قال سلمه الله تعالي : و ما الفرق سيدي بين مقام الاحدية و الواحدية و ما معني الصفات الاربع التي هي عين الذات العلم و القدرة و السمع و البصر و ما معني هذا التعدد مع ان الذات لا فيها تعدد و لا تكثر و لا فيها مدخل بوجه من الوجوه .
اقول مقام الاحدية مقام الذات البحت التي ليست فيها كثرة بوجه من الوجوه لا ذكرا و لا وهما و لا تخيلا بحال من الاحوال لانها مقام رفع الكيف و الكم و النسب و الاضافات و الجهات و الاعتبارات و هذا المقام لايظهر في عالم الحدوث الذي هو آية القديم و دليله الا بكشف السبحات و ازالة الحدود و الانيات و هي الحقيقة المسئول عنها في حديث كميل و هي الاسم الذي ليس بالحروف مصوت و باللفظ منطق و لا بالشخص مجسد و لا بالتشبيه موصوف بريء من الامكنة و الحدود مبعد عنه الاقطار محجوب عنه حس كل متوهم مستتر غير مستور و هذه الحقيقة آية الاحدية من غير ملاحظة الاسمية بكل اعتبار و اما الواحدية فهي مقام الفعل مقام الكثرة و الوحدة العددية الاتري انك اذا قلت مارايت احدا دل علي انك [ص 61] مارايت انسانا و اذا قلت مارأيت واحدا لايدل علي نفي الحقيقة و لعلك رأيت اثنين الاتري ان الواحد هو نصف الاثنين و ثلث الثلثة و ربع الاربعة و خمس الخمسة و سدس الستة و سبع السبعة و ثمن الثمانية و تسع التسعة و عشر العشرة و هكذا الي آخر الاعداد فالواحدية مقام الاسماء و الصفات و مبدء ظهور التعلقات و لما كان هذه التعلقات انما تكون بالفعل كان الفعل و مقتضاه هو رتبة الواحدية المحضة و تصف الله سبحانه بانه واحد كما تصفه بانه خالق رازق و الخالق من الصفات الفعلية كذلك الواحد و الصفات الفعلية حادثة باتفاق من الامامية و لا شك في ذلك و اما الصفات الاربع التي هي عين الذات فمعناه انها تعبير عن الكمال الذي هو عين الذات بلا فرض المغايرة فان الممكن لما وجد نفسه فقيرا محتاجا لايملك لنفسه نفعا و لا ضرا و لا موتا و لا حيوة و لا نشورا علم ان له خالقا و صانعا و علم بضرورة فهمه ان الصانع اكمل من مصنوعه و الخالق اشرف من المخلوق و لما اراد ان يصفه بالكمال اللايق و الوصف المطابق اريد ( ازيد ظ ) من انه الخالق ماامكن كما انك اذا رأيت بناء عرفت ببديهتك ان له بانيا و لكنك يمتنع في حقك بالنظر الي نفس البناء تعرف الباني بانه رجل او امرأة جن او انس طويل او قصير حسن الصورة او قبيح الصورة من طائفة كرام او من طائفة لئام يعرف غيره من الصانع ام لا و بالجملة ماتعرف منه ازيد من انه بان و هكذا المخلوق لما ارادوا ان يصفوا الخالق بعد ما علموا بالضرورة انه الكامل عبروا عن الكمال باقصي ما عندهم و اعلي ما لديهم [ص 62] فقالوا انه عالم قادر سميع بصير و ليس انهم يريدون بها اذا وصفوه سبحانه بها ان يعرفون من مفاهيمها و مصاديقها يصدق علي الذات سبحانه و انما هي تعبير عن الكمال المحض و لايراد من العلم غير القدرة و لا من السمع غير البصر و لا انه سبحانه بجهة موصوف بالعلم و بالجهة الاخري موصوف بالقدرة مثلا و لا ان هذه الصفات اذا اطلقت عليه تعالي يراد منها معان مختلفة سبحانه و تعالي عن ذلك بل لما اراد التعبير عن الكمال عبر بهذه الالفاظ و العبارات و هي الفاظ مختلفة معناها واحد مفهوما و مصداقا ذهنا خارجا و وصفنا له تعالي بذلك كالنمل الصغار يزعم ان لله زبانيتين لما رأتهما كمالا لما اتصف بها و ليست تريد حين اثبات الزبانية انها موجودة فيه تعالي كلا بل تريد اثبات الكمال و انما عبرت بهذا اللفظ اذ لمتجد ما يعبر عنه بالكمال سواه كذلك نحن اذا وصفنا الله سبحانه لانريد الا محض اثبات الكمال لا خصوص معاني هذه الالفاظ و هو قوله تعالي سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام علي المرسلين و الحمد لله رب العالمين فاذا سئلت الواصف بان الله عالم هل تعرف ما اثبتته من العلم و تدركه من حقيقة ذات العلم لذات الحق سبحانه يقول لك لااعلم و كذا القدرة و السمع و البصر و اذا قلت له ان في الذات جهات متكثرة تصفها بجهة بالعلم و بالاخري بالقدرة يقول لك حاشا ليست هناك جهات مختلفة و اذا قلت له فالعلم عين القدرة و السمع عين البصر في الذات يقول لك نعم و اذا قلت له تعلم معاني هذه الصفات التي تثبتها في كنه ذاته [ص 63] تعالي يقول لك لا فاذا قلت له صف ربك يقول لك عالم قادر سميع بصير و هو الذي ذكرنا لك يقولونه بلسان حالهم و اعمالهم و ان لميقولوا بلسان مقالهم و اما تقسيمهم الصفات الي الذاتية و الفعلية فذلك بالنظر الي مفهوم الصفة فان وجدوا في مفهومها التعلق الخلقي و الصنع الايجادي قالوا انها فعلية كالخالق و الرازق و المحيي و المميت و الرحمن و الرحيم و امثالها و ان لميجدوا في مفهومها التعلق الخلقي و هو في نفسها وجدوها كمالا كما قالوا انها ذاتية كالعلم و القدرة ثم هذا القسم ان كان في مفهومها الاضافة الي الغير قالوا انها صفة الاضافة كالعلم لاضافته الي المعلوم و القدرة لاضافتها الي المقدور و ان لميجدوا في مفهومها الاضافة و الارتباط الي الغير قالوا انها صفة القدس كالحي و العزيز و السبحان و القدوس و امثالها و هذه الاقسام كلها بالنسبة الي مفاهيمها و اضافاتها و عدمها و اذا وصفت ذاته سبحانه لاتلاحظ فيها جهة الاضافة و الارتباط بحال من الاحوال و الا كان سبحانه مختلف الحالات متكثر الجهات و تعدد الصفات انما هو باعتبار التعلقات الفعلية بمتعلقاتها الحادثة و اذا وصف الله سبحانه بها لاتقصد الا ذاتا واحدا واحدة احدي الذات و المعني و انما كررت العبارة و رددتها للتفهيم .
قال سلمه الله تعالي : اخبرني سيدي عن كيفية خلق الملئكة و عن كيفية خلق الجن و ما الفرق بينهم هذا يقدر علي ان يتشكل و هذا يقدر ان يتشكل .
