و اذا اتتك مذمتي من ناقص فهي الشهادة لي بأني كامل

و لقد شرحت هذه المطالب و فصلت هذه المقاصد و قطعت حجة كل جاحد و ابطلت عذر كل معاند في رسالتي المسماة بكشف الحق و اليقين في دفع شبه المعاندين فيما ينسب اي الشيخ الاعظم الاجل الاحمد بن زين‌الدين و اقمت فيه البراهين و لكن القوم كما قال مولينا الحجة عليه السلام لا لامر الله يعقلون و لا من اوليائه يقبلون حكمة بالغة فماتغن النذر و يحسبون انهم يحسنون صنعا و لبئسما يصنعون و سيعلم الذين ظلموا اي منقلب ينقلبون فاطلب رسالة كشف الحق فان فيها ( ما خ‌ل ) يشفي العليل و يروي الغليل و انا ( اذا خ‌ل ) وفقنا الله لاتمام ما سئلنا من مسائل فيها الرد علي اليهود و النصاري و علي العامة العمياء و علي كل مخالف للحق و الدين و اثبات ما نحن عليه من الحق الواضح المبين و ابطال مخالفينا باوضح البراهين و وسمتها ( سميتها خ‌ل ) بالحجة البالغة و فيها ( ففيها خ‌ل ) منتهي الامر ان الله يسمع من يشاء و ما انت بمسمع من في القبور .

قال سلمه الله تعالي : ما معني قول العالم الفاضل علي بن سينا في الابيات المنسوبة اليه في وصف الروح و هي :

هبطت اليك من المحل الارفع ورقاء ذات تعزّز و تمنع

محجوبة عن كل مقلة عارف و هي التي سفرت و لم‌تتبرقع [ص 26] 

وصلت علي كره اليك و ربما كرهت فراقك و هي ذات تفجع

انفت و ماانست و لما واصلت الفت مجاورة الخراب البلقع

و اظنها نسيت عهودا بالحمي و منازلا بفراقها لم‌تقنع

حتي اذا اتصلت بهاء هبوطها عن ميم مركزها بذات الاجرع

علقت بها ثاء الثقيل فاصبحت بين المعالم و الطلول الخضع

تبكي متي ذكرت عهودا بالحمي بمدامع تهمي و لماتقلع

و تظل ساجعة علي الدمن التي درست بتكرار الرياح الاربع

اذ عاقها الشرك الكثيف و صدها قفص عن الاوج الفسيح المرتع

حتي اذا قرب المسير الي الحمي و دني الرحيل الي الفضاء الاوسع

و غدت مفارقة لكل مخلف عنها حليف الترب غير مشيع

سجعت و قد كشف الغطاء فابصرت ما ليس يدرك بالعيون الهجع

و غدت تغرد فوق ذروة شاهق و العلم يرفع كل من لم‌يرفع

فلأي شيء اهبطت من شامخ عال الي قعر الحضيض الاوضع

ان كان اهبطها الاله لحكمة طويت عن الفطن اللبيب الاروع

و هبوطها ان كان ضربة لازب لتكون سامعة لما لم‌تسمع

و تعود عالمة بكل خفية في العالمين و خرقها لم‌يرقع

و هي التي قطع الزمان طريقها حتي لقد غربت بغير المطلع

فكأنما ( فكأنها خ‌ل ) برق تألق بالحمي ثم انطوي فكأنه لم‌يلمع

و يوجد في بعض النسخ بعده :

انعم برد جواب ما انا فاحص عنه فنار العلم ذات تشعشع [ص 27] 

اقول لو اردنا ان نشرح هذه الابيات كما ينبغي مما ارانا الله سبحانه و علمنا من علمه في اطوار عالم الملكوت التي هي مأوي الارواح و هي طيور قدس في مأوي الانس مستقرة علي دوحات سدرة المنتهي و مغردة علي افنانها و من اطوار عالم الملك بمراتبها و احوالها و من طيران تلك الاطيار عن تلك الدوحات ( الدرجات خ‌ل ) و هبوطها الي اوكارها في صفحات عالم الملك و ما بين تلك الاطيار و تلك الاوكار من الاطوار من قوله تعالي ما لكم لاترجون لله وقارا و قد خلقكم اطوارا لضاقت الدفاتر و كلت الابصار و البصائر و يطول بذكرها الكلام بل ربما يؤدي الي ذكر ما لاينبغي بحسب اقتضاء المقام و ترك الشرح و البيان ايضا لاينبغي لما اخذ علي المؤمن الانسان من الجواب عن كل سؤال بما يعرف مما يسطر و اما السائل فلاتنهر فاختصرت غاية الاختصار و لوحت الي بعض ما فيها من الاسرار لان ذلك هو الميسور و لايسقط بالمعسور و الي الله ترجع الامور .

