[ص 1]

رسالة في جواب الشيخ محمد بن الشيخ حسين البحراني

عن واحد و ثمانين مسألة

من مصنفات السيد الاجل الامجد المرحوم

الحاج سيد كاظم بن السيد قاسم الحسيني الرشتي اعلي الله مقامه

[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم

و به نستعين

الحمد لله رب العالمين و الصلوة علي خير خلقه محمد و آله الطاهرين و لعنة الله علي اعدائهم و منكري فضائلهم اجمعين ابد الآبدين .

اما بعد فيقول العبد الجاني و الاسير الفاني كاظم بن قاسم الحسيني الرشتي انه قد اتت الينا مسائل صعبة مستصعبة قد ضلت دون معرفة اكثرها الافهام و حسرت عند ادراك جلها الاوهام من جناب الامجد الانجد المسدد المؤيد جناب الشيخ محمد بن الشيخ حسين بن خلف بن سلمان البحراني بلغه الله افضل الاماني و جعله ملجا لكل قاص و داني و اراد من الفقير المعترف بالقصور و التقصير جوابها و كشف حجابها علي الاستعجال و انا مع قصور باعي و قلة اطلاعي قد كنت مبتلي بانواع الامراض و محلا لانحاء الاعراض مع بال متوزع و قلب منقطع كما قال الشاعر :

كم بجنبي للصبابة واد كل آن حمامة نواح

و انا مع هذه الحالة متعذر من بسط المقال و شرح حقيقة الحال و اجراء الكلام علي نمط الاستدلال بما يدفع الشبهات الواردة علي مدارك الجهال من اصحاب القيل و القال علي اني في اثناء السفر مشغول بمعاناة ( بمعافاة خ‌ل ) الحل و الارتحال و في مثل هذا الحال ( هذه الحالة خ‌ل ) ما اتينا به غاية المقدور و الي الله ترجع الامور و جعلت كلامه سلمه الله متنا و جوابي كالشرح له كما هو شأني في اجوبة المسائل طلبا للمطابقة و حرصا علي الموافقة .

قال سلمه الله تعالي : بسم الله الرحمن الرحيم - الحمد لله الذي من علي [ص 3] خلقه بارسال الانبياء و نصب الاوصياء و اقامة العلماء ليهدي بهم خلقه عن الضلالة و يرشدهم عن الجهالة و اخذ علي العلماء ان يعلموا ثم اخذ علي الجهال ان يتعلموا منا منه و لطفا .

اقول اعلم ان الله سبحانه و تعالي اخذ العهد علي العلماء ان يعلموا يتامي اهل البيت عليهم السلام و ينقذوهم عن الجهالة و سلوك سبل الغواية و الضلالة الا انهم بنور التوسم و الفراسة يعطون كل سائل ما تقتضيه كينونته و تنطوي عليه سريرته و هم علي احوال مختلفة و اوضاع متفاوتة فمنهم اهل الظاهر و منهم اهل الباطن فيجيبون كلا من الفريقين بما يقتضي عالمهم من النشأتين و حيث ان دليل كل مطلب من سنخه لان المطلب نتيجة الدليل و النتيجة من سنخ المقدمتين اللتين هما بمنزلة الابوين و لذا لايكون الحمار نتيجة للانسان و بالعكس فالنتيجة تابعة للدليل فان كانت ظاهرية فالدليل ظاهري و ان كانت باطنية فالدليل باطني و حيث ان المطالب لاتخلو عن ثلاثة ظاهر و باطن ظاهر ظاهر ( باطن ظاهر خ‌ل ) و باطن باطن و لايشذ منها شئ كانت الادلة ثلثة دليل المجادلة الموصل الي المطالب الظاهرية المحدودة بالحدود الصورية المكتنفة بالمقدمات القياسية من البرهانية و الخطابية و الجدلية مما يدركه النفس بآلاتها من القوي الدماغية من الحس المشترك و القوة المتخيلة و المتفكرة و الواهمة و الحافظة مما يصلح ان يكون موزونا بميزان المطالب المنطقية و دليل الموعظة الحسنة الموصل الي المطالب الباطنية مما جري عليه قلم الابداع الثاني من المراتب الحاصلة باقبال العقل و ادباره من مرتبة العقل المرتفع و المستوي و المنخفض و الروح من امر [ص 4] الله و الروح علي ملائكة الحجب و هي باطن الظاهر و لايوصل اليه الدليل الموصل الي الظاهر و دليل الحكمة الموصل الي مطالب باطن الباطن و سر نقطة العلم التي كثرها الجهال و السر المستودع في حقايق الموجودات من سر التوحيد المحض بحسب قابلية رتبة الامكان و الاسماء و الصفات و انحاء التجليات و سر الاركان و حقيقة المعاني و البيان و معرفة ابواب التوحيد من الآيات المرتبة في الآفاق و الانفس بجميع جهاتها و شئوناتها و اضافاتها فالعالم هو الذي اذا سئل يجيب اهل كل مسئلة بالبيان و الدليل اللايق له من الادلة الثلاثة حتي يصح له التعلم و يصدق علي بيانه التعليم و هو قوله عز و جل ان الله يامركم ان تؤدوا الامانات الي اهلها فاذا اعطي اهل المجادلة من مقتضيات دليل الحكمة و الموعظة او بالعكس ماادي الامانة الي اهلها بل منع الحكمة عن مستحقها فلايصلح ان يكون عالما مؤديا عن اهل البيت عليهم السلام و ليس من اهل الذكر الذين امر الله بسؤالهم و ادي الكلام علي مجراه و اعطي كل ذي حق حقه و السائل اراد ان يعرف المسئلة من غير دليلها الذي جعله الله لها كمن حاول معرفة مدلولات دليل الحكمة بمدلول المجادلة كما هو اكثر ابناء الزمان فليس بمتعلم و لا وفي بالعهد الذي اخذه الله عليه بالتعلم و القبول من العالم كمن حاول معرفة المبصرات بالسمع و المسموعات بالبصر و هكذا و يستحيل لهذا الناظر ان يتعلم و يتبصر و انا اجري الكلام في هذه المسائل علي نحو هذه الدلائل حتي لااكون مضيعا لحق التعليم و يجب علي الناظر السائل النظر و التامل و [ص 5] معرفة مقامه و مرتبته في مقامات هذه الادلة و يروم معرفة كل مسئلة عن دليلها الخاص بها من الادلة الثلاثة حتي لايكون مضيعا لحق التعلم و لاينكر بما لم‌يحط به علما و لايستبعد بما لم‌يجد له في كتب القوم ذكرا اذ كم ترك الاول للآخر و العلوم تتزايد و المدارك تتخالف و كل احد له مقام معلوم فيجب عليه ان يعرف حده و لايتعدي عنه حتي يقوده التوفيق الي احسن الطريق و هذه وصيتي اليك و الله خليفتي عليك .

