رسالة في جواب الميرزا شفيع المازندراني
من مصنفات السيد الاجل الاوحد المرحوم
السيد كاظم بن السيد قاسم الحسيني الرشتي اعلي الله مقامه
الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين و لعنة الله علي اعدائهم و مبغضيهم و منكري فضايلهم ابدا الآبدين .
اما بعد فان العبد الفاني الجاني كاظم بن قاسم الحسيني الرشتي يقدم العذر الي جنابكم من بسط المقال و شرح حقيقة الاحوال و بسط ما هو المكنون المخزون في البال و المستودع في خزانة الخيال مع ما انا فيه من تشتت البال و اختلال الحال مع ما شاهدتم من امر هذا الخلق المنكوس فان الجور قد مد باعه و اسفر الظلم قناعه و دعي الغي اتباعه فلبوه من كل جانب و مكان في السر و الاعلان فاذن ما عسي ان اقول و طفقت ارتأي بين ان اصول بيد جذاء او اصبر علي طخية عمياء يشيب فيها الكبير و يهرم فيها الصغير و يكدح فيها مؤمن حتي يلقي ربه فرأيت ان الصبر علي هاتي احجي فصبرت و في العين قذي و في الحلق شجي اري تراثي نهبا و الحكم لله و لا حول و لا قوة الا بالله و آتي بما هو الميسور اذ لايسقط بالمعسور فاقول :
اما الجواب عن السؤال الاول : فاعلم ان الرحمن لما استوي علي العرش اعطي كل ذي حق حقه و ساق الي كل مخلوق رزقه و اعطي كل نفس مشتهاها و الزم كل كينونة مقتضاها واضعا في مواضعه كل غث و سمين كما اشار اليه بقوله الحق و ماكنا عن الخلق غافلين و حيث قامت الادلة القطعية من العقلية و النقلية علي ان الكون لايخلو من التكليف و الا لبطل الفيض و ماحسن الايجاد اذ لميكن علي طبق الاستعداد و لذا جري [ص 3] الايجاد التكويني علي جهة التكليف المنبئ عنه الامر في قوله تعالي انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون فاتي بلفظ الاختيار لتنبيه اهل الاختبار ان في ذلك لعبرة لاولي الابصار و حيث كان الامر كذلك و خلق الله سبحانه الخلق في عوالم عديدة يرتقي عدد كلياتها الي الفالف عالم كلف الله اهل كل عالم و حكم علي المطيعين و العاصين بما حكم و حتم لهم من قضائه المبرم ما حتم و اوصل اهل الخير الي نعيم مقيم بنسبة عالمه و اهل الشر الي عذاب اليم كذلك فهم ينعمون و يعذبون في ذلك العالم علي حسب مقاماتهم الذاتية و العرضية و لا انقضاء لهما و لا انصرام لان ذلك مما احكمته يد الاتقان و الاحكام و لما كانت العوالم تختلف بالاجمال و التفصيل و الظهور و الخفاء و اللطافة و الرقة و الغلظة و الكثافة اختلفت احوال النعيم و الا لم كذلك و لما كان الخلق يتنزلون من عالم الي عالم و من مقام الي مقام كما دل عليه صريح قوله تعالي و ان من شيء الا عندنا خزائنه و ماننزله الا بقدر معلوم و كان هذا التنزل ليس بتنزل و انتقال مكاني و تحرك ايني بحيث اذا تحرك من اين خلا منه الاين الاول بل انما هو تنزل تطوري و انتقال قشري كتنزل اللب الي القشر و تنزل الاكسير الي هذه الاحجار و الاجسام الكثيفة الغاسقة المدلهمة او تنزل نوري اثري و ظهور شعاعي كتنزل السراج الي الشعاع و الذات الي الآثار و الافعال و في كل هذه التنزلات لايفقد شيء من هذه المراتب و الوجودات عن عالمه و مكانه و ما منا الا له مقام [ص 4] معلوم و انا لنحن الصافون بل كل شيء في مكانه و زمانه و رتبته تترتب عليه احكامه من العذاب و الثواب و النعيم و الجحيم و امثال ذلك و لكنها تختلف بحسب الظهور و الخفاء و الاجمال و التفصيل و غيرها فالواقف في المقام الاسفل اذا نظر الي الاعلي بعين الاعلي تظهر له احكامه و ان نظر الي الاسفل بعينه خفيت عليه احكام الاعلي من النور و الظلمة و السعادة و الشقاوة و الثواب و العقاب فيتوهم ان هناك ليس بشيء الاتري الله سبحانه يقول الذين يأكلون اموال اليتامي ظلما انما يأكلون في بطونهم نارا و سيصلون سعيرا و يقول يصلونها يوم