[ص 1]

رسالة في جواب الشيخ علي بن قرين

من مصنفات السيد الاجل الاوحد المرحوم

السيد كاظم بن السيد قاسم الحسيني الرشتي اعلي الله مقامه

[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم و به نستعين

الحمد لله رب العالمين و الصلوة و السلام علي محمد خاتم النبيين و آله الطيبين الطاهرين الي يوم الدين .

اما بعد فيقول العبد الجاني كاظم بن قاسم الحسيني الرشتي ان هذه كلمات امليتها جوابا للمسائل التي اتت من العالم الفاضل المسدد الكامل المؤيد بلطف الله الخفي و الجلي الشيخ علي بن قرين مع ( كمال خ‌ل ) تبلبل البال و اختلال الاحوال و الدواعي المانعة عن استقامة الحال و لكن الميسور لايترك بالمعسور و الي الله ترجع الامور .

قال سلمه الله تعالي : مسئلة - ما يقول سيدنا دام ظله و سما محله في وصية من قتل في معصية عامدا لها حال مرضه صحيحة ام لا و كذا عتقه و هل تشترط فيه اذا وقع منه او من غيره صيغة خاصة ام لا فيكفي ما دل عليه افدنا افادك الله .

اقول الاصح عدم صحته وصيته و عدم نفوذها في ما يوصي به ان كانت الوصية بعد احداث ما يوجب قتل نفسه من جرح و شرب سم او غير ذلك و اما ما كان من الوصية قبل ذلك فلا ريب في صحتها و نفوذها لصحيحة ابي‌ولاد و هذا الحكم مخصوص بما اذا قتل نفسه بان جرحه او شرب سما اما ما سوي ذلك مما اوجب قتله متعمدا كأن يدخل دار شخص و هو يعلم انه يقتل او يضرب رجلا و هو يعلم انه يقتله لاجله او يعصي معصية متعمدا و هو يعلم انه مقتول بها و غير ذلك فلايجري عليه الحكم المذكور اقتصارا بما خالف الاصل علي القدر المتيقن [ص 3] و هو مورد النص في صحيحة ابي‌ولاد و انكر ابن‌ادريس عدم نفوذ الوصية و نفي عنه البأس العلّامة و الاصح ما ذكرنا و اما عتقه فصحيح لوجود المقتضي و ارتفاع المانع و اما الصيغة فالمعتبر فيها لفظان التحرير و الاعتاق لكونهما صريحين و قد نطقت بهما النصوص اما التحرير فلايظهر فيه خلاف و اما الاعتاق فيظهر المنع من جماعة و تردد المحقق و الاقوي الوقوع للنصوص كالاخبار الناطقة بالصحة اذا قال السيد لامته اعتقتك و تزوجتك و عتقك مهرك و اما الصيغة الخاصة فلاتشترط بل يكفي ما يدل عليه مما يشتق من ماده العتق و الحرية .

قال سلمه الله تعالي : ما يقول سيدنا دام ظله و سما محله في الناتج من المحلل فيه بعض اعضاء بني آدم كالوجه او غيره حلال هو ام حرام ؟ ارشدنا ارشدك الله .

اقول المناط الصورة فان كانت النتيجة علي صورة المحلل فهو حلال و ان كانت علي صورة محرم فهو حرام و ان كان اصله حلالا و العبرة في تعيين الصورة بالعرف و كذلك لو كان بعض اجزائه يشبه ( شبيه خ‌ل ) المحرم لانه حرام ايضا .

قال سلمه الله تعالي : ما يقول سيدنا دام ظله و سما محله في الصلوة في الخز و السنجاب جايزة ام لا .

اقول الاصح الجواز بلا اشكال .

قال سلمه الله تعالي : ( مسئلة خ‌ل ) ما اشرف العوالم و ما اقدمها و ما مثل كل منها و ما عددها .