قال سلمه الله تعالي : و نحن نحمد الله حيث لم‌يخل ارضه من حجة بل له الحمد علي كل حال .

اقول اعلم ان الله سبحانه و تعالي بفضله و كرمه لايقطع فيضه و لاينقطع عن الخلق مواد تاييده و تسديده فالذي عليه سبحانه و تعالي ان يقيم للخلق في كل وقت و آن ادلاء مرشدين و هداة مهديين يؤدبهم بآدابه و يقف بهم علي سبيل مشيته و ارادته و هم الانبياء الراشدون و الائمة المعصومون ثم لما اقتضت المصلحة بوقوع البلية العظمي و حلول الفتنة الصماء و هي غيبتهم عن انظار الخلق و احتجابهم بحجب الغيوب عن ابصارهم جعلوا لهم خلفاء و هم العلماء المتأدبون بآدابهم و الناهجون منهجهم و السالكون مسلكهم و الناظرون الي امثلة هدايتهم و الشاربون من حوض ولايتهم المستنيرة قلوبهم بنور درايتهم المتفجرة عيون العلم و اليقين في قلوبهم علي ظواهرهم و بواطنهم فهم الورثة و الخلفاء و هم الحملة و الامناء و هم القري الظاهرة و هم العدول الذين ينفون عن الدين تحريف الغالين و انتحال [ص 6] المبطلين و هم حجج الحجج و السفن الجارية في تلك اللجج كما قال عليه السلام في توقيعه هم حجتي عليكم و انا حجة الله و هم الحكام للعباد و الغوث في البلاد و الفزع يوم المعاد و المسئولون الذين عليهم الاعتماد و هم النواب و الابواب للحكمة و الرشاد و هم الذين مااخلي الله الارض منهم للدالة ( للدلالة خ‌ل ) علي امامهم و سيدهم صلي الله عليه و علي آبائه الطاهرين و الناس اهل الدعوي لهذه المرتبة العليا في هذا الزمان كسابقه كثيرون و اهل الحقيقة و الوفاء و القائم باعباء هذه الدرجة الكبري قليلون و عمل كل دليل مقامه و النايب لا بد له من المناسبة و المشابهة للمنوب عنه فاذا وجدتها و حققتها و تفحصت عن معارضاتها فقف عنه و اسئل عنه فانه الباب الاعلي و المنزل الاقصي و هو الحجة و الدليل علي المحجة و الا ففر منه فرارك من الاسد فانه ضال مضل يدعو اتباعه و مقلديه الي جهنم و بئس المصير لقد ارشدتك و نبهتك فلاتغتر بكل من يدعي العلم و لاتعتبر بكل من اوقف نفسه للحكم الا اذا وجدت فيه العلامة التي هي حجتك عند الله يوم القيمة .

قال سلمه الله : و بعد انا المضطرون الذين وجبت اجابتهم و الجاهلون الذين وجب تعليمهم و قد توجهنا الي جهتك الوجيهة و جعلنا سؤالنا ( سؤالها خ‌ل ) و اعتمادنا علي جنابك الاقدس حيث اطمأنت الانفس نحوك و سلمت فالمرجو الافادة لنا فان انفسنا قد كاعت فطمنها و ارتاعت فامنها فانت المنزل الاقصي و الغاية القصوي و محل رجاء الآمال ادام الله فوائدكم ( فؤادكم خ‌ل ) الجليلة فلاتحرمنا فضلك و لاتقطع عنا سيبك ( سبيلك خ‌ل ) .

[ص 7] اقول انه سلمه الله ظن السراب ماء و الدخان المرتفع سماء و لكنه سبحانه و تعالي يعطي علي حسب الاعتماد و نحو ما انعقد في مستجنات الفؤاد و لذا قالوا عليهم السلام احسن الظن و لو بحجر فان الله سبحانه يلقي الخير به اليك و نسئل الله سبحانه ان لايخيب رجاه و يعطيه ايده الله ما يتمناه فانه القادر علي ما يشاء و هو الفاعل لما يشاء بما يشاء كيف يشاء .

قال سلمه الله : و انا عندي مسائل قد القيتها بحضرتك الشريفة الكريمة فاولها ما يقول سيدنا و مولانا و مقتدانا فيما ورد في الكافي لا بد لصاحب هذا الامر من غيبة و لا بد في غيبته من عزلة و نعم المنزلة طيبة و ما بثلثين من وحشة ما معناه .

