جواب قولك و ما كيفية الكوثر المذكور .

و اما قولك و اين هو الآن ، فقد ذكرنا لك انه بكل مكان بطور من اطواره الخاصة به و هو في القيمة عن يمين منبر الوسيلة في ثلاثة مواضع كل موضع باسم مخصوص علي ما فصلنا لك سابقا ففي موضع و هو وادي الرفرف الاخضر يعني مبدء ظهوره يسمي بعين الكافور و في موضع آخر عن يمين المنبر في ارض الزعفران يسمي بعين السلسبيل التي مزاجها زنجبيل و في موضع آخر عند مبدء الاعراف يسمي بالشراب الطهور و هو في الجنة و في القيمة و في الدنيا و في البرزخ و في جنة آدم و في بئر زمزم و يقطر منه سبع [ص 21] قطرات في القران ( الفرات خ‌ل ) و يجري منها اي من هذه السبعة ميزابان فالمجموع اربعة‌عشر قطرة في كل ميزاب سبع قطرات لاهل عالم الاجمال و التفصيل و الوحدة و الكثرة و الاصل و الفرع فافهم فقد فصلت لك البيان و بينت لك هذا الشأن فخذه و كن من الشاكرين و لاتسمعه من غيري و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم .

قال سلمه الله تعالي : و ما معني ان علي الكوثر اميرالمؤمنين و بيده عصي عوسج .

اقول هذه العصي ليذود عليه السلام بها المنافقين الغير المستأهلين عن شربه حيث ابوا ان يردوه في الدنيا الذي هو ولايته و محبته و العلوم الحقة المنشعبة عنه عليه السلام فكل من لم‌يرده في هذه الدنيا يذوده اميرالمؤمنين عليه السلم عنه في الآخرة و هكذا الحكم في سائر الاحوال التي تظهر في الآخرة و هي كانت في الدنيا بصورة اخري و هو قوله تعالي يوم يكشف عن ساق و يدعون الي السجود فلايستطيعون يعني لايستطيع من لم‌يسجد في الدنيا لأن من سجد في الدنيا يستطيع السجود اذا كشف عن ساق اي ساق العرش و من لم‌يسجد لله الي جهة الكعبة التي هي ظهور العرش لايستطيع ان يسجد لله اذا كشف عن ساق العرش و العرش الاعظم هو رسول الله صلي الله عليه و آله ساقه اميرالمؤمنين عليه السلام لانه حامل اعباء النبوة و الرسالة و هو السائق لكل شيء الي ما خلق له و مثل مسجد الكوفة فانه يأتي يوم القيمة بصورة رجل محرم عليه ازاران فمن دخل في مسجد الكوفة في الدنيا خاضعا خاشعا لله يتمكن من الوصول الي مسجد الكوفة في الآخرة [ص 22] و تناله شفاعته و من لم‌يدخل و ابي من ( عن خ‌ل ) دخوله لم‌يتمكن من الوصول اليه كذلك اميرالمؤمنين عليه السلام من ورد الكوثر في هذه الدنيا التي هي ولايته و محبته و الاذعان لفضله و الاقرار بفضائله و القبول من حملتها و التسليم لرواتها فيرد الكوثر في الآخرة و من لم‌يرد في هذه الدنيا بمعني انه انكر ولايته و ابي عن محبته و من لم‌يقر بفضائله و وجه اذا سمع شيئا منها بتوجيهات بعيدة و تأويلات غير سديدة فهذا و امثاله اذا وردوا يوم القيمة يذود بهم اميرالمؤمنين عليه السلام عن الحوض و يمنعهم عن شربها بعصي عوسج و هي الملائكة الغلاظ الشداد ، اما انهم عصا فلأنهم آلة للدفع و المنع و السوق من قوله تعالي و اهش بها علي غنمي و قوله تعالي و سيق الذين كفروا الي جهنم زمرا اما انها عوسج لانها ( لانهم خ‌ل ) غلاظ شداد لايعصون الله ما امرهم و يفعلون ما يؤمرون .

قال سلمه الله تعالي : مسئلة - الآية الشريفة ان اول بيت وضع للناس نرجوا بيانها علي التفصيل ما معني هذا البيت و ما معني الامن و الدخول و اي بيت هو باطنا و ظاهرا ، لاتكلني الي احد ممن اجبته عنها لان جنابك هو مرجعي لا غير .