[ص 4] اقول اشرف العوالم و اعلاها و ابهاها و اسناها و اقدمها التي ماتقدمها عالم و لاسبقها سابق عالم الحقيقة المحمدية و هو عالم واحد في حد ذاته و اثنان بحسب صفاته نبوة و ولاية و ثلثة بحسب قراناته والد و والدة ( ولادة خ‌ل ) و ولد و سبعة بحسب اسمائه محمد و علي و فاطمة و الحسن و الحسين و جعفر و موسي و اربعة‌عشر بحسب ظهوراته فهو اصل العوالم و باقي العوالم كلها مشتقة منه و مأخوذة عنه اشتقاق الشعاع من المنير و عدد تلك العوالم المنشعبة عنها الف‌الف علي ما روي عن الباقر عليه السلام و اما مثل كل عالم منها اي من العوالم المنشعبة من العالم الاول الذي هو اشرف العوالم كما في السؤال اما في العالم الكبير فالعرش مثال عالم النبوة الظاهرة في محمد صلي الله عليه و آله و هي النبوة المطلقة العامة المحيطة علي كل شيء و الكرسي مثال عالم الولاية الظاهرة في اميرالمؤمنين علي عليه السلام و البروج الاثني‌عشر مثال للائمة الاثني‌عشر فالكرسي مثال للحقيقة ( الحقيقة خ‌ل ) الجامعة و البروج لخصوصية كل واحد من حدود الولاية فكما ان لرسول الله صلي الله عليه و آله معهم جهة جامعة كك لاميرالمؤمنين علي عليه السلام و لذا قلت ما قلت و اما مثالها في الحقيقة الانسانية فالقلب مثال العرش و الصدر مثال الكرسي و الدماغ مثال البروج و قول جنابك و ما مثل كل منها ان اردت مثل العوالم التي هي في العالم الذي هو اشرف العوالم و اقدمها فهو كما ذكرنا لك اجمالا و ان اردت مثل جميع العوالم ان اردت في العالم الاكبر فذلك غير معقول لان تلك العوالم بحقايقها و اعيانها موجودة و لاتحتاج الي مثل اوضح من [ص 5] حقيقتها و ان اردت مثال تلك العوالم في الحقيقة الانسانية فصحيح فان الله سبحانه تعالي جعل الصورة الانسانية مجمع صور العالمين و المختصر من اللوح المحفوظ و هي الكتاب الذي قال سبحانه و كل شيء احصيناه كتابا كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام الصورة الانسانية هي اكبر حجة ( الله خ‌ل ) علي خلقه و هي الكتاب الذي كتبه بيده و هي الهيكل الذي بناه بحكمته و هي مجمع صور العالمين و هي المختصر من اللوح المحفوظ الحديث ، فجمع سبحانه في هذه الحقيقة جميع مراتب الموجودات و عوالمها و لكن شرحها و بيانها بجميعها لايعلمها الا الراسخون في العلم الذين اشهدهم الله خلق السموات و الارض و خلق انفسهم و هم الذين امتثلوا امر الله لما قال و في انفسكم افلاتبصرون الا ان شرحها و بيانها لاتسعه الدفاتر بل لاتحويها الضمائر و انما محلها السرائر و اما شرح قليل من كثير منها يؤدي الي التطويل و الاطناب و ربما يكون نحو مجلد من الكتاب و اما شرح بعض كلياتها الاضافية فقد ملأنا بها مصنفاتنا و اجوبتنا للمسائل ليس ( بيانه الآن خ‌ل ) اقبال لذكرها و لكني اشير الي بعض منها حرصا لمزيد انتفاعكم فنقول مثال عالم المشية نقطة وجودك التي بلا كيف و لا اشارة و مثال عالم الافئدة وجودك من حيث صلاحية اقترانه بالماهية و مثال عالم العقول وجودك مع اقترانه بالمهية و مثال العرش قلبك و مثال الكرسي صدرك و مثال فلك زحل عقلك الذي في الدماغ و مثال فلك المشتري علمك و مثال ( فلك خ‌ل ) المريخ وهمك و مثال فلك الشمس الحرارة الغريزية المستجنة في تجاويف القلب و مثال فلك [ص 6] الزهرة خيالك و مثال فلك عطارد فكرك و مثال فلك القمر حياتك و مثال كرة النار المرة الصفراء و مثال كرة الهواء دمك و مثال الماء البلغم و مثال التراب المرة السوداء و مثال العيون الدم الجاري في العروق و مثال الاشجار الشعر النابت علي الاعضاء و مثال الجبال العظام و مثال الجن القوي الغضبية و مثال الجهل و الشياطين النفس الامارة بالسوء و توابعها و مثال الملئكة النفس المطمئنة و توابعها و مثال العين المرة الماء الذي في الاذن و مثال العين المالحة الماء الذي في العين و مثال العين الحلوة الدم و مثال ( العين خ‌ل ) التفه الريق و هكذا نوع امثال العوالم في الانسان فقد ذكرت لك نوعها فاستخرج الباقي منها .

قال سلمه الله تعالي : مسئلة - ما يقول سيدنا في باطن قوله تعالي و فديناه بذبح عظيم ما هذا الذبح الذي عظمه الله .

اقول هذا الذبح العظيم هو الحسين بن علي عليه السلام لا كبش اسمعيل فانه مثال هذا العظيم لانه عليه السلام كبش كتيبة الوجود و له انقاد كل موجود و مشهود و فداه الله سبحانه و حمله جميع المصائب لاستنقاذ المؤمنين و تربية الوجود و حفظه عن الفناء و الدثور و هو عليه السلام الذي عظمه الله علي كل عظيم و لم‌يكن سواه من يقوم بهذا الامر الا جده و ابوه و اخوه سلام الله عليهم و لم‌تكن المصلحة في ظهور هذا الامر العظيم الذي هو الذبح علي هذا الوجه الشنيع الذي هو الظهور باعلي مقامات الخضوع و الخشوع و اعلي مراتب الذلة و الانكسار لله الواحد القهار فحمل بهذا الانكسار جميع ظهورات الجبار [ص 7] لانه سبحانه عند المنكسرة قلوبهم فكان عليه السلام بذلك محل العناية في الافاضة فيفاض به عليه السلام علي كل موجود مبروء و مذروء مقتضي خير القضاء و خير القدر و لذا ورد ان الامة المرحومة يوم القيمة الف صف تسعمائة و تسعة و تسعون صف يدخلون الجنة بشفاعة الحسين عليه السلام و الصف الواحد يستحقون الجنة بشفاعة باقي الائمة و هو عليه السلام معهم فقد نال هذه المرتبة العظيمة و المنزلة الجسيمة بهذا الذبح في سبيل ( الله خ‌ل ) بظاهره و باطنه و سره و علانيته و لذا اختص عليه السلام بما لم‌يختص به غيره من جده و ابيه و امه و اخيه و سائر الائمة من الخصائص من تخير المسافر في الحائر و استحباب السجدة علي ترابه و اجابة الدعاء تحت قبته و كون الائمة من ذريته و هو عليه السلام الذبح العظيم الذي احيي العالم باحياء الحق بشهادته و امات الباطل بذبحه فكان عليه السلام بذلك هو الفجر الصادق و قال سبحانه ان قرآن الفجر كان مشهودا و هو الذي استشهد عليه السلام و لقد فصلنا هذه المسئلة باشرح بيان و اكمل تفصيل في رسالتنا الموضوعة في اسرار الشهادة و شرحنا الامر كما ينبغي فيها فان اردت زيادة الاطلاع فعليك بمطالعتها .

قال سلمه الله تعالي : و ما معني قول سيدنا بان الوجه وجه القلب فيجوز تقبيله دون غيره .