اقول و بالله التوفيق اعلم ان الله سبحانه قد سبقت كلمته و نفذت مشيته ان لايلجأ احدا في طاعته و لا معصيته بل يجريهم علي ما حتم علي نفسه من اجراء الخلق في افعالهم و احوالهم و مقتضياتهم و ميولاتهم و شهواتهم علي الاختيار كما هو مقتضي مشية ( المشية خ‌ل ) الحتمية و كذلك سبقت كلمته سبحانه و نفذت مشيته ( مشية الله خ‌ل ) ان يعلي كلمته و يظهر امره و يفشي حكم هدايته في بريته لئلايكون للناس علي الله حجة و كذلك سبقت كلمته و نفذت مشيته ان يجعل حجته البالغة و نعمته السابغة ( السابقة خ‌ل ) علي اكمل ما يمكن ان يكون بلاغا لحكمته و اظهارا لقدرته و تبيينا لقيوميته ليكون الخلق علي بصيرة من امره في ارشاده و هدايته ففعل سبحانه و تعالي و له الحمد و الشكر و نصب بمقتضي هذه المقدمات [ص 8] القطعية ادلاء مرشدين و حججا مستحفظين اكملهم في صفاتهم تكريم الاخلاق و في كينوناتهم بمحاسن الاعراق و البسهم ثوب هيبته و كساهم من نور عظمته و بعثهم علي كافة بريته ليهلك من هلك عن بينة و يحيي من حي عن بينة و الرعية لاتخلو اما باجمعهم مطيعين بقلوبهم و السنتهم و ممتثلين بظواهرهم و بواطنهم غير مخالفين لشئ من اوامرهم و نواهيهم او مخالفين كذلك او البعض مطيعين و البعض الاخر مخالفين و علي الثالث لاتخلو اما ان تكون الغلبة في جانب اهل الطاعة او اهل المعصية و المخالفة فان كان الاول فأتوا بمقتضي ما يراد منهم و تركوا خلاف ما يراد منهم فعلي الله سبحانه بواسطة هؤلاء الحجج عليهم السلام ان يعطيهم من فضله و كرمه في ذاتهم و صفاتهم و احوالهم و اطوارهم و علومهم و اسرارهم و هداياتهم ما هو اهله علي مقتضي مشية العزمية و هو قوله تعالي و لو انهم اقاموا التورية و الانجيل لاكلوا من فوقهم و من تحت ارجلهم و قوله تعالي و ان لو استقاموا علي الطريقة لاسقيناهم ماء غدقا و ان كان الثاني فانقطعت عنهم العناية و لم‌يبق فيهم محل لنظر الله سبحانه فيكون ذلك هو السبب الاعظم في هلاكهم و وبارهم فلايقتضي اللطف امهالهم كما قال عز و جل فماوجدنا فيها غير بيت من المسلمين و هو بيت لوط عليه السلام فاخرجه الله سبحانه فانزل علي قومه العذاب لعتوهم و استكبارهم و خروجهم عن طاعته كافة و ان كان الثالث فان كان الغالب اهل الطاعة و الامتثال و المخالف قليل شاذ فالحكم كالاول من اظهار كلمة الحق و عدم [ص 9] الاعتناء بالشرذمة القليلة من اهل الباطل فجعل كلمة الذين كفروا السفلي و كلمة الله هي العليا و ان كان الغالب اهل الخلاف و المعصية و الادبار فهنالك البلية الكبري و المصيبة العظمي لان حجة الله ان ظهر و اعلي كلمة الحق فاهل الباطل اولوا الشوكة و الغلبة يعارضونه و يمنعونه فان منعهم الحجة الامام عليه السلام بالقهر و الغلبة و القتل و سفك الدماء فذلك هو الالجاء الذي ذكرنا ان الله سبحانه حتم علي نفسه عدم وقوعه لا اكراه في الدين مع ان في قتلهم يستلزم قطع الفيض من النطف الطيبة التي في اصلابهم بحكم قوله تعالي يخرج الحي من الميت اي يلد المؤمن من الكافر و ذلك مع استلزام ان يكون للارواح المستجنة في تلك النطف الطيبة الشريفة حجة علي الله تعالي لايجوز ذلك نظرا الي لطفه و كرمه و جوده و مننه و انه تعالي يعطي بلا استحقاق فكيف يمنع فضله مع الاستحقاق فلايجوز الالجاء و قهر اعداء الله تعالي علي الطاعة و ما فعله رسول الله صلي الله عليه و آله و اميرالمؤمنين عليه السلام من المحاربة و المقاتلة مع من عاداهم و ناراهم ( ناواهم خ‌ل ) علي التنزيل و التأويل فقد بينا في كثير من مباحثاتنا و رسائلنا و اجوبتنا للمسائل لاسيما في اسرار الشهادة ان ذلك لاعلاء كلمة الحق الذي لايمكن الا به مع ان النبي صلي الله عليه و آله ماجبر احدا علي الاسلام و لذا كان ياخذ منهم الجزية و يقبل منهم الفدية و يمن عليهم منة ( منته خ‌ل ) في اطلاق اسيرهم و اجارة مستجيرهم علي انه صلي الله عليه و آله قد تدارك هذا التوهم من الالجاء بامره لاميرالمؤمنين عليه السلام ان لايسل سيفه و ان [ص 10] يطلب بحقه من غير قتال و لا جدال حتي تظهر ضغاين الصدور و تنكشف مخبيات الامور و ليتبين المخلص من المرتاب و لايبقي لمحتج حجة و كذلك اميرالمؤمنين عليه السلام رفع واهمة الالجاء في الحرب مع الناكثين و القاسطين و المارقين بامره لابنه الحسن عليه السلام بالصلح لتكون تصفية بعد التصفية و استنطاقا للسرائر الخبيثة و الضمائر الردية و بعد قتل الحسين عليه السلام ظهر الحق و بطل ما كانوا يعملون و شرح هذا الكلام طويل فليطلب في ساير الرسائل فتبين ( فبين خ‌ل ) لك