فنقول اراد ابن سينا شرح اتصال الارواح بالاجسام و كيفية ارتباطها اي ارتباط ذلك المجرد النوراني اللطيف بهذا البدن الظلماني الكثيف و السر في هذا التنزل و الهبوط و المكث في هذا المنزل الضيق ثم خلعها لهذا البدن و رجوعها الي ذلك المنزل الفسيح الذي هو الوطن و قال :

هبطت اليك من المحل الارفع ورقاء ذات تعزز و تمنع

و لما كانت الروح من عالم التجرد و هو اشرف من عالم الماديات فوجب ان يكون خلقتها قبل الاجسام لبطلان الطفرة و اليه الاشارة [ص 28] بقوله عليه السلام خلق الله الارواح قبل الاجسام بالفي سنة او اربعة‌آلاف او سبعة‌آلاف و لما كانت مخلوقة في العالم الاول من الخزاين العليا من قوله تعالي و ان من شيء الا عندنا خزائنه و ماننزله الا بقدر معلوم فالخزائن الاولي عليا و التي بعدها سفلي و لذا عبر عن تعلق الروح المخلوقة في العالم الاعلي بالبدن المخلوق في العالم الاسفل بالهبوط و قال « هبطت اليك » و المخاطب الجسم « من المحل الارفع » اي عالم التجرد و عالم القدس و عالم الاحاطة و عالم السعة « ورقاء ذات تعزز و تمنع » عبر عن الروح بالورقاء لانها طير عالم القدس و مقرها افنان شجرة طوبي و انما عبر عنها بالطير لخفتها بعدم تعلق روابط الماديات الكثيفة المعبر عنها بثاء الثقيل كما سيأتي و ميلها الي الارتفاع الي العالم الاعلي و اما انها ذات تعزز و تمنع فمعلوم مما ذكرناه من كونها من ذلك العالم عالم التجريد و التفريد .

ثم اشار الي صفتها و كينونتها بالنسبة الي اهل العالم الاسفل بقوله :

محجوبة عن كل مقلة عارف و هي التي سفرت و لم‌تتبرقع

يعني ان الروح محجوبة مستورة عن عيون الواقفين في عالم الاجسام مقام النقش و الارتسام ضرورة ان بين الادراك و المدرك لا بد من المناسبة و المجانسة بل الاتحاد في الصقع و هو قول اميرالمؤمنين عليه السلام انما تحد الادوات انفسها و تشير الآلات الي نظائرها ، فاذا كان الامر كذلك فاين عالم الارواح المجردة القادسة المطهرة من شوائب اطوار الماديات من عالم الاجسام المكدرة الغاسقة المظلمة محل المواد و موضع خفاء [ص 29] الاستعداد فاني للواقفين في هذا العالم الكثيف و مشاهدة ذلك النور المجرد اللطيف و اين الثريا من يد المتناول و هذا بالنسبة الي مقلة كل عارف ما دام وقوفه في هذا العالم الجسماني فما ظنك بغير العارف ، ثم اراد ان يبين ان هذا الاحتجاب ليس لامر خارج من ستر قد تجللت به و احتجبت عن عيون الناظرين لا بل مقامها لعلوها و ارتفاعها يقتضي ذلك فقال « و هي التي سفرت و لم‌تتبرقع » يعني انها مسفورة ظاهرة غير مبرقعة و لا محتجبة و مع ذلك لاتدركها الابصار و لاتشاهدها الانظار .

ثم اراد ان يبين نسبتها مع البدن لانها متغيرة الاحوال فقال :

وصلت علي كره اليك و ربما كرهت فراقك و هي ذات تفجع

اما كراهتها لاقتضاء مقامها و عالمها و عدم المجانسة و المناسبة مع العالم الكثيف الجسماني فمن هذه الجهة تكره الاتصال به و لما الف الله بينهما برابط مناسب للعالمين المسمي بعالم المثال و عالم البرزخ و الجسم المثالي فتألفت و اتصلت و ارتبطت بالبدن كمال الارتباط حتي تكره مفارقتها و تفارق البدن و هي كارهة غير راضية لشدة العلاقة .

ثم اكد هذا المعني بقوله :

انفت و ماانست و لما واصلت الفت مجاورة الخراب البلقع

يعني انفت و ماانست في مبدء الاتصال لعدم المناسبة فلما واصلت بتوسط البدن المثالي و استقرت و استقلت و ارتبطت كمال الارتباط استأنست و الفت مجاورة الجسم لانه مركبها و محلها و موضع آثارها و مقر افعالها و اما قوله الخراب البلقع فالمراد به الفساد الحاصل في هذا [ص 30] البدن من جهة خلط الاعراض و الغرائب الخارجة المانعة عن ائتلاف الاركان و الاعضاء و النسبة المقتضية للتأليف كالبنيان المحكم اذا حصل فيه الخلل و الفُرَجُ و امور توجب هدمه و خرابه و الا فاذا خلص البدن عما ( مما خ‌ل ) يوجب فساده و خرابه فهو باق ابد الآبدين دهر الدهرين كما هو شأن ( الابدان خ‌ل ) الاخروية و الاجسام التي في الجنة و هي عمران و معمورة و انما نسب الخراب اليه لاجل تلك الغرائب و الاعراض و الا فالامر اعظم .

