[ص 1]

رسالة في جواب الشيخ محمد بن الحسين البحراني

عن خمس مسائل

من مصنفات السيد الاجل الاوحد المرحوم

السيد كاظم بن السيد قاسم الحسيني الرشتي اعلي الله مقامه

[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم

قال سلمه الله تعالي : و ما يقول سيدنا في الاجتهاد و علامة المجتهد فاني وقفت عليها و لم‌اعتبر بقول غيركم .

اقول : الاجتهاد هو عبارة عن استنباط الاحكام الشرعية عن ادلتها التفصيلية و هذا لا شك انه حق و ثابت لان الاحكام الشرعية الفرعية توقيفية فلاتتلقي الا من الموقف الشارع و هذا التلقي بالضرورة ليس من الامور البديهية او الطبيعية الجبلية التي تعرفها الطبيعة كبكاء الاطفال عند الجوع و التقام الثدي و احساس الجوع و العطش و غيرها فاذا ثبت انها نظرية لايمكن حصولها الا بالدليل و لما كان الدليل هو الكتاب و السنة اتفاقا من المسلمين او مع الاجماع و العقل علي رأي طائفة عظيمة و هذه الاربعة تتعارض احوالها و تختلف احكامها مع قوله صلي الله عليه و آله قد كثرت علي الكذابة و قولهم عليهم السلام ما منا الا و من يكذب علينا ، فلا بد من النظر و استنباط الصواب من الخطاء و الصحيح من الباطل و الصدق من الكذب من مظانها و اماكنها التي هي الاربعة بها فمن استنبطها بغيرها فقد اخطأ و من استنبطها من غيرها فكذلك ايضا و من استنبطها منها بها فذلك هو المصيب لانحصار الجهات و الامر بالاتيان من الباب ثم القاء الصواب و هو قوله تعالي الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ، لاتحرك به لسانك لتعجل به ان علينا جمعه و قرآنه فاذا قراناه فاتبع قرآنه ثم ان علينا بيانه و لما كان الاختلاف في هذه الازمان هو المطلوب اوقع حملة الشريعة عليهم السلام الاختلاف ما دامت [ص 3] الدولة للظالمين الفاسقين فقالوا عليهم السلام نحن اوقعنا الخلاف بينكم و ذلك اسلم لنا و لكم و لو اجتمعتم علي كلمة واحدة لصدقكم الناس علينا و لاخذ برقابكم ، هذا معني كلامهم صلي الله عليهم فمن انكر الاجتهاد بالمعني الذي ذكرنا فقد اخطأ و خبط خبط عشواء اما شرايط تحقق الاجتهاد فمعرفة اشياء و حصول شيء و لايكمل الا بها فمن ادعي بدونها فقد كذب و افتري و ضل و غوي اما الاشياء التي يجب معرفتها الكتاب و السنة و الاجماع و الاختلاف و ادلة العقل المتعاضدة بالنقل من الاستصحاب و اصالة البرائة و الاباحة و لسان العرب و اصول العقايد و اصول الفقه اما الكتاب فيحتاج الي معرفة اشياء العام و الخاص و المطلق و المقيد و المحكم و المتشابه و المجمل و المبين و الناسخ و المنسوخ و مقدار الواجب منه الآيات المتعلقة بالاحكام الشرعية و هي من نحو خمسمائة و لايلزم معرفة جميع آيات القرآن المجيد و يجب معرفتها و لو بكتاب تفسير يرجع اليه و لايلزم حصولها بتفسيرها كلها عنده و اما السنة فيحتاج لمعرفتها الي ما ذكر في الكتاب لوجود الناسخ و المنسوخ في قول الرسول صلي الله عليه و آله اجماعا في اقوال الائمة عليهم السلام علي الخلاف فيجب عليه معرفتها مع معرفة المتواتر و الآحاد و المسند و المتصل و المنقطع و المرسل و المرفوع و معرفة الرجال و الرواة فان في بعض الموارد يتوقف الترجيح و الاستنباط عليها كما في مقبولة عمر بن حنظلة عند تعارض الرواية خذ باوثقهما في نفسك و يجب الاقتصار في الكتاب و السنة علي متفاهم اهل الظاهر من اهل اللسان [ص 4] و ما يعرفونه من طرق المحاورات و الاستعمالات و اما الاجماع و الخلاف فيحتاج الي معرفة الكتب الفقهية و معرفة اصطلاحات الفقهاء و امعان النظر فيها و التتبع في مواقع المسائل فان الوفاق و الخلاف و الشهرة انما تعرف بتلك الكتب في المتون و الشروح اما لسان العرب فيحتاج لمعرفته الي النحو و الصرف و المعاني اللغوية التي وضعت لها الالفاظ العربية و احكام الدلالات من المنطوق و المفهوم من الموافقة و المخالفة و فحوي الخطاب و لحن الخطاب و دليل الخطاب و دليل الاشارة و الامثال و ايراد الكلام باياك اعني و اسمعي يا جارة و التلويح و التصريح و امثالها مما هو الجاري علي السنة العرب و طريق محاوراتهم و اما علم المنطق فلايزداد معرفته الا بعدا و ملاحظته دائما الا شكا و طريق الفهم و المعرفة وجداني و الميزان قول من لايخطي و لايسهو و لايغفل اذا ثبت و تحقق و قد اطلنا الكلام في ذلك في كثير من مباحثاتنا و اجوبتنا للمسائل فلايناط بمعرفة الاجتهاد و الفقه قطعا و اما الشيء الواحد الذي يجب حصوله لتحقق الاجتهاد و الا لايتحقق و ان عرف هذه العلوم المذكورة و الغير المذكورة كلها هي القوة القدسية و هي حالة في النفس تتمكن بها من رد الجزئيات الي الكليات و استخراج الفروع من الاصول كما ان الذي يعرف علم العروض و طرق الالحان الموسيقية لايتمكن من انشاد الشعر الا اذا كان فيه القوة