ايدك الله و سددك ان الامام الحجة عليه السلام عند غلبة الاعداء و الظلمة لايجوز له بامر من الله تعالي الاستيلاء بالقهر و الغلبة لانه ان ظهر بالحجة و اعلن بالدعوة و خالف المخالفون و منعوا ( الخالفون و منعوه خ‌ل ) عن اظهار الحق فلايخلو اما ان يحاربهم و يقتلهم باجمعهم او يدفع عن نفسه اذيتهم مع محاولتهم لقتله و استيصال شافته او يوطن نفسه علي القتل و تحمل الاذي و المحنة و الشدة و البلية لا سبيل الي الاول لما ذكرنا من قطع الفيض عن النطف الطيبة التي تتولد بعد قرون و دهور و تملأ الارض و تثقلها بالتوحيد و التمجيد و القيام بطاعة الرب المجيد فان قتل الذين اصلابهم خالية من تلك النطف الطيبة و ترك الآخرين فالذين ابقاهم لتلك الغاية الشريفة يقتلونه و يخلون وجه الارض منه كما فعل الحسين عليه السلام و روحي له الفداء يوم كربلاء فانه روحي فداه ماقتل عجزا عن المقاومة و لا ضعفا عن المقاتلة و ان كثر العدد و تجاوز عن الحصر و الحد فان الامام عليه السلام يجب ان يكون اشجع من [ص 11] كل رعيته منفردين ( منفردا خ‌ل ) و مجتمعين بالقوة البشرية و الجبلة الانسانية و انما قتل عليه السلام لانه كان يقتل من كان ( كان في خ‌ل ) صلبه فارغا و يترك من كان صلبه حاملا و لو بعد اظهر كثيرة و كذا يترك من كتب الله عليه القتل علي ايدي آخذي الثار كسليمان بن صرد و المختار و غيرهما من الاخيار و من كتب عليه القتل بالصيحة لبيان المعجزة و الكرامة و الذين تركهم عليه السلام لهذه الغاية هم الذين ( الذي خ‌ل ) قتلوه فيجب علي الامام عليه السلام عند اظهار اهل الخلاف خلافهم ان لايقتلهم عن آخرهم لما يلزم منه من المفاسد التي اشرنا الي بعضها و لا سبيل الي الثاني ايضا لاستلزام ذلك توهم الغلو و الربوبية فيه عليه السلام لجهل اغلب الناس بمقتضي مقامات الربوبية و العبودية فيتوهمون بادني ظهور سر من اسرار الله علي يد عبد من عبيده لجاهليته للقدرة و ركنيته للمشية انه هو الرب المستقل كما اتفق لامير المؤمنين عليه السلام مع ما هو عليه مما جري عليه من غصب حقه و ايصال الايذاء اليه و ضرب قرنه و سفك دمه عليه السلام فكيف لو لم‌تكن هذه الامور و هو سبحانه بعث الامام عليه السلام علما للهداية فلايمكن ان يجعله سببا للضلالة و الغواية فانحصر الامر في الوجه الثالث و هو ان يوطن نفسه عليه السلام علي القتل و الاذي و تحمل المحنة و البلاء و هذا مع وجود امام آخر يقوم مقامه بحيث لاتخلو الارض من حجة الله ( لله خ‌ل ) تعالي به تمام نضج العالم و اعتداله يمكن و هو الواقع المطابق للحكمة لانا ذكرنا سابقا ان الله تعالي سبقت كلمته ان يظهر الحق ببرهانه و لايدع الطالب للحق [ص 12] هائما متحيرا لانه نقص في القدرة و اخلال في الحكمة و لايرضي به القادر الحكيم فيجب ان يقيم حجة بعد حجة و آية بعد آية الي تمام هذا العالم و انقطاع نسل بني آدم و هو قوله عز و جل ما ننسخ من آية او ننسها نأت بخير منها او مثلها و اما اذا تم العدد و بلغ الحد كما في الامام الثاني‌عشر عليه و علي آبائه السلام و جعلني الله فداه و قد انتهي العدد اليه ( عليه خ‌ل ) لامور يطول بذكرها الكلام و قد ذكرناها في عدة من رسائلنا و لاسيما فيما كتبنا في النبوة الخاصة فاذا وطن عليه السلام نفسه الشريفة علي القتل لان اهل الباطل لا بد لهم من ذلك و قتل عليه السلام و لم‌يكن امام يقوم مقامه بعد قتله خلت الارض من حجة الله تعالي و ساخت باهلها و تدكدكت السموات و انتشرت ( انتثرت خ‌ل ) النجوم و هلكت الخلايق و ذلك لايجوز قبل تمام النضج و الاعتدال لكلية العالم فلم‌يبق الا ان يغيب شخصه عليه السلام عن ابصار هؤلاء اللئام ليسلم من شرهم و يحفظ النظام و يظهر تمام الامر للملك العلام و يحفظ هؤلاء الشرذمة القليلين من شيعته و رعيته في غيبته بغيبته و يعلمهم و يربيهم و يسوسهم و يحفظ ما لهم و عليهم الي ان تدول دولته و تنتهي غيبته فيظهر بامر الله تعالي و يعلي كلمة الله تعالي و يقوم بحجة الله تعالي كما اراد الله تعالي عجل الله تعالي فرجه و سهل مخرجه و اعزنا بدولته و نصرنا بكلمته انه علي كل شئ قدير و هذا معني قول اميرالمؤمنين عليه السلام لا بد لصاحب هذا الامر من غيبة ( غيبته خ‌ل ) و انما اشبعت الكلام في هذا المقام ببعض المرام لشدة احتياج الناس الي معرفة هذا الامر و قوله [ص 13] عليه السلام و لا بد له في غيبته من عزلة مراده عليه السلام بالعزلة العزلة عما تقتضي مناسبته مع كينونات الرعية ليتمكنوا بها من التشرف بخدمته و الانتفاع منه بحضرته و تلك