[ص 64] اقول اعلم ان الملئكة خلقوا من النور و ليست في طينتهم من الظلمة الا ما يمسك به وجودهم بان يقول كل واحد منهم انا و يختص بشان دون الآخر فظلمتهم ضعيفة و تركيبهم ضعيف و نورهم غالب و اختيارهم ضعيف فلايعصون لضعف ما فيهم من الداعي و لميخرجوا عن الاختيار لوجود شيء ما من الظلمة التي بها يحصل الاختيار فلو تمحض الشيء انعدم و لميوجد بل لا بد من التركيب في الامكان لان كل ممكن زوج تركيبي الا ان التركيب يختلف بالقوة و الضعف فمن قوي التركيب كالانس و الجن و من ضعيف التركيب كالملك و الشيطان فما قوي تركيبه قوي و اشتد اختياره و يتساوي فيه جهة الفعل و الترك فان مال الي النور يترقي و تضعف الظلمة الي ان لميبق لها تأثير الا ما يحفظ و يمسك به وجوده و يبلغ بذلك اعلي الدرجات و اسني المقامات لقوة اختياره و ان مال الي الظلمة يتسافل و يضعف النور الي ان لميبق له تأثير الا ما يحفظ به وجوده و يمسكه فالثاني لايصدر منه خير ابدا كما ان الاول لايصدر منه شر ابدا و الكل بقوة الاختيار و الفريقان لميزل يزدادون في المقام متعاليا او متسافلا لميستقر لهم قرار في درجات عليين او دركات سجين في الدنيا و الآخرة فهم دائما في الزيادة و في الحديث القدسي كلما رفعت لهم علما وضعت لهم حلما ليس لمحبتي غاية و لا نهاية ه ، و بضده لاهل البغض و العداوة و ما ضعف تركيبه ضعف اختياره و لميتساو فيه الطرفان بل الغالب جهة واحدة تقتضي مقتضاها و لايميل الي مقتضي الجهة الاخري الا بتكليف و [ص 65] ندرة و ذلك كالملئكة فان جهة الظلمة فيهم ضعيفة كما ذكرنا فلايميلون الا الي الطاعة و مثال اختيارهم بالمثال التقريبي مثال شخص جايع اضر به الجوع بحيث اذا لميأكل يموت في ساعته فاذا حضر عنده و الحال هذه اطيب طعام يكون في الدنيا اتراه انه يأكل او لايأكل حتي يموت و اختيار عدم الاكل و ان كان حاصلا لكن داعي الاكل قوي جدا يغلب تلك الجهة الاخري فهكذا حال الملئكة في داعي الخير و داعي الشر و حيث كان الداعي للشر فيهم ضعيفا جدا بقوا علي نقصانهم لايترقون ابدا و ان فعلوا ما فعلوا من الاعمال و لذا قال عليه السلام في الملك انه ناقص لايحتمل الكمال فهم معصومون لايعصون الله ما امرهم و يفعلون ما يؤمرون و الفرق بينهم و بين الانبياء و الائمة عليهم السلام ان الانبياء بقوة الداعي في الجانب الآخر تركوا مقتضاه و مالوا الي الخير و النور و الملئكة بضعف الداعي و غلبة جانب النور مامالوا الي الظلمة و الفرق بينهما واضح ظاهر و نقصان هذا القسم بين باهر فصاروا بذلك حملة و روابط يتلقون الفيض و يصلون الي مقره المخصوص علي الوجه المخصوص و لايمكنهم التعدي من تلك الحالة مثالهم الحروف في الالفاظ فانها ليست الا روابط محضة و لاتدل علي معني في نفسها ابدا و انما تدل علي معني في غيرها و كانوا بذلك حدود جهات المشية في المشاءات فمن ملك موكل بضوء الشمس و موكل بنور القمر و موكل بالحرارة و موكل بالرطوبة و موكل باليبوسة و موكل بالانجماد و هكذا و الموكل بالحرارة ليس له التصرف في القسم الآخر و كذلك العكس ذلك [ص 66] تقدير العزيز العليم فكان بذلك كل ذرة من الموجودات كائنة ما كانت موكل عليها ملك من سنخه و جنسه يوصل الفيض اليه من اليد اليمني من المشية و الشياطين بعكسهم حرفا بحرف هم حملة اليد اليسري و ان كان كلتا يديه يمين فافهم و لاتتوهم من هذا الكلام انهم مجبورون لضعف تركيبهم لغلبة احدي الجانبين و ينتفي الاختيار من البين لان التركيب انما كان بالاختيار التكويني حسب تساوي الصلاحية في الذكر الامكاني الاتري الذهب بقوة تركيبه بلغ الي ما بلغ و الزبد بضعف تركيبه يذهب جفاء و هكذا جميع الذرات الوجودية في الكونية الوجودية الاولية و اختلافها بحسب القوابل في الاستعدادات فان كل ذلك انما هو بالاختيار و الا كان المدبر جائرا او حايفا او بخيلا او مرجحا من غير ترجيح و مخصصا من غير تخصيص غير واضع للشيء في موضعه و كان وجب التساوي في الموجودات و قد فصلنا و شرحنا هذه المسئلة باكمل شرح مما يمكن الكلام فيه في اجوبة المسائل التي فيها اثبات النبوة المحمدية و الولاية العلوية صلي الله عليهما بالدليل العقلي في اول تلك المسائل و بينا ثبوت الاختيار في التكوين و التشريع و الذوات و الصفات و ذكرنا وجه الخطاب و الامر في كن فيكون و ان المفعول هو فاعل فعل الفاعل و ان المخاطب كالاختيار انما حصل بنفس الخطاب و نحوها من المطالب العجيبة التي تصعبت علي الافهام و لمتدركها اقوياء الاحلام فالملئكة ذوات نورانية و قوي روحانية و جسمانية ذوات شعور و ادراك و اختيار لكنها لضعف تركيبها و عدم [ص 67] كمال انعقادها و غلبة نوريتها تتشكل باشكال مختلفة و تظهر بصور متفرقة ما عدي القبيحة الخبيثة و اما الجن فانهم خلقوا من مارج من نار فبغلبة الحرارة التي فيهم تلطفت ساير قويهم و مشاعرهم و ضعف انجمادهم و ظهر فيهم حكم الذوبان فيظهرون بالصور المختلفة حسب ما يشاؤن مما يقدرون عليه من الصور الطيبة و الخبيثة و اما الانسان و البشر فحيث انهم خلقوا من صلصال من الطين و من تراب عليين او سجين غلبت عليهم اليبوسة فانجمدوا و لايسعهم التشكل بالاشكال المختلفة الا البشر الذي خلق من الماء كما ذكره الله سبحانه في القرآن هو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا و صهرا فهذا البشر لذوبان ذاته و حرارة باطنه و وفور الرطوبات الغريزية يتشكل بالصور كيف شاء الله و كذلك كل من تبعه اذ مااتبعه الا لكونه من سنخه اماسمعت الله سبحانه يقول و من تبعني فانه مني فيظهر فيه سره و يظهر في الصور كيف شاء الله فمن متشكل بالاشكال المختلفة لضعف تركيبه كالملئكة و من متشكل بالاشكال المختلفة لقوة التركيب لكنه ذائب بغلبة النار التي اخذت و خلقت من الشجر الاخضر الذي خلق من فاضل تراب طينة آدم عليه السلام فيتمكن للتشكل بالاشكال المختلفة كالجن و من متشكل بالاشكال ( بالصور ) المختلفة لقوة التركيب و شدة الذوبان بمزجه بظاهر الماء الذي به حيوة كل شيء لانه من متابعي البشر الذي خلق من حقيقة الماء الذي به حيوة كل شيء و من متشكل بالاشكال المختلفة لقوة التركيب و ذوبانه بنار سجين و غلبة الطبايع الشيطانية كاتباع ابليس جنوده من الانس و من [ص 68] منجمد منعقد غير متمكن للتشكل لعدم الذوبان بغلبة التراب البرودة و اليبوسة اللتين هما طبع الموت و هم اموات غير احياء و مايشعرون ايان يبعثون و هؤلاء يكونون من المتشبثين بالحق و الباطل ،
و لكل رأيت منهم مقاما شرحه في الكلام مما يطول
و هؤلاء هم المخلوقون من التراب ما داموا في قبور الطبيعة مقبورين فافهم فقد جمعت لك في هذا الكلام جوامع البيان و لايدركه الا ذو حظ عظيم و لو اردنا شرح هذا الاجمال لضاق بنا المجال في ذكر هذه الاحوال مع انا عليه من توفر الاشتغال و بواعث الاختلال .
