قال سلمه الله تعالي : و ما يقول سيدنا في قول مولينا الرضا عليه السلام لعمران الصابي ان المبدء الواحد الكائن الاول لم‌يزل واحدا لا شيء معه فرد لا ثاني معه لا معلوما و لا مجهولا و لا محكما و لا متشابها و لا مذكورا و لا منسيا و لا شيئا يقع عليه اسم شيء من الاشياء و لا من وقت كان و لا الي وقت يكون و لا بشيء قام و لا الي شيء استند و لا في شيء استكن و ذلك كله قبل الخلق اذ لا شيء غيره .

اقول : لما كانت مسئلة التوحيد و ابداع الخلق و الربط بين الحادث و القديم من امهات المسائل و مهماتها اذ عليها يبتني جميع قواعد الدين و فيها وقع الاشتباه العظيم و الاختلاف الشديد بين المسلمين و مااكتفي عمران بالاشارة في الجواب و الفهم بلحن الخطاب كما فعل عليه السلام غير مرة اراد (ع) بسط المقال في هذا الاحوال و توضح الكلام في الجواب فقال عليه السلام ان الكائن الاول لم‌يزل واحدا لا شيء معه في رتبة ذاته و الاشياء كلها اي الممكنات و الامكانات باسرها في مرتبة ذاته تعالي معدومة ممتنعة لا ذكر لها فيها اصلا فكان فردا لا ثاني معه في الصفات و لا في الذات فهو الاول الذي ليس له ثاني فهو دائما اول كما في الصحيفة السجادية كذلك انت الله الاول في اوليتك و علي ذلك انت دائم لاتزول فاذا كان كذلك فآخريته هي اوليته و بالعكس لا بالاضافة الي شيء من الاشياء و صفة من الصفات و قران من القرانات فاذن لا ثاني له [ص 27] مطلقا لا معلوما مدركا للمشاعر بجهة من الجهات و اعتبار من الاعتبارات و لا مجهولا اي شيئا ثابتا لاتدركه المشاعر و لاتحويه الضماير او المفرد من عدم الغيرية لاستدعاء الازلية و ذاتية الوجود اياه و لا محكما اي امرا لا شبهة فيه و المتقن الموجود علي كمال الاعتدال و الاستقامة الجاري علي محض الحكمة من وضع كل شيء في موضعه و لا متشابها بخلاف ما ذكرنا الجاري علي خلاف الاعتدال بحقيقة ما هو اهله بالنسبة الي الاول و الا فالمتشابه ايضا من المحكم و لذا نقول اعوجاج الجيم من الاستقامة و الله سبحانه جعل هذا الاختلاف و عدم الاعتدال من الاستقامة و احكام الصنع كما في قوله تعالي و من يرد الله ان يهديه يشرح صدره للاسلام و من يرد ان يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس علي الذين لايؤمنون و هذا صراط ربك مستقيما فاذن لا متشابه اصلا كما قال عز و جل صنع الله الذي اتقن كل شيء فالمتشابه من القبضة المأخوذة بالشمال و المحكم من القبضة المأخوذة باليمين و ان كان كلا يديه يمين فاذن لا ذكر للاشياء في الذات فلا محكم هناك و لا متشابه و لا مذكورا بالامكان او الكون في رتبة العقول و الارواح و النفوس و الطبايع و المواد و الامثال و الاشباح و الاجسام و الاجساد و الاعراض و الصور و الهيئات و المقادير و هكذا متسافلا و كذلك متصاعدا الي مقامات الفؤاد و نقطة الكلمة و الفها و حروفها و كلمتها نفسها و دلالتها و قرانات حروفها بعضها ببعض و وقوع الدلالة علي قلب المخاطب و الاطوار الحاصلة من تلك [ص 28] المقارنات و الالزامات و ظهورات الاسماء و حقيقتها و مواقعها و محالها و هكذا ساير المراتب او كلما هو مذكور في هذه المراتب و المقامات ممتنعة في رتبة الذات فلا مذكور سواه الا و هو مخلوق فلايكون معه و لايكون هو سبحانه موصوفا به و لا منسيا اي متروكا معرضا عنه كما في قوله تعالي نسوا الله فنسيهم او منسيا غير مذكور بالاضافة اذ كثيرا من الاشياء يكون مذكورا في مقام و عالم و منسيا في عالم آخر مثل ما يوجد ذكره الامكاني و لم‌يكن في الكون مثل سعادة الاشقياء و شقاوة الانبياء و محو و غيرها و قد يكون اشياء مذكورة في عالم العقول و لم‌يتشخص و لم‌يتصور في عالم النفوس فهي هناك منسية و هكذا نفس المراتب و المقامات و اما المنسي بحيث لا ذكر له في رتبة من المراتب حتي في الامكان فلا وجود له اصلا بوجه من الوجوه لان متعلق الجعل لايكون عدما بحتا و الحادث بنفسه لايتكون و لو فرض التكون فهو مذكور في محل التكون و القديم لايكون وجوده الا ذاتيا متأصلا مذكورا عنده فلايكون منسيا و لا شيئا يقع عليه اسم شيء من الاشياء غيره فلما فصل بعض الاشياء و امثال ما ذكر لايتناهي اراد ذكر ما يعم القول و يحمله و لايشذ منه شيء فقال انه سبحانه ليس شيئا يقع عليه اسم شيء من ساير الاشياء غيره و كلما وقع عليه اسم فهو حادث لان الاسم يقتضي الارتباط بينه و بين المسمي و كلما فيه ارتباط و اقتران حادث فبقي القديم هو الذي لا اسم له و لا رسم مع ان الاشياء كلها اسماء له فكل شيء غيره مما يقع عليه اسم شيء من [ص 29] الاشياء الموجودة الممكنة او المكونة فهو خلقه و الخلق الحادث لايصح ان يكون مقترنا بالقديم الازلي و لا ان يكون موجودا معه فانما بين (ع) تنزيهه سبحانه عن مطلق الاقتران و كون شيء معه في الازل و هذا التنزيه هو الاصل و الاس و الاساس في التوحيد لكن بشرط ان يكون بلا اشارة اما اذا كان مع