التي بها يتمكن من النظم و التأليف و التركيب و هذه القوة هي النفس الناطقة القدسية و هي التي بها يمتاز الانسان من ساير الانواع لاشتراكه مع غيره [ص 5] في الجهة المناسبة له و لذا كان له النفس النباتية التي بها الذبول و النمو و الصغر و الكبر و بها يجذب و بها يوصل الي جميع الاجزاء و الاعضاء و هو في هذه النفس يشارك الاشجار و البقولات و غيرها لا فرق بينه و بينها فيها و له النفس الحيوانية الفلكية البهيمية التي بها الحركة و الشهوة و الغضب و الرقة و بها يشترك مع جميع البهائم و الحيوانات من الوحشية و الاهلية و يمتاز الانسان عن الكل بالنفس الثالثة و هي النفس الناطقة القدسية و هي التي تدرك المعارف و العلوم و تنبعث الي الطاعات اذا كانت اختا للعقل و الي المعاصي و السيئات و هي النفس الامارة بالسوء اذا كانت مركبا للجهل و مقرا للشيطان المقيض و لما كان المجتهد هو نائب الامام عليه السلام و هو خليفة الله في الارض عن خليفة الله و هو الحجة عن الحجة و هو القائم مقام الانبياء و الصديقين فاقل مراتبه ان يكون موصوفا بالصفة الانسانية و مترقيا اليها و خارجا الي الرتبة البهيمية اذ لايصلح ان يكون حجة الله الذي يجب علي كل الناس طاعته و امتثال امره و نهيه و يكون الرد عليه الرد علي الله و الانكار عليه الانكار علي الله و هو علي حد الشرك بالله كما في مقبولة عمر بن حنظلة يكون بهيمة علي صورة الانسان الاتري الله سبحانه يقول لهم قلوب لايفقهون بها و لهم اعين لايبصرون بها و لهم آذان لايسمعون بها اولئك كالانعام بل هم اضل اولئك هم الغافلون و هذه النفس موجودة في كل شخص الا ان الاشخاص يختلفون في ظهورها و خفائها فمن كانت مخفية فيه فحكمه حكم البهائم [ص 6] و الا فنبات و قد ذكرهم الله سبحانه في كتابه العزيز و لما كان ظهور هذه النفس يجب ان يكون موجودا في الفقيه المجتهد و لايتمكن الا بها و المدعي لها كثير ذكر الامام اميرالمؤمنين عليه السلام علامات هذه النفس ليكون صاحبها متميزا عن غيره فقال عليه السلام في حديث كميل لها خمس قوي و خاصيتان اما القوي فهي علم و حلم و فكر و ذكر و نباهة و الخاصيتان النزاهة و الحكمة و قال مولانا الصادق عليه السلام لايصلح للفتيا الا من عرف مراد الله من كتابه بسره فلنقبض العنان فاذا تحققت هذه القوة و ظهرت معرفة العلوم المذكورة علي وجه التحقيق لا التقليد فهو المجتهد الذي لايصلح له اتباع غيره و تقليده و هو العالم الذي لايسئل غيره كما في مفهوم قوله و اسئلوا اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون و هنا شرايط لكمال الاجتهاد و ان كان يحصل لولاها و لكن مع وجودها يكون كاملا مستغنيا و هي امور : منها علم الهيئة لمعرفة الزوال و القبلة و تعيين خط نصف النهار و الطول و العرض للبلاد حتي يتمكن من معرفة انحراف قبلة كل بلد عن نقطة الجنوب و الشمال و منها علم الحساب لاستخراج المجهولات في الوصايا المبهمة و الغير المبهمة و مباحث الميراث و منها علم الهندسة لمعرفة الاوزان و الاشكال و تميز الحصص و معرفة الاحكام علي اختلاف الاشكال كما لو باع علي شكل حمار او شكل عروس مثلا و منها علم الطب ليعلم المرض المبيح للافطار و لايوكل الناس الي الاطباء الغير الموثوق بهم و منها انه يعرف العلوم الثلثة المعاني و البيان و البديع ليكون كاملا في اطوار [ص 7] الفصاحة و البلاغة حتي يحصل و يفتح له باب في تميز كلام المعصوم عن كلام غيره لا بالسند فيتسع بذلك في استنباط الاحكام الشرعية و في معرفة علم الحروف بفتح باب واسع في التكافؤ و التراجيح و التعادل و يجعل الشخص علي كمال البصيرة التامة و المعرفة و هو له مدخلية تامة في كمال الاجتهاد و في العلم الطبيعي له دخل تام في الكمال في المعرفة الاستحالات و الانقلابات و ان الدخان قد استحال ام لا و كذا الخزف و الفحم و المتقاطر من الجسم و نسبته الي ذلك الجسم و امثال ذلك و كذلك في العلم الالهي بالمعني الاعم ليعرف الروح و العقل و الحقيقة و نسبتها الي الجسم و الجسد التعليميتين ليحقق ان الانسان ما هو هل هو الجسم و الروح معا ام الجسم وحده او شيء آخر غيرهما لتحقيق الخلاف الواقع بين الفقهاء في سقوط خيار المجلس اذا مات احد المتبايعين او كلاهما بعد ايقاع صيغة البيع في المجلس هل ثبت خيار المجلس ام لا و الاختلاف في ذلك كما قالوا منشأه ان الشخص ما هو فمن قال انه الروح او شيء آخر غير الروح و الجسم او المركب منهما يقول بسقوط الخيار و من قال انه الجسم يقول بعدم السقوط لعدم التفريق انما قلنا لتحقق الكمال يحتاج الي هذا العلم لان المتفاهم العرفي يكفي في هذه المقامات و كذلك في الحركة و ان الحادث في كل آن يحتاج الي المدد ليبين له حقيقة الاستصحاب و حكمه و بالجملة مكملات الاجتهاد