اقول معني ما ذكرنا هو ان الانسان حقيقة هو القلب و هو مقر النفس الناطقة و هو مقر الفؤاد و هو اول متعلق الجعل و الجامع لوصول الحقيقة الانسانية و بالجملة هو المعبر عنه بانا و لما كان هو السر الغيبي و الامر [ص 8] الحق ( الخفي خ‌ل ) ظهر في العالم الجسماني بالقلب الصوري الذي هو القلب ( هو اللحم خ‌ل ) الصنوبري معدن الحياة و موصلها الي جميع مراتب الاعضاء و هذا القلب حيث انه حكي ذلك القلب ظهر علي شكل المخروط و استقر في الوسط و ان كان لمصلحة يطول بذكرها الكلام مال الي الجانب الايسر ما دامت الدولة للظالمين الذين اخرجوا الاشياء عن مواضعها و لما كان هذا الباطن لا بد له من مظهر في الخارج الظاهر في مقام الصورة الظاهرية جعل الله سبحانه الوجه دليلا عليه و حاكيا له و مظهرا لكينونته و لما كان قلب المؤمن اثر الولاية و شعاعها ظهر الوجه علي حسب حدودها و شعبها فكان اربعة‌عشر كاسمه الدال عليه و لما كان قلب المؤمن انما خلق من فاضل طينة الائمة عليهم السلام و لم‌يجر فيه اللطخ كان طيبا طاهرا معصوما و لذا قلب المؤمن لايعصي و لايميل الي المعصية و ان كان بظاهر جسده يعصي لكنه حين المعصية منكر لها و كاره لها و مبغض لها و لايحب فعلها و ان كان يفعلها و هو قوله عليه السلام في الدعاء الهي لم‌اعصك حين عصيتك و انا بربوبيتك جاحد و لا بامرك مستخف و لا لعقوبتك متعرض الدعاء ، كان الوجه الظاهري الذي هو حكاية عن القلب و دليله ظهر فيه سر ذلك النور اي نور الولاية علي جهة الحكاية فتقبيل الوجه تبرك لكونه حاكيا لذلك النور و من قول الشاعر :

و ما حب الديار شغفن قلبي و لكن حب من سكن الديارا

فاذا قبل الوجه لاجل هذه الحكاية ففيه الفوز العظيم و لذا وردت عن ائمتنا سلام الله عليهم عدة روايات في استحباب تقبيل الوجه و ما بين العينين و الحث الاكيد علي ذلك كما رواه [ص 9] ثقة الاسلام في الكافي و غيره في غيره و اما غير الوجه من سائر الاعضاء فليس فيه حكاية عن الوجه الذي هو محل نور الولاية فلايصح تقبيله و لا تعظيمه لانه حدود الانية و جهات الماهية و منها تنشؤ احكام ( انحاء خ‌ل ) المعصية لاسيما اليد التي هي مظهر قدرة الشخص و محل افعاله فاذا لم‌تكن اليد معصومة فلا احترام لها و لا هي بموضع للتقبيل و التبرك و لذا قال عليه السلام لاتقبل الا يد نبي او وصي نبي ، فاستثني عليه السلام يد المعصوم و اما الغير المعصوم فلا احترام له و لا اكرام ( كرامة خ‌ل ) الا ان يكون حكاية عن المعصوم و بابا له فح يجب احترامه و اكرامه من جهة المعصوم و ذلك لايكون الا الوجه و لذا جاز تقبيل الوجه و الناصية و الرأس دون غيرها من سائر الاعضاء و ان كان الوجه افضل و في الحكاية اكمل و انما قلنا ان الوجه دليل القلب لان سر القلب الذي هو الحقيقة انما ظهر بالوجه دون غيره و لذا لايعرف الشخص الا بالوجه دون سائر الاعضاء مع ان جهة المخالفة في سائر الاعضاء بعضها مع بعض بالنسبة الي الغير موجودة و مخالفة الحدود ( و خ‌ل ) هي جهات التمييز و التشخيص و مع هذا كله لايعرف الشخص و لايميز الا بالوجه فلو رأيت جثثا متعددة بلا رؤس ماعرفتها و لا ميزت بينها و لا شخصتها لفقدان ما فيه سر حكاية القلب و هذا معني قولنا ان الوجه وجه القلب فيجوز تقبيله دون غيره فافهم فهمك الله .

قال سلمه الله تعالي : ما معني قوله تعالي و لله علي الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا فمن كفر فان الله غني عن العالمين ما معني هذا البيت و ما هذه [ص 10] الاستطاعة و ما هذه السبيل و من الموصوف بالكفر و ما هذا الكفر ؟ اجبنا ايدك الله .

اقول اما في الظاهر فالبيت هو الكعبة و هي التي فرض الله سبحانه السعي اليها عند الاستطاعة و هي التمكن من الزاد و الراحلة ذهابا و ايابا و النفقة لعياله الواجب النفقة و الذي يعول به من غيرهم و تخلية الدرب ( السرب خ‌ل ) و عدم الخوف علي نفسه و علي عرضه و علي ماله بما لايتحمله عادة و عدم مانع و لو من جهة تحصيل العلم الواجب قدر الضرورة و بهذه و امثالها من نوعها تحصل الاستطاعة و اما السبيل هي الطريق الموصل الي البيت قربا و بعدا سهلا و حزنا و غير ذلك و اما الموصوف بالكفر فهو الذي يترك الحج مع التمكن و الاستطاعة و هذا الكفر كفر طاعة لا كفر شرك و قد قال عليه السلام من استطاع الحج و لم‌يحج ان شاء فليمت يهوديا و ان شاء فليمت نصرانيا ، هذا اذا اعتقد عدم مشروعية الحج اما اذا اعتقد مشروعيته و ترك تهاونا فذلك فاسق فاجر لكنه ليس بكافر الا كفر طاعة كما نص عليه الامام عليه السلام و هذا الكفر لايوجب الخلود في النار و هذه المسائل قد فصلها و دونها اصحابنا رضوان الله عليهم في كتب الفقه و نحن ايضا كتبنا رسالة مختصرة في مناسك الحج و آدابه و شرايطه و اسبابه و من اراد تفصيل مسائل الحج فليرجع اليها ، هذا ما يتعلق بظاهر الآية الشريفة .