ثم اشار الي اشتغالها بالبدن و احواله بعد الاتصال به و الوصول اليه فقال :

و اظنها نسيت عهودا بالحمي و منازلا بفراقها لم‌تقنع

يعني ان الروح بعد اتصالها بالبدن و ارتباطها به و اشتغالها باصلاح البدن و دفع العوارض و الغرائب عنه لتمكن ( لتتمكن خ‌ل ) من الظهور فيه و اظهار آثارها به و هذا الاشتغال و التوجه الي العالم الاسفل انساها عالمها و هي الحمي المحمية بنور القدس عن تطرق علايق الماديات فنسيت تلك المعالم و العهود التي اخذت عليها فيها ( منها خ‌ل ) و المنازل التي سفرت اليها و هي محل انسها و موضع نشاطها و حبورها اما العهود المنسية باجمعها او ببعضها و هي شهادة ان لا اله الا الله و ان محمدا رسول الله و علي اميرالمؤمنين و اولاده الطيبون الطاهرون و فاطمة الصديقة اولياء الله و انهم خيرة الله و لم‌يسبقهم سابق و لايلحقهم لاحق و لايطمع في ادراكهم طامع و ان الله بهم افتتح الوجود و اليهم يرجع و يعود كل موجود و مفقود و انهم باب الله و [ص 31] حجاب الله و انهم الواقفون علي فوارة القدر بامر مستقر و هم المعنيون من قوله تعالي كلا نمد هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربك و هم العطاء و هم المدد و هم باب المدد و هم سر المدد و هم روح المدد و هم حقيقة المدد و هم مبدء المدد و منهم بدء المدد و اليهم يعود المدد و هم سر الوجود و حجاب الغيب و الشهود و بهم بدئت الاشياء و اليهم تعود و ان الخلق انما خلقوا لاجلهم و وجدوا لاظهار امرهم و كونوا لحفظ سرهم و الخلق لهم و اليهم و ان الانبياء دعاة هداة رشدهم ( و شهدهم خ‌ل ) و الملائكة حملة اقلام فضلهم و حقايق الموجودات كُتُبٌ لشرح مناقبهم و فضائلهم ان الشرايع كلها شرايعهم و ان محمدا صلي الله عليه و آله نبي و آدم بين الماء و الطين و هم الاولياء و آدم بين الماء و الطين و ان الانبياء مقدمة ظهور امرهم و حكمهم ، و بالجملة هذه و امثالها من العهود التي اخذت علي الارواح في العالم الاول فلما نزلت الي هذا البدن الضيق المظلم المنتن نسيت تلك العهود و غابت عن تلك المشاهدة و الشهود فهي لها مراتب علي حسب نسيانها و ذكرها حتي ان آدم عليه السلام ابو البشر قال سبحانه في حقه و لقد عهدنا الي آدم من قبل فنسي و لم‌نجد له عزما ، و قال عليه السلام علي ما في الكافي و لقد عهدنا الي آدم من قبل في محمد و علي و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم الصلوة و السلام فنسي و لم‌نجد له عزما ، و اولوا العزم هم الباقون علي العهد الاول اماسمعت الله سبحانه يقول و اذ ابتلي ابراهيم ربه بكلمات فاتمهن و الكلمات هم سلام الله عليهم و معني اتمامها الالتفات [ص 32] اليهم و الانقطاع اليهم و الاعتماد عليهم و التوجه الي الله بهم و ذكرهم و عدم نسيانهم ، و بالجملة قد نسيت الارواح تلك العهود و لم‌يبق لها ذاكر الا اولوا العزم من الانبياء عليهم السلام و اما ما سواهم فلهم مراتب في نسيان تلك العهود لايسعنا الآن بيانها و لا شرحها و تبيانها .

و اما المنازل التي بفراقها لم‌تقنع فاحدها منزل عالم الارواح و اول ظهور الاشباح و مقر سدرة المنتهي و مبدء الجنة المأوي و هو اعلي المنازل و اشرف المراحل و ثانيها منزل الملكوت الاعلي و مأوي القدس و اول الانس جبال الزمرد و اصل المدد و ثالثها منزل الملكوت الاوسط بيت الشرف و اصل الجنة التي لها غرف مبنية من فوقها غرف و رابعها منزل الملكوت الاسفل مقام الاتصال بالعالم الاسفل الذي هو العالم الاول و خامسها مقام الطبيعة و مبدء نشر ( نشو خ‌ل ) الاجسام بسر الحقيقة الياقوتة الحمراء التي غلظها غلظ السموات السبع و الارضين السبع بل العرش و الكرسي و سادسها منزل عالم المواد و مواقع الاستعداد و هو البحر المواج و التيار الرجراج الحاصل من ذوبان الياقوتة الحمراء و سابعها منزل عالم المثال اول مقام الظهور و الاتصال صور عارية عن المواد خالية عن القوة و الاستعداد و ثامنها منزل عالم الاجسام من وراء جبل قاف الي حد جبل الاعراف مقام الاضافة و المضاف ، و هذه المنازل هي التي ماكانت الروح تقنع بفراقها لانها مهابط اشعتها و مواقع نجومها و محال ظهور افعالها و تشعب علومها و تكثر رسومها و لكنها لما ابتليت بالاعراض و الغرائب و خفيت الغرائز اشغلتها تلك الجهات و الكثرات و تصادم العناصر المختلفة [ص 33] الطبايع بروابط الانيات و الهتها الكثرات الي ان نسيت تلك المنازل الانيسات و استبدلت بالبراري الموحشات الهيٰكم التكاثر حتي زرتم المقابر كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم و هذه مجمل المنازل و العهود .