الاشارة فليس تنزيه و انما هو تحديد و لاجل عدم الفرق بين المقامين اشتبه الامر علي جماعة من الفحول فقالوا بالجمع بين التشبيه و التنزيه فرارا عن التحديد و التجسيم فوقعوا فيهما و ضلوا و اضلوا كثيرا و ضلوا عن سواء السبيل و لما ذكر عليه السلام حكم التنزيه اراد ان يبين تذوته سبحانه و استقلاله و انه باين عن صفات المخلوقين متأصل متقوم بمحض ذاته لا بشيء سواها فقال عليه السلام و لا من وقت كان و لا الي وقت يكون اي يكون له اول و آخر قد تحدد الوقت و الزمان كالممكنات اذ لا بقاء لها الا بالوقت و هو من اجزاء العلة الصورية و الشيء لايقوم الا بمادة و صورة و لا بشيء قام من القيامات الاربعة القيام الصدوري كقيام المعلول بالعلة و الاثر بالمؤثر و الكلام بالمتكلم و الشعاع بالمنير و القيام الركني العضدي كقيام الصورة بالمادة و قيام الشيء بالمادة و الصورة و القيام الظهوري كقيام المادة بالصورة و ظهور الشمس بالارض و الجدار و القيام العروضي كقيام الاعراض بالجواهر كالالوان و الهيئات بالاجسام و قد بسطنا القول في هذه القيامات في تفسيرنا علي آية الكرسي و كتابنا اللوامع الحسينية فان فيهما في هذا البحث اسرار عجيبة غريبة لاتتحملها العقول و الافهام الا بعناية خاصة من الملك [ص 30] العلام و لا الي شيء يقوم اي يكون تقومه و تحققه منتهية الي شيء من الاشياء كالذوات السيالة المتجددة التي اذا انتهت الي غاية كمالها استقلت اي حفظت الصورة النوعية في عين اضمحلالها ككون الانسان ترابا ثم دخانا ثم سحابا ثم مطرا ثم كيلوسا ثم كيموسا ثم دما ثم نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما ثم اكتساه لحما ثم انشأه خلقا آخر فلما انتهت فطرته و خلقته الي هذه الصورة و الهيكل استقلت و قامت بالروح فلايزال كذلك لاتفقد هذه الصورة و الهيئة و الروح ان كان من اهل الايمان المستقر و لا كذلك ربنا عز و جل لاتعتريه الاحوال و لاتتغير بانتقال و لا زوال و لا الي شيء استند كيف و هو سبحانه سند من لا سند له و ذخر من لا ذخر له و استناده تعالي بذاته لا بشيء سواه و الا لم‌يكن وجوده عين ذاته لذاته بذاته هف و استناد الاشياء كلها بفعله تعالي اذ لا اقران لها بذاته جل و علا لانها هناك معدومة و العدم البحت لايقترن بالوجود الصرف و لا في شيء استكن و حل و استجن و لما كانت هذه الامور التي نفاها (ع) عنه تعالي بعضها مما يثبت له تعالي بضرورة الاسلام و الايمان بل بضرورة العقل مثل كونه تعالي معلوما و مجهولا و مذكورا و خالقا و فاعلا و هما يستلزمان الاتصاف و الاستناد و ذلك ينافي ما نفاه الامام عليه السلام كليا بقول مطلق اراد عليه السلام ان يذهب هذه الواهمة و يبطل هذا الايراد و يوضح هذا الاشكال بقوله عليه السلام و ذلك كله قبل الخلق اذ لا شيء غيره اي ما ذكرنا من الامور المنفية من كونه تعالي ليس بمعلوم و لا مجهول و لا مذكور و لا منسي [ص 31] و لا محكم و لا متشابه و غيرها كل ذلك انما هي قبل الخلق اذ لا شيء غيره حتي يكون باعتبار ذلك الغير معلوما و مجهولا و مذكورا و منسيا و يجعل له اسما يدعوه بها هو هو و لا شيء سواه فاذا كان كذلك تنفي عنه جميع الصفات و الاسماء التي نسبها النسبة و ارتباط و اقتران و اما وصفه تعالي بتلك الاوصاف و اثبات بعض الامور فانما هو بعد الخلق و نسبته اليه تعالي فيكون سبحانه معلوما عندهم بالآثار مجهولا بالذات مذكورا عندهم يذكرونه تعالي عند الطلبات و دواعي القابليات فحصول هذه الاشياء انما هو عند الخلق و مع الخلق اما قبل الخلق فلا اسم و لا ذكر و لا مذكور و لما كان في هذا الكلام توهم تغييره تعالي بخلقه و تجدد الحالات له تعالي و قد قامت الضرورة علي بطلانه اراد عليه السلام دفع هذه الواهمة فقال عليه السلام و ما وقعت عليه من الكل فهي صفات محدثة و ترجمة يفهم بها من فهم اي ما اوقعت عليه سبحانه من الصفات و الاسماء بقول مطلق فهي ليست ذاتية توصف الذات بها حتي يلزم التغيير و تجدد حال له و تفاوته قبل الخلق و بعد الخلق و انما هي صفات و اسماء حدثت عند تعلق فعله تعالي بمفعولاته فهي حادثة منتهية الي الفعل لا الي الذات و هي صفات الافعال لا صفات الذات و لكن الفعل لما كان مضمحلا و فانيا عند الذات لا ذكر له معها تنتقل الذهن عند ملاحظة هذه الصفات الي الذات و هذه الذات الملحوظة المدركة بتلك الاوصاف ليست هي كنه الذات و انما هي مثالها الذي نسميه بالذات الظاهرة و هي الذات المعبرة في المشتقات و تمام هذا الكلام في [ص 32] هذا المقام في شرح الخطبة الطتنجية فاذن لايلزم التغيير و اختلاف المتوهم و الذات سبحانه علي ما هي عليه قبل الخلق و بعد الخلق و مع الخلق بلا نسبة و ارتباط الا نسب فعلية لاتصل الي الذات البحت سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام علي المرسلين و الحمد لله رب العالمين و هذا الذي ذكرنا مختصر بيان الفقرات الشريفة .