قال سلمه الله تعالي : و ما معني السلسلة الطولية و السلسلة العرضية .
اقول اعلم ان سلسلة الطولية هي مراتب الموجودات في العلية و المعلولية و معني ذلك ان السافل شعاع للعالي كالنور للسراج اي الشعاع المنفصل لا المتصل و تنحصر هذه المراتب في مقام الظهور بالآثار و الاحكام في ثمان مراتب : الاولي الحقيقة المحمدية صلي الله عليه و آله و هي شجرة الخلد و علي اميرالمؤمنين اصلها و فاطمة فرعها و الائمة عليهم السلام اغصانها الثانية حجاب الكروبيين و هم قوم من شيعة آلمحمد صلي الله عليه و آله من الخلق الاول جعلهم الله خلف العرش لو قسم نور واحد منهم علي اهل الأرض لكفاهم و لما سئل موسي ربه ما سئل امر رجلا منهم فتجلي له بقدر سم الابرة فدك الجبل و خر موسي صعقا و عدد هؤلاء الملئكة مائة الف و اربعة و عشرون الفا لان كل ملك مربي نبي من الانبياء الثالثة الانسان اي الرعايا و هؤلاء انما [ص 69] خلقوا من شعاع الانبياء عليهم السلام و هم باب فيضهم و امدادهم من الله عز و جل الرابعة الجان المخلوقون من نار الشجرة الاخضر الذي خلقت من فاضل طينة الانسان كما عن الصادق عليه السلام الخامسة الملئكة الغير العالين و الكروبيين و هم انما خلقوا من شعاع نور مولانا اميرالمؤمنين عليه السلام كما عن النبي صلي الله عليه و آله و هو نور الولاية الظاهرة في رتبة الانسان و الظاهرة في رتبة الجان و هم حملة التدابير المتعلقة بجزئيات العالم و هم الروابط الجزئية و المعاني الحرفية الواقفون في مقام معلوم و هم الخدام للجن و الانس في الجنة و هم ضعيفوا الاختيار و الجن و الانس قويوا الاختيار السادسة البهائم و حشرات الأرض من الحيوانات و السابعة النباتات كانواع الاشجار البرية و البحرية و البرازخ و الثامنة الجمادات من العناصر و المعادن و ساير المركبات و هذه المراتب انما يقال لها الطولية لوقوع كل واحدة منها تحت رتبة الاخري بحيث لا ذكر لها عند من هو اعلي منها كالشعاع بالنسبة السراج فلايلحق السافل العالي و ان صعد و ترقي الي ما لا نهاية له لان له مقام معلوم لايتعداه و لايتجاوز عنه و لذا ورد في الزيارة الجامعة فبلغ الله بكم اشرف محل المكرمين و اعلي منازل المقربين و ارفع درجات المرسلين حيث لايلحقه لاحق و لايفوقه فائق و لايسبقه سابق و لايطمع في ادراكه طامع ، و لذا حرم علي الرعية تمني مرتبة الانبياء و علي الانبياء تمني مرتبة الائمة عليهم السلام و لذا لما خطر علي قلب ابينا آدم عليه السلام عوقب و اخرج من الجنة حتي تاب [ص 70] مع ان الخطور كان خطورا عمليا لا علميا كما ذكرنا سابقا و الا لعصي و فعل المحرم و ليست هذه الحرمة و هذا النهي الا من جهة ان كل واحد شعاع و اثر للآخر فلايمكن اللحوق الي مرتبة المؤثر و الا لجاز لاحد تمني رتبة الالوهية و ادعاء معرفة الذات المقدسة تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا فافهم راشدا و اما السلسلة العرضية فهي ما تجمع الكثيرين حقيقة واحدة ظاهرة في الاطوار و التعينات فاذا نظرت الي الحقيقة تري شيئا واحدا و اذا نظرت الي الاطوار و التعينات و الافراد تري امورا كثيرة و ظهور تلك الحقيقة في تلك الافراد علي السواء و انما يختلف الافراد في القوة و الضعف و الرقة و الغلظة بالقابليات فيصح للكثيف تمني رتبة الشريف و للضعيف تمني رتبة القوي لا بمعني الحسد بل يستحب له ذلك و تلك نفس تلك المراتب المتقدمة لا بالنظر الي الاعلي و الاسفل كالانبياء فان لهم حقيقة واحدة قد ظهرت في الافراد الغير المتناهية بدوا و عودا و كذلك الحيوانات و النباتات و الجمادات و هذه الافراد تترقي و تصعد و تزيد نموا و قوة و صفاء و جدة و شبابا لكنها في مقامها لايتعداه فتستدير بالعرض و الوضع كرة صحيحة الاستدارة و لا انقطاع لهذا السير و هي في مرتبتها و مقامها كما اخبر الحق سبحانه عنهم بقوله و ما منا الا له مقام معلوم و لكنها تتزايد شرفا الي ما لا نهاية له كما قال عز و جل في الحديث القدسي حديث الاسرار كلما رفعت لهم علما وضعت لهم حلما ليس لمحبتي غاية و لا نهاية ، انظر الي الجماد فانه يصفوا اما بالمعالجة او بالطفرة الي ان تبلغ [ص 71] الرتبة الاكسيرية اذ ازداد سقيا يزداد عملا و تأثيرا الي ان يطرح المثقال في الفالف و هكذا الي ما لا نهاية له لكنه جماد لايبلغ مقام النبات ابدا فحركته في العرض و لو كان في الطول لوصل الي النبات و هو الي الحيوان و لايكون ذلك ابدا و ما تري في الانسان انه كان نطفة ثم اخذ بالنمو بالروح النباتية الي انتهاء حد النباتية ثم صار حيوانا ثم صار انسانا و ذلك (ظ) ليس من الحركة في الطول و انما هو ظهور المراتب الكامنة او المشرقة علي تلك القابلية فلو فصلت الانسان بنظر الفؤاد رأيت كل مرتبة منها في مقامها نعم ظهرت كل مرتبة اذا تم نضج المرتبة الحاملة لها كالجدار الذي اذا تم يظهر نور الشمس عليه و ليس الجدار و النور و الشمس من حقيقة واحدة و لا ان الجدار صار نورا فاذا فصلتها يعود منهما الي اصله و لذا اذا عرفت الشمس لمتجد نورا علي وجه الأرض و كذلك الروح الحيوانية اذا فارقت لمتجد حركة و لا اقتضاء و لا طلبا لا فرق بين الجسد الملقي بعد مفارقة الروح و بين الحجر و هذا لا اشكال فيه فالموجودات في رتبهم في السلسلة العرضية يسيرون الي ما لا نهاية له من مبدء تكوينهم الي ان ظهروا في الدنيا الي ان يرتحلوا الي الآخرة الي ما شاء الله من ابد الآبدين و دهر السرمد بلا انقطاع و اذا اردت ان تعرف كليات المراتب في السلسلة العرضية في كل شيء من الاشياء فاعلم ان الشيء لما بدا من فعل الله سبحانه لايكمل و لايتم الا بعد اكمال القوسين الصعودي و النزولي اما النزولي فلصيرورته جامعا مملكا و اما الصعودي فلاظهار تلك المراتب و بلوغه الي عاماتها ( غاياتها ظ ) المقررة [ص 72] لها فلولا النزول لميتم الصعود و لا الصعود لميكمل الشيء فاول المبدء هو الوجود و يعبر عنه بالفؤاد فلما خلقه الله سبحانه تعين و تركب فحصل من اول تركبه و تعينه العقل الكلي في العالم الكلي و الجزئي ثم استنطقه الله فقال له ادبر فادبر فاول ما ادبر مقبلا علي الخلق الي مقام الارواح ثم الي مقام النفوس ثم الي مقام الطبيعة ثم الي مقام المادة ثم الي مقام المثال ثم الي مقام الجسم الكلي ثم الي مقام العرش ثم الي مقام الكرسي ثم الي فلك البروج ثم الي فلك المنازل الثمانية و العشرين ثم الي فلك الشمس ثم منها الي زحل و القمر ثم منها الي المشتري و عطارد ثم منها الي المريخ و الزهرة ثم الي كرة النار ثم الي كرة الهواء ثم الي كرة الماء ثم الي كرة الأرض و الي هنا تمت مراتب الادبار ثم امره الله سبحانه بالاقبال فاخذ في الصعود فاول ما صعد الي مقام الجماد مبدئه البخار و الدخان و السحاب و المطر و التيام الاجزاء الاربعة علي وزن معلومة مقدر و المزج التام ليكون المجموع شيئا واحدا و يتحقق الجماد في اول المزج و النضج ثم الي مقام المعدن و هو مقام النضج الثاني اي تمام الاول ثم الي مقام النبات يعني ظهور النفس النباتية علي ما قلنا لا الحركة في الطول ثم الي مقام الحيوان البهائم ثم الي مقام الجن ثم الي مقام الملئكة ثم الي مقام الانسان و في هذا تظهر المراتب المتقدمة النازلة كلها و يظهر العقل المدبر المقبل ثم الي مقام القطب الغوث الجامع الكلي و هذا المقام هو تمام اتصال البدو بالعود و الاول بالآخر و هو مقام قاب قوسين ثم منه يصعد الي [ص 73] مقام اعلي و هو تلك اللطيفة الالهية و هي مقام اللانهاية و ليس لها مقام اعلي منه ما لا نهاية له ذكر الشيء و مبدء ذاته فلايتعداها ابدا و انما يسير في هذه الرتبة بلا نهاية و لا غاية لها و هي دائما يطلب مقاما اعلي فلاتصل الي نفسها و تدور علي نفسها سايرة الي اعلي منها فالحق سبحانه دائم التجلي عليها في مقامها بنفسها فلايلحق الي اعلي منها و هذا السير لا انقطاع لها و قد قال الشاعر و نعم ما قال :
قد ضلت النقطة في الدائرة و لمتزل في ذاتها حائرة
محجوبة الادراك عنها بها منها لها جارحة ناظرة
سمت علي الاسماء حتي لقد فوضت الدنيا مع الآخرة
و هذا مجمل القول في ذكر السلسلتين و اما تفصيلها فهي عبارة عن العلوم كلها لانها كلها احوالها .
قال سلمه الله تعالي : و اخبرني سيدي اذا كان النبي صلي الله عليه و آله هو القطب و الغوث بلا واسطة مع انه صلي الله عليه ينتظر الوحي كيف يكون الواسطة و السفير مفضولا اجبني سيدي في هذه المسئلة بجواب شاف صريح لاتمنعني فيض سيبك .
اقول اعلم ان الحقيقة الالهية لما هبطت و نزلت الي عالم السفلي ظهرت في كل عالم علي حسب ذلك العالم متلبسا بلباسه و متجلببا بجلبابه فلو لميلبس لباس ذلك العالم لميكن من اهل ذلك العالم و قد فرضناه من اهل ذلك العالم هف فالروح في كمال تجردها و لطافتها لما تنزلت الي عالم الاجسام استعملت آلاتها فلايمكن ادراك شيء من ذلك العالم الا [ص 74] باستعمال تلك الآلات و هذا ليس لان الروح ناقصة او انها عاجزة او ان تلك الآلات افضل و اشرف منها الاتري انك اذا اردت تخيل شيء و تصوره و تفكره و تعقله لاتحتاج الي استعمال شيء من الآلات الجسمانية الظاهرة بل الروح تستقل بادراكه من دون ملاحظة شيء من الادوات الشهودية و اذا اردت احساس شيء و ابصاره و اسماعه فلا بد من استعمال الحواس الظاهرة لان السافل يضمحل عند العالي فاذا اراد الظهور للسافل عنده قائما يظهر له بما يناسب مرتبته و مقامه فالقلب عند ادراك المجردات لاتحتاج الي شيء من الآلات و اما عند ادراك الجسمانيات فلا بد من الحواس الظاهرة و ليس استعمال هذه الحواس لعجز من الروح و لا لنقص فيها و انما هو لحاجة ذلك العالم و لذا قال مولانا اميرالمؤمنين عليه السلام انما تحد الادوات انفسها و تشير الآلات الي نظايرها فاذا عرفت ذلك فاعلم ان الطفرة لما كانت باطلة و الفيوضات كلها انما تنزل من العالم الاعلي الي العالم الاسفل فاول ما نزلت الفيوضات الي الخزانة العليا الاولي من قوله تعالي و ان من شيء الا عندنا خزائنه و ماننزله الا بقدر معلوم و هي الحقيقة المحمدية صلي الله عليه و آله فاول ما تنزل من تلك الحقيقة الي فؤاده صلي الله عليه و آله و هو عالم او ادني ثم ينزل الي قلبه و هو مقام قاب قوسين و القلم الاعلي المنشق من حلاوة اسم محمد صلي الله عليه و آله ثم تنزل الي روحه ثم الي نفسه الشريفة ثم الي جسمه الشريف و لما كان عالم الاجسام كساير العوالم السفلية بالنسبة الي العالم الاعلي ضيقا [ص 75] فلايأتيه كلما في العالم الاعلي مما عند العالي الي العالم الاسفل دفعة و انما يأتيه شيئا فشيئا بالتدريج و الا فساواه هف و لما كان العالم الاسفل لكثافته و غلظته مباينا فلا بد من روابط و مناسبات حقيقة تربط في ايصال الفيض بين عالم المجردات و الماديات اي بين عالم الغيب و الشهادة يعني ليست في اللطافة مثل الغيب و لا في الكثافة مثل الشهادة و كذا في ايصال الفيض الي اسافل عالم الشهادة لا بد من روابط و تلك الروابط الموصلة بين العالم هو الملئكة فهم يأخذون من عالم الغيب و يوصلون الي عالم الشهادة فحاجة النبي صلي الله عليه و آله الي الملئكة في الوحي و غيره حاجة الروح و القلب الي الحواس في ادراك الجسماني و الي الجوارح لظهور الآثار الجسمية فلولا اليد لماظهرت آثار اليد في الاعمال الشهودية و لولا العين لماابصرت و لولا السمع لماسمعت و هكذا مع ان قوام الجوارح كلها بالقلب و الروح و لذا اذا خرجت الروح من البدن تعطلت الجوارح و ماتت فقوامها بالقلب و آثار القلب جارية و ظاهرة بها فلولاها لماظهرت المدارك الشهودية و لولا القلب لماكانت و لماتحققت فتوسط الملئكة ما دام النبي صلي الله عليه و آله في عالم الكثرة لا بد منها لانها روابط في ايصال ما في العالم الاعلي الي العالم الاسفل بالترجمان فالاسفل يد للعالي في اظهار آثاره و ابراز خزائنه لا واسطة فاذا اطلقت الوساطة يراد بها توسعا لا حقيقة كما ان الله سبحانه بكمال