و اما ما يتعلق بباطنها فوجوه كثيرة يضيق البيان عن احصائها و لكنا نذكر منها وجهين لتعرف بهما نوع المراد من الباطن اما الوجه الاول فاعلم ان المراد بالبيت هو بيت الحسين عليه السلام المبني [ص 11] في كربلاء قبل دحو الارض لان كربلاء هي اب القري و الكعبة هي ام القري و لا ريب ان اب القري اقدم وجودا و اسبق تحققا من ام القري و لذا ورد ان الله سبحانه خلق كربلاء قبل خلق العالم باربعة و عشرين الف سنة فاذا كان كذلك وجب ان يكون اول بيت وضع للناس هو البيت الذي في كربلاء لان الله سبحانه لايخل بالحكمة و لايترك الاولي فوجب ان يكون اول البيت في اول البقاع و اشرفها و ذلك البيت بيت الحسين عليه السلام خصه الله سبحانه به لشهادته و هو قبة حمراء من ياقوتة حمراء فيها سرير من ياقوتة حمراء صافية مشرقة يغشي نورها الابصار و حول هذه القبة تسعون‌الف قبة من زمردة خضراء فالبيت واحد و قببه كثيرة واسعة و لو اردنا ( ان خ‌ل ) نذكر سعة كل قبة و ما يترتب عليه من جوامع المحاسن لضاقت الدفاتر و كلت البصائر فكتمانها في الصدور خير من ابرازها في السطور و هذا البيت هو الذي ببكة و بكة هي كربلاء محل البكاء و الخضوع و الخشوع و الذلة و المسكنة لله سبحانه و تعالي و هو المبارك الذي عم بركتها كل الوجود اذا حل فيه الحسين عليه السلام اي يظهر ذلك و الا فهو حالّ فيه دائما و بركات العالم كلها انما تبرز و تظهر و تنتشر في الوجود من هذا البيت لانه علي موضع القطب الدائر عليه الكون الجسماني من العرش و الكرسي و السموات السبع و الارضين السبع و ما يظهر من استدارتها من المتولدات فكانت من تلك القطعة اي موضع قبر الحسين عليه السلام من ارض كربلاء جميع البركات الواصلة الي جميع الذرات الجسمانية فلاجل ذلك وصف الله ذلك البيت بالبركة بقوله مباركا [ص 12] و من ذلك البيت نشرت الهداية في العالم اما في هذا الكون الظلماني فبقتل الحسين عليه السلام في هذه الارض و ظهور الآيات البينات من بكاء السموات دما و كسوف الشمس يوم العاشر و خسوف القمر في الليلة الحادية‌عشر و هما عند المنجمين محال و قد اقاموا علي محاليتهما براهين عقلية لقد نقضت براهينهم تلك الآيات الجليلة و سينقضها ايضا الليلة الطويلة عند ظهور مولانا عجل الله فرجه و سهل مخرجه و روحي له الفداء و عليه و علي آبائه السلام فكان ذلك ( ذاك خ‌ل ) البيت المشرف هدي للعالمين و فيها آيات بينات من نحو ما ذكرناه و فيها مقام ابراهيم الاول حين قال صلي الله عليه و آله حسين مني و انا من حسين ، و سيأتي زيادة بيان لذلك فاذا عرفت ما ذكرناه علمت ان الذي دخل هذا البيت كان آمنا من جميع المكاره الحقيقية من الدنيوية و الاخروية و اما ما يصيب المؤمن من المكاره في ارض كربلاء فذلك حقيقة لارتفاع درجة و انحطاط سيئة و الا فكل من مات و دفن في ارض كربلاء و كان مؤمنا موحدا مواليا امن من جميع الضراء و قد ورد عن صادق اهل البيت عليهم السلام انه سئل عن الناقة هل تدخل الجنة قال عليه السلام ناقة صالح و كل ناقة تموت في ارض كربلاء و سئل عن الحمار يدخل الجنة قال عليه السلام حمار بلعم بن باعوراء و كل حمار يموت في ارض كربلاء و سئل عليه السلام عن الكلب هل يدخل الجنة قال عليه السلام كلب اصحاب الكهف و كل كلب مات في ارض كربلاء ، و هذه الرواية رويتها عن شيخي و استادي اعلي الله مقامه و رفع في الدارين اعلامه مرفوعا عن [ص 13] الصادق عليه السلام و اذا ( فاذا خ‌ل ) كانت هذه الارض امانا لهذه الحيوانات و امثالها من البهائم فما ظنك بالانسان الموحد الموالي فذلك البيت امان اذن لكل من دخل فيه و اما الاستطاعة للوصول الي هذا البيت فعلي قسمين لان هذا البيت له مقامان مقام وجود و تحقق و مقام ظهور و بروز ففي المقام الاول هو الآن موجود في ( ارض خ‌ل ) كربلاء و لكن لاتراه الابصار و قد خفي عن الانظار كالملائكة الموجودين و الجن و الجنة و النار و غيرها من الامور الموجودة المخفية عن ابصار النار ففي ( و في خ‌ل ) هذا المقام المراد بالاستطاعة هو ما ذكرنا من الاستطاعة للوصول الي الكعبة المشرفة من الزاد و الراحلة ( و غيرهما مما ذكرنا هناك و كذلك في هذا المقام من حصول الزاد و الراحلة خ‌ل ) و النفقة الموصلة الي الارض المقدسة الحسينية علي مشرفها آلاف الثناء من رب البرية فاذا وصل اليها نال اقصي المني لدخول ذلك البيت المعظم و المشهد المكرم و لذا ورد ان زيارة الحسين عليه السلام تعدل عشرين حجة و عمرة و في رواية تسعين حجة من حجج رسول الله صلي الله عليه و آله و في رواية ( له خ‌ل ) بكل خطوة الف الف حجة و الف الف عمرة و الف الف غزوة مع نبي مرسل او امام عادل و عتق الف الف رقبة من اولاد اسمعيل ذبيح الله ، و المراد بالسبيل الطريق الموصل الي تلك الارض الطيبة المباركة التي حل فيها ذلك البيت المكرم المعظم الذي هو اول بيت وضع للناس و اما الاستطاعة علي المقام الثاني اي مقام ظهور ذلك البيت و بروزه فلايكون ذلك الا في الرجعة رجعة الحسين عليه السلام و اصحابه فهي المعرفة النورانية [ص 14] و البلوغ الي مقام الثبات و الطمأنينة في العلم و العمل و التمسك بالركن الرابع الذي به تمام بيت المعرفة و تصديق قوله تعالي و لئن قتلتم في سبيل الله او متم اي معرفة ان سبيل الله هو علي و القتل في سبيل الله هو القتل في سبيل علي عليه السلام فاذا حصلت له معرفة هذا النوع من المطالب و العقايد فقد استطاع سبيلا الي دخول ذلك البيت عيانا ظاهرا مع الحسين عليه السلام في الرجعة اي يرجع حتي يدخل ذلك البيت كما وردت به الاخبار عن الائمة الاطهار عليهم سلام الله العزيز الجبار و ما ذكرناه هو مجمل وجه واحد من وجهي الباطن الذي وعدناك ببيانهما .