قال سلمه الله تعالي : و قال ايضا عليه السلام لعمران الصابي اما الواحد فلم‌يزل واحدا كائنا لا شيء معه بلا حدود و لا اعراض و لايزال كذلك ثم خلق خلقا مبتدعا مختلفا باعراض و حدود و ثم سيدي تفيد التراخي عند اهل العربية ما هذا التراخي و ما معناه و الله منزه عن المكان و الزمان و ما معني هذه المذكورات علي التفصيل افدني سيدي فداك ابي و امي و نفسي فاني مضطر فقير اليك فلاتردني من بابك خائبا و انا والله محتاج و اي محتاج فبالله عليك اجبني و عندي اناس هم ممن يرون رأيكم و متعطشين لكلامكم فارشدونا معلومكم فانه مااخذ الله علي الجهال ان يتعلموا حتي اخذ علي العلماء ان يعلمونا الله الله سيدنا فاني قصدت جنابك الاقدس فلاترد فانك اهل الكرم و الجود حرره عبدكم و مملوككم و قنكم و فقيركم محمد بن حسين بن خلف بن سلمان البحراني .

اقول : هذا آخر مسائله و كلامه اعلي الله مقامه و افاض عليه من جزيل انعامه المراد بالواحد هنا ذات الله سبحانه اي الاحد قد يطلق احدهما و يراد به الآخر و اما الوضع الحقيقي فالواحد موضوع للصفة الفعلية و [ص 33] فيه وحدة ظاهرية و كثره اجمالية و لذا لاينفي بنفيه القليل و الكثير كما ينفي بنفي الاحد فلو كان للذات البسيطة المحضة من حيث هي بلا حدود و اعراض كان لايبقي بنفيه شيء فظهر انه للصفة التي هي الوجه الواحد من الذات فالاحد موضوع لوحدة صرف الذات البحت مجردة و معراة عن جميع السوي و الغير و الواحد موضوع للوحدة الوصفية في مقام القيومية و الوضع في كلا المقامين يقع علي العنوان و ذلك ان ذات الله سبحانه لاتدرك و لاتنال و لايتغير عن حال الي حال و انما ظهوره بصنعه و معرفته باثر فعله و هو سبحانه تجلي لخلقه بخلقه و عرفهم نفسه بنفسه فلما وجدوا غابوا عن وجدانهم و شهودهم فعرفوا ربهم بما نقش في لوح ذاتهم و حقيقة سرهم و دخل المدينة علي حين غفلة من اهلها فماعرفوه الا من انفسهم لكن مصون السر عن النظر اليها و مرفوع الهمة عن الاعتماد عليها فكان ظاهرهم هياكل بشرية و باطنهم اسرار الهية و نشئات قدسية و مظاهر الاحدية و لما كان بين الاسم و المسمي و اللفظ و المعني لا بد من المناسبة الذاتية فوجب ان تكون الاسماء الالهية الدالة علي التوحيد مستنطقة و مستخرجة من الحروف الخلقية و لما كان حدود الخلق ستة و هي الايام الستة التي خلق الله فيها الشيء فكانت الواو هي الاصل في الدلالة علي نفس الخلق من حيث هم و اذا كشفت عن باطن الواو الذي هو باطن الحدود الخلقية و نظرت الي سرها بزبرها و بيناتها استنطقت منها الاحد لكونه ثلثة‌عشر فدل ظاهر الخلق علي حقيقة التوحيد الفرد و الي هذا المعني وقعت الاشارة [ص 34] في الانجيل بقوله تعالي يا انسان اعرف نفسك تعرف ربك ظاهرك للفناء و باطنك انا ه‍ ، اي ظهور توحيدي لا سر ذاتي كما يقوله الملحدون من الصوفية فمن سر الواو ظهر الاحد فاذا اضفت الواو الي الاحد و نسبت الخلق اليه بكونه اليه و به و عنه علي جهة الاضمحلال و الزوال باظهار سر القيومية ظهر الواحد فالواحد فيه ذكر الغير علي جهة الاضمحلال و الاحد لا ذكر للغير لانه ظهور بعد القاء الواو و ظاهر نفسه فلا ذكر للغير فيه فالاحد هو الربوبية اذلامربوب لا ذكرا و لا عينا و لا كونا و الواحد هو الربوبية اذلامربوب كونا و عينا و الربوبية اذمربوب ذكرا و الاحد رتبة الذات و الواحد رتبة الاسماء و الصفات فهو ينبوع الاسماء و حقيقة المسمي من حيث هو كذلك و الواحد الذي ليس من الاعداد هو الاحد و هو الذي به اختص القديم سبحانه و الواحد الذي هو مبدء الاعداد و مقابل الاثنين و الثلثة فهو من الاعداد لكنه ثلثة لان الممكن لايخلو عن جهات ثلثة الا ان الوحدة لما غلبت عليها اضمحل حكم التثليث و بقي حكم الوحدة من قبيل اطعني اجعلك مثلي و كما تقول للشخص انه صفراوي المزاج و ان كان لايخلو من ساير الاخلاط فكان اول الاعداد بل اول الاشياء و مبدئها الثلثة فاول الفرد ثلثة الزوج اربعة و الاثنان اجمال الاربعة و الواحد اجمال الثلثة و لذا كان المثلث ابا الاشكال و اصلها و هو شكل ابينا