اقول اما في الظاهر فالبيت هو الكعبة و هي التي فرض الله سبحانه السعي اليها عند الاستطاعة و هي التمكن عن الزاد و الراحلة ذهابا و ايابا و النفقة لعياله الواجب النفقة و الذي يعول به من غيرهم و تخلية السرب (خ) و عدم الخوف علي نفسه و علي عرضه و علي ماله بما [ص 23] لايتحمل ( لايتحمله خ‌ل ) عادة و عدم مانع و لو من جهة تحصيل علم ( العلم خ‌ل ) الواجب قدر الضرورة ( و خ‌ل ) بهذه و امثالها من نوعها تحصل الاستطاعة و اما السبيل فهي الطريق الموصل الي البيت قربا و بعدا سهلا و حزنا و غير ذلك و اما الموصوف بالكفر فهو الذي يترك الحج مع التمكن و الاستطاعة و هذا الكفر كفر طاعة لا كفر شرك و قد قال عليه السلام من استطاع اليه الحج ( استطاع الحج خ‌ل ) و لم‌يحج ان شاء فليمت يهوديا و ان شاء فليمت نصرانيا ، هذا اذا اعتقد عدم مشروعية الحج ( و اما اذا اعتقد المشروعية خ‌ل ) و ترك تهاونا فذلك فاسق لكنه ليس بكافر الا كفر طاعة كما نص عليه الامام عليه السلام و هذا لايوجب الخلود في النار و هذه المسائل قد فصلها و دونها اصحابنا رضوان الله عليهم في كتب الفقه و نحن ايضا كتبنا رسالة مختصرة في مناسك الحج و آدابه و شرائطه و اسبابه و من اراد تفصيل الحج فليرجع اليها ، هذا ما يتعلق بظاهر الآية الشريفة .

و اما ما يتعلق بباطنها فوجوه كثيرة يضيق البيان عن احصائها و لكنا نذكر منها وجهين ( لتعرف بهما نوع المراد من الباطن خ‌ل ) :