كثيرة لو ذكرناها لضاقت الدفاتر و اني لي و بيانها في زمان ابتلي الناس بالانكار و عدم الاقرار لاهل الفضل و الحق بفضلهم و حقهم و الي الله [ص 8] المشتكي فاذا تحققت هذه الشرائط و امثالها فهو الكامل في الاجتهاد و لكنه لايصلح للقضاء بل للقضاء لا بد من شرايط اخر مع ما ذكرنا فالقاضي لا بد ان يكون بالغا عاقلا مؤمنا كاملا عادلا ذاكرا حرا طاهر المولد و ينبغي ان يكون القاضي الحاكم الشرعي قويا من غير عنف لينا من غير ضعف لئلايطمع القوي في باطله و لايياس الضعيف من حقه و عدله حكيما بصيرا بمزايا الامور و دقايقها و متفرسا ينظر بنور الله ذا فطنة وقادة لايؤتي من غفلة ضابطا صحيح السمع قوي البصر و البصيرة عارفا بلغات اهل ولايته سديد العفة كثير الورع بعيدا عن الطمع صادق اللهجة ذا رأي سديد ليس بجبار و لا عسوف و لا بعباس و لا بطاش و لا غضوب و قد قال اميرالمؤمنين عليه السلام انه قال لاينبغي ان يكون القاضي قاضيا حتي يكون فيه خمس خصال عفيف حليم عالم بما كان قبله يستشير ذوي الالباب لايخاف في الله لومة لائم ، و اما علامة المجتهد للعامي فامور منها الشياع اي اخبار جماعة يحصل باخبارهم العلم العادي باجتهاد الشخص اما لكثرتهم بحيث يأبي العقل علي تواطئهم علي الكذب او لصفتهم حيث انهم من اهل العلم و الورع و التقوي و حسن الفطرة و الفطنة و الذكاوة و اصحاب التؤدة و الطمأنينة في الامور بحيث يعلم قطعا انهم لايقلدون دينهم شخصا ليس لقابل للفتوي و منها اخبار العدلين من اهل البصيرة و الخبر علي اجتهاده و لايلزم ان يكونا مجتهدين بل يكفي علمهما بمعاريض الكلام و صفات نائب الامام و تدربهما في العلم و الفقه و منها انتصابه للفتوي او اجتماع [ص 9] الناس عليه مع عدم صدور ما يظهر عليه علي عدم استيهاله مثل حبه للدنيا و حسده للعلماء و انكاره الحق مع العلم و القول بما لايفعل و امثالها مما يفعله اهل الدنيا المعمورين فيها فان ارتكاب هذه الامور يخرجه عن الاستيهال للتقليد و العمل بقوله منها انه يفتي بمحضر من العلماء المجتهدين او مجتهد واحد مسلم الاجتهاد و لايتعرض لفتواه ذلك المجتهد و لاينكر عليه مع عدم التقية و الخوف منه و هذه الجهات يعلم العامي المجتهد بها فلو لم‌يكن مع وجود احد هذه الامور مستأهلا للفتوي يجب علي الله تعالي ان يفضحه و يفسد امره و يبين فسقه و ذلك البيان بامارات و قرائن و دلائل تظهر للشخص يقطع بعدم استيهاله للتقليد و الفتوي و ان كان مقبولا عند عوام الناس اشباه البهائم همج رعاع اتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح لم‌يستضيئوا بنور العلم و لم‌يلجأوا الي ركن وثيق نسئل الله الثبات و العصمة من الخطاء .

قال سلمه الله تعالي : و ما يقول سيدنا في تفسير قوله تعالي ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله و رضوانا سيماهم في وجوههم من اثر السجود ذلك مثلهم في التورية و مثلهم في الانجيل كزرع اخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوي علي سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار الآية ، من هم و ما هذا الرمز .

اقول : لما اراد الله سبحانه ان يذكر الخواص من اولياء الله الذين خصهم الله بنفسه و قرن طاعتهم بطاعته و ينوه بمقامهم و مرتبتهم و يعظم امرهم و يتقن حكمهم و لما ان في الوجود ليس اشرف من محمد و آله [ص 10] صلوات الله عليهم و لا اخص منهم بالله و لا اكرمهم علي الله و لا اقربهم من الله ذكرهم الله سبحانه في سورة الفتح التي هي الاشارة الي ان الله سبحانه بهم فتح الوجود و بهم يختم و لما كان رسول الله صلي الله عليه و آله هو الاصل و الائمة عليهم السلام هم الفرع كما يشير اليه قوله عليه السلام في زيارة اميرالمؤمنين عليه السلام السلم علي الاصل القديم و الفرع الكريم ، و ان الخواص من شيعتهم فرع الفرع بحكم و من تبعني فانه مني و لما ان الكني و الالقاب تشتبه و تحتمل الغير لانه لايعين المسمي مطلقا ابتدء الله سبحانه في اختتام السورة باسمه الشريف فقال عز من قائل محمد رسول الله صلي الله عليه و آله ارسله الله سبحانه بالشريعة الكونية و الايجادية في القدم الي ساير الامم اقامه مقامه في ساير عالمه في الاداء اذ كان لاتدركه الابصار و لاتحيطه خواطر الافكار و الذين معه بالمعية الحقيقية بان يكونوا معه في صقع واحد و يجتمعوا معه في الحقيقة الجامعة و هم الائمة من آله اولهم اميرالمؤمنين عليه السلام و آخرهم خاتمهم قائمهم المستور عن عوالمهم و هؤلاء ارواحهم و انوارهم و طينتهم واحدة طابت و طهرت بعضها من بعض كما قال تعالي ذرية بعضها من بعض و من للتبعيض الدال علي الاجتماع في الحقيقة المشتركة ثم وصفهم الله بالولاية الحقيقية و انهم اليدان المبسوطتان يد اليمين للمؤمنين و يد الشمال