و اما الوجه الثاني فاعلم ان البيت في هذه الآية الشريفة هو اميرالمؤمنين عليه السلام لانه اول بيت من البيوت التي اذن الله ان ترفع و يذكر فيها اسمه و تلك البيوت رجال لاتلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر الله علي قرائة المبني للمجهول في يسبح و الوقف علي الآصال و هم عليهم السلام بيوت النبوة و بيوت المعرفة و بيوت المجد و الشرف و بيوت السودد اول تلك البيوت هو الذي وضع حمله في بكة و هي موضع البيت من مكة و لا ريب ان الذي وضع حمله في مكة ليس الا اميرالمؤمنين عليه السلام فهو اذن اول بيت وضع حمله في مكة لاجل الناس لهداياتهم و ارشادهم و ايصال ما لهم و منهم و اليهم و فيهم و عندهم و بهم و عليهم كلها اليهم عن فوارة القدر بامر مستقر و بذاك كان اميرالمؤمنين عليه السلام لانه يمير يعني يكيل يعني يقدر لهم عن الله سبحانه و عن رسوله صلي الله عليه و آله ما يقتضي كينونات الناس و هو عليه السلام هدي للعالمين فيه آيات بينات [ص 15] و هم الائمة عليهم السلام لانهم الآيات المرئية في الآفاق و في انفس الخلايق كما نص عليه مولينا الصادق عليه السلام و فيه مقام ابراهيم الاول لان اميرالمؤمنين ( عليه السلام خ‌ل ) مقام ظهور رسول الله صلي الله عليه و آله و به ظهر رسول الله صلي الله عليه و آله للخلق كما ظهر العرش بالكرسي فافهم ضرب المثل و لا ريب ان من دخل هذا البيت يعني دخل في ولايته مؤمنا خالصا مطمئنا فهو آمن من كل لأواء و بأساء و ضراء و هو معلوم ظاهر و ما تجد من ابتلاء شيعته و رعيته باذية الظالمين فذلك شيء مأخوذ عليهم العهد و الميثاق في العالم الاول بان يصبروا و يصابروا و يرابطوا فهذه الشدة عليهم احلي من العسل فالذي يتذكر ذلك العهد فلايجد بأسا و لا الما و الذي نسي العهد فسيذكر و يكون كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام :

عند الصباح يحمد القوم السري و تنجلي عنهم غيابات الكري

فح تكون الاستطاعة يراد بها العقل و الادراك و الشعور و الاختيار و المعرفة بالوجوه السبعة في الاطوار الاربعة اما الوجوه السبعة فالتوحيد اولا ثم المعاني ثانيا ثم الابواب ثالثا ثم الامام رابعا ثم الاركان خامسا ثم النقباء سادسا ثم النجباء سابعا اما الاطوار الاربعة التسليم و التصديق و الايمان و المعرفة و في كل وجه من تلك الوجوه السبعة يراعي كل هذه الاربعة و قد قال عليه السلام انكم لن‌تؤمنوا حتي تعرفوا و لن‌تعرفوا حتي تصدقوا و لن‌تصدقوا حتي تسلموا ابوابا اربعة لايصلح اولها الا بآخرها ضل اصحاب الثلاثة و تاهوا تيها بعيدا ، فاذا تحققت المعرفة علي الوجه المسطور حصلت الاستطاعة للسير في سبيل الولاية فالاستطاعة هي [ص 16] ما ذكرناه و السبيل هي القري الظاهرة للسير الي القري المباركة و القري الظاهرة هم العلماء الربانيون و العرفاء الألاهيون و الابواب للباب الاعظم الذي هو باب مدينة العلم صلي الله عليه و آله و سلم فافهم راشدا و اشرب صافيا فح فالمراد بالكفر هو الكفر الحقيقي فان من لم‌يؤمن بالولي لم‌يؤمن بالنبي و من لم‌يؤمن بالنبي لم‌يؤمن بالله و من لم‌يؤمن بالله هو الكافر المخلد في مهاوي جهنم نستجير بالله منها و قد روي اخطب خوارزم عن النبي صلي الله عليه و آله انه قال ليلة اسري به الي المعراج اوحي الله اليه و قال يا محمد لو ان عبدا عبدني صام نهاره و قام ليله حتي يصير كالشن البالي ثم يأتيني من غير ولاية ابن عمك علي ابن ابي‌طالب عليه السلام اكببته علي منخره في نار جهنم ، فلهذه الآية ( الشريفة خ‌ل ) وجوه كثيرة تركناها خوفا للتطويل و صونا من اصحاب القال و القيل .