المناسبة انما تكون لغاية الحضور و الرؤية و اما عند انتفائهما فلا حاجة اليها و هو عليه السلام في غيبته ظاهر بالصورة الجسمية لابس جلباب الجسم لحفظ العالم الجسماني دون آبائه عليهم السلام فانهم عليهم السلام نزعوا هذا الجلباب و اتصلوا بذلك الجناب و هو عليه السلام قائم مقامهم و حافظ هذا النظام بلبس ما نزعوا من جلبابهم لكنه عليه السلام ظاهر بالصورة التي خلقه الله عليها مما يقتضي ظهورها للرعية عند التصفية و التخلية كزمان الرجعة و يوم القيمة و اما ما يتلبس به عليه السلام لانتفاع اهل مطمورة الزمان و المكان فهو في حالة الغيبة معتزلة عنها غير ملتفت اليها فقلت المناسبة و امتنعت الرؤية الا اذا اراد لبعض الاشخاص لبعض المصالح بحيث يرونه و لايعرفونه و ليس المراد من العزلة ما هو المتعارف عند الناس من معناها في هذا المقام اي التباعد عن الناس و التنائي عنهم لان ذلك هو معني الغيبة فلا وجه للتكرار او المراد اعتزاله عليه السلام في غيبته عن الخلق و توقفه في الجزيرة الخضراء و مدينة جابلقا و جابلصا لانهما واقعتان في الاقليم الثامن و هو معتزل عن الاقاليم السبعة لاهل هذه الدنيا و ان كان في اعتزاله هناك ناظر الي رعيته محيط بهم مطلع عليهم لايخفي عليه ظواهرهم و بواطنهم يغني فقيرهم و يغيث ( يغيث عليه خ‌ل ) ملهوفهم و يجير مستجيرهم و يدبر امورهم علي ما [ص 14] تقتضي مصلحة كينونتهم لانه صاحب المرئي و المسمع و هو كما وصف الله جده صلي الله عليهما ( عليه و آله خ‌ل ) لقد جاءكم رسول من انفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم و لذا قال عليه السلام في توقيعه الي المفيد انا غير مهملين لمراعاتكم و لا ناسين لذكركم و لولا ذلك لاصطلمتكم اللأواء و احاطت بكم الاعداء و قوله عليه السلام و نعم المنزل طيبة يريد بطيبة المدينة و هي سرها الذي يظهر عند ظهور صاحبها و تلك ارض طيبة طاهرة مصفات من لوث الظالمين و خلط المنافقين و ضغن الفاسقين و هي الكرعة التي في وادي شمراخ و شمريخ من البقعة المباركة و هي منزله عليه السلام و بيته و مسكنه مخفية عن اعين الناظرين كما احتجبت و اختفت جنة عاد عن الابصار و هي موجودة في هذه الدنيا فما ظنك بتلك الحقيقة اللطيفة و اللؤلؤة المكنونة الشريفة و قوله عليه السلام و ما بثلثين من ( عن خ‌ل ) وحشة يريد بالثلثين النقباء الذين يرونه و يتشرفون برؤيته و يقومون بخدمته و هم رجال الغيب و اوتاد الارض و حملة الفيض و حفظة العلم و هؤلاء الثلاثون هم الابدال الذين لاينقصون عن هذا العدد فكلما مات منهم يترقي آخر مما هو تحت رتبتهم فيترقي و يستأهل لان يقوم مقامه و يكون بدله و لذا سموا ابدالا و هم تحت الاركان الاربعة الذين هم عيسي روح الله و خضر و ادريس و الياس و في بعض الروايات صالح بدل ادريس و قد ذكر العلماء ان مراتب ارباب الوفاء من المؤمنين خمسة بعد الغوث و النقطة و القطب اولهم الاركان و هم الاربعة المذكورة [ص 15] و الثاني النقباء و هم الثلاثون المذكورون عدة ميقات موسي و الثالث النجباء و هم الاربعون عدة تمام الميقات و الرابع الصلحاء و هم الثلثمأة و الستون عدة تمام السنة و الخامس المؤمنون و هم ساير اهل الايمان و لا حصر لعدتهم و هؤلاء لاينقصون عن هذا العدد فاذا مات احد الصلحاء يترقي بعض المؤمنين الكاملين فيقوم مقامه و اذا مات بعض النقباء يترقي بعض النجباء فيقوم مقامه و اما الاركان فلايموتون و هم مع الغوث الاكبر صلي الله عليه و علي آبائه يدورون معه حيثما دار و هذا التفصيل لم‌نجد ما يدل عليه من آثارهم و ان كان الاعتبار يقتضي ذلك و انما الموجود في الاخبار هؤلاء الثلاثون المذكورون فمعني و ما بثلثين من وحشة يعني انه عليه السلام ( انهم عليهم السلام خ‌ل ) يانس بهم و هم يجرون ( يجبرون خ‌ل ) علي مقتضي محبته فلايري فيهم مناف و مغاير لارادته التي هي ارادة الله حتي تقتضي الوحشة و عدم الانس و معني ذلك انه عليه السلام لايجد ممتثلا لامره مجتنبا لنهيه في حال غيبته و تايبه ( نأيه خ‌ل ) من اهل هذا العالم غير هؤلاء الثلثين فهم النجباء المطهرون و الامناء المصطفون فلايستوحش منهم كما يستوحش من غيرهم لوجوده مقتضاها من المخالفة و المعصية فقصده عليه السلام بذكر الثلثين لرفع وحشته روحي له الفداء نسبة ( نسبته خ‌ل ) اهل هذه الدنيا من انه ماصفي عنهم غاية الصفا غيرهم لا ان انسه عليه السلام منحصر بهم و الا فله شيعة كرام من ساير العوالم ما لايحيط بوصفهم و عدهم الا الله و من اطلعه علي غيبه من اوليائه و حججه فافهم .