اما الوجه الاول فاعلم ان المراد بالبيت هو بيت الحسين عليه السلام المبني في كربلا قبل دحو الارض لان كربلا هي اب القري و الكعبة هي ام القري و لا ريب ان ابا ( اب خ‌ل ) القري اقدم وجودا و اسبق تحققا من ام القري و لذا ورد ان الله سبحانه خلق كربلاء قبل خلق الكعبة ( العالم خ‌ل ) باربعة و عشرين الف سنة فاذا كان كذلك وجب ان يكون اول بيت وضع للناس هو البيت الذي في كربلاء لان الله سبحانه لايخل بالحكمة و لايترك الاولي فوجب ان يكون اول البيت في اول البقاع و [ص 24] اشرفها و ذلك البيت بيت الحسين عليه السلام خصه الله سبحانه به لشهادته و هو قبة حمراء من ياقوتة حمراء فيها سرير من ياقوتة حمراء صافية مشرقة يغشي نورها الابصار و حول هذه القبة تسعون‌الف قبة من زمردة خضراء فالبيت واحد و قببه كثيرة واسعة و لو اردنا ان نذكر سعة كل قبة و ما يترتب عليه من جوامع المحاسن لضاقت الدفاتر و كلت البصائر فكتمانها في الصدور خير من ابرازها في السطور و هذا البيت هو الذي ببكة و بكة هي كربلاء محل البكاء و الخضوع و الخشوع و الذلة و المسكنة لله سبحانه و تعالي و هو المبارك الذي عم بركتها كل الوجود اذا حل فيه الحسين عليه السلام اي يظهر ذلك و الا فهو حالّ فيه دائما و بركات العالم كلها انما تبرز و تظهر و تنتشر في الوجود من هذا البيت لانه علي موضع القطب الدائر عليه الكون الجسماني من العرش و الكرسي و السموات السبع و الارضين السبع و ما يظهر من استداراتها من المتولدات فكانت من تلك القطعة اي موضع قبر الحسين عليه السلام من ارض كربلاء جميع البركات الواصلة الي جميع الذرات ( الذوات خ‌ل ) الجسمانية فلاجل ذلك وصف الله ذلك البيت بالبركة بقوله مباركا و من ذلك البيت نشرت الهداية في العالم اما في هذا الكون الظلماني فبقتل الحسين عليه السلام في هذه الارض و ظهور الآيات البينات من بكاء السموات دما و كسوف الشمس يوم العاشر و خسوف القمر في الليلة الحادية‌عشرة و هما عند المنجمين محال و قد اقاموا علي محاليتهما براهين عقلية لقد نقضت براهينهم تلك الآيات الجليلة و [ص 25] سينقضها ايضا الليلة الطويلة عند ظهور مولينا عجل الله فرجه و سهل مخرجه و روحي له الفداء و عليه و علي آبائه السلام فكان ذلك ( ذاك خ‌ل ) البيت المشرف هدي للعالمين و فيها آيات بينات من نحو ما ذكرناه و فيها مقام ابراهيم الاول حين قال صلي الله عليه و آله حسين مني و انا من حسين ، و سيأتي زيادة بيان لذلك ، فاذا عرفت ما ذكرناه علمت ان الذي دخل هذا البيت كان آمنا من جميع المكاره الحقيقية من الدنيوية و الاخروية و اما ما يصيب المؤمن من المكاره في ارض كربلاء فذلك حقيقة لارتفاع درجة و انحطاط سيئة و الا فكل من مات و دفن في ارض كربلاء و كان مؤمنا موحدا مواليا امن من جميع الضراء و قد ورد عن اهل البيت عليهم السلام انه سئل عن الناقة هل تدخل الجنة قال عليه السلام ناقة صالح و كل ناقة تموت في ارض كربلاء و سئل عن الحمار يدخل الجنة قال عليه السلام حمار بلعم بن باعورا و كل حمار يموت في ارض كربلاء و سئل عليه السلام عن الكلب هل يدخل الجنة قال عليه السلام كلب اصحاب الكهف و كل كلب مات في ارض كربلاء ، و هذه الرواية رويتها عن شيخي و استادي اعلي الله مقامه و رفع في الدارين اعلامه مرفوعا عن الصادق عليه السلام فاذا كانت هذه الارض امانا لهذه الحيوانات و امثالها من البهائم فما ظنك بالانسان الموحد الموالي فذلك البيت امان اذن لكل من دخل فيه ، و اما الاستطاعة للوصول الي هذا البيت علي ( فعلي خ‌ل ) قسمين لان لهذا البيت له مقامان مقام وجود و تحقق و مقام ظهور و بروز ففي المقام الاول هو الآن موجود في ارض كربلاء و لكن لاتراه الابصار و قد خفي عن [ص 26] الانظار كالملائكة الموجودين و الجن و الجنة و النار و غيرها من الامور الموجودة المخفية عن ابصار الناس ففي هذا المقام المراد بالاستطاعة هو ما ذكرنا من الاستطاعة للوصول الي الكعبة المشرفة من الزاد و الراحلة و غيرهما مما ذكرنا هناك و كذلك في هذا المقام من حصول الزاد و الراحلة و النفقة الموصلة الي الارض المقدسة الحسينية علي مشرفها آلاف الثناء من رب البرية فاذا وصل اليها نال اقصي المني لدخول ذلك البيت المعظم و المشهد المكرم و لذا ورد ان زيارة الحسين عليه السلام تعدل عشرين حجة و عمرة و في رواية تسعين حجة من حجج رسول الله صلي الله عليه و آله و في رواية ( له خ‌ل ) بكل خطوة الف‌الف حجة و الف‌الف عمرة و الف‌الف غزوة مع نبي مرسل او ( و خ‌ل ) امام عادل و عتق الف‌الف رقبة من اولاد اسماعيل ذبيح الله و المراد بالسبيل الطريق الموصل الي تلك الارض الطيبة المباركة التي حل فيها ذلك البيت المعظم المكرم الذي هو اول بيت وضع للناس و اما الاستطاعة علي المقام الثاني اي ظهور ذلك البيت و بروزه فلايكون ذلك الا في الرجعة رجعة الحسين عليه السلام و اصحابه و هي ( فهي خ‌ل ) المعرفة النورانية و البلوغ الي مقام الثبات و الطمأنينة في العلم و العمل و التمسك بالركن الرابع ( بالرابع خ‌ل ) الذي به تمام بيت المعرفة و تصديق قوله تعالي و لئن قتلتم في سبيل الله او متم اي معرفة ان سبيل الله هو علي عليه السلم و القتل في سبيل الله هو القتل في سبيل علي عليه السلم فاذا حصلت له معرفة هذا النوع من المطالب و العقايد فقد استطاع سبيلا الي دخول ذلك البيت عيانا ظاهرا مع الحسين عليه السلام في الرجعة اي [ص 27] يرجع حتي يدخل ذلك البيت كما وردت به الاخبار عن الائمة الاطهار عليهم سلام الله العزيز الجبار و ما ذكرناه هو مجمل ( محمل خ‌ل ) وجه واحد من وجهي الباطن الذي وعدناك ببيانهما .