آدم عليه السلام في العوالم الالف‌الف فنفي الوحد العددية عن القديم سبحانه لكونه ثلثة و هي تستلزم الكثرات كلها و جملتها و لما كان الواحد فيه ما ذكرنا من عدم التمحض في الوحدة [ص 35] الكاملة البالغة قال عليه السلام في تفسيره اما الواحد انما عبر عنه بهذا اشارة و رعاية لقول عمران فيما تقدم مالقيت من يثبت لي واحدا قائما بوحدانيته فاراد عليه السلام اثبات الواحد له كما اراد بما اراد لما اراد فقيد الواحد بقوله فلم‌يزل واحدا كائنا فنفي عنه تعالي الاضداد و الشركاء لان الذي لم‌يزل كائنا ثابتا لايزول و لايحول و لايتغير و لايتبدل و لايحس و لايمس امتنع ان يكون له مثل اذ لو فرض وجب ان يكون قديما موجودا فاشتركا في القدمية و اختلفا بالمميز فتغيرا ادخالهما قبل الفصل و التميز غير حالتهما بعد الفصل و التميز و القبل و البعد هنا لا ذاتيان لا زمانيان فلم‌يكونا ازليين اذ حدث فيهما ما لم‌تكن قبل فكانا حادثين لعدم كون الوجود ذاتيا و الا لم‌يفقد اشياء و حالا لم‌يكن فالذي وجوده ذاته امتنع تعدده و تكثره بحصول التركيب و التغيير المنافيين لعينية الوجود كما اثبتنا في رسالة منفردة و قوله عليه السلام و لا شيء معه رد و ابطال لقول من زعم استجنان الاعيان الثابتة في القدم و الازل و انها قديمة اذ القديم ما لم‌يتعلق به جعل جاعل و الاعيان عندهم كذلك سواء قلنا ان الشيء اعم من الوجود ام مساوق له و كذا القول بزيادة الصفات عن الذات كما هو مذهب الاشاعرة و كذا القول بان بسيط الحقيقة كل الاشياء و ان الوجودات كلها في ذات الله بنحو اشرف و امثالها من الاقوال لان الذي ازلي غير مستند الي شيء وجوده ذاته بذاته فلو فرض ان لغيره ايضا وجود و تحقق فان كان وجود الغير عين ذاته بكل اعتبار ارتفعت الاثنينية و ان لم‌يكن عين ذاته كان [ص 36] فاقدا لذلك الوجود فلم‌يكن الوجود ذاتيا لان الذاتي لايتخلف هف فالذي هكذا لايكون معه شيء بل ابدا له ذكر في ذاته و صفاته الذاتية التي هي عين ذاته قوله عليه السلام بلا حدود و لا اعراض رد و ابطال لقول القائلين بوحدة الوجود فان الوجود هو ذات الله سبحانه و الخلق حدود و اعراض لذلك الوجود تعينه بحد فيكون منشأه مرتبة من المراتب كالبحر و الامواج كما قال شاعرهم :

البحر بحر علي ما كان في القدم ان الحوادث امواج و اشكال

سبحانه و تعالي عما يقولون علوا كبيرا فان المحدود ينفعل بالحد و يتغير به لان حالة الاطلاق غير حالة التقييد ثم ان المحدود لو لم‌يكن صالحا للحد مايصح تحديده به و جهة الصلوح غير جهة الذات فتكثر الذات عند ذكر تلك الصلوحيات مع ان كل ما يقبل الحد يقبل الزيادة و النقصان و كذلك القول في الاعراض لانها هي الحدود او اعم منها و لا شك انها خارجة عن حقيقة الذات و لايتصل بها الا لما بينهما من المشابهة و الملائمة و الايتلاف و كلها نسب يجب تنزيه الباري سبحانه عنها لاستلزامها التركيب و كون الواجب حادثا او الحادث واجبا لان النسبة تستدعي اتحاد الصقع في المنتسبين لانها رابطة و وصلة و الشيء الذي كلها سواه معدوم عنده لايقترن بشيء و لايتصل به و لايرتبط معه ثم ان الاعراض ان كانت حادثة يلزم ان يكون الواجب محلا للحوادث و ان كانت قديمة يلزم تعدد القدماء و في هذا القول ايضا اشعار الي ابطال ما ذهب اليه المتكلمون من ان موضوع علم الكلام هو [ص 37] ذات الله تبارك و تعالي مع اتفاقهم بان الموضوع ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية و الله سبحانه منزه عن ذلك كله قوله عليه السلام و لايزال كذلك يعني انه تعالي لايتغير بخلقه الخلق لتكون له حالتان حالة قبل الخلق و حالة بعد الخلق بل حاله سبحانه واحد في الحالين و هذا دليل عدم النسبة و ان نسبة الخالقية و المخلوقية لم‌تقع في رتبة الذات و انما هي في مقام الاسماء و الصفات الفعلية الاضافية فلو كانت النسبة جارية علي الذات تغيرت البتة و ماصح القول بانه تعالي لايزال منزه عن الاقتران لان النسبة تابعة للمنتسبين فقبل وجود احدهما لم‌يوجد لاستحالة النسبة الا في الشيئين و حيث كانت