ثم اراد ابن سينا ذكر علة النسيان و جهة الطغيان و علة الذل و الهوان و الموت علي هيئة الحيوان و قال :

حتي اذا اتصلت بهاء هبوطها عن ميم مركزها بذات الاجرع

علقت بها ثاء الثقيل فاصبحت بين المعالم و الطلول الخضع

يعني بهاء الهبوط اصل الهبوط و سره و كذا ميم المركز و ثاء الثقيل و انما كان كذلك لان سر الاسم في الوسط كالقلب في وسط الانسان اذ ماتري من تفاوت في خلق الرحمن و سر القلب في الوجه علي ما ذكرنا لك سابقا و الوجه في الالفاظ و الكلمات الحرف الاول فالحرف الاول من الكلمة اشارة الي وجه سرها و وجه مبدئها و حقيقتها فلما اراد الشاعر الاشارة الي حقيقة هذه الاشياء عبر عن حقيقة الثقل بالثاء و الهبوط بالهاء و المركز بالميم يعني ان الروح لما هبطت كمال الهبوط حتي اذا اتصلت باصل المركز و هو مركز الارض مقام تحقق الاختلاف و ارتفاع الائتلاف موضع التناقض و التضاد و محل الخلط بين نقطة النور و نقطة الظلمة التي هي اصل الفساد علقت بها و تعلقت ثقل العلائق و الجهات و روابط الانيات و الماهيات و ظهور الكثرات و الاضافات فانستها تلك المعالم و المنازل و الدرجات فالهبوط الي [ص 34] المركز بعلاقة العلايق و الجهات بقيت هابطة و نسيت و امتنعت عن الصعود الي معالي الدرجات فاصبحت بين المعالم و الطلول من الاطوار و الفروع ( اطوار الفروع خ‌ل ) و الاصول ناسية جهات علومها و مقامات رسومها هائمة في تلك البراري و الفلوات ممتنعة عن الصعود الي تلك النشأة التي فيها نور بارئ السموات و هي في حال خراب حليفة الحزن و الاكتئاب قرينة الذلة و المسكنة في التراب .

فلما كان لم‌يعدم ذكر تلك المقامات بالمرة بل ربما تذكر تلك المعالم و المنازل لكنها مقيدة بقيود العلايق و لايسعها الصعود لمشاهدة تلك الحقايق تتأسف :

تبكي متي ذكرت عهودا بالحمي بمدامع تهمي و لماتقلع

اي تنفعل بالالتفات الي تلك العالم و المعاهد و استشعار تلك العهود التي اخذت منها و انها قد ضيعتها او انها لا سبيل لها اليها فهي في هم و حزن و عدم اقبال الي ما يرد ( يراد خ‌ل ) منها فلا هي متوجهة الي عالمها و مقبلة عليه و عليها و سائرة الي معالمها و معاهدها و معرضة عن البدن الذي هو القفص المقيد لها و لا هي متوجهة الي هذا البدن كمال التوجه و مدبرة له بالتدبير الذي يراد منها فالبدن لاجل ذلك دائما عليل و القلب لعدم تمحض الالتفات اليه كليل فقد كثر الفساد في العالمين و بقيت هنا ( هي خ‌ل ) متحيرة في البين كطاير مقصوص الجناح فحقيق لها ان تكثر من البكاء و العويل ، و اما في الجنة فلما لم‌تمنعها ثاء الثقيل و ميم المركز ( هي خ‌ل ) تبقي في سرور و حبور و تظهر آثارها كما ينبغي في عالم [ص 35] ( عالمي خ‌ل ) الغيب و الشهود ( الشهادة خ‌ل ) من العلوم و الاسرار و حسن الصورة في البدن و جودة التركيب و تناسب الاعضاء و تقارب الاجزاء و صفاء الاعتدال و عدم تمكن الاعراض و الغرائب .

ثم اكد المعني المذكور في هذا البيت بعبارة اخري لافادة مطلب آخر فقال :

و تظل ساجعة علي الدمن التي درست بتكرار الرياح الاربع

يعني ان الروح تقف مغردة علي تذكر آثار المنازل و الدور التي منها اصلها و اليها ايابها و عندها نشرها ( نشوها خ‌ل ) و فيها انسها فلما نزل منها الي عالم العناصر و عالم الكون و الفساد اندرست تلك المنازل و الدمن و هي جمع دمنة آثار المنازل و الديار و الاهل و سبب اندراسها تكرار الرياح الاربع و هي العناصر الاربعة فريح الدبور مظهر النار و ريح الجنوب مظهر الهواء و ريح الصبا مظهر الماء و ريح الشمال مظهر التراب و العناصر الاولية المعتدلة التي بها يحصل المزاج هي الغريزية و بها قوام البدن و هو محل الروح المناسب له المشتاق اليها اشتياق العاشق الي معشوقه فلايزال معها و لايفارقها و ذلك هو الذي في الجنة و لذا اهل الجنة و اهل النار لايموتون ابدا لعدم الفضول و الغرائب الحاجبة للروح عن مشاهدة منازلها الداعية الي الاعراض عنها و تحقق الموت و ان الدار الآخرة لهي الحيوان فاذا تكررت هذه العناصر و زادت عن التقدير و الوزن الاول تحققت الغرائب و جاء الفساد و بقيت الروح تشتغل بدفع الاعراض و الغرائب و اصلاح المزاج و طرد الفاسد و ابقاء [ص 36] الصحيح و عدم تمكنها من عودها الي الاعتدال عن عالمها و معالمه و عن عهودها و معاهده فتري عالمها مندرسة حين اشتغالها بهذا العالم الجسماني و العلة في اندراسها بحسب نظرها تكرار الرياح الاربع لا تركب ( ترك خ‌ل ) البدن منها فالاندراس في نظرها و الا فعالمها في الواقع معمور .