و اما الجواب ( الوجه . خ‌ل ) الثاني فاعلم ان البيت في هذه الآية الشريفة هو اميرالمؤمنين عليه السلام لانه اول بيت من البيوت التي اذن الله ان ترفع و يذكر فيها اسمه و تلك البيوت رجال لاتلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر الله علي قراءة المبني للمجهول في يسبح و الوقف علي الآصال و هم عليهم السلام بيوت النبوة و بيوت المعرفة و بيوت المجد و الشرف و بيوت السودد اول تلك البيوت هو الذي وضع حمله في بكة و هو موضع البيت من مكة و لا ريب ان الذي وضع حمله في مكة ليس الا اميرالمؤمنين عليه السلام فهو اذن اول بيت وضع حمله في مكة لاجل الناس لهداياتهم و ارشادهم و ايصال ما لهم و منهم و اليهم و فيهم و عندهم و بهم و عليهم كلها اليهم من فوارة القدر بامر مستقر و بذاك كان اميرالمؤمنين لانه كان يمير يعني يكيل يعني يقدر لهم عن الله سبحانه و عن رسول الله صلي الله عليه و آله ما يقتضي كينونات الناس و هو عليه السلام هدي للعالمين فيه آيات بينات و هم الائمة عليهم السلام لانهم الآيات المرئية في الآفاق و في انفس الخلائق كما نص عليه مولانا الصادق عليه السلام و فيه مقام ابراهيم الاول لان اميرالمؤمنين عليه السلام مقام ظهور رسول الله صلي الله عليه و آله و به ظهر رسول الله صلي الله عليه و آله الخلق ( للخلق خ‌ل ) كما ظهر العرش بالكرسي فافهم ضرب المثل و لا ريب ان من دخل هذا البيت [ص 28] يعني دخل في ولايته مؤمنا خالصا مطمئنا و هو امن من كل لأواء و بأساء و ضراء و هو معلوم ظاهر و ما تجد من ابتلاء شيعته و رعيته باذية الظالمين فذلك شيء مأخوذ عليهم العهد و الميثاق في العالم الاول بان يصبروا و يصابروا و يرابطوا فهذه الشدة عليهم احلي من العسل فالذي يتذكر ذلك العهد فلايجد بأسا و لا الما و الذي نسي العهد فسيذكر و يكون كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام :

عند الصباح يحمد القوم السري و تنجلي عنهم غيابات الكري

فحينئذ تكون الاستطاعة يراد بها العقل و الادراك و الشعور و الاختيار و المعرفة بالوجوه السبعة في الاطوار الاربعة اما الوجوه السبعة فالتوحيد اولا ثم المعاني ثانيا ثم الابواب ثالثا ثم الامام رابعا ثم الاركان خامسا ثم النقباء سادسا ثم النجباء سابعا اما الاطوار الاربعة التسليم و التصديق و الايمان و المعرفة في كل وجه من تلك الوجوه السبعة يراعي كل هذه الاربعة و قد قال عليه السلام انكم لن‌تؤمنوا حتي تعرفوا و لن‌تعرفوا حتي تصدقوا و لن‌تصدقوا حتي تسلموا ابوابا اربعة لايصلح اولها الا بآخرها ضل اصحاب الثلثة و تاهوا تيها بعيدا ، فاذا تحققت المعرفة علي الوجه المسطور حصلت الاستطاعة لك للسير في سبيل الولاية فالاستطاعة هي ما ذكرنا ( ذكرناه خ‌ل ) و السبيل هي القري الظاهرة للسير الي القري المباركة و القري الظاهرة هم العلماء الربانيون و العرفاء الالهيون و الابواب للباب الاعظم الذي هو باب ( باب خ‌ل ) مدينة العلم صلي الله عليه و آله و سلم فافهم راشدا و اشرب صافيا فحينئذ فالمراد بالكفر هو الكفر الحقيقي فان من لم‌يؤمن بالولي لم‌يؤمن بالنبي و [ص 29] من لم‌يؤمن بالنبي لم‌يؤمن بالله و من لم‌يؤمن بالله هو الكافر المخلد في مهاوي جهنم نستجير بالله منها و قد روي اخطب خوارزم عن النبي صلي الله عليه و آله انه قال ليلة اسري به الي المعراج اوحي الله اليه و قال يا محمد لو ان عبدا عبدني صام نهاره و قام ليله حتي يصير كالشن البالي ثم يأتيني من غير ولاية ابن عمك علي بن ابيطالب اكببته علي منخره في نار جهنم ، فلهذه الآية الشريفة وجوه كثيرة تركناها خوفا للتطويل و صونا من اصحاب القال و القيل .

قال سلمه الله تعالي : و اخبرني سيدي عن الخصايص التي يختص بها النبي صلي الله عليه و آله دون الامة كم هي فاني سمعت من بعض الفضلاء يقول ان ازواج اميرالمؤمنين عليه السلام يحرم نكاحهن علي الامة كازواج النبي صلي الله عليه و آله .