للمخالفين و بدء بالشمال مراعاة للصعود و الترقي من الاسفل الي الاعلي فقال اشداء علي الكفار اي نقمته سبحانه علي الكفار الموصلون من عطاء [ص 11] الله الي اهل الضلال بالمدد الظلماني من احكام الحرمان يجعل صدرهم ضيقا حرجا كأنما يصعد الي السماء كذلك يجعل الله الرجس علي الذين لايؤمنون بالولاية باوليائه و اهل محبته و هم العذاب الواقع للكافر ليس له دافع من الله ذي المعارج و هم الاعزة علي الكافرين و هم قبضة الله بشماله و قال للنار و لاابالي ثم ذكر اليد اليمني فقال رحماء بينهم و ادخل معهم شيعتهم لانهم منهم كما في قوله عليه السلام اللهم ان شيعتنا منا خلقوا من فاضل طينتنا و عجنوا بماء ولايتنا يوصلون الي انفسهم و الي شيعتهم من المواد النورانية و العطاء الوجودي و الخير الحقيقي و العلم اللدني ثم اراد سبحانه ردع الاوهام الباطلة و الشبهات الفاسدة لاهل الضلال و التضليل ان الله سبحانه يرجح من غير مرجح و تخصيص من غير مخصص و بين انه سبحانه ماولاهم امر خلقه و ماجعل لهم الهيمنة العليا علي جميع بريته الا لما هم اهله و مايالوا هذه المرتبة الا العبودية و الطاعة و قال تراهم ركعا سجدا الركوع هو الخضوع مع ملاحظة انهم فانون مضمحلون في جنب نور العظمة و السجود هو الفناء المحض فالسجود اشارة الي ظهورهم في عالم الفؤاد و المحبة و كانوا بذلك احباء الله سبحانه و لما تمكنوا في هذا المقام كانوا هم الاحباء لا سواهم كما في الزيارة لا حبيب الا هو و اهله ، و الركوع اشارة الي الظهور في عالم الجبروت اي الظهور بالرسالة و الامامة و الامر و النهي و الحكم و اعطاء كل ذي حق حقه بحكم ما رميت اذ رميت و لكن الله رمي فهم عليهم السلام هم الذين خضعوا و فنوا في [ص 12] محبة الله سبحانه بما لايدانيهم انسان فلم‌يفعلوا مرجوحا و لم‌يتركوا راجحا و اليهم الاشارة في قوله تعالي و من عنده لايستكبرون عن عبادته و لايستحسرون يسبحون الليل و النهار لايفترون و عدم الفتور دليل علي انهم لايتركون الاولي و الارجح و قد خصهم الامام عليه السلام في الزيارة بانهم يقيمون الصلوة و يؤتون الزكوة و قد قال تعالي ان الصلوة تنهي عن الفحشاء و المنكر في كل عالم بحسبه و هو دليل العصمة و اختار في هذه الآية الشريفة اشرف مواضع الصلوة فان اعظم مقامات الصلوة اركانها و اعظم الاركان الركوع و السجود فعندهما الفناء المحض الذي هو العبودية المحضة الصرفة بجميع اقسامها و انواعها و مراتبها و صفاتها و احوالها و كينونتها ثم لما كانت العبادة المحضة لاتكون الا بنية و هي لاتكون منجية موصلة الي اعلي المقامات الا اذا كانت خالصة و لاتكون خالصة الا و يقصد معها القربة الي الذات البحت سبحانه و تعالي حيث امتنعت كان العمل للتقرب الي فضله و رحمته و محبته لا لجنته و ناره و نعمته و التعوذ من سخطه فان ذلك ينافي الاخلاص و القربة و العمل بتلك النية اذا كانت متمحضة لطمع الجنة و الخوف من النار اشار الله سبحانه الي صحة عملهم و عبادتهم عليهم السلام بصحة نياتهم رفعا للاعاذير و دفعا للاباطيل و ان عملهم هو الخالص لله سبحانه فقال عز من قائل يبتغون فضلا من الله و رضوانا يعني انهم في عبادتهم و ركوعهم و سجودهم و انقيادهم لايطلبون شيئا راجعا الي انفسهم و انياتهم بل مايبتغون و مايطلبون الا فضلا [ص 13] من الله لينظر اليهم سبحانه بنظر العناية و الرحمة و يدخلهم في بحر الرضوان و هي لجة الاحدية و طمطام الوحدانية لايطلبون سواه و لايريدون غيره هو سبحانه مطلوبهم و مقصودهم في جميع عباداتهم ثم ذكر سبحانه ان آثار السجود المعبر عنه بالفناء ظاهرة في ظواهرهم و بواطنهم فقال سبحانه و تعالي سيماهم في وجوههم من اثر السجود اي علامات الولاية و الرفعة و الهيمنة و الاستعلاء ظاهرة في وجوههم و رؤس مشيات افعالهم سلام الله عليهم المتعلقة باطوار الموجودات و سراير الكائنات من المبدء الي المنتهي و بها كتبت اسمائهم في كل شيء من العرش الاعظم الاعلي الي ما تحت الثري فان وجوه افعالهم و تصرفاتهم ظاهرة في الاشياء كلها و كل هذه الرفعة و الولاية و القدرة العامة التامة الظاهرة في وجوه افعالهم المتعلقة بالاكوان من انحاء التصرف ليس من جهة انهم هم المستقلون او هم الشركاء مع الله في هذه التصرفات او الامور قد فوضت اليهم حاشا و كلا هم العبيد الذين لايملكون لانفسهم نفعا و لا ضرا و لا موتا و لا حيوة و لا نشورا بل انما هذه الولاية و الهيمنة من اثر السجود الفناء و الخضوع و الخشوع لله سبحانه فلما خضعوا لله سبحانه احبهم الله سبحانه و اكرمهم و اعطاهم و ملكهم و اقدرهم هو المالك لما ملكهم و القادر علي ما اقدرهم عليه و لو شاء لاخذ منهم ما اعطاهم كما قال تعالي و لو شئنا لنذهبن بالذي اوحينا اليك لكن لو للامتناع و حاشا الله او يرجع في