ثم ذكر علة بكائها و حزنها و عدم رجوعها الي عالمها زيادة علي ما سبق فقال و نعم ما قال :

اذ عاقها الشَّرَك الكثيف فصدها ( و صدها خ‌ل ) قفص عن الاوج الفسيح المرتع

يعني علة ابتلائها انه قد عاقها و حبسها الشَّرَك بفتح الراء المهملة و هو حبل الاتصال بثاء الثقيل و ميم المركز و كثافته بتكرار الرياح الاربع اذ وجودها لاجل المزاج مما لا بد منه و اما تكرارها و زيادتها و طول الاقتران و الاشتغال بها فهو الذي صار سببا لكثافة شرك التعلق فكان قفصا مانعا و صادا عن الطيران الي الاوج الفسيح المرتع و هو عالمها الذي خلق قبل وجود هذا العالم الذي صيغ فيه هذا البدن و هو فسيح لان نسبته الي هذا العالم نسبة المجرد الي المادي و لايمكن ان يقاس فسحة ذلك العالم و لايقال ان النسبة هي نسبة هذا العالم اي العرش الاعظم الي ذلك العالم الفسيح نسبة بطن الام اي الرحم الي العرش الاعظم الاعلي بل الامر اعظم و اعظم و اعظم و ذلك العالم الفسيح هو مرتع طيور الارواح و الاشباح .

ثم لما ذكر ابتلائها و احتباسها و اضطرابها و بكائها و وقوعها في مكان [ص 37] ضيق حرج اراد ان يذكر ان هذا الفراق لايدوم و لا بد من الوصل و الرجوع الي عالمها و مقام انسها فقال :

حتي اذا قرب المسير الي الحمي و دنا الرحيل الي الفضاء الاوسع

و غدت مفارقة لكل مخلف عنها حليف الترب غير مشيع

و هذا السير لا بد ان يكون سيرا بحسب المرتبة و التوجه لا بحسب الوجود و الكون بمعني انها تنزع حلية البدن و تفارقه كيف و لو كان الامر كما هو الظاهر من البيت يلزم ان يفارق الروح الجسم بالكلية فاذا جاز ذلك وقتا ما بعد تلبسها به لجاز دائما لان الكمال لايرد الي النقصان في القوس الصعودي بخلاف القوس النزولي فيلزم من ذلك عدم احكام فعل الحكيم و عدم تمام الفائدة في النزول لان الدليل الدال علي تنزل الحقيقة من عالمها الي عالم العقول و منها الي عالم الارواح و منها الي عالم النفوس التي هي المعبر عنها بالارواح في هذه الابيات هو بعينه الدليل الدال علي تنزل النفوس التي هي الارواح الي عالم الاشباح و الي عالم الاجسام حرفا بحرف و قد ذكرناه في اجوبة مسائل الشاهزاده محمدرضا ميرزا في المعاد و ربما يتخيل متخيل ان الموت عبارة عن ذلك و هو كلام شعري فان بالموت لاتفارق الروح عن البدن بالكلية بل هي في بدن عالم المثال و هو برزخ بين العالمين و جامع بين النشأتين فهي غير مفارقة للبدن و متمكنة من مشاهدة احوال العالم الجسماني بالوجه الاسفل من البدن المثالي فاين المفارقة و اما ما بين النفختين فليس هناك حس و لا محسوس و لا ادراك و لا مدرك و لا [ص 38] عقل و لا معقول بل هناك يضمحل التركيب بكل الوجوه فلايبقي فهم و لا علم و لا عقل و ادراك لكل شيء الا لوجه الله الواحد القهار و ذلك ينافي قوله في البيت الآتي « سجعت و قد كشف الغطاء » كما يأتي اذ بين النفختين لاتبقي هذه الحالة في البين فالمراد من قرب المسير الي الحمي السفر من العالم الاسفل عالم الاعراض بكشف الحجب و الاستار في السفر من الخلق الي الحق بحكم موتوا قبل ان تموتوا فتوبوا الي بارئكم فاقتلوا انفسكم فتسافر بقدم التوجه و الاخلاص و الاعراض عن العوالم السفلية الي ان تصل الي عالمها بتوجهها اليه و عدم الالتفات الي مقتضي العالم الجسماني حتي تصعد عن مراتب عالم الاجسام فتري عالمها مكشوفة الحجاب كما كانت تراه قبل نزولها و تذكر العهود و تشاهد المعاهد و لذا قال « حتي اذا قرب المسير الي الحمي » يعني قرب الاتصال بالملأ الاعلي مع كونها مقترنة بالنشأة الاخري من قوله عليه السلام في وصف العرفاء الكاملين الي ان قال عليه السلام ابدانهم مع الناس و قلوبهم معلقة بالرفيق الاعلي ، و قرب المسير اول وصوله الي عالم الاجسام من جهة المسافرة لا بقصد البقاء و المنزل ليصدق عليها قوله تعالي أفلم‌تكونوا اقسمتم من قبل ما لكم من زوال و لا ريب ان لا احد من الخلق يتوهم عدم الزوال فضلا عن ان يقسم و يحلف علي ذلك فيكون المراد قصر النظر الي هذا العالم و عدم التوجه الي عالم القدس و النشأة الآخرة فاذا تجاورت الروح في مسيرها عالم الاعراض و وصلت الي عالم الاجسام و تجاوزت من سافلها و اتصلت باعاليها من المبادي [ص 39] الجسمانية كالكرسي و العرش و الجزيرة الخضراء و عالم جابلقا و جابلصا و جبل قاف و ما ورائه فاذا بلغت في سيرها بالتوجه و الالتفات الي هذا المقام فقد قرب المسير الي الحمي اذ ليس الا الاعراض عن هذا العالم و الصعود الي عالم المثال فحيث كان ذلك العالم مثال عالمها فيحصل الصعود و العروج عنه الي عالمها باسرع مقام و هو معني قوله « و دني الرحيل الي الفضاء الاوسع » و يمكن ان يكون اشارة الي الموت الظاهر كما هو ظاهر كلامه في قوله « و غدت مفارقة لكل مخلف عنها » و هو البدن الجسماني و هو الذي يتخلف عنها بدليل قوله « حليف الترب » و ليس حليف الترب الا البدن المخلوق من التراب و هو الذي الي التراب و لايشيع الروح فيبقي في القبر و لايذهب معها فيبقي معذبا او منعما بفتح باب من الجنة الي القبر او من النار اليه و لكن يجب تأويل هذه المقدمة الي ما ذكرناه من ان بهذه المفارقة يذهب ما حصل بتكرار الرياح الاربع و يبقي الجسم الحامل و الامر الواصل و ذلك لايحجب بل يساعد و يكون حكمها حكم المفارق لعدم تأثير في ذلك و لذا ( تري خ‌ل ) اهل الجنة اجسامهم يفعل فعل الارواح و ارواحهم يفعل فعل الاجسام لعدم المزاحمة لقوة المناسبة .