قال سلمه الله تعالي : مسئلة - ما يقول سيدنا ادامه الله في كيفية نصب الشاخص و طريق معرفة الزوال في سائر الاوقات و البلدان ارشدنا ارشدك الله .

اقول اما نصب الشاخص احسن الطرق و اسهلها الدائرة الهندية و طريقها ان تعدل سطحا متساويا النسبة من جميع الجهات بحيث لو صب ماء في وسطه يقف في كل جهاته و لاينحدر الي جهة فاذا تعدل السطح كما ذكرنا ترسم عليه دائرة و تنصب علي مركز الدائرة شاخصا و الاحسن ان يكون دقيق الرأس علي شكل المخروط و ان يكون ارتفاعه مقدار ربع القطر و ان كان يجوز اكثر ، فاذا نصب الشاخص في وسط يجعل في الشمس فينظر في الظل فاذا دخل في الدائرة يعلم الدائرة عند اول [ص 17] دخول الظل فيها بعلامة ثم لايزال ينظر الي ان يخرج الظل من الدائرة فيعلم موضع خروج ظله منها بعلامة ثم يوصل بين العلامتين بخط و هو خط المشرق و المغرب و الاحسن ان يكون تحصيل هذا الخط عند اول نقطتي الاعتدال اي اول كون الشمس في اول برج الحمل او في اول برج الميزان و يكون خط المشرق و المغرب مارا علي مركز الدائرة ثم ينصف هذه الدائرة نصفين و يرسم في الوسط خطا من محيط الدائرة الي محيطها فتجعل الدائرة بهذين الخطين ارباعا و هذا الخط الثاني هو دائرة نصف النهار فالظل من اول طلوع الشمس طويل ثم لايزال ينقص الي ان يدخل في الدائرة فلايزال ينقص حتي يصل الي خط نصف النهار فاذا تجاوز الظل عن ذلك الخط الي جهة المشرق فقد زالت الشمس يقينا بالضرورة و هذا طريق تحصيل الزوال بمعرفة خط نصف النهار فاذا اردت تحصيل سمت القبلة فانظر الي انحراف قبلة البلد الذي انت فيه عن نقطة الجنوب التي هي محاذية لخط نصف النهار كم ( من خ‌ل ) درجة فتقف علي محاذات نقطة الجنوب ثم انحرف عن موضع سجودك الي جانب المغرب اذا كان الانحراف غربيا و ( او خ‌ل ) الي الشرق ان كان شرقيا فانحرف لكل درجة اصبعا من موضع سجودك فما ينتهي اليه هو القبلة ، مثلا انحراف قبلة ارض ( اهل خ‌ل ) الكوفة و مشهد الحسين عليه السلام عن نقطة الجنوب اثنتي‌عشر درجة فاذا حاذيت نقطة الجنوب عند الزوال او غيره اذا علمت موضعها و انحرفت عن موضع سجودك الي جهة الغرب شبرا واحدا و هو عبارة عن اثني‌عشر اصبعا فذاك سمت القبلة و اذا اردت معرفة نقطة الجنوب [ص 18] بالليل فاجعل الجدي بين كتفيك ثم انحرف عن نقطة الجنوب بمقدار درجة انحراف تلك البلدة عن نقطة الجنوب فما ينتهي بك هو القبلة يقينا و هذه القاعدة لاتتخلف اصلا بشرط ان تعرف مقدار انحراف البلاد عن نقطة الجنوب او الشمال و اما استعلام الزوال فلايتوقف علي معرفة درجات الانحراف و هذا الذي ذكرنا لك قاعدة كلية لاتتخلف انشاء الله في جميع الاوقات و جميع البلدان .

قال سلمه الله تعالي : مسئلة - ما الثلاث المسائل التي وقع ( منها خ‌ل ) الخلاف بين الشيخ رحمه الله و اهل العراق و ما دليل كل علي دعواه و ما مذهب جنابكم الشريف ايضا كذلك اسعدك الله .

اقول ليس في البين خلاف في الواقع و انما نسبوا الي جنابه الشريف بعض المسائل كذبا و افتراءا و زورا حسدا من عند انفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فبعضهم كما قال تعالي و جحدوا بها و استيقنتها انفسهم و قوله تعالي يعرفونه كما يعرفون ابنائهم و ان فريقا منهم ليكتمون الحق و هم يعلمون و الآخرون كما قال عز و جل و اذ لم‌يهتدوا به فسيقولون هذا افك قديم .

و تلك المسائل التي نسبوا اليه اعلي الله مقامه و رفع في الدارين اعلامه منها مسئلة المعراج زعموا بل موهوا علي الناس انه اعلي الله مقامه يذهب الي ان المعراج ليس بهذا الجسم الدنيوي بل هو اما روحاني ( او جسماني خ‌ل ) بجسم شفاف آخر غير هذا الجسم الذي كان عليه صلي الله عليه و آله مع الناس و هذه الشبهة انما دخلت عليهم من عبارة ماعرفوا قرائة لفظها بل قرؤها غلطا و فرعوا عليه باطلا و الفرع و الاصل كلاهما باطلان و قولهم سواد في سواد في سواد [ص 19] سبحانك هذا بهتان عظيم بل الذي سمعنا منه مشافهة و ملأ به كتبه و مصنفاته ان رسول الله صلي الله عليه و آله انما عرج بهذا الجسم الدنيوي الذي كان مع الناس بل بثيابه و لباسه و نعله صعد الي السماء ( السموات خ‌ل ) و خرق الحجب و السرادقات و وصل الي العرش و صعد الي مقام قاب قوسين فمن انكر عروجه صلي الله عليه و آله الي العرش من غير هذا البدن و هذا الجسم فعليه لعنة الله و لعنة اللاعنين و لعنة الله علي الكاذبين و المفترين و هذا مذهب شيخي و استادي و مذهبي به القي الله يوم القيمة من انه صلي الله عليه و آله عرج بجسمه الدنيوي و بثيابه التي كانت عليه الي السموات السبع و الكرسي و الحجب و السرادقات الي ان بلغ منتهي العرش و هذا مذهب الفرقة المحقة و لكن الجماعة ارادوا ايقاع الفتنة و قد اركسوا فيها .