[ص 16] قال سلمه الله تعالي : و ايضا ما يقول سيدنا في الحديث الوارد عن مولانا الصادق عليه السلام ان لنا مع الله حالات نحن فيها هو و هو فيها نحن الا انه هو هو و نحن نحن .

اقول اعلم ان الاثر الحادث و ان بلغ ما بلغ لايبلغ الي حقيقة ذات المؤثر ابدا لانه هناك ممتنع الوجود و الذكر و الا لم‌يكن الاثر اثرا و لا المؤثر مؤثرا و هو خلاف المفروض و لاتلتفت الي اقوال بعض اهل الضلال حيث يقولون ان الاثر عبارة عن ظهور ذات المؤثر بطور من الاطوار و تعين من التعينات كظهور الماء في الثلج و البحر في الامواج الي غير ذلك من الامثلة الباطلة المقرونة بالحجج الداحضة فان هذا القول من البطلان بمكان و قد فصلنا في كثير من مباحثاتنا و اجوبتنا بطلان هذا القول بما لا مزيد عليه فاذا لايجوز القول بان الحادث يتحد مع القديم او يكون عينه في حال من الاحوال و وقت من الاوقات لاستلزامه الاقتران و الانفعال و التغير و التكثر و غيرها من اللوازم الباطلة الا ان الاثر له جهتان جهة دلالة علي المؤثر و اسم له و الاسم هو المنبئ عن المسمي كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام فاذا نظر العبد الي ذلك الوجه كان له حكم الاسم بل هو الاسم لان كل اثر يكون مبدء اشتقاق اسم لمؤثره و ذلك الاسم في رتبة الاثر لا في حقيقة ذات المؤثر كالقائم فانه اسم لزيد المشتق عند اثره القيام فالقائم قائم بالقيام قيام تحقق فهو اسم له لكن في رتبة الاثر لا في حقيقة زيد اذ لو كان القائم عين حقيقة زيد لماجاز توصيفه بالقاعد لان ذات الشئ لايفارقه الا عند فنائه و اعدامه و [ص 17] لا شك ان الذات محفوظة حين توصيفها بالقائم و القاعد و لايجوز ان يقال ان القائم لفظ مركب لمجموع الذات و القيام فان ذلك باطل لاستلزامه تغير الذات باثرها و ذلك مما يأباه اولوا العقول السليمة و الحاصل ان القائم اسم لزيد و صفة له و الصفة غير الموصوف كما نص عليه اميرالمؤمنين عليه السلام و الاسم غير المسمي كما نص عليه مولانا الصادق عليه السلام فلايكون القائم عين زيد بل انما هو ظهور زيد بالقيام و ذلك الظهور قائم بالقيام فالقائم حقيقة القيام و وجهه الي مبدئه اذا عرف القائم عرف زيدا اذ لا فرق بين القائم و بين زيد في التعريف و التعرف و المعرفة الا ان القائم عبد زيد و اثره و صفته جعلها في الاثر ليعرفه بها و ذلك الاسم و الصفة هي الربوبية بها و هو قول اميرالمؤمنين عليه السلام في وصف الملأ الاعلي علي ما في الغرر و الدرر و القي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله الحديث ، فالمثال الملقي هو تلك الصفة المخلوقة و الاسم المشتق عند وجود الاثر فاكمل حالات العبد و اشرفها ان يكون ناظرا الي تلك الجهة العليا فاذا استدام النظر اليها كان حينئذ اسما و صفة لا فرق بينه و بين الحق سبحانه في المعرفة الا انه عبده و خلقه و لذا قال اميرالمؤمنين عليه السلام من عرف نفسه فقد عرف ربه فمعرفة النفس هي عين معرفة الرب علي قدر الطاقة الامكانية و هو قول مولانا الحجة المنتظر عليه السلام في دعاء رجب و بمقاماتك و علاماتك التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرفك بها من عرفك لا فرق بينك و بينها الا انهم عبادك و خلقك فتقها و رتقها بيدك [ص 18] بدؤها منك و عودها اليك الدعاء ، و لما كان محمد و آله صلي الله عليه و عليهم هم الناظرين الي تلك الجهة العليا فكانوا هم المتمحضين في الاسمية و الصفتية و المثلية و لذا ورد في زيارة مولانا اميرالمؤمنين عليه السلام السلام علي اسم الله الرضي و وجهه المضيء و قال الصادق عليه السلام نحن الاسماء الحسني التي امركم الله ان تدعوه بها فمن هذه الجهة صار لا فرق بينهم و بين ربهم في المعرفة لكونهم وجه الله و قال عليه السلام نحن الاعراف الذين لايعرف الله الا بسبيل معرفتنا علي احد المعاني و لا فرق في الفعل و المشية و الارادة فصارت مشيتهم عين مشية الله و ارادتهم عين ارادة الله و ولايتهم عين ولاية الله و في الطاعة و المعصية و العداوة فكان من احبهم فقد احب الله و من ابغضهم فقد ابغض الله من يطع الرسول فقد اطاع الله الذين يبايعونك انما يبايعون الله و قال الصادق عليه السلام في قوله تعالي فلما آسفونا انتقمنا منهم ما معناه ان الله سبحانه لايأسف كاسفنا و لكنه سبحانه خلق لنفسه اولياء و جعل اسفهم اسفه و رضاهم رضاه و طاعتهم طاعته و معصيتهم معصيته الحديث ، و هو قوله تعالي و نفخت فيه من روحي و الله سبحانه هو المتعالي ان يقترن بشئ من الاشياء فكان ذلك هي الروح المخلوقة و هي روح علي عليه السلام و كذا قوله تعالي الله نور السموات و الارض و امثال ذلك من العبارات و الاشارات فكانوا عليهم السلام لهم مع الله حالات هو فيها هم و هم فيها هو اي حكمه حكمهم و حكمهم حكمه و امره امرهم و امرهم امره الا انهم [ص 19] اسماؤه الحسني و امثاله العليا و الكبرياء و الآلاء و لما كان في هذه العبارة توهم ما تدعيه الطائفة المخذولة الصوفية لعنهم الله من اتحادهم مع الله و قولهم اني انا الله و امثالهما من الكلمات الباطلة ازال عليه السلام هذا التوهم بقوله عليه السلام الا انه هو هو و نحن نحن اي هو هو في مقام قدمه و ازليته و نحن نحن في مقام الحدوث و العبودية و هذا الاتحاد و الوحدة في المظاهر الفعلية و الاسماء و الصفات الخلقية و الا فهو سبحانه اجل من ان تناله الاوهام و اعلي من ان تبلغه العقول و الاحلام و اعظم من ان يصل اليه كائنات الامكان و الاكوان و هذا الذي ذكرنا لك بعض الوجوه .