ثم اراد الشاعر ان يبين ما يظهر بعد المفارقة من آثارها فقال :

سجعت و قد كشف الغطاء فابصرت ما ليس يدرك بالعيون الهجع

و غدت تغرد فوق ذروة شاهق و العلم يرفع كل من لم‌يرفع

يعني انها اذ فارت ( اذا فارقت خ‌ل ) ما لحقها من احكام النزول من [ص 40] الشرك الكثيف و القفص الضيق الحاصلين من تعلق ثاء الثقيل و ميم المركز بتكرار الرياح الاربع فاذا انكسر القفص و انقطع الشرك و طارت الي الفضاء الاوسع و استقرت الي دوحة من دوحات ( درجة من درجات خ‌ل ) سدرة المنتهي سجعت اي رددت صوتها و غنت طربا و شوقا و سرورا للوصول الي وطنها و البلوغ الي مأمنها و الاتصال بمسكنها و موطنها مع مشاهدة المراتب و المقامات الحاصلة من تعلقها بالعوالم السفلية و المراتب المتنزلة فادركت من تلك المقامات و المراتب ما ليس يدرك بالعيون الهجع لقوله عليه السلام الناس نيام اذا ماتوا انتبهوا ، فما دام في هذه الدنيا مشغولة بمطالبها و احوالها محجوبة عن تلك المعالم و المعاهد كما هو شأن النائم فلما نزعت هذه الحليات ( الجلباب خ‌ل ) و دخلت الباب استيقظت و ادركت ما لم‌تدركه ما دام في هذه الدنيا ثم قال « و غدت تغرد فوق ذروة شاهق » الشاهق عالم الملكوت و هو شاهق عال محيط مطلع علي جميع مراتب ما تحته فهو الشاهق العالي و له مراتب عليا و سفلي و وسطي فقطعت مراتب عالمها الي ان وصلت الي ذروتها من الملكوت الاعلي فاستقرت و بقيت تظهر اصواتها علي الهيئة الموسيقية التي ظهرت مباديها من النفوس المتعلقة بالافلاك و تلك النفوس التي هي الارواح انما تنزلت من النفس الكلية التي هي الروح الاعظم فهيئات اصواتها ظهرت في النفوس الجزئية و آثارها ظهرت في الافلاك عند حركاتها باعتبار ملاحظة نسبها من السبب الثقيل و الخفيف و الوتد المجموع و المفروق و الفاصلة الكبري و [ص 41] الصغري فاذا كان اصل هذه النغمات و الاصوات من بعض ظهورات تلك الذروة فعندها اولي فبقيت الروح بعد صعودها الي تلك الذروة من ذلك الشاهق تغرد بتلك الالحان بلا مزاحم و لا ممانع ثم ذكر علة كونها علي الذروة دون سائر مراتبها فقال « و العلم يرفع كل من لم‌يرفع » يعني انها اكتسبت بحسب نزولها الي المراتب و صعودها الي مرتبتها علما غريزا فمن جهة العلم ترقت و بلغت الي الذروة العليا لان العلم يرفع كل حقير و يعز كل ذليل و يغني كل فقير و يسد كل حاجة ثم خطر ببال الشاعر سؤال بعد ما ذكر صعودها بعد نزولها و انها نزعت و فارقت كلما لبسته من احكام هذه النشأة ثم رجعت الي مقامها من غير تلك العلايق من ثاء الثقيل و ميم المركز و الهيئات الحاصلة من تكرار الرياح الاربع و الاحوال الثابتة و العلوم اللاحقة لها من تلك الامور و كلها تابعة لها او عينها علي قول بعض المحققين من العلماء الالهيين فاذا فارقتها و صعدت عن مراتبها لايبقي شيء من تلك المراتب عندها فتفقد ادراكها كما انك اذا غمضت عينك لم‌تبصر و سددت اذنك لم‌تسمع لان المبصرات و المسموعات ليست عند القلب الغيبي فلايدرك شيئا منها فاذا كان كذلك و الروح في عالمها و مقامها و لا شيء من الامور التي هبطت الروح اليها في مقامها و الا لماصح هبوطها اذ لايعقل الهبوط في رتبة واحدة و علي هذا البيان لم‌تبق فائدة لهذا الهبوط و النزول علي الوجه الذي ذكرنا و فصلنا اذا كانت تفارقها و الحكيم سبحانه لايفعل عبثا سبحانه .