قدرته و نفاذ مشيته انما استعمل الاسباب و اجري فعله بيده تعالي لتعالي ذاته عن مباشرة الامكان و كذلك حكم كل [ص 76] عالم بالنسبة الي سافله فالملئكة اسباب لنزول ما في الخزائن العالية الغيبية علي نحوها من (كذا) الي الحواس السفلية الشهودية الاضافية علي نحوها و ليس فيها ارتفاع للملئكة و لا انخفاض من النبي صلي الله عليه و آله و الائمة عليهم السلام كما اذا ادرك القلب المحسوسات بالحواس الظاهرة ليس فيه ارتفاع للحواس عن مقامها و لا انخفاض للقلب عن مقامه بل ذلك يدل علي تعالي القلب و تسافل الحواس فافهم فقد رددت العبارة و كررتها للتفهيم و من هذا القبيل تعلم موسي من الخضر عليهما السلام لان الخضر من الاسباب الموصلة لتلك المسائل الي موسي عليه السلام مع ان موسي افضل و اشرف قطعا و كتعلم النبي سليمان من النملة المسائل المعروفة المبتنية علي المناسبة الذاتية و ليس مدخلية هذه الامور الا كمدخلية اكلهم و شربهم عليهم السلام و نومهم و يقظتهم لحفظ بنيتهم و كينونتهم و بالجملة هذه آلات و اسباب لظهور السافل علي ما هو عليه عند العالي و من هذا القبيل نزول الملئكة في ليلة القدر و ليالي الجمع و كل آن و دقيقة عليهم للبيان كنزول العين علي القلب في بيان الالوان و نزول الاذن علي السمع في بيان الاصوات و نزول الذوق علي القلب في بيان الطعوم و نزول اليد علي القلب في فعل الكتابة و غيرها و القلب هو الاصل و هو مقر الفيض يستعمل هذه الآلات لاظهار ذلك الفيض في العالم السفل و ظهوره عنده علي ما هو عليه فهذه الآلات باب الايصال و الاحضار و الحضور كما ان الامام عليه السلام باب الله الي الخلق في الافاضة و باب الخلق الي الله في الاستفاضة [ص 77] و ظهور الكينونة فقد كشفت القناع لمن له عينان و شفتان و لسان و قلب يشاهد البرهان ،
فان كنت ذا فهم تشاهد ما قلنا و ان لميكن فهم فتاخذه عنا
و ما هو الا ما ذكرناه فاعتمد عليه و كن في الحال كما كنا
فالنبي صلي الله عليه و آله هو الغوث و القطب لا شك فيه و لكونه كذلك استعمل هذه الآلات و الاسباب و هو باب الله و جرت سنة الله تعالي فيه صلي الله عليه و آله في اتخاذ الاسباب و الايادي و اما القرآن فان الله انزله بجملته في البيت المعمور و قد قرئه اميرالمؤمنين عليه السلام من اوله الي آخره يوم ولد في الدنيا و قد كانت ولادته الشريفة روحي له الفداء قبل المبعث بسبع سنين و الزهراء عليها السلام كانت تقرء القرآن في بطن امها و الله سبحانه ذكر في كتابه لاتحرك به لسانك لتعجل به ان علينا جمعه و قرآنه فاذا قراناه فاتبع قرآنه ثم ان علينا بيانه و لايسعني الكلام في هذا المقام ازيد من ذلك لا لانه في الاسرار التي يجب كتمانها بل لعناد المعاندين و عدم صولة ( قبول ظ ) اولئك المنافقين الميسمعوا قول النبي الصادق الامين كنت نبيا و آدم بين الماء و الطين و قول اميرالمؤمنين عليه و علي اخيه و علي اولاده و زوجته السلام من الحق المبين كنت وليا و آدم بين الماء و الطين و ماكان صلي الله عليه و آله نبيا الا بهذا القرآن لان الله سبحانه قال و كذلك اوحينا اليك روحا من امرنا ماكنت تدري ما الكتاب و لا الايمان و لميكن اميرالمؤمنين عليه السلام وليا الا بتفاصيل مجملات [ص 78] هذا القرآن و هو انسان يأتي يوم القيمة يشفع ،
و اياك و اسم العامرية انني اخاف عليها من فم المتكلم .
قال سلمه الله تعالي : و ما معني سيدنا ما ورد في الحديث عن ابيالصامت انهم عليهم السلام خلقوا من عشر طينات خمسة من طين الجنة جنة عدن و جنة الماوي و النعيم و الفردوس و الخلد و خمسة من الأرض مكة و المدينة و الكوفة و بيتالمقدس و حاير الحسين عليه السلام كيف هذا و الجنان و الأرض انما خلقت من فاضل نورهم .
اقول اما حقيقتهم عليهم السلام بارواحهم و عقولهم و نفوسهم و اشباحهم و اجسامهم كلها فانما خلقت قبل الخلق و قبل العرش و الكرسي و قبل الجنان و الاراضي و الخلق ما سواهم كائنا ما كان و بالغا ما بلغ انما خلق من شعاع انوارهم و قد دلت عليه الادلة القطعية و النقلية و لكن الخلق لما خلقهم الله سبحانه بهم و اراد تكليفهم و هدايتهم لانهم جهال لايعلمون شيئا مما يصلحهم او يفسدهم الا بالله سبحانه و لما ان الله جل شانه يجل عن مباشرة المخلوقين فلا بد ان يوصلها اليهم مناسب معهم ليتمكنوا من القبول و لما كان محمد و آله صلي الله عليهم هم الاصل في كل خير و الوجه في كل طلبة و الباب لكل مقصد جعلهم الله سبحانه هم الموصلين لتلك التكاليف و الاوامر و النواهي الي كافة الموجودات السارية فيها الاختيار و الشعور و هي كلما سوي الله سبحانه و لذا بعثه الله سبحانه الي كافة الخلق بشيرا و نذيرا قال تعالي تبارك الذي نزل الفرقان علي عبده ليكون للعالمين نذيرا فاذا [ص 79] وجب ان يكونوا هم المبعوثين الي كافة الخلق فلا بد ان يكونوا سلام الله عليهم ظاهرين علي صورهم و هياكلهم و اشباحهم اذ لو ظهروا لهم علي الصورة التي خلقهم الله سبحانه عليها لماتوا و هلكوا و فنوا و قد ذكرنا لكم سابقا انه ظهر لموسي علي نبينا و آله و عليه السلام مقدار سم الابرة من نور رجل من شيعتهم فدك الجبل و خر موسي صعقا و مات بنواسرائيل فما ظنك لو ظهرت انوارهم الحقيقية كيف و قد ظهر بعض انوار بعض شيعة اولئك الشيعة الذين رأي موسي مقدار سم الابرة من نور واحد منهم للملائكة في عالم الانوار فزعمت الملئكة انه النور القديم و السر الحكيم الي ان نادت تلك الانوار بحقيقة الاسرار لا اله الا هو العزيز الجبار كما عن النبي المختار صلي الله عليه و آله لكنه قال لا حول و لا قوة الا بالله لتعلم الملئكة انا عبيد مربوبون و هذا القول منه صلي الله عليه و آله بهذا التعبير مقتبس من قول الله سبحانه ان الينا ايابهم ثم ان علينا حسابهم مع ان اياب الخلق اليهم و حسابهم عليهم صلي الله عليهم و روحي فداهم و كذلك ما تجلي للملئكة يجب ان يكون دون ما تجلي لموسي بالضرورة و بالجملة لعجز الخلق عن