الحوادث معدومة وجدت بالايجاد كانت النسبة عند الايجاد فان كانت هذه النسبة مع الذات لم‌تكن حالها قبل الخلق هي حالها بعد الخلق و هذا خلاف ما اجمع عليه المسلمون فابطل عليه السلام بهذا القول الربط بين الحادث و القديم كما عليه جماعة من الناس و كذا ابطل بذلك قول من توهم من قولهم عليهم السلام كان الله و لم‌يكن معه شيء بان الله سبحانه كان في وقت لم‌يكن هناك شيء ثم صارت الاشياء في وقت آخر فيكون زمانه فاصلا بينه و بين خلقه حتي توجه عليهم كلام بعض الحكماء من ان هذه الفاصلة الزمانية لاتخلو اما ان تكون متناهية او غير متناهية فان كانت متناهية لزم تحديد الواجب و ان لم‌تكن متناهية يجب ان لايوجد الخلق الي الآن اذ كل وقت فرض حدوث الخلق تناهت الفاصلة و لزم التحديد ثم ان هذا الوقت و الزمان الذي كان و لم‌يكن شيء لايخلو [ص 38] اما ان يكون شيئا ام لا فان لم‌يكن شيء ارتفعت السابقية و ان كان شيئا لايخلو اما ان يكون حادثا او قديما فان كان حادثا وجب ان لم‌يكن في وقت ثم ننقل الكلام في ذلك الوقت بعين ما ذكرنا فيدور او يتسلسل او ينتهي الي عدم الوقت و الزمان و ان كان قديما لزم تعدد القدماء و ذلك معلوم البطلان و لما تنبه بعضهم الي هذه المفاسد و اشباهه من انقطاع الفيض الغير اللايق بالكريم الفياض و التعطيل في ما يصح الافاضة و الفعل و غير ذلك قال و يجب ان تحمل الزمان السابق علي خلق الاشياء المستفاد من قولهم عليه السلام كان الله و لم‌يكن معه شيء علي الزمان الموهوم المتوهم لا الموجود المحقق حتي يلزم ما ذكرنا و ليت شعري ما الذي نفعه هذا التوهم اذا لم‌يكن صادقا مطابقا لما في الواقع و المفروض ان في الواقع الوجودي لا وقت و لا زمان و اما الواهمة فهي منوطة بوهم الواهم فاذا لم‌يتوهمه قبل خلقه و قبل خلق الواهمة و التوهم كيف كان الامر هل كان زمان و وقت لم‌يكن فيه شيء ام لا و عليه العمدة و الاعتماد و الواهمة لاتغير الحقايق المتأصلة الوجودية و كل هذه المغالطات انما نشأت من ظواهر الاخبار و الآثار و الادعية كما في الدعاء يا ذا الذي كان قبل كل شيء ثم خلق كل شيء و غير ذلك و هم عليهم السلام لما عرفوا ذلك من قوله تعالي و ماارسلنا من رسول و لا نبي الا اذا تمني القي الشيطان في امنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ارادوا (ع) نسخ القاء الشيطان من كلامهم (ع) فقالوا كما عن اميرالمؤمنين عليه السلام فان قيل كان فعلي ازلية الوجود و ان قيل موجود فعلي تأويل [ص 39] نفي العدم فبين ان كان ازلية لا زمانية و الازل ليس عنده قبل و بعد و متي و القبل هو عين البعد و العكس و الاولية هي عين الآخرية كالعكس كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام لم‌يسبق له حال حالا ليكون اولا قبل ان يكون آخرا و يكون ظاهرا قبل ان يكون باطنا فاذن يكون حاله قبل خلق الخلق هو حاله بعد الخلق فكما كان و لم‌يكن معه شيء و كذلك يكون ابدا لم‌يزل و الا كانت له حالتان و متغير الحالة حادث و لذا قال عليه السلام في جواب عمران و لايزال كذلك اي كائنا لا شيء معه بلا حدود و لا اعراض فبالاول نفي ما نفي ما عليه المتكلمون و بالثاني نفي ما عليه الصوفية الملحدون و اظهر الحق الصريح و لو كره المشركون و قد بين الامام عليه السلام في هذه الكلمات جميع ما يتعلق بامر التوحيد و الاسماء و الصفات و ظهور الوسايط و كونه منزها عن وصف الواصفين و متعاليا عن ادراك العارفين و ان الاشياء لاتنتهي اليه تعالي و لاتقترن بها بل مرجع الاشياء و مصدرها ما يشابهها فرجع من الوصف الي الوصف و دام الملك في الملك و انتهي المخلوق الي مثله و الجأه الطلب الي شكله فبقوله عليه السلام اما الواحد اشار الي الصفات كلها و الي الاحد الذي هو الذات اما الصفات كلها فانها كلها مقهورة تحت الواحد فان الصفة هي ظهور الذات باثر من الآثار الفعلية و قد قلنا ان جميع مراتب الخلق تنحصر في قوي الواو فاذا اضيف الي الاحد الذي هو ظهور الذات فتكثر الاسماء و الصفات للشيء الواحد لان الظهور بالمتعلق ينصبغ بصبغه فالظهور بالرحمة يكون الرحمن و الظهور بالخلق يكون خالقا و الظهور بالعظمة يكون عظيما و هكذا الي ما لا نهاية له من الاسماء التي تظهر و تشتق [ص 40] عند وجود المبدء الذي هو الاثر و لذا كان الواحد مبدء الاعداد الغير المتناهية و اما الذات فلأن الواحد لا قوام له بالاحد ضرورة ان الصفة لاتقوم الا بالذات بنحو من انحاء القيام كما فصل في محله و برهن في موضعه و بقوله واحدا كائنا اثبت جميع مراتب التوحيد التي ترتقي كليات مراتبه الي خمسة‌آلاف و مأتين و ثمانين مرتبة و بقوله عليه السلام لا شيء معه اثبت تنزهه عن جميع الممكنات اذ لا عليه ما هو اجراه و بقوله عليه السلام و لايزال كذلك اثبت انقطاع الخلق عن الوصول الي عز جلاله و انقطاع النسبة مطلقا بينه و بين خلقه فلاينتهي شيء و لايتصل به شيء و الخلايق لا محيص لهم عن النسبة و الا عدموا و فنوا و اضمحلوا فتكون النسبة الي اسمائه و صفاته و هي لمظاهره و مقاماته التي لا تعطيل لها في كل مكان و هو قوله تعالي و لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع و بيع الآية ، و شرح هذه الاحوال يضيق القلب بابرازها في السطور و لايضيق باخفائها في الصدور مع ما يستلزم من تطويل المقال و ليس لي الآن ذلك الاقبال قال عليه السلام ثم خلق خلقا مبتدعا مختلفا باعراض و حدود مختلفة لا في ( شيء ظ ) اقامه و لا في شيء حده و علي شيء حذاه و مثله له اقول هذا التراخي ليس زمانيا ليتخلل زمان بين ذاته و بين خلقه و لا دهريا و لا سرمديا و لا طبعيا و لا ذاتيا كتقدم حركة اليد علي حركة المفتاح و لا غير ذلك من انحاء التقدم و التأخر و انما هو تراخي حقيقي بلا كيف و لا وضع لان جميع ما يتصور من انحاء التقدم و التاخر و اقسامه كل ذلك مخلوق بهذا الخلق [ص 41] و لايجري عليه ما هو اجراه و هذا الخلق هو الفعل المخلوق اولا عبر عنه بالمخلوق المبتدع ردا علي من يزعم انه امر اعتباري لا وجود له متحقق و هو باطل و انما هو مخلوق مصنوع مخترع مبتدع ذات تذوتت بها الذوات و تحققت بها الكينونات فكيف يكون امرا اعتباريا و اثره ذوات متأصلة فان المفعول معمول للفعل و محدث به و لايعقل تذوت المعمول و اعتبارية العامل المؤثر بالفعل ايضا عامل في الفاعل لكون فاعلية الذات انما تكون بالفعل لا بالذات و الا لزم الاقتران و التغيير المنفيين باجماع المسلمين و هذا الخلق انما وصفه بالابتداع علي معني الاختراع فان احدهما يطلق علي الآخر اذا افترقا و الاختراع هو الخلق لا من شيء اصلا فيكون هو مبدء الموجودات اذ كلها مخلوقة من شيء اي من المادة التي احدثها الله سبحانه فهذا الخلق فهو المخترع بالاختراع الاول الذي هو نفسه و حقيقته سبحانه اول ما خلق الفعل و هو المشية و الارادة و الابداع و الاختراع خلقه بنفسه لانه حركة ايجادية و هي لاتتولد من الذات و انما تحدثه بنفسها لا بحركة غيرها كما قال عليه السلام خلق الله الاشياء بالمشية و خلق المشية بنفسها ، فنفس المشية هي جهة فاعلية نفسها بالله تعالي فتدور المشية عليها علي خلاف التوالي لكون الاستدارة استدارة المعلول علي علته و هي تدور علي المشية علي التوالي لكونها استدارة العلة علي معلولها و بلا فرض العلية و الفاعلية لم‌يتحقق الشيء ضرورة ان المفعول يتقوم بفاعله و المعلول يتقوم بعلته الا ان العلة لما كانت صفة فعل لا صفة ذات لاستلزامها المقارنة و [ص 42] المناسبة و المرابطة لايجوز ان ينتسب الي الذات لتعاليها عن الاقتران فوجب ان تكون تلك الصفة في رتبة الفعل عند احداث الفعل نفسه يكون للفعل جهتان جهة هي تلك الصفة اي الفاعل و العلة التي هما اسماء الفاعل لا اسماء الذات و جهة هي الانية المعلولة فالعليا تدور علي السفلي علي التوالي و السفلي تدور علي العليا علي خلاف التوالي و التمييز بين العليا و السفلي انما عند التعلق بالآثار و المتعلقات و اما في ذاته فانما هو شيء واحد بسيط لاتعتبر فيه جهة و كيف و اقتران و اتصال كما قال الرضا عليه السلام و لا كيف له اي للفعل كما انه لا كيف لذاته و لما كان الجعل و