قال سلمه الله تعالي : و ايضا ما يقول سيدنا في معني اكل آدم من الشجرة حتي نزل فيه و عصي آدم ربه فغوي ما معني المعصية مع انه معصوم .

اقول ان الله تعالي نهي آدم عن اكل الشجرة المخصوصة كما هو صريح قوله تعالي و لاتقربا هذه الشجرة و لكنه كان يستحب لآدم ان يجتنب كل ما هو من نوعها و يشبهها لوجود المشابهة لما تعلق به النهي الالهي صريحا و ان كانت المشابهة المحضة لاتكون علة مستقلة لكن ينبغي التجنب لاهلها و آدم عليه السلام لعصمته و طهارته لم‌ياكل من نفس الشجرة المنهية بل مما هو من نوعها و سنخها و حيث كانت حسنات الابرار سيئات المقربين و يراد من الانبياء ما لايراد من غيرهم من الرعية لكمال قربهم و علمهم و بصيرتهم و طهارتهم عد هذا الاكل اي [ص 20] ترك الاولي معصية بالنسبة و الاضافة و حاشا انبياء الله يعصون ما امرهم الله فلايأتمرون بما يامرون حتي يستحقوا عتاب قوله تعالي لم تقولون ما لاتفعلون كبر مقتا عند الله ان تقولوا ما لاتفعلون و كيف و ان الله تعالي وصف ملائكته بانهم لايعصون كما في قوله تعالي لايعصون الله ما امرهم و يفعلون ما يؤمرون و قوله تعالي عباد مكرمون لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون و الانبياء عليهم السلام لاسيما آدم قد نص الله عليهم بانه اصطفاهم علي العالمين و منهم الملائكة في قوله تعالي ان الله اصطفي آدم و نوحا و آل ابراهيم و آل عمران علي العالمين كيف يتصور في حقهم المعصية و لايتصور في حق من دونهم و الله لايصطفي الا الاكرم الاتقي فمن لايتقي المعصية ليس بالمتقي فكيف يصطفيه الله علي من هو اتقي منه و ذلك لايكون ابدا فاذا وجد في كلام الله ما يدل علي المعصية في حق الانبياء عليهم السلام فالمراد منه ترك الاولي و حكم حسنات الابرار سيئات المقربين و ملاحظة انياتهم و ان كانت مضمحلة فانية لكن الالتفات اليها حاجبة عن الالتفات الي الله وحده و هذا هو الحكم في حق ساير الانبياء ماعدا نبينا و ائمتنا سلام الله عليهم فانهم لايتركون الاولي فاذا نسبت المعاصي اليهم في القرآن و في احاديثهم سلام الله عليهم فان المراد بها ذنوب شيعتهم و معاصيهم تحملوها تشريفا و تكريما كما في قوله تعالي ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك و ما تأخر و امثال هذه من الآيات .

قال سلمه الله تعالي : و ايضا ما يقول سيدنا في كلام شيخنا الشيخ احمد قدس الله سره في فوائده يعني بالوجود الحق الواجب المقدس و من [ص 21] جملة ما هو المقدس عنه اطلاق العبارة عليه فاذا اطلقت عليه فانما تقع علي العنوان و ذلك العنوان هو الوصف الذي ليس كمثله شئ .

اقول ان الواجب حيث كونه في القدم و الازل و الممكن حيث كونه في الحدوث و الامكان لايمكن للممكن الوصول الي الذات المقدسة فلايمكن معرفته ( معرفتها خ‌ل ) بوجه لانها فرع الاحاطة و الاتصال و هذا ممتنع في ازل الآزال و لما ان الله سبحانه خلق الخلق لعبادته و هي لاتمكن الا بمعرفته و معرفته في حق الممكن ممتنعة وجب عليه سبحانه ان يعرفهم نفسه لتكمل ثمرة ايجادهم و تتم علة انوجادهم و لما كان ما من الله سبحانه لا بد ان يكون اكمل ما يمكن وجب ان يكون تعريفه سبحانه بما لايمكن تعريف اجلي و لا اعلي منه و لما كان البيان و التعريف علي قسمين بيان حالي و بيان مقالي و الجمع بينهما اكمل و اولي فوجب عليه سبحانه في الحكمة ان يعرف نفسه لخلقه بالبيانين الحالي و المقالي اما البيان المقالي فهو الكتاب و السنة و ما يرجع اليهما من مدلولات الالفاظ و العبارات و المفهومات و التوصيفات و اما البيان الحالي فهو ما جعله سبحانه و تعالي في الآفاق و في انفس الخلايق من صفات توحيده و امثلة تمجيده و لما كان البيان الحالي بيان بالكينونة وجب عليه سبحانه ان يخلق في حقايق الخلق صفة تنبئ عن كينونته و حيث انه سبحانه و تعالي منزه و مقدس عن جميع الصفات الامكانية وجب ان تكون صفته كذلك فوصفه ليس كمثله شئ و الا لكان مثله شئ لانه يعرف بوصفه فخلق سبحانه و له الحمد و الشكر اسما للحروف غير مصوت و [ص 22] باللفظ غير منطق و بالشخص غير مجسد و بالتشبيه غير موصوف و باللون غير مصبوغ بريء عن الامكنة و الحدود مبعد عنه الاقطار محجوب عنه حس كل متوهم مستتر غير مستور فهذا الاسم المخلوق هو صفة معرفة الله سبحانه و تعالي و مقتضي ان يكون وصفا ان يكون مقدسا و منزها عن جميع الاضافات و النسب و منها اطلاق العبارات و وقوع الاشارات كما هو شأن الموصوف جل جلاله حتي يكون دليلا بكمال الدلالة و من حيث انه آية و دليل لنا بنا تعرف به سبحانه لنا بنا فنحن لانتعداه و لانصل الي الذات الاقدس كان هو محلا للعبارات و موقعا للاشارات و موضعا للنسب و الاضافات و موردا للاسماء و الصفات التي نثبتها له سبحانه و تعالي و هو المراد تبارك و تعالي و تلك الآية المعبر عنها بالعنوان و المقامات و العلامات التي لا تعطيل لها في كل مكان موقع تقع عليه تلك العبارات و ليس المراد منها الا الذات الظاهرة لنا بنا كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام لاتحيط به الاوهام بل تجلي لها بها و بها امتنع منها و اليها حاكمها و هذا الذي ذكرنا لك هو المراد من قول مولانا قدس سره و علا في العالمين ذكره ( العالمين مقامه و ذكره خ‌ل ) فانما تقع علي العنوان و ذلك العنوان ليس كمثله شئ و اذا كان العنوان ليس كمثله شئ فكيف تقع عليه العبارات التي تقع علي ساير الممكنات و البيان هو ما ذكرنا لك من انه من حيث آية التوحيد منزه عن كل الصفات الامكانية من حيث الدلالة و الا فهو في الحقيقة امكان و من حيث انه عنوانه لنا و آية للاسماء و الصفات يكون هو موقع العبارات و ليس المراد [ص 23] منها الا الذات البحت البات و انما كررت العبارات و رددتها للتفهيم فان فهمته فهو و الحمد لله و الا فليس لقصور في التعبير او لا لتقصير منك و انما هو لعلو المطلب و هو ما ذكرنا سابقا من ان دليل الحكمة هو غير متعارف عند اهل المجادلة فان شافهناك تحظي انشاء الله ببعض المطلب و الله الموفق .