و منها مسئلة المعاد زعموها انه اعلي الله مقامه لايذهب اليها كما موهوا علي الناس في المعراج و قالوا انه اشاد الله شأنه و اعلي برهانه يذهب الي ان المعاد ليس بهذا البدن العنصري و ان الجسد العنصري يذهب و لايعود فقالوا انه يقول ان المعاد بجسم آخر غير الجسم الموجود في الدنيا الا و قد كذبوا و افتروا و قالوا زورا و بهتانا بل المعاد عنده اعلي الله مقامه بهذا ( هذا خ‌ل ) الجسم المحسوس الملموس المرئي لكنه تتفاوت الصور كتفاوت الصور في هذه الدنيا و اعترائها علي الجسم و هو علي ما هو عليه كصورة الرضاع و الفطام و الصبا و المراهقة و البلوغ و التمام و الكمال و الشباب و الشيب و الصحة و المرض و غيرها من الصور و كذلك الصورة [ص 20] الدنياوية قد لاترجع في الآخرة ألاتري ان لقمان كان عبدا اسود أتظن انه يحشر يوم القيمة اسود الوجه و البدن و ابوبصير ليث المرادي البختري كان اعمي أتظن انه يحشر اعمي و ( او خ‌ل ) الكفار الذين هم في هذه الدنيا ظهروا علي الصور الحسنة أتظن انهم يحشرون عليها و الله سبحانه و تعالي يقول و نحشره يوم القيمة اعمي قال رب لم حشرتني اعمي و قد كنت بصيرا الآية ، و تغير الصور في الآخرة مما لايستريبه عاقل الا ان يخرج من العقل و يدخل في سلك المجانين و هذه الصورة هي المسماة عنده اعلي الله مقامه بالجسد التعليمي العنصري كما انها هي المسماة عند الحكماء المشائين و المتكلفين المتكلمين بالجسم التعليمي و حيث انهم لم‌يفهموا المراد اراد القوم من اهل العراق علي سابق طريقتهم مع اميرالمؤمنين عليه السلام التمويه علي الناس و ( في خ‌ل ) العداوة مع هذا العالم الرباني لما وسوس في قلوبهم الخناس قالوا انه اعلي الله مقامه ينكر المعاد الجسماني حاشا ثم حاشا بل هو الذي انكر علي المنكرين لهذا المعاد و ابطل شبههم و اثبت المعاد الجسماني بالبدن الجسماني الدنيوي بالبراهين القطعية من العقلية و النقلية مع اعتراف الحكماء بالعجز عن البرهان العقلي علي المعاد الجسماني و اكتفائهم بما نطقت الشريعة من اثباتها و من الذين نص عليه ابن‌سينا في عدة من كتبه افمن يهدي الي الحق احق ان يتبع امن لايهدي الا ان يهدي فما لكم كيف تحكمون و نسبة انكار المعاد الجسماني اليه كنسبة قبح الصورة الي يوسف الصديق عليه السلام و نسبة الحماقة الي اياس و الفهاهة الي قس [ص 21] بن ساعدة و هل يرضي بذلك ذو روية او يركن اليه ذو بصيرة و طوية و الي الله المشتكي .

و منها نسبة الفاعلية و الخالقية و الرازقية و الاحياء و الاماتة و سائر الافعال الالهية الي اميرالمؤمنين عليه السلام او الي احد الائمة علي جهة الاستقلال او علي جهة التفويض و يزعمون ان مولانا الشيخ اعلي الله مقامه يذهب الي ذلك حاشا ثم حاشا ثم حاشا بل التفويض باطل فاسد عند جميع الامامية حتي في افعال العباد الاختيارية فما ظنك بافعال الله اذا نسب الي غير الله و شيخنا اعلي الله مقامه نص علي بطلان التفويض في الامكان في عدة من كتبه و برهن بالبراهين القطعية ان الامكان محال ان يفوض اليه شيء كيف لا و قد قال سبحانه خطابا لنبيه صلي الله عليه و آله ليس لك من الامر شيء فما ظنك بغيره صلي الله عليه و آله اذ لا افخر و لا انور و لا اعظم و لا اكرم و لا ابهي و لا اسني منه صلي الله عليه و آله من كافة الموجودات و ( او خ‌ل ) الكائنات من الامكان و الاكوان فاذا انتفي التفويض بتصريح منه اعلي الله مقامه فكيف يذهب الي ما ينفيه بالتصريح و التلويح بل علومه مبنية عليه بل الائمة عليهم السلام عنده اعلي الله مقامه كما هو في الواقع عند الله عباد مكرمون لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون الي ان قال و من يقل منهم اني اله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين ، و ذكر الشيخ قدس نفسه الزكية ان المراد من قوله تعالي فمن يقل منهم اني اله من دونه يعني من يقل منهم اني انا ملاحظا لوجدان نفسه فالذي هذا اعتقاده كيف يصرف الي ما ذكر مراده تبا و سحقا للقوم الظالمين الا لعنة الله علي الكاذبين بل اعتقاده اعلي الله مقامه في ائمتنا عليهم السلام و هو الذي [ص 22] نعتقده نحن ان الله سبحانه حيث جعل العالم عالم الاسباب و ابي ان يجري الاشياء الا باسبابها جعل محمدا و آله صلي الله عليه و آله ( عليهم خ‌ل ) هم السبب الاعظم و الصراط الاقوم علي ما في زيارة آل يٰس لمولانا الحجة عليه السلام و من تقديره منايح العطاء بكم انفاذه محتوما مقرونا فما شيء منا الا و انتم له السبب الزيارة ، و كل الاشياء في كل اطوارها هم سبب وجودها و علة تحققها و بهم ظهرت افعال الربوبية و قد قال ابن ابي‌الحديد المعتزلي :