الدين و ما هم عنها بغائبين و يقول كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين و قد رويت حديث حارثة و فيه كفاية لاولي الدراية فاذا عرفت هذا القدر من الكلام فاعلم ان الاعرابيين قد خلقهما الله في الخلق الاول من عالم الغيب الذي اسفله عالم الارواح عالم النفوس و عرض عليهما التكليف فاعرضا و استكبرا بذاتهما و حقيقتهما و كينونتهما اي اعرضا عنادا و استكبرا عتوا و ابعدهما عن رحمته و طردهما عن باب عنايته فادخلا اسفل دركات النيران و بقيا يعذبان هناك في ارواحهما بعذاب لميعذب به احد من العالمين و لما ان الله سبحانه خلق العالم الجسماني و خلق العرش و الكرسي و السموات و الارض فانزل الارواح من عالمها الي هذا العالم الاسفل اتماما للحجة و اكمالا للنعمة و ليس معني نزولهم الي هذه الدنيا عالم الاجسام مقام النقش و الارتسام اتصالهم بها بالحلول و ان الارواح حلت في اجسادها حلول الماء في الكوز [ص 5] و حلول الماء في الثلج و انما المراد بنزولها اتصالها بها و التفاتها اليها و اشراقها عليها كاشراق الشمس علي الارض و هي في السماء الرابعة ماخلت منها في حال من الاحوال فاذا ظهرت الارواح و الاجساد فالاشقياء و العصاة منها بقيت تنظر الي الاسفل و قطعت نظرها عن الاعلي لدناءة ذاتها و قبح حركاتها فنسيت عالمها و لمتذكر المها كالسكاري لايحسون بما هم عليه من الالم و النعم مع انهم متألمين متنعمين و لايحسون به و كذا حال كل غير ملتفت الي شيء و ذلك معلوم فلا منافاة بين كونهما في هذه الدنيا و كونهما معذبين بالنار لان ذلك حكم الارواح و هذا حكم الاجسام و الاجساد بل لك ان تقول ما ذكرنا في العذاب الجسماني الجسداني ايضا بحسب الحكم الواقعي الاولي دون الثانوي النفس الامري و لذا تري اهل المعاصي و الكفار اذا نظر اليهم العارف الذي انكشف له الحقايق يريهم بحسب الطاعة و المعصية علي صور شتي من صور الكلاب و الخنازير و القرد و هم لايحسون ذلك اماسمعت الله سبحانه يقول الذين يأكلون اموال اليتامي ظلما انما يأكلون في بطونهم نارا و سيصلون سعيرا فهو يأكل النار المحرقة و لايحس بها و تلدغه العقارب و الحيات و لايلتفت اليها فهما و اتباعهما في النار يعذبان و في هذه النشأة للخلافة يغصبان ذلك تقدير العزيز العليم فنظر ابليس الي باطنهما في احوالهما الروحية و الجسمية و نظر ساير الناس الي ظاهرهما و هما لايحسان و لايلتفتان لانغمارهما في حب الرياسة و طلب السلطنة و السياسة و قد تبين لك من هذا البيان التام ان الاعرابيين [ص 6] الذين رآهما ابليس هما الذين في هذه الدنيا و عذابهما في العالم الاول لتمردهما و عصيانهما عن طاعة الحق و طغيانهما لما عرض عليهما التكليف و علة نسيانهما انغمارهما في المراتب السفلية و عدم التفاتهما الي المقامات العلوية كما مثلنا لك من حال السكران و حال اهل الشوق و المحبة اماسمعت ان اصحاب الحسين عليه السلام ماتألموا بالقتل و ذلك ليس لان الالم ارتفع عنهم بل من شدة شوقهم الي ملاقاة الرحمة و الثواب لميحسوا بما جري عليهم من انواع البلايا و المحن ذلك معلوم واضح انشاء الله تعالي و كذلك ما ذكر حارثة من الاحوال المذكورة في الحديث علي ما رواه ثقةالاسلام في الكافي فان الجنة و النار موجودتان الآن بضرورة المذهب و قد كشف عن بصر بصيرته الغطاء فرأي الامور كما هي اماسمعت الله يقول لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطائك فبصرك اليوم حديد ، اماسمعت ما قاله اميرالمؤمنين عليه السلام لو كشف الغطاء ماازددت يقينا لانه عليه السلام يري عيانا ما يراه الخلق يوم القيمة و كذلك حكم التابعين له باحسان و قد قال عز و جل و لما بلغ اشده و استوي آتيناه حكما و علما و كذلك نجزي المحسنين و ذلك معلوم لمن له عينان .