[ص 42] و الي هذا الايراد اشار بقوله :

فلأي شيء اهبطت من شامخ عال الي قعر الحضيض الاوضع

و ما الثمرة في نزولها اذا كانت تفارق ما نزلت و هبطت اليه و العلم عين المعلوم او تابعا و واقعا علي المعلوم فاذا فقد المعلوم فقد العلم فان كان المراد بالعلم الصورة الحاصلة فتلك الصورة كانت حاصلة لها قبل هبوطها و نزولها لان تلك الصور تنطبع فيها من كتاب الابرار و كتاب الفجار و هما في عالمها و مقامها فلاتحتاج الي الهبوط و مقاساة تلك الشدايد و الامور الهائلة التي اصابتها اذا لم‌تعقب فائدة و ثمرة .

ثم اشار الي تفصيل ما ذكرنا في اتمام ايراده و اعتراضه بقوله :

ان كان اهبطها الاله لحكمة طويت علي الفطن اللبيب الاروع

ثم اشار الي وجه الحكمة لتتميم الايراد و قال :

و هبوطها ان كان ضربة لازب لتكون سامعة لما لم‌تسمع

و تعود عالمة بكل خفية في العالمين فخرقها لم‌يرقع

يعني ان هبوط الروح و نزولها ان كان قسما و صنفا و امرا لازما لايمكن التخلف عنه و علة لزوم الهبوط و نزولها ان تكون سامعة لما لم‌تسمع و عالمة بما لم‌تعلم من مخفيات الاسرار المنوطة بالعوالم السفلية و تعود عالمة بكل خفية من ( في خ‌ل ) العالمين اي في عالم الغيب و الشهادة لان العلم لايحصل الا بمشاهدة المعلوم و هو لايكون الا بما يناسبه لقول اميرالمؤمنين عليه السلام انما تحد الادوات انفسها و تشير الآلات الي نظائرها ، فهبطت لتحصيل تلك العلوم في العالمين اي في النشأتين ثم اراد دفع هذا الكلام [ص 43] و ابطال هذا المقام ( البيان خ‌ل ) بقوله « فخرقها لم‌يرقع » يعني ان كان حصول العلوم بمشاهدة ( و مشاهدة خ‌ل ) الآيات الالهية في عجايب خلق السموات و الارض و الاركان و المتولدات و ساير اركان الموجودات و المتولدات و ساير اطوار الوجودات الجسمانية و المثالية و العرضية هو علة الهبوط و هذه ( فهذه خ‌ل ) العلة و ان كانت غرضا صحيحا و علة حقيقية و لكن يشترط ان لاتفارق الروح هذه الاحوال و الاطوار و لم‌تزل معها حتي تتم لها علومها و مشاهدتها و مشاهدة الآيات في الحجب و السرادقات فح تحصل الغاية و تتم الفايدة و هي لعمري من اعظم الغايات و اهم ( اتم خ‌ل ) الفوايد و لكن تلك المراتب و الاحوال و الاطوار لم‌تبق معها و انما تزايلها و تفارقها فاذا فارقتها و وصلت الروح الي عالمها فلم‌يبق معها شيء منها فصارت كالاول اي كالحالة الاولي من غير تفاوت و لم‌يؤثر فيها الا اذي السفر فان كان التصور المحض فقد كان حاصلة ( حاصلا خ‌ل ) له ذلك قبل ما تهبط و تتنزل فعلي هذا فخرقها لايرقع ( لم‌يرقع خ‌ل ) اي العلم و المعرفة اللتان لاجلهما هبطت حتي يرقع بهما خرق الجهل و النقصان لم‌يحصل فاذا صعدت بقيت الاجسام في اماكنها و محالها و هي صعدت فالمقصود لم‌يحصل و الخرق لم‌يرقع و الجرح لم‌يندمل و الفائدة التي لاجلها كان النزول ما تمت .