الاحداث لايتم في التأثير الا بالكيفيات الاربع لان كل واحد منها شرط لتحقق الاخري في الظهور و الوجود و لذا قلنا اذا تعلق الفعل بالمفعول حدث هناك اربع كيفيات النار لحرارة الحركة الايجادية المعبر عنها بالفعل و لاستقراره في نفسه و عدم صيرورته نفس المفعول كما هو مذهب طائفة و الهواء لربط بالمفعول و نسبة اليه فالربط رطوبة و رطب و جهة الفاعل حرارة الماء لربط المفعول بالفعل و توجهه اليه للاستمداد منه التراب لحفظ المفعول ما يقع عليه من تأثير الفعل و الفاعل و هذه الطبايع مما لا بد منه في ممكن من الممكنات الا انها تختلف ظهورا و خفاء لشدة بساطة المفعول و تركيبه اي ظهور البساطة و التركيب و الا فالتركيب لايخلو منه ممكن كما اشتهر في قولهم كل ممكن زوج تركيبي و لما كان هذا الخلق الاول وجد بنفسه لا بامر آخر غيره كانت الطبايع هناك متحدة فالنار هناك هي نفس الثلثة و هي [ص 43] نفس النار و كل واحد منها نفس الآخر بل هو شيء واحد يطلق عليه هذه الاسماء كما تقول ان الله تعالي عالم قادر سميع بصير و كل واحد من هذه الصفات هناك غير الآخر و اختلافها انما ظهر باعتبار الآثار و المتعلقات و هذا المثال تقريبي و الا فالمشية عند الذات مختلفة كما صرح (ع) في المتن كما نبين لك انشاء الله تعالي و لذا عبر عنه (ع) بالاختلاف لانه كلامه في الوحدة المحضة كما هي شأن سؤال عمران فيكون الفعل هو اول الخلق و هو المختلف في ذاته بالطبايع الاربع و ان كان بينها اتحاد و ايتلاف و هذه الطبايع ايضا ظهرت فيه في الكونين و العالمين المعبر عنهما بالعقدين و الحلين ففي الحل الاول فالرطوبة فيه غالبة لانها هناك اربعة اجزاء و اليبوسة جزء واحد من الحرارة و البرودة بالنسبة و في الحل الثاني فاليبوسة فيه غالبة لانها هناك جزء واحد و الرطوبة جزءان فيحصل الانعقاد ففي كيفية خلق الفعل اخذ سبحانه و تعالي من رطوبة الرحمة بتلك الرطوبة التي هي نفس الرحمة بنفس الرطوبة بتلك النفس اربعة اجزاء بها و من هبائها اي اليبوسة نفسها بها جزء به ثم صعد بها بنفس الصعود في هواء عالم الظهور فتراكمت بها و انعقدت بها به ثم قام عبدا خاضعا خالصا الفقر لله سبحانه بكله و ببعضه فحباه سبحانه سر الكينونة مع اليبوسة فجري الاشياء و جميع الصور و حضرت عنده الاعيان و انتهت اليه روابط عالم الامكان فظهر كعموم قدرة الله و حصلت له باعتبار الجهات اسماء فهو الوجود المطلق لكونه في تحققه و تكونه و صدوره و انصداره لايحتاج [ص 44] الي شيء سوي فاعله و خالقه فوجوده مطلق اي ليس مشروطا بشرط و قيد كساير الحوادث و الموجودات و هذا معني اطلاق هذا الوجود و كونه لا بشرط لا علي ما يزعمون من انه حقيقة واحدة انبساطية يتعين بالحدود و الاطوار و العينيات فان الامام الرضا عليه السلام نفي هذا المعني عنه و يسمي ايضا بالظهور و التجلي الاولي لكونه جهة الله سبحانه و ذكر و مذكوريته في الامكان و يسمي بالفعل و الحركة الايجادية لكونه ظهوره سبحانه لغيره و موصل فيضه الي ما يريد من خلقه و يسمي الفاعل لكونه ظهوره سبحانه له به و لغيره يسمي بالمشية لكونه اول الذكر و المذكور و به نشأت الاشياء و تأصلت و بالارادة حيث انه مبدء الصور و الاعيان و بالاختراع حيث انه تكون لا من شيء و بالابتداع حيث انه تكون لا لشيء و لا علي احتذاء مثال و بالتعين الاول حيث انه اول مظاهر الحق سبحانه و ظهوراته في الامكان و بالشجرة المباركة الزيتونة حيث انه الاصل المنشعب عنه الحدود و الحيثيات و كونه مصفي عن جميع ما ليس له سبحانه و بالمحبة حيث انه اول الميل الذي هو مبدء الايجاد و علته و بالرحمة حيث انه به الاحسان و الامتنان و من اثره الماء الذي به كل شيء حي و بالولاية المطلقة حيث انه تدبير الحق للخلق في الخلق و الاخذ بزمام كل شيء و بناصية كل دابة و بالازل الثاني حيث انه لا غاية لاوله و لا نهاية لامده و هو منقطع و مضمحل له اول و آخر عند بارئه و بصبح الازل حيث انه اول ظهور الحق سبحانه كما ان الصبح اول ظهور الشمس و بآدم [ص 45] الاول لكونه في اول الاصول و