مشاهدة انوارهم فلا بد ان يلبسوا لباسا من سنخ الخلق المبعوث اليهم و يظهروا بصورتهم حتي يتمكنوا من مشاهدتهم عليهم السلام و الاخذ منهم حتي يتم حجة الله تعالي و تكمل نعمة الله و تظهر آيات الله و تعلو مقامات الله فحيث وجب لهم ذلك اللباس المعبر عنه بالبدن الظاهري فلا بد ان يكون ذلك البدن و ذلك اللباس [ص 80] افضل ما يكون من ذلك العالم حتي يكون قد تم لهم الشرف الكامل في كل مقام و لما كان مناط العوالم الجسمانية عالمين عالم الدنيا و الآخرة و افضل مقامات الآخرة و اشرفها الجنة بطبقاتها و اشرف الطبقات الخمسة المذكورة لان الذي بازاء الجسم و المثال و النفس من الطبقات ادني من باقي الطبقات التي بازاء العقل و الحواس دون الحس المشترك فالخمسة الباقية اشرف الطبقات الجسمانية فوجب ان تؤخذ طينتهم سلام الله عليهم منها و كذلك افضل مقامات الدنيا و منازلها الاراضي الخمسة المذكورة فوجب ان تؤخذ طينتهم من افاضل طين الدنيا و الآخرة لخلق بشريتهم و لباسهم من قوله تعالي و لو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا و للبسنا عليهم ما يلبسون فالبشرية الظاهرة من ابدانهم فانما هي من سنخ رعيتهم صلي الله عليهم و لذا كان يجري فيها القتل و المرض و كانوا يعيشون بالاكل و الشرب و كانوا يأكلون مما يأكل الرعية منه و يشرب مما يشربون منه و هو قوله تعالي انما انا بشر مثلكم يوحي الي و قال تعالي لقد جائكم رسول من انفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم و اما الجنة فقد خلقت من فاضل نور الحسين عليه السلام و الاراضي خلقت من نور الزهراء و شعاعها صلي الله عليها و علي ابيها و بعلها و بنيها و المخلوق من الطين المذكورة بشريتهم الظاهرة .
قال سلمه الله تعالي : و اخبرني سيدي ما معني الصخرة التي تحت الأرض هل هي سجين ام غيرها و ما معني جبل قاف و اخبرني ما وراء [ص 81] جبل قاف هل هو خراب ام عمران كما ورد عن ابنعباس قال خلق الله جبلا يقال له قاف محيط بالعالم و عروقه الي الصخرة التي عليها الاراضي فاذا اراد الله ان يزلزل البلاد امر ذلك الجبل فحرك العرق اخبرني ما معني ذلك .
اقول ان الصخرة التي تحت الأرض قد تطلق و يراد بها قطب الأرض لكمال انعقادها و انجمادها و شدتها في اليبوسة و البرودة التي هي طبع الموت و كل فقطب الأرض هو الغاية في هذه الطبيعة و كل منعقد منجمد ميت غير نافذ ففيه وجه من وجوه الحيوة يسمي الصخرة و هو قوله تعالي ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة او اشد قسوة و ان من الحجارة لما يتفجر منه الانهار و ان منها لما يشقق فيخرج منه الماء و ان منها لما يهبط من خشية الله و ما الله بغافل عما تعملون و الصخرة اجمد من الحجارة للوجوه التي ذكرها الله سبحانه و قد تطلق و يراد بها كتاب الاشرار الفجار في سجين و هي سجين في مقابلة الزمردة الخضراء التي هي كتاب الابرار في عليين بل هي عليون و اما جبل قاف فالمراد به كرة الأرض من حيث قبل الاعراض و عوارض التي عرضتها و اخرجتها عن الاستقامة و اللطافة و النورانية و هي سر الأرض و اصلها و هي المعبر عنها بالزمردة الخضراء ايضا لاتصالها بنور المشية التي هي النور الاصفر و انها محلها و موقعها في الكون السفلي الجسماني و هذه الجبال المعروفة كلها اصلها منها و اليها تعود و هي ارض الحشر و ارض الجنة و هي الأرض التي تتبدل هذه الأرض بتصفيتها عن الكثافات اليها و هي الأرض التي [ص 82] لايجد الساكن فيها الليل ابدا لانها لاتحجب ما ورائها و اصفي من البلورة اذا اشرقت عليها الشمس و هي الأرض التي كانت الخلايق عليها في الخلق الاول قبل ان يخلق الليل و طالع الدنيا اي اول برج طلع من افق هذه الأرض كان هو السرطان و الشمس في شرفها علي قمة الرأس و الوقت الظهر و انما سمي جبلا لانعقادها بيبوستها و برودتها مع خلط الحرارات الواقعة عليها من اشعة الكواكب المبادي فامتزجت تلك الاشعة بهذه الأرض فانعقدت صافية طاهرة مطهرة و علي هذا الجبل جزيرة الخضراء و عليه بلد جابلقا و جابرسا و موكل عليه ملك اسمه اسمعيل و عروق الجبال و الاراضي كلها متصلة به و بيد الملك اسمعيل و عروته الي الصخرة اي القطب الذي عليه تدور عليه كرة الأرض الاصلية التي يعبر عنها بالجبل القاف و هي مربوطة بقطبها و اصلها فاذا اراد الله ان يزلزل الأرض بكثرة معاصي اهلها و الغالب ان يكون موجبها انكار فضل آلمحمد صلي الله عليه و آله الذي يؤثر في الاصول و المبادي امر الله سبحانه الجبل لانه حي او الملك الموكل به المطيع لامر الولي عليه السلام فحرك العروة و هي الخيط الاصفر روابط الفيض المتصلة في المبدء الاعلي الي ذلك الجبل و اهله و لذا كان اصفر لاتصاله بنور المبدء مع اقتضاء مقامه السواد فاختلط الصفرة بالسواد فكانت خضرة و هي خضرة الجبل اما نفس الخيوط فهي حدود المشية و رؤسها و وجوهها المتعلقة بالأرض بجهاتها و حدودها و اقتضاءاتها و تلك الرؤس اذا ظهرت في عالم الشهود الجسماني تظهر بصورة الخيط الاصفر و [ص 83] بصورة العروة لبيان الربط و الاتصال و لما كان الاصل في كل هذه الآثار و التأثيرات هو الولي عليه السلام و لذا كانت بيده و لما حرك الباقر عليه السلام ذلك الخيط الاصفر تحريكا دقيقا تزلزلت المدينة كما في الحديث المشهور بحديث الخيط الاصفر علي ما رواه في البحار و اما ما وراء قاف فليس الا البحر المحيط الذي ورائه الهواء الذي ورائه النار المحيط بها فلك القمر سماء الدنيا و اما عالم المثال و بلادها و براتبتها (كذا) و اقاليمها و قطعها و ارباعها و احوالها كلها وراء قاف و هو باحوالها هي العوالم المذكورة في الاحاديث المعصومة و ما ورائه جابلقا و جابرسا و وادي السلام التي تأوي اليها الارواح و وادي برهوت و جبال كمد و عيون بقر التي تأتي اليها الارواح بعد مفارقة الاجسام الدنيوية و هذه كلها وراء هذا الجبل و ورائه العوالم الاخر كما يأتي اليه الاشارة انشاء الله تعالي .