عطائه او يعطي من لايستحق و هو سبحانه لايختار من يلحقه التغيير و البحث هنا [ص 14] طويل و اللسان لبيانه كليل و لما اختارهم الله سبحانه بما اختارهم من كثرة الركوع و السجود و ان في سيماهم من اثر السجود عرفهم سبحانه كل شيء و ذكر مثلهم في اطوار الكائنات ليعرفوهم و يتوجهوا الي الله سبحانه بهم و يجعلونهم الشفعاء و الادلاء علي الله عز و جل و لما كانت الموجودات بجملتها يجمعها مقامان مقام الاجمال و مقام التفصيل و الوصف يكون في كل مقام علي حسبه و لما كان الوصف التفصيلي هو الذي ذكره من ظهور الولاية المطلقة بوجوهها في اطوار الموجودات علي التفصيل المتعلق كل وجه بمتعلقه الخاص به المتحقق به الاسماء التي ملأت اركان كل شيء ناسب ذكر هذه الصفة في اللوح المحفوظ الذي هو الفرقان و اليه الاشارة بقوله تعالي ذلك مثلهم في التورية اي ذلك الذي ذكرنا الي قوله من اثر السجود صفتهم و مثلهم سلام الله عليهم في التورية و هي الكتاب المنزل علي موسي عليه السلام و يشار بها الي اللوح المحفوظ الذي فيه ذكر الاشياء مفصلا و التورية وصفها الله سبحانه بالفرقان و ان فيها تفصيل كل شيء و الكل علي العموم ليس الا اللوح المحفوظ ضرورة ان التورية المعروفة ليس فيها ما في القرآن و الا لساوته و هو في البطلان بمكان و قد قال تعالي اصدق القائلين و كتبنا له في الالواح من كل شيء موعظة و تفصيلا لكل شيء فخذها بقوة و أمر قومك يأخذوا باحسنها ساريكم دار الفاسقين و المخاطب من كتبت له في الالواح الكونية الوجودية و العينية تفصيل الاشياء كلها و هو موسي الاول في التورية الاولي فافهم و الا فاسلم تسلم ثم ذكر سبحانه صفتهم في [ص 15] المقام الاجمالي الظاهر في الفروع المفصلة كما هو مقتضي مقام الروح الاعلي في عالم الرقايق فانه مقام الوحدة المنزلة الي الكثرات و لما كان الانجيل كتاب الله المنزل علي روح الله ناسب ان يذكر مثلهم و صفتهم عليهم السلام في المقام الاجمالي الظاهر في المقام التفصيلي فقال عز من قائل و مثلهم في الانجيل كزرع اخرج شطأه و هذا مثلهم و مثالهم سلام الله عليهم في مقام التفريع الزرع هو الشجرة الالهية التي هي رسول الله صلي الله عليه و آله اخرج شطأه يعني فراخه المتولد منه المنشعب عنه و هي الشجرة الصغيرة التي تنبت من اصل الكبيرة و هي علي سنخها و جنسها و الفراخ المتولدة منه هو اميرالمؤمنين عليه السلام و اولاده الاحدعشر الطيبون المخلوقون من طينته و المتفرعون عن حقيقته صلي الله عليه و آله فآزره فقواه من الموازرة بمعني المعاونة بالامداد الالهية النازلة من حقيقته الي حقايقهم عليهم السلام في مقام الوجود الكوني او الظهور العيني لانهم المستمدون منه المتقوون به و لذا رفعه علي كتفه صلي الله عليهما لبيان انه به ارتفع و استعلي و تمكن بما تمكن من اعلاء كلمة الحق في التكوين و التشريع فاستغلظ فصار من الدقة الي الغلظ باجتماعهم المراتب الوجودية من العقل الي الجسم لان مقام الدقة و رقة الحجاب مقام العقل و مقام الغلظة و تمام الشيء و معني استغلظ انه تم في جميع المراتب الي مرتبة المثال و الجسم فاستوي علي سوقه اي استقام علي قصبه و السوق جمع ساق و هذه الاستقامة انما تكون بعد تمام تكوينهم و ظهور العوالم [ص 16] العشرة و الاثني‌عشر و العشرين المراد بالعشرة هي القبضات في اصل تكوين الشيء من القلب و الصدر و العقل و العلم و الوهم و الخيال و الفكر و المادة و الصورة و الجسم و المراد بالاثني‌عشر الحواس الظاهرة و الباطنة و النفس و الروح و المراد بالعشرين تمام الحواس في عالم الاجمال و التفصيل او في عالم الواقعي و النفس الامري و هذا كما فعل رسول الله صلي الله عليه و آله في تمام السباحة في البحر الاثني‌عشر ثم في الابحر العشرين ثم تقاطر منه ما تقاطر من حقايق الانبياء و كتمام دورته صلي الله عليه و آله حول جلال القدرة ثمانين‌الف سنة الي ان خلق نور اميرالمؤمنين عليه السلام بعد ثمانين‌الف سنة و ذلك كله لتمام فاستغلط فاستوي علي سوقه و لما كمل تلك الفروع المعبر عنها بالشطأ و تمت مشروحة العلل مبينة الاسباب دلت علي كمال صنع الصانع و قدرة القادر و وحدته و جلاله و جماله و كبريائه و عظمته و قيوميته تمت الولاية الظاهرة في خصوصيات تلك الجهات في الظهور فيعجب الزراع اي الحامل لتلك الولاية المفصلة المقرنة بالمتعلقات الخاصة فقال معجبا عن كمال القدرة و ظهور العظمة تبارك الله احسن الخالقين فانزل الله سبحانه افرأيتم ما تحرثون ءانتم تزرعونه ام نحن الزارعون و ذلك بحرث ارض الامكان و غرس الشجرة الكلية الزيتونة التي ليست شرقية و لا غربية يكاد زيتها يضيء و لو لم‌تمسسه نار فالغارس هو الزارع من قوله تعالي ءانتم تزرعونه ام نحن الزارعون و قوله تعالي و مارميت اذ رميت و لكن