ثم فصل ان الروح صعدت عن هذا العالم السفلي و هو بقي في مكانه و لم‌يتجاوز رتبته بقوله :

و هي التي قطع الزمان طريقها حتي لقد غربت بغير المطلع [ص 44] 

يعني ( ان خ‌ل ) الروح هي التي قد قطعت في طريقها للوصول الي منزلها الزمان لان الزمان وقت عالم الاجسام منتهاه محدب محدد الجهات و فوقه اي محدد عالم المثال عالم الارواح ( عالم المثال و فوق عالم المثال عالم الروح خ‌ل ) فمقامه المجردات و الزمان وعاء للماديات فطريق الروح لسيرها الي عالمها قطع الزمان الذي هو منتهي مراتب عالم الاجسام فاذا قطعت الزمان و صعدت عنه فقد قطعت الاجسام و صعدت عنها فكان ( ان كان خ‌ل ) طريق غروبها غير طريق طلوعها لانها طلعت في هذا العالم في بطن الام و هي مطلعها عند قوله تعالي ثم انشأناه خلقا آخر و لكن غروبها في القبر او قل ان طلوعها في الزمان و غروبها في عالم المثال و لايصح ان يكون الصعود من طريق النزول للزوم انتفاء فائدة النزول قطعا و بالجملة فالزمان الذي هو وعاء الاجسام قد صعدت عنه لانه قد وقع في طريقها فاذن لم‌يبق معها الا ما كان معها قبل النزول فاي فائدة ح في الهبوط و النزول .

ثم اكد في هذا المعني بقوله :

فكأنما برق ( فكأنها نار خ‌ل ) تألق بالحمي ثم انطوي فكأنما ( فكأنه خ‌ل ) لم‌يلمع

يعني كأن الروح برق تألق السمع ( التمع خ‌ل ) في الحمي اي في عالم البدن عالم الاجسام و ظهرت آثارها و شعاعها ( لمعانها خ‌ل ) و اشراقها ثم انطوي بالموت و ذهب و اضمحل فكأنه لم‌يلمع فالفائدة انقطعت و المقصود لم‌يحصل و الخرق لم‌يرقع و وجود الروح في عالمها لايفيدنا لانا نريد فائدة متحققة باقية لا فانية فاسدة بالية و حاشا الحكيم ان يفعل ذلك لاسيما اذا كان هو [ص 45] الله خالق الخلق باسط الرزق المستغني عن كل شيء .

فلما صعب له هذا الاشكال و صار له كالداء العضال سئل عنه بصورة السؤال لتحقيق الجواب فقال :

انعم برد جواب ما انا فاحص عنه و نار العلم ذات تشعشع

الجواب قد سبق منا سابقا عند قوله « حتي اذا قرب المسير » الخ ، ما يكون جوابا لسؤاله و هو ( فهو خ‌ل ) ان الروح في هبوطها اخذت من كل عالم ما يناسب ذلك العالم لباسا فلما نزلت الي عالم المثال اخذت منه بدنا مثاليا له وجهان وجه الي عالم المجردات و الآخر الي عالم الماديات و لذا سمي البرزخ الجامع للنشأتين ثم لما نزلت و هبطت الي عالم الاجسام اخذت منه بدنا جسمانيا و كانت بذلك الجامعة المملكة تنظر الي كل عالم بما عنده من انموذج ذلك العالم و لما كان البدن الجسماني بواسطة تكرار الرياح الاربع و حصول الغرائب و الاعراض قد طرءه الفساد و الامراض و الاعراض قلت المناسبة بينه و بينها فاعرضت عنه و خلعته لتزول عنه تلك الغرايب و الاعراض الخارجة عن حقيقته بطول مكثه في الارض و الروح في القالب المثالي في عالم البرزخ و بالوجه في الاسفل ( و بالوجه الاسفل خ‌ل ) منه يدرك الاجسام لمناسبتها ( لمناسبة خ‌ل ) معها فيطلع عليها أماسمعت ما ورد عن اهل البيت عليهم السلام ان الارواح لتأتي الي موضع قبورهم و الي بيوتهم و تطلع علي الامور التي تقع عليهم و ان حملا من الحنطة لو مر علي قبر مؤمن يعلم كم فيه من حبة و هذا الاطلاع و العلم بذلك الوجه المناسب لعالم الاجسام ، و الموت [ص 46] الاكبر بين النفختين عبارة عن تنظيف جميع المراتب و المقامات و تحليل تراكيب وجودها لطرد الغرائب و الاعراض و اصلاح الغرايز فتركب تركيبا لايحتمل الكسر فيما بعد فترد الارواح الي اجسادها و تقترن بها كمال الاقتران ثم لاتفارقها ابدا دائما سرمدا فالفائدة الكلية قد حصلت و العلم و المعرفة قد تحققت و عدم المفارقة لازمة

فتعود عالمة بكل خفية و تكون سامعة بما لم‌تسمع

فخرقها قد رقع و رتقها قد فتق و الفائدة قد حصلت و الحكمة قد ظهرت و الحمد لله و صلي الله علي محمد و آله آل الله ، هذا مختصر المقال و اني لفي واسع العذر من عدم البسط في المقال و شرح حقيقة الاحوال ، يكفيك رؤية منظري عن مخبري ، و السلام و كتب منشئها عصر يوم الخميس ٢٥ شهر جمٰدي الاولي من شهور سنة ١٢٥٧ .