اما الجواب عن السؤال الثاني : فاعلم ان العلماء لاختلاف بعض الاخبار بلوازمها و اختلاف بعض الانظار لعدم استقامتها و اختلاف جهات الاشياء بوجوهها و لواحقها قد اختلفوا في الجنة و النار و وجودهما الآن و عدمهما و التفصيل اختلافا شتي لايحتاج الي ذكر اختلافاتهم لانها معلومة [ص 7] عند جنابكم و الحق من هذه الاقوال ما نص عليه الله سبحانه في القرآن و نص عليه مولانا الرضا عليه السلام علي ما في التوحيد و عيونالاخبار انهما موجودتان الآن قد خلقهما الله سبحانه عند اجراء التكليف حين سئلوه ان يسئلهم بقوله الست بربكم فعند الاجابة مع التمييز خلق الجنة و النار فهما مساوقان لتمام وجود الاشياء و ذوات الماهيات فمن اجاب علي وفق محبة الله علي جميع انحاء الاجابة بحسب مراتبها في قوتها و ضعفها و اقبالها التام العام و عدمه كذلك بحسب عالمها في مرتبة تفاصيلها ادخله الله الجنة بحسب مراتبه منها في ابوابها الثمانية الكلية المندرجة تحتها مراتب جزئية لايحصيها الا خالقها و بارئها و من بنوره خلقها و برئها و من اجاب علي خلاف مقتضي محبة الله و خلاف كينونته التي هي من مقتضيات الطبيعة الغاسقة المدلهمة علي ما اشار اليه الله سبحانه تعالي في قوله خطابا لآدم روحك من روحي و طبيعتك خلاف كينونتي و في موضع آخر بروحي نطقت و بضعف كينونتك تكلفت ما ليس لك به علم علي ما رواهما ثقةالاسلام في كتاب الايمان و الكفر من الكافي و ذكر آدم لاثبات القاعدة الكلية و من باب اياك اعني و اسمعي يا جارة و بالجملة فمن خالف محبة الله في الكينونة الاختيارية بالمشية الفرعية و ان لميخالف شيئا منها في الكينونة الاولي بالمشية الحتمية علي تفاصيل مراتب الاجابة في قوتها و ضعفها و قوة ادبارها و عدمها علي تفاوت درجاتها في عالمها ادخله الله سبحانه الجحيم بحسب مراتبها الكلية في الابواب السبعة لكل باب [ص 8] منها جزء مقسوم المندرجة تحتها مراتب جزئية لايحصيها الا مقدرها و قاضيها و من بعكس كينونته و ظل نوريته قدرها و قضاها و امضاها فالجنة و النار لاتفارقان اهلهما من الاخيار و الاشرار مذ خلقتا فالاخيار نزلوا منها و اليها يعودون و الاشرار بدؤا منها و اليها يصيرون و تحقيق هذه المسئلة و فهمها صعب جدا علي افهام الناس و لهذه العلة اختلفوا فيها و لكني اشير لك اشارة اجمالية الي سر مأخذها و اصل مبدءها فان فهمته فزت بالنصيب الاعلي من الرقيب و المعلي و الا فاسئل الله سبحانه ان يفهمك و يصلح وجدانك فانه السر الحق و الكبريت الاحمر .