قال سلمه الله تعالي : اخبرني عن معني هذا الحديث روي الصفار في بصائر الدرجات عن ابيصالح قال سألت اباعبدالله عليه السلام عن قبة آدم فقلت له هذه قبة آدم عليه السلام قال نعم و لله قباب كثيرة ان خلف مغربكم هذا تسعة و ثلثون مغربا ارضا بيضاء مملوءة خلقا يستضيئون بنورنا لميعصوا الله طرفة عين لايدرون اخلق الله آدم ام لميخلقه يبرؤن من فلان و فلان و فلان .
اقول هذه التسعة و الثلثون مع قبة آدم تمام الاربعين و هو تمام مراتب الوجود فان الله سبحانه اكمل خليقة كل شيء في اربعين مرتبة كما قال عز و جل خمرت طينة آدم بيدي اربعين صباحا و هي ظهور [ص 84] الفيوضات العشر التي خلق الله سبحانه الاشياء كلها بها في اربع طبايع او اربعة اركان هي الخلق و الرزق و الحيوة و الموت و باعتبار ظهور غلبة كل مرتبة يتحقق عالما من العوالم و ان كان لايخلو من باقي المراتب مثلا ان الانسان مركب من اربع طبايع الصفراء و السوداء و البلغم و الدم و لايمكن خلق الانسان من هذه الطبايع الا ان فعلية كل طبيعة يظهر منه آثار مختلفة تختص به اي الانسان من حيث غلبة طبيعة من الطبايع و كذلك العوالم كلها لاتخلو من هذه الاربعين لكن باعتبار غلبة مرتبة في الكل تجري عليها احكاما خاصة بها و ظني ان هذه الاربعين انما هي العوالم التي في هذه الأرض منها علي جبل منها بعد الخلط بالاعراض و قبة آدم هي التي لما اتي اليها آدم عليه السلام انشد و قال :
تغيرت البلاد و من عليها فوجه الأرض مغبر قبيح
و مقام الخلط و اللطخ و ظهور الاعراض و غلبة الظلمة و دولة الفاسقين و خفاء الحجة انما كانت هذه القبة التي نحن عليها من حيث هذه الكثافات و لذا خفي امرهم في هذه الدنيا بحيث اختلفوا فيهم فمنهم حكم بكفرهم و قال ان اليهود و النصاري هم الحسن و الحسين و اولاد الحسين و اليهم الاشارة بقوله تعالي و قالت اليهود و النصاري نحن ابناء الله و احباؤه يعني ابناء محمد و علي تعالي الله عما يقولون علوا كبيرا و منهم من لميجدهم اهلا للامامة و الوصاية فضلا عن الخلافة الكبري و منهم من حكم بانهم الارباب من دون الله و منهم من جعل [ص 85] حالهم كحال غيرهم من الرعايا و منهم من قال انهم يعلمون كل شيء و منهم من قال انهم لايعلمون كل شيء و منهم من فصل و بالجملة الاختلاف فيهم لاينكر و هذا الاختلاف انما هو من جهة هذا الخلط و امتزاج النقطتين و تصادم الاعراض و عدم الاعتدال و الا فلميكن يخفي امرهم و لميستتر نورهم سلام الله عليهم كيف و ان الله تعالي عرفهم الخلق في جميع اطوارهم و لولا هذه الاعراض لكان الامر في اشراقات انوارهم و عكوسات آثارهم عظيما و الخطب جسيما و قد اشار الي ما ذكرنا مولينا اميرالمؤمنين عليه السلام في الخطبة و لولا اصطكاك رأس افرودس و اخلاط الطتنجين و صرير الفلك لسمع كل من في السموات و الأرض رحيم دخولها في الماء الاسود في العين الحمئة الخطبة ، و اما باقي التسعة و الثلثون المغرب و المشرق المعبر عنهما بالعالم المستقل فكلها علي جبل قاف من المقامات و المراتب المصفات من الاعراض بل هي طيبة طاهرة بيضاء بنور العقل مملوة من اناس مطهرين و خلق مقدسين منزهين مقبلين علي الله تعالي و متوجهين اليه سبحانه يستضيئون بنور الولاية و يستشرقون باشراقات انوار الامامة و الخلافة لميعصوا الله طرفة عين لانها اما باعراض قلبي و خبث ذاتي و ذلك محله سجين اسفل السافلين و اما بمزج و خلط و بين العالمين و مزج بين النقطتين و ذلك اي المزج قد خلص و رجع كل فرع الي اصله فلا معصية لاصحاب الطينة الطيبة و لا طاعة لاصحاب الطينة الخبيثة و هذا المعني هو الذي يظهر في هذه الدنيا في الرجعة عند ظهور صاحب [ص 86] العصا و الميسم دابة الأرض في الوجود و صاحب سر العابد و المعبود و هؤلاء حيث كانوا صافين عن خلط العوارض و اولاد آدم ابينا كلهم اصحاب الخلط و اللطخ في صلبه المؤمن و الكافر و الطيب و الخبيث و المختلط فلايدرون هؤلاء بآدم و لايلتفتون الي ما عليه اولاده من حيث انه عليه السلام اباه لانهم المطهرون و اولئك هم الغافلون و لما ان الجهل من هذه الاعراض و اهل تلك العوالم منزهون عنها فلا جهل فيهم بل هم باقون علي الفطرة الاصلية و ما كتب الله فيهم من سر الولاية و ما نقش في ذواتهم من صفات الامامة فلايعلمون الا ان العلم و الحكمة معرفتهم و ولايتهم و التبري من اعدائهم كما قال عليه السلام في تفسير قوله تعالي و من يؤتي الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا ان الحكمة هي معرفة الامام ، فالعالم يعلم ان الاشياء كلها من شعاع انوارهم و ظل عكوسات آثارهم فلاتدل علي سواهم فليس لهم في العلم و المعرفة و الكمال و العبادة و الطاعة الا معرفتهم و توليهم و التبري من اعدائهم و ها انا اورد عليك حديثا تعلم ان العلم كله فضائل آلمحمد صلي الله عليه و آله رواه ثقة الاسلام عن الصادق عليه السلام انه سئل عن العلوم التي علمها رسول الله صلي الله عليه و آله عليا يفتح من كل باب الف باب و من كل باب من الالف الف باب هل هذه وصل الي شيعتكم قال (ع) وصل اليهم باب او بابان فقال السائل يا سيدي فماوصل الي شيعتكم من فضلكم الا باب او بابان قال عليه السلام فما عسي ان يصل اليكم من فضلنا والله ماوصل اليكم من فضلنا الا الف غير معطوفة ه ، [ص 87] و فيه اشعار الي ما ذكرنا و تنبيه علي ما سطرنا يعلمه من كان له قلب او القي السمع و هو شهيد .
قال سلمه الله تعالي : و ما معني سيدي قول مولانا علي عليه السلام انا آدم الاول انا نوح الاول ما هذه الاولية افدني فداك ابي و امي و نفسي .