الله رمي و اما الزراع فقد روي محمد بن [ص 17] العباس عن محمد بن احمد عن عيسي بن اسحق عن الحسن بن الحرث بن طالب عن ابيه عن داود بن ابي‌هند عن سعيد بن جبير عن ابن‌عباس في قوله عز و جل كزرع اخرج شطأه فآزره اصل الزرع عبدالمطلب و شطأه محمد صلي الله عليه و آله و يعجب الزراع قال علي بن ابيطالب عليه السلام ه‍ ، و بالمعني الذي يكون الزرع عبدالمطلب و الشطأ محمد صلي الله عليه و آله و الزراع اميرالمؤمنين عليه السلام يكون الزراع في هذا المقام هو اميرالمؤمنين عليه السلام حرفا بحرف و لست ادري ما يقولون في معني هذا الحديث الشريف و يؤيده ما روي عن مولانا العسكري فيما وجد بخطه و روح القدس في جنان الصاقورة ذاق من حدائقنا الباكورة ، و روح القدس اذا كان هو العقل الكلي و الحديقة لايكون الا بارض و ماء و بذر و حب و زارع و قد قال عليه السلام حديقتنا دل علي انهم هم الزارعون و العقل الاول قد اكل اول ثمرة بستانهم الذي غرسوه و انشأوا شجرها و لكن بحكم ءانتم تزرعونه ام نحن الزارعون ثم ان الله سبحانه لما علم ان المنكرين لفضل آل‌محمد صلوات الله عليهم يحسدونه و الحاسد يشتد حسده و غيظه اذا رأي كمالا و سمع مقالا في مدح المحسود و قد قال الباقر عليه السلام نحن الناس المحسودون في تأويل قوله تعالي اراد الله سبحانه يشتد غيظ المخالفين و حنق الكافرين المعاندين المنكرين لاسرار آل‌محمد الطيبين سلام الله عليهم اجمعين فذكر مثلهم في التورية و مثلهم في الانجيل بهم الكفار المعاندين و الاشرار المنافقين ثم لما علم الله سبحانه [ص 18] ان جماعة من المنافقين يستدلون بظاهر سوق الآية الشريفة تمويها علي المستضعفين و تلبيسا علي الضعفاء من التابعين ان الذين كانوا مع رسول الله صلي الله عليه و آله كلهم اخيار ابرار كما ذكرهم الله سبحانه فلايجوز القدح فيهم و تخطئة آرائهم و فساد اساسهم اراد الله سبحانه دحض حجتهم و دفع باطلهم بتمام الآية الشريفة عز من قائل وعد الله الذين آمنوا منهم و عملوا الصالحات مغفرة و اجرا عظيما فبين ان ما كل من معه صلوات الله عليه بظاهر الاقرار بالكون الجسماني اهل الصدق و الصفا و مستحقي الرحمة من الله سبحانه بل فيهم منافقون و اناس ملحدون و ان كانوا بظاهرهم مسلمين كما اخبر عنهم القرآن بصريح البيان بقوله تعالي اذا جاءك المنافقون الآية ، و يحلفون بالله انهم لمنكم و ما هم منكم و لكنهم قوم يفرقون فلايتمسك مستمسك بان الذي ذكرنا مرادنا الكون معه بظاهر اللسان حتي يرتب عليه ما رتبوه من مزخرف الكلام بل المرضيون الموعودون بالمغفرة هم المؤمنون بالجنان و اللسان و العالمون للصالحات التي هي طاعة آل‌محمد السادات عليهم السلام من رب البريات و هؤلاء بعض من كان معه في الظاهر بدليل منهم الدال للتبعيض و هم في الحقيقة الذين معه و المنافقون ليسوا معه فافهم لحن المقال و قد روي من طريق العامة نقله اخطب خوارزم في مناقبه يرفعه الي ابن‌عباس قال سئل قوم النبي (ص) فيمن نزلت هذه الآية قال اذا كان يوم القيمة عقد لواء من نور انور و نادي مناد ليقم سيد المؤمنين و معه الذين آمنوا [ص 19] و قد بعث الله محمدا صلي الله عليه و آله فيقوم علي بن ابيطالب فيعطي الله من النور الابيض بيده تحته جميع السابقين الاولين من المهاجرين و الانصار لايخالطهم غيرهم حتي يجلس علي منبر من نور رب العزة و يعرض الجميع عليه رجلا رجلا فيعطي اجره و نوره فاذا اتي علي آخرهم قيل لهم قد عرفتم موضعكم و منازلكم من الجنة ان ربكم يقول لكم عندي مغفرة و اجر عظيم يعني الجنة فيقوم علي بن ابيطالب و القوم تحت لوائه معهم حتي يدخل الجنة ثم يرجع الي منبره و لايزال يعرض عليه جميع المؤمنين فيأخذ نصيبه منهم الي الجنة و يترك اقواما علي النار ه‍ ، و من طريقهم ايضا ابن‌مردويه الحافظ و اخطب خوارزم في قوله تعالي تراهم ركعا سجدا انها نزلت في علي بن ابيطالب و قوله تعالي فاستوي علي سوقه نقل ابن‌مردويه عن الحسن بن علي عليهما السلام قال استوي الاسلام بسيف علي عليه السلام و قولكم من هم فقد عرفناك انه آل‌محمد صلي الله عليه و عليهم و التابعون لهم باحسان بالتبعية و الحقيقة بعد الحقيقة و قولكم و ما هذا الرمز فقد ذكرناه باكمل وجه و اتمه و ان اردت الرمز و المثال الصوري و الظاهري فقد قال بعض المفسرين هو مثل ضربه الله للصحابة قلوا في بدو الاسلام ثم كثروا و استحكموا فترقي امرهم بحيث اعجب الناس و ذلك بدخول الناس في دين الله افواجا و قايس ما ذكره بما ذكرنا تري التفاوت و العلم الالهي .

قال سلمه الله تعالي : و ما معني قوله تعالي الم غلبت الروم في ادني [ص 20] الارض و هم من بعد غلبهم سيغلبون الآية ، ما معناه من طريق التفسير و التأويل و ما معني الروم اهل البيت عليهم السلام كما في بعض التفاسير .