فاقول لا شك و لا ريب ان الخلق الآن في مقام الصعود لضرورة ان كل مرتبة متأخرة اشرف من الاولي المتقدمة الاتنظر الي خلقة الانسان من كونه نطفة الي العلقة الي المضغة الي العظام الي اكتسائه اللحم الي ولوج الروح الي تمام الخلقة و الحركة الارادية الي الخروج من البطن الي هذه الدنيا الي كونه رضيعا الي كونه فطيما الي كونه صبيا الي كونه مراهقا الي كونه بالغا الي كونه تاما الي كونه كاملا الي ( انتقاله ظ ) الي عالم الآخر و هكذا في انتقالاته الصعودية و قد قضت البديهة و الضرورة ان كل صاعد يصعد الي ما نزل منه و الا لزم الطفرة المجمع علي بطلانها ببداهة العقل فحينئذ مانزل اهل الجنة الا منها و لايصعد الا اليها و هم يتحركون في اطوارها و مراتبها و كك اهل النار صعدوا منها الي هذه الدنيا و نزلوا اليها الا ان الخلق في هذه الدنيا لاجل قران النقطتين نقطة النور و نقطة الظلمة حين قال تعالي للعقل [ص 9] ادبر فادبر متنزلا الي ان نزل الي رتبة التراب و قال تعالي للجهل ادبر فادبر متصاعدا الي ان وصل الي مقام التراب و التراب لاجل بعده عن مبدء النور حصلت له مناسبة مع ظلمة الجهل و ظلمة الجهل لبعدها عن مبدء الظلمة حصلت لها مناسبة ما مع آخر مراتب النور فتقارنت النقطتان و تمازجت و اختلطت فحصلت المناسبات العرضية باعتبار الخلط و اللطخ حتي جري علي كل واحد منهما حكم الامر العرضي و هما علي ما هما عليه في الكينونة الذاتية من المنافرة و التمييز و قد اشار الي ما ذكرنا رسول الله صلي الله عليه و آله حين صعد المنبر و قال ايها الناس اتدرون ما في يدي اليمني قالوا الله و رسوله اعلم قال (ص) ان في يدي اليمني اسماء اهل الجنة و آبائهم و امهاتهم و ما يتناسلون الي يوم القيمة و ان الرجل ليعمل عمل اهل النار حتي يظن الناس انه من اهل النار ثم يختم له بالخير فيدخل الجنة ثم قال صلي الله عليه و آله اتدرون ما في يدي اليسري قالوا الله و رسوله اعلم قال صلي الله عليه و آله ان في يدي اليسري اسماء اهل النار و اسماء آبائهم و امهاتهم و ما يتناسلون الي يوم القيمة و ان الرجل ليعمل عمل اهل الجنة حتي يظن الناس انه من اهل الجنة ثم يختم له بالسوء فيدخل النار انتهي تأمل في قوله صلي الله عليه و آله و ان من الرجل و ان من الرجل فانه اشارة الي قران هاتين النقطتين و امتزاجهما امتزاجا عرضيا و اختلاط احكامهما خلطا لطخيا فاذا تفارقتا اخذا كلا منهما الرجوع الي اصلها [ص 10] تمايزت و تفارقت و تنافرت و رجعت الفروع الي الاصول فاذا اردت ان تطلع علي حقيقة الامر فانظر الي هذا الشكل
فانك تجد الامر واضحا ظاهرا و لو لمتكن من اهله لمااشرت الي ما اشرت و بالجملة عند حصول المزج و الخلط ظن صاحب كل مرتبة انه من الاخري و عدم التمييز و ظن اهل الجنة انه خارج منها و اهل النار انهم كذلك و انهم سيدخلون اليهما و ليس الامر كما ظنوا و توهموا بل الفرق بين الدنيا و الآخرة و اهلهما وجود الغطاء الذي هو المزج و الخلط المذكوران و رفعه و قد نص عليه الله في محكم كتابه بقوله و جاءت كل نفس معها سائق و شهيد لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطائك فبصرك اليوم حديد ، و قد قال اميرالمؤمنين عليه السلام لو كشف الغطاء ماازددت يقينا اماسمعت ما ورد ان رجلا بمحضر من الامام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام قال اللهم ادخلني الجنة قال عليه السلام لاتقل هكذا انتم في الجنة سل الله ان لايخرجكم منها و تبين لك من هذه البيان التام ان الجنة و اهلها و النار و اهلها مساوقتان في الخلق الثاني عند خطاب الست بربكم و تجريان في العوام الكونية و المراتب الوجودية و تختلفان في الظهور و الخفا و وجود الغطاء و رفعه و حصول العوارض المانعة عن مشاهدة