اقول انا قد ذكرنا في كثير من مباحثاتنا و رسائلنا ان الخير لميسبقهم و هم سلام الله عليهم اصل الخير و معدنه و مأويه و منتهاه فكل خير هم عليهم السلام سبقوه و قد تشعب منهم و تفرع عنهم الي غيرهم و لما كان بين الاسماء و المسميات مناسبة ذاتية فمعني الخير دل علي ان اسمه خير فكما ان المسميات الطيبة انما نشأت منهم كذلك الاسماء الطيبة منهم سلام الله عليهم بما هم عليه من جامعية الخير استحقوا كل اسم طيب نوراني فكان من اسمائهم آدم و نوح و ابراهيم و موسي من ساير الاسماء الطيبة لان المعاني النورانية التي اقتضت هذه الاسماء الطيبة اصلها فيهم فهم سلام الله عليهم آدم الاول و نوح الاول و ابراهيم الاول و هذه واحد من وجوههم التي بها ناسبت الاسماء الخاصة فاعاروهم اسمهم فاسماء الانبياء عليهم السلام انما هي مستعارة من اسمائهم و حقايقهم انما هي حكاية من آثارهم و صفاتهم و رسومهم و لذا كانت الاسماء اسمائهم و المسميات رسومهم و صفاتهم فهم الاصل و الانبياء بالاسماء و المسميات هم الفرع فهم الاول بهذا المعني و لذا قد خاطب مولانا الصادق عليه السلام اميرالمؤمنين عليه السلام باسماء الانبياء في الزيارة و هذه الاسماء هي اسمائه عليه السلام و هي مستعارة عند الانبياء كما ان [ص 88] حقايقها مستعارة من صفاتهم و لاتتوهم ان حقيقة محمد و آله هي حقايق الانبياء عليهم السلام كلا و حاشا و انما حقايق الانبياء رشحات من بحر جودهم و قبسات من نور عزهم و اشراقات من شمس ظهورهم و لايساوي الشعاع الشمس ابدا و لايجمعهما حقيقة واحدة و قد كتبنا في هذه المسئلة رسالة منفردة من ارادها فليرجع اليها .
قال سلمه الله تعالي : و ما معني الحديث الوارد الشقي من شقي في بطن امه و السعيد من سعد في بطن امه ما المراد بالام فان كان هذه الام فاي ذنب له و ان كان فما وجه تسمية المادة بالام .
اقول المراد بالام هي الوعاء الذي يحفظ الشيء المبهم المجمل و يفصله بالحدود و المشخصات و يميزه بالاوصاف و الصفات و يوجب له الاسم الخاص و هذا المعني انما يصدق في غاية الظهور علي ثلثة امور : الاول الام المعروفة اي المراة و هي تسمي اما من جهة ان النطفة في صلب الام انما كانت شيئا واحدا مجملا في الغاية من الاجمال صالحا لان يكون ذكرا و انثي و خنثي حسن الصورة او قبيح الصورة قصيرا او طويلا و كذا في الصورة الظاهرة من الوجه و الرقبة و الصدر و البطن و امثالها و هذه انما كانت مجملة في النطفة غير متمايزة فتمايزت و تشخصت في بطن المراة و لذا سميت اما الثاني الصورة فان المادة من حيث هي مادة صالحة لقبول الصور و المشخصات و الهيئات و الاضافات و الاوضاع و السعادة و الشقاوة فاذا تصورت تتميز و تتشخص فيحكم عليها بالحسن و القبح بالصورة فالتفصيل يكون بالصورة فلذا سميت بالام عند اهل البيت [ص 89] عليهم السلام و قد قال مولانا الصادق عليه السلام ان الله خلق المؤمنين من نوره و صبغهم من رحمته فالمؤمن اخو المؤمن لابيه و امه ابوه النور و امه الرحمة ، و لا ريب ان مدخول من فيما يتعلق بالصنع و الايجاد المادة كما اذا قلت صنعت الخاتم من فضة و صنعت السرير من الخشب و البيت من الطين ففي كل هذه الامثلة لا شك ان مدخول من هو المادة فعرفنا ان النور في قوله عليه السلام خلق المؤمنين من نوره هو المادة و الرحمة كان هو الصبغ هي الصورة ثم قال عليه السلام ابوه النور و امه الرحمة فعرفنا ان الصورة هي الام و المادة هي الاب فدل علي ما ذكرنا العقل و النقل اما الحكماء فقد ذهبوا الي ان المادة هي الام لمناسبة القبول فان المادة قابلة للصور الكثيرة و هي فاعلة فقالوا ان المادة هي الام و الصورة هي الاب و هو غلط فاحش و هذا الحديث الشريف لاينطبق علي قولهم فان السعادة و الشقاوة انما هما في الصورة دون المادة فان المادة كالخشبة صالحة للصنم و السرير فاذا صنع سريرا يحكم عليه بالسعادة و اذا صنع صنما يحكم عليه بالشقاوة فالسعادة و الشقاوة تبعتا الصورة لا المادة و يحمل عليه الحديث المذكور فيقال ان الام هي الصورة و السعادة و الشقاوة في بطن الصورة فان الحقيقة الانسانية في العالم الاول عالم الذر صالحة لجميع الصور الحسنة و القبيحة فاذا اجابت تصورت بالصورة الانسانية فكانت سعيدة و اذا انكرت تصورت بالصورة الشيطانية فكانت قبيحة خبيثة فالسعادة في الصورة و الشقاوة فيها فدائما يكسر و يصاغ و يلبس الصورة الانسانية او [ص 90] الشيطانية الي ان تستقر اما بالاطمينان فيكون صاحب النفس المطمئنة الراضية المرضية او بالنكرا و الشيطنة فتكون محلا للشياطين و موضعا للجهل و الظن و التخمين فتستقر صورها و تدوم سعادتها و شقاوتها و هذا الاستقرار قد يكون في الدنيا و قد يكون في الآخرة فبطن الام هي الصورة علي ما فصلت لك دون المادة علي ما قالوا الثالث الدنيا فان بطن الام المعروفة تربي الجسم الي ان تبلغ به الصورة الانسانية الكاملة و هذه الدنيا تربي الي ان يبلغ بها الي الصورة الانسانية او الشيطانية فكما ان الصورة الجسمانية انما تترقي بالاسباب الجسمية كدم الحيض مثلا و ساير العقاقير الجسمانية كذلك الصورة الانسانية التي هي كمال النفس الانسانية انما تتربي بالاسباب الالهية التي هي الاعمال الصالحة و الاعتقادات و العلوم و الحقايق و الرسوم فان بها تترقي النفس و تصاغ علي الصورة الانسانية هيكل التوحيد و صورة التفريد و التجريد و باضدادها تتسافل و تصاغ علي الصورة البهيمية الشيطانية فتستوفي اجله في الكتاب حتي اذا تمت الصورتان و نضجتا و انعقدتا تتولد و تضعها امها التي هي الدنيا و تخرج منها اما سعيدة او شقية فتستقر السعادة و الشقاوة ابد الابد و تظهر آثارهما بلا انقطاع فهي اي الدنيا بطن الام التي السعيد سعيد فيها و الشقي شقي فيها فاذا خرجت من الدنيا اما الي الجنة او الي النار كبطن الام فان الانوثة و الذكورة انما تتمايزان في بطن الام فاذا وضعت الام فلايمكن ان يكون الذكر انثي او العكس و هذا ظاهر معلوم و علي المعنيين يصح تفسير الحديث كما ذكرنا و لايلزم [ص 91] اجبار و لا الجاء و لا اضطرار كما هو المعلوم البين و اما علي الام المعروفة فلو حملنا فالمراد بالسعادة الصورة الانسانية و غيرها بالشقاوة او السعادة و الشقاوة المعروفتان علي حسب الاجابة في العالم الاول الذر فان المنكر لذلك اليوم ان كان علي بصيرة و انكار بعد المعرفة و الجحود بعد الايقان فلايختلف في هذه الدنيا كما قال تعالي فماكانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل و كذلك ايضا حكم المقر عن بصيرة و ايقان و اما المستضعف فهم المرجون لامر الله اما يعذبهم و اما يتوب عليهم فلايجري الحمل بالنسبة الي . . . المستضعف فافهم فهمك الله .