اقول : اما تفسير الظاهر فاعلم ان الروم اسم لابن عيص بن اسحاق بن ابرهيم عليه السلام و كان ابرهيم الخليل له ابنان احدهما اسمعيل من هاجر ام ولد و ثانيهما اسحق و هو من سارة و ماولد من اسمعيل من الانبياء الا نبينا صلي الله عليه و آله و اهل بيته عليهم السلام هم الاوصياء و اما اسحق فقد ولد ابنان احدهما عيص و الآخر يعقوب و هو انما سمي يعقوب لانه كان عقيب عيص و يسمي يعقوب اسرائيل لانه اسر ائيل و هو ابليس من الابالسة كان يطفي بالليل سرج بيت‌المقدس فرصد له يعقوب ليلة فلزمه و ربطه في اسطوانة من اسطوانات المسجد فقالوا ان يعقوب اسر ائيل ثم غلب عليه الاستعمال فقالوا اسرائيل هكذا سمعت من شيخنا العلامة اعلي الله مقامه و قد يطلق اييل علي الله فاسرائيل في اللغة السريانية بمعني عبدالله و كيف كان فبنواسرائيل من الانبياء و غيرهم من اولاد يعقوب و اما عيص فقد ولد له ولد اسمه الروم و الافرنج كلهم من نسله و يقال لهم بنوالاصفر لان لون الروم كان اصفر و هؤلاء كلهم نصاري و ملكهم قيصر فلما كتب رسول الله صلي الله عليه و آله الي القيصر ملك الروم و دعاه الي الاسلام عظم الكتاب و اعز الرسول و احسن في الجواب و قيل انه آمن خفية و قد كتب صلي الله عليه و آله الي ملك عجم كسري المسمي بخسروپرويز اهان الكتاب و مزقه و رماه و اهان الرسول و اساء في الجواب و من هذه الحمية كان [ص 21] المسلمون يحبون النصاري لفعل ملكهم و هو قوله تعالي و لتجدن اقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا انا نصاري الآية ، و كانوا اي المسلمون يكرهون العجم و الفرس لفعل ملكهم و كفار قريش كانوا يحبون العجم لمشاركتهم في العداوة مع رسول الله صلي الله عليه و آله و اظهار عداوتهم بالنسبة اليه و روحي له الفداء و لانهم ليسوا من اهل الكتاب ظاهرا بين الناس و ان كان لهم كتاب قد انزل الله اليهم اسمه جاماسب كان مكتوبا علي اثني‌عشرالف جلد ثور و بعث الله اليهم بذلك الكتاب نبيا اسمه زرداست فقتلوا نبيهم و حرقوا كتابهم و بقوا ليس لهم كتاب يعرف و هم المجوس فمن جهة مشاركة قريش لهم في عدم الكتاب كانوا يحبونهم فلما غلب فارس علي الروم فرح المشركون فان الفرس الذين ليس لهم كتاب فنحن ايضا نغلب عليكم و حزن لذلك و لما ذكرنا المسلمون و اما كيفية غلبة فارس فنذكر قصتها و ان كان يطول الكلام الا انها لاتخلوا من فائدة ذكر المفسرون و المورخون ان امرأة كانت لها اولاد معروفون بالشجاعة و السخاوة و القدرة فبعث اليها كسري و قال لها اني عازم علي حرب قيصر ملك الروم و اريد ان اجعل احد اولادك رئيسا علي العسكر انظر و قولي ايكم اليق لهذا الامر قالت احد اولادي اسمه فرحان هو اشجع من الاسد و احيل من الثعلب يمضي عزمه و لايفكر عاقبته و لي ايضا ولد آخر اسمه شهريران اشجع من الليث و احلم و اوقر من الجبل قال كسري فاني اختار الاحلم و الاوقر فبعث الي شهريران و جعله رئيسا علي العسكر و عقد له راية عظيمة و بعثه الي الروم فمضي شهريران و ظفر علي قيصر و خرب اكثر بلاد الروم و كان هذا الحرب في اذرعات و بصري و هي ادني و اقرب الاراضي الي الشام [ص 22] و قد غلب علي الروم في السنة التاسعة من البعثة و بلغ الخبر الي مكة ففرح المشركون من قريش و تفألوا بذلك غلبتهم علي المسلمين و حزن المسلمون لشماتة الكفار و لما ذكرنا سابقا من رعايتهم للنصاري و لما كان في اول الاسلام و قبل قوته انزل الله سبحانه قرآنا لتسليهم و قد قال عز من قائل الم غلبت الروم في ادني الارض و هي اذرعات و بصري او فلسطين و كسكر و غيرها علي اختلافهم في التفاسير ثم قال سبحانه تسلية و استجلابا و جبرا لخواطرهم و هم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين و هو بين الثلثة و التسعة روي عبدالله بن عقبة ان ابابكر باحت بعض المشركين علي شيء في القمار قبل ان يحرم و جعل الموعد الي سبع سنين و لم‌تغلب الروم علي فارس تسع سنين فقال له رسول الله صلي الله عليه و آله لم‌تغلب ذلك و كلما دون العشر بضع فكان ظهور الروم علي فارس في سنة الحديبية و سبب غلبة الروم علي فارس هو ان شهريران ذكر يوما لاخيه فرحان انه رأي في المنام انه قاعد علي كرسي و ذلك بعد فتح بلاد الروم و مغلوبية قيصر فسمع كسري ذلك و كتب الي شهريران انه لمجرد كتابي اهجم الي اخيك فرحان و اضرب عنقه فكتب شهريران الي كسري في الجواب ان اخي رجل شجاع و لنا اعادي كثيرة و قتله ليس مصلحة للملك و نحن لا بد لنا من شجاع قوي و لانلقي احسن من اخي و كتب كسري مرة اخري اليه انه لا بد من قتله فكتب اليه الجواب الاول الي ان كتب له ثلث مرات و كل مرة يكتب له الجواب المذكور و لم‌يجسر لقتل اخيه شفقة و محبة له فغضب كسري [ص 23] و عزل شهريران عن الرياسة و نصب اخاه فرحان و اراد منه ان يبعث