حقيقة الامر فلاتخلقان تدريجا فما ظنه جماعة من الناس من تدريجيتهما في الكون و الوجود نظرا الي ظواهر بعض الاخبار الدالة علي ان رسول الله صلي الله عليه و آله رأي ليلة المعراج لما دخل الجنة ان الملائكة يبنون قصورا و يمسكون في اثناء البناء فسئلهم [ص 11] رسول الله صلي الله عليه و آله عن سبب الامساك و التوقف قالوا حتي تأتي النفقة و المدد قال صلي الله عليه و آله و ما هي قالوا قول سبحان الله و الحمد لله و لا اله الا الله و الله اكبر و غيرها من الروايات مما دل علي ان من عمل العمل الفلاني يبني له قصر في الجنة صفته كذا و كذا و امثال ذلك فليس كما فهموا و ظنوا لان المراد من هذا التدريج ليس هو تدريج الوجود و الكون و التحقق و انما هو تدريج الظهور و الاختصاص الخاص في وقت خاص و مكان خاص و رتبة خاصة و وضع خاص و جهة خاصة فان الاشياء في كل حال من حالاتها لاتخلوا من هذه الحدود و هي ذات مراتب متعاقبة و هذه المراتب المتعاقبة بتعاقبها مجتمعة في الدهر متجددة في الزمان فحينئذ لك ان تقول كلها مجتمعة موجودة في اماكنها و مراتبها عند المبدء الاعلي و الوسايط القريبة و لك ان تقول تدريجية الحصول متجددة الوقوع بحسب نظر اهل المراتب السفلية و عدم سعة دايرتها و مراد رسول الله صلي الله عليه و آله ان تلك الدرجات مسببة بتلك الاعمال و هي مقدمة في الدهر مؤخرة في الزمان كالنفس الانسانية الموجودة قبل خلق الاجسام باربعة آلاف عام مع تأخرها عنه و ظهورها عند الولادة الجسمانية بعد تحقق المراتب الخمسة فافهم او نقول بالعبارة الظاهرة ان الله سبحانه و تعالي لما علم الخلق باحوالهم و اعمالهم و مقتضيات اطوار كينوناتهم مع باقي لوازمها من المتممات و المكملات خلق لهم دارا في الجنة و النار قبل ان يوجدوا في هذه الدنيا و يعملوا تلك الاعمال المقتضية لتلك [ص 12] المنازل و الاحوال و ما ربك بظلام للعبيد كما اظهر الشفق في العالم غضبا لقتل الحسين بن علي اميرالمؤمنين عليهما السلام قبل ظهوره عليه السلام من بطن امه الي هذه الدنيا و هكذا نظايره كثيرة للمتتبع فان العلة اي المقتضي قد تتأخر عن معلولها و مقتضاها و ذلك لعلم علة العلل و مسبب الاسباب لوقوع هذا الترتب و الاقتضاء و كذلك حكم الجنة و النار خلقهما الله جزاء لمقتضي اعمال الخلق لعلمه تعالي بوقوعها فلا منافاة اذن بين الاخبار فانما دل علي وجودهما يحمل علي ظاهرها و انهما موجودتان و ما دل علي التدريج يحمل علي بيان مقتضيات الاعمال و انها هي التي تنيل الدرجات و تهبط الي اسفل الدركات و ان كانت الدرجات و الدركات قد اوجدها الله سبحانه و تعالي لعلمه بوقوع مقتضياتها من اصحابها و الداخلين فيها و لو فيما بعد او نقول ان الله سبحانه و تعالي لما خلق الدنيا و كان طالعها السرطان و الكواكب في اشرافها خلق الخلق و كلفهم فاطاع من اطاع و عصي من عصي فادخل اهل الطاعة الجنة و اهل المعصية النار و هذا عند سبق النهار علي الليل و لما سبق الليل علي النهار و انعكس سير الخلق و حصلت الآفاق المايلة و خرجت عن خط الاستواء و حصلت الكواكب العروض تغيرت البلاد و من عليها فصار الخلق عند الاضطراب و الاغتشاش لايدرون ما هم عليه و لايعرفون ما ذكروا به و هو قوله تعالي بل آتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون فعند سكون هذه الفورة و اطفاء هذه النايرة عرفوا ما هم عليه و رضوا بما هم فيه [ص 13] و هو قوله عليه السلام لو كشف لكم الغطاء لمااخترتم الا الواقع فافهم الكلام و علي من يفهم الكلام السلام فقد ذكرت لك طورا من دليل الحكمة بالوجه الاعلي و الاسفل و طورا من دليل المجادلة بالتي هي احسن و الاول للخواص و الثاني للعوام ليعلم كل اناس مشربهم و ينال كل احد مطلبهم و الله خليفتي عليكم .