قال سلمه الله تعالي : و ما يقول سيدنا في معني قوله عليه السلام من زعم انا خلاقون بامره فقد كفر .

اقول المعروف عند كافة الناس من الامر التفويض فاذا قيل ان المولي امر عبده بان يبيع الشئ الفلاني فالعبد مفوض اليه البيع فهو في حال البيع ليس في يد المولي بل معزول عنه و انما اقتضي ذلك الفعل الامر الاولي كالوكيل الذي يفعل بامر الموكل فانه حال الفعل مفوض اليه و الموكل بمعزل عنه و لا شك ان من يقول انهم عليهم السلام خالقون بامر الله كالعبد الفاعل بامر المولي و كالوكيل الفاعل بامر الموكل فان ذلك كفر محض و تفويض صرف لايقول به كافة اهل الاسلام في التكوينيات و الفرقة المحقة مطلقا اي في التكوينيات و التشريعيات و الذوات و الصفات و الافعال من الاختيارية و غيرها علي ما هو المعروف عندهم و لا استلزام التفويض الاعتزال الموجب لاستغناء الممكن فانه اذا صح استغناؤه عنه في حال يصح استغناؤه عنه في كل حال و هذا امر في الامكان ممتنع و محال فمن ادعي ( فمن ادعي ذلك فيهم فقد ادعي خ‌ل ) لهم الاستقلال و هو كفر علي كل حال و ما ورد من التفويض اليهم في بعض الاخبار كما في [ص 24] الزيارة الرجبية انا سائلكم و آملكم فيما اليكم التفويض و عليكم التعويض الزيارة ، و قول السجاد عليه السلام اخترعنا من نور ذاته و فوض الينا امور عباده ان الينا اياب هذا الخلق ثم ان علينا حسابهم فالمراد به السببية فانهم السبب الاعظم لافاضة الفيوضات الالهية و لولاهم لماافيض علي خلق فيض في جميع مراتبه كالبلور فانه حامل لفعل الشمس الذي هو الحرارة و محرق بها فالمحرق حقيقة هو الشمس و البلور سبب لاظهاره فالبلور يصدق عليه انه محرق لكنه باحراق الشمس و اشراقها فهو في حين الاشراق محفوظ بالشمس فلو اعتزلت الشمس عنه ماكان فيه احراق و لا حرارة فمافوض اليه امر الاحراق و لولا البلور ايضا لم‌يظهر الاحراق من حرارة الشمس فيما هو سبب له فيصح لك ان تقول الشمس محرقة بالبلور و لك ان تقول ان البلور محرق بالشمس و المعني واحد في الموضعين و كالملائكة الذين هم اسباب لظهور الافعال الالهية فان الفاعل هو الله بهم و يصح ان تنسب الفعل اليهم كما هو منسوب الي الله جل و علا اماسمعت الله يقول الله يتوفي الانفس حين موتها و يقول قل يتوفيكم ملك الموت الذي وكل بكم و يقول الذين تتوفيهم الملائكة الآية ، فاجمع بين هذه الآيات يظهر لك الحق الثابت البحت البات فالتفويض الوارد في هذه الروايات عن سادة البريات يحمل علي هذا المعني الصحيح و اما التفويض بمعني اعتزال الحق ( الاعتزال الحق سبحانه خ‌ل ) عن الخلق حال الفعل فذلك باطل فاسد مجتث زائل لايقول به الموحد و انما هو سبيل الغالي الملحد عصمنا الله و اياكم عن زيغ الآراء و اتباع الاهواء فافهم ثبتك الله .

[ص 25] قال سلمه الله : و ما معني قوله عليه السلام اثبات الصفات له توحيد مع ان نفي الصفات عنه توحيد .

اقول يجب ان نثبت لله الصفات بما يخرجه عن الحدين حد التعطيل و حد التشبيه بمعني انك تثبت كمالا له لكنه ليس ككمال المخلوقين فالصفة المتداولة في افهام عامة الخلق انها غير الموصوف و ان الموصوف غير الصفة و هي من مقتضيات الموصوف و المقتضي غير المقتضي و بينهما نسبة و ارتباط و اتصال و اقتران و لا ريب ان اثبات هذا المعني عند اثبات الصفة لله سبحانه كفر و زندقة لاستلزامه الكثرة و التعدد و الاقتران و كل ذلك من علامات الحدوث و هو قول مولانا اميرالمؤمنين عليه السلام كمال التوحيد نفي الصفات عنه لشهادة كل صفة علي انها غير الموصوف و شهادة كل موصوف علي انه غير الصفة و شهادة الصفة و الموصوف بالاقتران و شهادة الاقتران بالحدث الممتنع من الازل الممتنع من الحدث ، و بهذا المعني لايتم التوحيد الا بنفي الصفات عنه و اما اذا اردت بالصفات اثبات الكمال بلا كيف و لا اشارة بحيث تكون الذات عين الصفات و الصفات عين الذات بلا فرق لا في المفهوم و لا في المصداق و لا في الخارج و لا في نفس الامر بلا تعدد و لا تكثر و لا اختلاف بوجه من الوجوه و حيثية من الحيثيات و هذه الصفة يجب اثباتها لئلايلزم التعطيل فلايتحقق التوحيد الا بها فيجب اثبات الصفات للمعني الثاني و نفيها بالمعني الاول او اثباتها في عين نفيها بالمعني الذي ذكرت لك او يجب اثبات الصفات الذاتية للذات و يجب نفي الصفات الفعلية عنها [ص 26] لانها حادثة فلاتثبت للقديم سبحانه و تعالي و الذاتية هي الذات بلا اعتبار المغايرة الا في اللفظ و قولك الله عالم لا فرق بين العلم و العالم و الذات الموصوفة به فقولك علم هو معني قولك عالم و هو معني قولك الله فالعلم هو عين العالم و العالم هو عين الذات و الذات المجردة هي عينها بلا فرق و لا اعتبار و علي هذا فابن امرك في اثبات الصفات و نفيها كما في الحديث الشريف .