اليه راسه فامر اخوه و قبض علي شهريران و امر بضرب عنقه فلما رأي انه هم بقتله و انه يقتله لا محالة قال له يا اخي امهلني حتي اتكلم بكلمات ثم انت و شأنك فامهله و قال له يا اخي ان الامر الذي انت مأمور به الآن كنت مأمورا به سابقا و قد كتب الي ثلث خطوط و في كل مرة يأمرني ان اضرب عنقك و ابعث براسك اليه و انا اكتب له في الجواب كيت و كيت و لم‌اقتلك و انت تبادر الي قتلي بخط واحد فهل هذا هو الانصاف و الجزاء فلما سمع فرحان ذلك نزل من السرير و عزل نفسه و اقعد اخاه و ارجع اليه الرياسة و الحكومة و تكدر خواطرهما علي كسري و كتبا الي قيصر كتابا يواعدانه بالغلبة و الظفر فاحبا مواجهته و اجابهما علي ذلك فاجتمعا علي محل واحد مع قيصر و ذكر انهما نقضا عهد كسري لما ان بدي منه نقض العهد و بعث قيصر معهما عسكرا عظيما و مضي شهريران الي ارض فارس و كل بلدة يصل اليها يخربها و في رواية يحرقها الي ان غلب علي كسري و انهزم الي ناحية من نواحي فارس و استولي قيصر علي اكثر ممالك العجم و هذا الخبر انما وصل الي المسلمين في عام الحديبية ففرح المسلمون و حزن المشركون و لم‌يزل الضعف في اهل فارس الي خلافة الثاني فاستأصل ملكه و اباد امره و انقطعت دولته فصدق الله و رسوله بالاخبار بالغيب و بالذي يقع هذا ما يتعلق بظاهر التفسير و اما التأويل فالكلام فيه طويل الا انا نذكر في هذا المقام ما ورد عن اهل البيت عليهم السلام [ص 24] في كتاب تأويل الآيات الباهرة في العترة الطاهرة عن محمد بن العباس بسنده عن اميرالمؤمنين عليه السلام في قوله عز و جل الم غلبت الروم في ادني الارض هي فينا و في بني‌امية و عن ابن‌مسكان عن ابي‌بصير عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال سئلته عن تفسير الم غلبت الروم قال عليه السلام هم بنوامية و انما انزلها الله عز و جل الم غلبت الروم في ادني الارض و هم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الامر من قبل و من بعد و يومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله عند قيام القائم عليه السلام ه‍ ، و المراد بالنزول هكذا يعني بفتح الغين في الماضي و بضمها في المستقبل و امية كان اصله من الروم و انما تبناه عبدشمس من عبدمناف فاشتهر انه ابنه و انتسب اليه و ليس كذلك و يدل علي ما ذكرنا ما في كتاب الاستغاثة لابن‌ميثم قال روينا من طريق علماء اهل البيت عليهم السلام في اسرارهم و علومهم التي خرجت منهم الي علماء شيعتهم ان قوما ينسبون من قريش و ليسوا من قريش بحقيقة النسب و هذا مما لايعرفه الا معدن النبوة و ورثة علم الرسالة و ذلك مثل بني‌امية ذكروا انهم ليسوا من قريش و ان اصلهم من الروم و فيهم تأويل هذه الآية الم غلبت الروم و هم من بعد غلبهم سيغلبون معناه انهم غلبوا علي الملك و سيغلبهم علي ذلك بنوالعباس و يغلب الكل مولينا القائم عجل الله فرجه و دولة بني‌امية و بني‌العباس واحدة في كونها مخالفة للحق و هذا ظاهر معلوم و اما ما ذكر جنابك من دو الرواية ان الروم هم اهل البيت عليهم السلام فلم‌اعثر عليها بعد ما [ص 25] تفحصت بعض مظانها و الله العالم بحقيقة الحال و لو فرض ورود رواية بذلك فالمراد بالروم هم اهل البيت عليهم السلام لكونهم عليهم السلام من ذرية ابرهيم الخليل عليه السلام و قد قال تعالي خطابا لهم (ع) ملة ابيكم ابرهيم هو سميكم المسلمين من قبل و في هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم و تكونوا شهداء علي الناس و تنزيل هذه الآية فيهم عليهم السلام فيصح اطلاق الروم عليهم بهذا المعني و التقريب او ان الروم في تفسير ظاهر الظاهر بمعني القصد و المقصد و المقصود في كل خير و نور و ظهور ان ذكر الخير كنتم اوله و اصله و فرعه و معدنه و مأواه و منتهاه من اراد الله بدء بكم و من وحده قبل عنكم و من قصده توجه بكم فعلي هذا سلام الله عليهم غلبوا علي حقهم ظاهرا و الا فدولتهم مازالت و سلطنتهم ماارتفعت و لو بدعوي مدعي باطل تزول السلطنة و ترتفع الكبرياء و العظمة لزالت سلطنة الله و كبريائه بادعاء فرعون انه الله تعالي الله عما يقولون علوا كبيرا و لذا قال مولينا الصادق عليه السلام في جواب مفضل لما قال ان جماعة يزعمون ان المراد بالرجعة رجوع دولتكم بظهور المهدي عجل الله فرجه قال عليه السلام ويحهم متي اخذت الدولة منا حتي ترجع الينا نقلت معني الحديث و هذا لا شك فيه فالمراد بالمغلوبية هو ما ظهر للناس من خفاء امرهم عليهم السلام نعم ربما يرد الاشكال علي هذا التفسير و ما قبله ان الغلبة ماكانت في بضع سنين قطعا و الجواب في قوله تعالي لله الامر من قبل و من بعد اي يمحو الله ما يشاء و يثبت و عنده ام الكتاب [ص 26] و قد ورد هذا المعني في عدة روايات يطول بذكرها الكلام و فيما ذكرنا كفاية .