و اما الجواب عن السؤال الثالث : نذكر هنا وجها واحدا او وجهين علي حسب التوجه و الاقبال اما الاول فاعلم ان الانبياء و الائمة عليهم السلام كما ذكر جنابك و فوق ما ذكر لانهم متمحضون في ارادته متلاشون في مشيته مايشاؤن الا ان يشاء الله الا انهم عليهم السلام لايخالفون الحكمة و لايمنعون المقتضيات عن اقتضاآتها و لايجرون الاشياء في غير مواضعها بل يفعلون علي مجري الاسباب و يعملون علي حسب الاقتضاآت كما ان افعال الله سبحانه كك مع انه تعالي يحب الخير و يفعل الخير و لكنه يتعلق فعله بالشر علي حسب الاقتضاآت الناشية من اختلاف الميولات الناشية عن الاختيار في الذات و الصفات و الكينونات و ليس الانبياء و المعصومون في طلبهم الخير و عملهم له باعظم من الله سبحانه و تعالي في ارادته الخير للعباد تعالي الله تعالي الله علوا كبيرا و قد سمعت ما ورد عنهم عليهم السلام ان الله تعالي قبض قبضة بيمينه و خلق منه الجنة و اهلها و قبض قبضة بشماله و خلق منه النار و اهلها و كلتا يديه يمين فاذا عرفت هذا فاعلم ان الانبياء هم الطيبون الطاهرون ليس في نطفتهم عيب و لا قصور و لا في ارادتهم نقص [ص 14] و لا فتور و لكن النطفة لما استقرت في الرحم رحم المرأة اكتسبت من مقتضياتها لعدم عصمتها و تنزهها الحقيقي مكاسب السوء فاقتضت الروح المتعلق بذلك الجسد بسوء اختياره المعصية و الخروج عن الطاعة و العبادة و هذا الاقتضاء ليس من جهة الاب كليا بل قد يكون من جهة الام في بعض الاحوال الاتري الماء الصافي النازل من السماء علي الارض يتولد منه السكر و منه الحنظل فما من الله طاهر طيب و اختلفت احواله بحسب الارض من الاقتضاآت فنطفة الامام عليهم السلام كالمطر النازل من السماء و رحم المرأة كالارض و السكر مثال الاخيار من اولاده و الحنظل مثال الاشرار منهم و عدم منعهم عليهم السلام للاشرار ان يكونوا كذلك هو عدم منع الله سبحانه للحنظل ان يكون حنظلا مع جريان ما ذكرت في الامام (ع) في الله علي الوجه الاكمل الابلغ فالكلام الكلام و الجواب الجواب و اما تولد مثل محمد و يوزاسف عن ابويهما فاعلم ان النطف الطيبة مقرها في عليين و نزلت في بحر الصاد و المزن و منه الي شجرة المزن و منها الي العرش و الكرسي و السموات السبع الي الارض الي البقول و الثمار و ما وقعت علي بقلة او ثمرة و اكلها مؤمن او كافر الا و خرج من صلبه النور فالمؤمن في صلب الكافر مستودع ليس منه و لا اليه كما قال مولينا الكاظم عليه السلام لعلي بن يقطين ان المؤمن في صلب الكافر كالحصا في اللبنة فاذا جاء المطر يذيب اللبنة و يبقي الحصي علي ما هو عليه و الي ما ذكرنا الاشارة بقوله تعالي يخرج الحي من الميت فافهم .