تقيلت افعال الربوبية التي عذرت بها من شك انك مربوب

ايا علة الدنيا و من بدو خلقها له و سيتلو العود للبدو تعقيب

فمن قال ان الامور الالهية قد فوضت اليهم فهم يفعلون بامر الله كما يفعل العبد بامر سيده و يفعل الوكيل بامر موكله او قال انهم شركاء لله في هذه الافعال و غيرها او قال انهم المستقلون دون الله فعليه لعنة الله و لعنة اللاعنين و لعنة الملائكة و الانس و الجن اجمعين و من انكر كونهم اسبابا للوجود و ان الخيرات كلها خلقت من شعاع نورهم و الحق و الخير منحصران لهم ( فيهم خ‌ل ) و الكفار و الاشرار انما خلقوا من عكوسات اظلتهم و الخير و الشر منسوبان اليهم الا ان الخير من موافقتهم و الشر من مخالفتهم و في الزيارة السلام علي نعمة الله علي الابرار و نقمته علي الفجار ، و لا شك ان من آمن بهم سعد و كان من اهل الحق و من انكرهم شقي و كان من اهل الباطل و هم قسيم الجنة و النار فافهم و انهم مبدء الوجود و انهم اول خلق الله و لولاهم ماخلق الله فمن انكر هذه الامور فلا حظ له في الايمان و لا هو من هذه الفرقة [ص 23] المحقة التي تدور عليهم الاكوان و الاعيان ان افتريته فعلي اجرامي و انا بريء مما تجرمون .

و منها مسئلة العلم يزعمون ان مولينا اعلي الله مقامه يذهب الي ان علم الله منه قديم و منه حادث و ان الله سبحانه يتجدد عنده ما لم‌يكن عنده سبحانك هذا بهتان عظيم يعظكم الله ان تعودوا لمثله ابدا ان كنتم مؤمنين بل اعتقاده كما هو اعتقادنا ان الله سبحانه يعلم الاشياء كلها كليها و جزئيها ذاتيها و عرضيها و عاليها و سافلها مجردها و ماديها و كل شيء من الامكان و الاكوان و الاعيان و الاكوار و الادوار و الاطوار و الاوطار كلها قبل وجودها و بعد وجودها و حين وجودها بلا تنقل و لا تجدد و لا انتظار و لا تغيير حال سبحانه و تعالي عما يقولون علوا كبيرا نعم يطلق العلم في الكتاب و السنة علي غير الله و غير علمه الذاتي كما عقد الكليني (ره) بابا في الكافي ان لله علمين علم علمه انبيائه و رسله و ملائكته و علم استأثره في علم الغيب عنده فنقول العلم الذي علمه الله انبيائه و رسله هل هو علمه الذاتي او غيره فان قلت انه علمه الذاتي و العلم الذاتي عين الذات عند كافة الامامية فيكون الله تعالي قد علم ذاته الانبياء و لا ريب انه كفر صريح و اذا كان ذاته علمه الانبياء فالعلم الذي استأثره ( الله خ‌ل ) في علم الغيب ما هو ، هل هو ذاته او غير ذاته ؟ فان كان ذاته لزم التكثر في ذاته و التفرق حيث علم بعض ذاته و اخفي بعضا آخر و هو كما تري و ان كان غير ذاته فهل هو قديم او حادث ؟ فان كان قديما كان الله متعددا و ان كان حادثا فذلك الذي كنا نبغي ، فان العلم له اطلاقان مرة يطلق و يراد به العلم [ص 24] الذاتي و مرة اخري يطلق و يراد به كون من الاكوان الحادثة فنسبة هذا الحادث الي الله كنسبة الروح الي الله في قوله تعالي و نفخت فيه من روحي و البيت الي الله كما في قوله و طهرا بيتي للطائفين و القائمين و الركع السجود و نسبة الاسف الي الله كما في قوله تعالي فلما آسفونا انتقمنا منهم و كذلك القول فيما ورد ان الائمة خزان علم الله و انهم عيبة علم الله و هكذا غير ذلك من الاطلاقات التي يطول الكلام بها .

و هذه المسائل الاربع هي التي نسبوها الي ذلك العالم العلم الرباني و الفريد الوحيد الذي ليس له ثاني باب الامام و حجة الخصام و ركن الانام مولانا اعلي الله مقامه كذبا و افتراء و زورا و بهتانا حتي ان بعضهم قد الجأه العناد و ابتغاء الفساد لااناله الله رحمته قد كتب كتابا قد جمع فيه جميع المذاهب الباطله من مذاهب الزنادقة و مذاهب الملاحدة و مذاهب الصوفية و كل مذهب باطل و قول فاسد و نسبها كلها الي ذلك الشيخ العلام و البدر التمام و نور الله في الظلام و الحجة من حجة الله علي كافة الانام كل ذلك مكرا و خديعة ليصرفوا وجوه الناس اليهم و لا غرو ان فعلوا ذلك لقد نسبوا الي رسول الله صلي الله عليه و آله السحر و الجنون و التعلم من الفارسي و نسبوا الي اميرالمؤمنين و الائمة عليهم السلام ما نسبوه و بها اسسوا لعن اميرالمؤمنين علي المنابر ثمانين سنة و كان اهل الشام يقاتلونه لانه لايصلي و لايصوم و لايغتسل من الجنابة و ثلثوا بهذا العالم الرباني و النور الشعشعاني و الولي الصمداني و رابع الاركان و المعلم للبيان و الشارح لاسرار القرآن [ص 25] و له بذلك فخرا لقد تأسي نبيه صلي الله عليه و آله فيما جري عليه و عليهم لكم في رسول الله اسوة حسنة و هذا ليس بنقص بل هو فخر و شرف و قد قال المتنبي و نعم ما قال :