اصلها و غايتها و بالاسم الاعظم حيث ان كل الظهورات و التجليات الالهية انما هي بفاضل تجليه لها و بالكاف المستديرة علي نفسها حيث انه متمم لحقايق الامكان و الاكوان و متمم لنفسه بنفسه بالله سبحانه و بالسر المقنع بالسر و السر المجلل بالسر و السر المستسر حيث انه مبدء المبادي و جوهر اوايل العلل و بالسبحات حيث ان الماء الواقع علي ارض الجرز انما نشأ منه و صدر عنه و تأصل به و بالكلمة الاولي العليا حيث انه اللفظ الصادر عن فعله سبحانه بنفسها و بالامر حيث انه حكم الله علي الموجودات و بفلك الولاية المطلقة حيث انه المستدير علي نفسه و قطب لما سواه و بالعلم حيث انه الذكر الاول للاشياء الامكانية و بالقدرة حيث انه به استولي الله سبحانه علي الاشياء و استطال عليها و بالعرش الاعظم الاعلي حيث انه به ظهور مواد الخلق و تأييداتهم من عند الله سبحانه و غيرها من الاسماء و الصفات التي يطلع عليها الفطن الماهر في استعمالات حفظة الشريعة (ع) و تعدد الاسماء لاجل اختلاف جهات ذلك الخلق المبتدع و تلك الجهات المستدعية لتعدد الاسماء ليست ذاتية و انما هي باعتبار تعلقات الآثار و المفاعيل و هذه هي الاسماء العامة للجهات العامة و له ايضا اسماء خاصة و هي لاتحصي و لاتعد و لايصفها الواصفون و لايعدها العادون مثل الحركة المطلقة فانها اسم للفعل المطلق و اما الحركات الخاصة المتعلقة بآثار خاصة كالقيام و القعود و الاكل و الشرب و غير ذلك فلها اسماء خاصة كالقائم و القاعد و الآكل و الشارب و غير ذلك و [ص 46] قد برهنا في مقامه ان المشتقات انما تشتق من المصدر المشتق من الفعل فتلك هي اسماء الافعال لا اسماء الذات فافهم فظهر لك ان هذه الاختلافات ليست من حيث الذات و انما هي من حيث الاعراض و الحدود و اليه الاشارة بقوله عليه السلام مختلفا باعراض و حدود و لا شك ان الاعراض و الحدود خارجة عن ذات المعروض و المحدود و جزء للحقيقة المتحصلة من انضمام ذلك الحد فان كان المحدود الكينونة فتسمي الحدود ذاتية كتحديد ذات الانسان بالحيوان الناطق و ان كان المحدود الصفات و الافعال فهي الحدود الفعلية كتحديد الانسان بانه الكاتب و القائم و القاعد و لذا عد المنطقيون امثال هذه الصفات من الخاصة او العرض العام و اما الحدود الذاتية مثل الفصول و المشخصات النوعية و الجنسية فعدوها من الذوات لانها اما جزء الماهية او عينها علي ما زعمهم فالحدود الذاتية في المشية هي الطبايع الاربع المذكورة و مراتبه الذاتية في تكوينه من الحلين و العقدين و اختلاف مراتبه ايضا بالنقطة و الالف و الحروف و الكلمة التامة و امثالها من الذاتيات التي لانطول الكلام بذكرها لكن لا علي جهة الاختلاف و الكثرة و انما هي محض الايتلاف و الوحدة و لايمكننا ادراك تلك الجهات و الاختلافات لان اقصي مقامات الوحدة الحاصلة لنا بحيث لايمكن لنا ان ندرك وحدة و بساطة اعظم و اشد منها هي ذاتنا و حقيقتنا لا من حيث هي هي و هي اثر المشية و الفعل الاول الاعظم بوسايط و لا شك و لا ريب ان التأثير انما يقع في الرتبة السفلي لا الرتبة الاعلي و الاثر يحكي [ص 47] الوجه الاسفل من احد ظهورات فعل المؤثر فاذا كان هذا الوجه الاسفل الذي هو وجه واحد من الوجوه الغير المتناهية في الوحدة و البساطة و الاتحاد كما تري فما ظنك باصل الفعل و نفس المشية و حقيقة هذا الخلق المبتدع المخترع و لكن لما كان الفعل اثر الذات و مضمحلا لديها و فانيا عندها و الحادث لايكون الا ذا الجهات قال عليه السلام خلقا مبتدعا مختلفا و كان قوله عليه السلام بالحدود و الاعراض اشارة الي ان هذه الاختلافات الظاهرة انما هي لاجل التعلقات و هي الحدود العرضية المتعلقة بالمشاءات مثل هيئة حركة اليد بالنسبة الي الكتابة و رسم حدودها و خطوطها او الي ان كل ممكن زوج تركيبي و ان هذا التركيب لايكون الا بالاطلاق و التقييد و الاجمال و التفصيل و التعميم و التخصيص و لا ان تكون الاجزاء متساوية في العموم و الخصوص و الاطلاق و التقييد فان ذلك خلاف صنع الحكيم بل لايجري النظام المتقن الا عليه .