فان قلت و قد ورد عنهم عليهم السلام ان النطف الخبيثة [ص 15] في سجين تتعلق بابخرة تتصاعد الي شجر الزقوم و منها الي الارضين السبع الي هذه الارض التي نحن عليها الي البقول و الثمار فمااكلها مؤمن و لا كافر الا و خرج من صلبه كافر و هو قوله تعالي يخرج الميت من الحي فعلي هذا كيف يأكل المعصوم من الانبياء و الرسل من تلك البقول و الثمار الواقعة عليها نطف اهل النار و الله تعالي يقول يا ايها الرسل كلوا من الطيبات و اعملوا صالحا و قال تعالي في ابن نوح انه عمل غير صالح و كيف يتصور مخالفة نوح الذي هو من اكابر اولي العزم بعد نبينا صلي الله عليه و آله لقول الله تبارك و تعالي قلت اما اولا فلان الامام عليه السلام بين ان النطف الخبيثة التي في صلب المؤمن تصعد من السجين الي صلب المؤمن الي الدنيا لا ان كل خبيث يتولد بسبب المؤمن من هذا القبيل بل قد يكون تلك الارواح الخبيثة الصاعدة من سجين تتعلق بنطفة المرأة في الرحم و من هذا القبيل اولاد الانبياء عليهم السلام لا انهم عليهم السلام اكلوا تلك البقول و استقرت تلك الارواح في اصلابهم الطاهرة المنورة فافهم و اما ثانيا فان تلك النطف الخبيثة المتصاعدة من سجين ( ليس ظ ) امرا جسمانيا تحل في البقول و الثمار حلول الاجسام في الاجسام حتي يصدق عليه الاكل و ينافي قوله تعالي يا ايها الرسل كلوا من الطيبات و انما المراد بالنطف هنا ارواح غيبية و امور معنوية متعلقة بغيب تلك البقول و الثمار و هي لاتباشر الاجسام و لاتكون جزءا لها و لا بدل ما تحلل عنها حتي يلزم ذلك كما ورد في العنب انه فيه بول ابليس و ان هذه الثمار منها تتكون [ص 16] النطفة التي هي نجسة و حين ما يأكل الشخص ثمرة من الثمار لايقال انه يأكل نطفة نجسة و ذلك معلوم ظاهر انشاء الله تعالي فافهم .
و اما الجواب عن السؤال الرابع : فالكلام فيه طويل لكني اختصر لك بعبارة مختصرة فاقول اعلم ان الله سبحانه و تعالي جعل للاشياء مقتضيات و جعل لها موانع بحسب ما اراد من تمام النظم و حسن التدبير و تحقق الاختيار فاذا وجد المقتضي و ارتفع المانع يظهر ذلك الشيء تام التأثير و ان وجد المانع مع المقتضي فان كان المانع اقوي يمنع تأثير المقتضي و الا فيقل تأثيره علي حسب وجود المانع و لايحتاج الي ذكر امثلة ما ذكرنا فانها معلومة لديكم انشاء الله تعالي و اذا عرفت هذه المقدمة النافعة فاعلم ان الاوراد و الادعية و الاذكار كلها امور اقتضائية تقتضي مقتضياتها مما ذكر في كتب الاحاديث من توفيق الحج و طول العمر و ادرار الرزق و حصول السعة و امثال ذلك و هذه الامور اذا خلت من المعارض و الموانع يؤثر تأثيراتها حين العمل و الا فهي موقوفة الي ان يرتفع المانع اما في الدنيا او في البرزخ او في القيمة و اذا كان في الدنيا فيظهر كما اراد من مقتضياتها و اما اذا كان في الآخرة فيظهر بحقيقته و ذات كينونته التي ملأ الدنيا و احوالها و اوضاعها و تزيد عليها بما لايحصي عدد تلك المضاعفة الا الله سبحانه و اما في الدنيا فتختلف مدة ظهور تأثيرها بالقرب و البعد و الموانع امور كثيرة اعظمها الذنوب كما في دعاء كميل اللهم اغفر لي الذنوب التي تحبس الدعاء و قد تكون بحصول قرانات و اوضاع توجب المضرة و الفتنة [ص 17] و الفساد و ما يكون ضرره علي الداعي اعظم مما يتوقع من منفعته و هو قوله تعالي عسي ان تحبوا شيئا و هو شر لكم و عسي ان تكرهوا شيئا و هو خير لكم ، و قوله (ع) لو كشف لكم الغطاء لمااخترتم الا الواقع فعلي هذا اذا تخلف بعض الاوراد و الادعية عما ذكر لها من الخواص فعلته ما ذكرنا فان كانت الادعية بشرايط الاستجابة او في مكان حتم الله فيه الاجابة فالامر فيها كما ذكرنا و لذا كان بين قوله تعالي لموسي و هرون قد اجيبت دعوتكما فاستقيما الي هلاك فرعون اربعون سنة و كان بين دعاء الزهرا عليها السلام علي الثاني الي ظهور اثر الاجابة تقريبا من ثلثةعشر سنة و هكذا في غيرهم و قد وقعت الاجابة لتحقق الشرائط لكنها اخرت فلولا الدعاء ماظهرت هذه الآثار فلايجب علي كل مواظب لدعاء لالتماس اثر ظهور ذلك الاثر له في الدنيا و ذلك معلوم واضح فاما المواظبة فهي المداومة و هي تحصل باكثار القرائة و التلاوة علي اختلاف الادعية و الاوراد في مثل هذا السؤال يكفي و لو كل يوم مرة و كلما اكثر في القرائة يرجي له نجح المطلوب بتكرر الانوار الحاملة لنار العظمة المحرقة لحجاب العوارض و الموانع و نسئل الله ان يوفقنا و اياكم حج بيته و زيارة قبر نبيه و الائمة عليهم السلام و ان يجعلنا من الزائرين لهم و الوافدين عليهم بحقهم .
و اما الجواب عن السؤال الخامس : فاعلم ان الراحل الي الله قريب المسافة و انه لايحتجب عن خلقه فهو اقرب الي الداعي منه اليه فمن دعاه بقلب تقي و صدر مضيء و توجه ماح نفسه ملاحظا بالكينونة الابواب [ص 18] الاربعة و ناظرا الي الاسم الله و الرحمن و الحي و الباعث ناظرا اليه سبحانه تعالي ماحيا بتوجهه كل ماعداه فتقع الاجابة لامحة في اسرع وقت فقد جربناه كثيرا و هذا حكم عام في كل مطلب و اما لما ذكرته جنابك فالاستغفار اصل لهذا الباب فانه ينفي العوارض و يرفع الحجاب بينه و بين مدده و عنايته و هو قوله تعالي و ان استغفروا ربكم انه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا و امددناكم باموال و بنين و يجعل لكم جنات و يجعل لكم انهارا و اما الصلوة علي محمد و آله هي باب الخيرات و ينبوع الافاضات و جالبة الحسنات و ماحية السيئات فاذا اردت ذلك فاستغفر الله بعد كل صلوة سبعين مرة و صل علي محمد و آلمحمد كل يوم مائة مرة و يوم الجمعة الف مرة فانك تجد الغنا انشاء الله تعالي .
و اما الجواب عن السؤال السادس : فاعلم ان الموجودات بحسب ضعفها و قوتها علي ثلثة اوجه منها ما لطيفته اكثر من ذاته كالسراج و منها ما لطيفته مساوية لذاته كالجمرة و منها ما لطيفته انقص من ذاته كالاحجار الغاسقة و الاولياء و الانبياء من القسم الاول و لكل درجات مما عملوا و اما ائمتنا سلام الله عليهم فلما كانوا اشرف المخلوقين و اقواهم كانوا مقابلين لفوارة القدر لامر مستقر فيجذبون من ذلك النور و يخرجونه الي عالم الظهور كما خرجت النار المحرقة من حرارة اشراق الشمس عن البلورة فالامام عليه السلام تلقي المدد من العالم الاعلي و اعطي تلك [ص 19] الصورة المنقوشة مادة من الجهة العليا فحيت بها و ظهرت آثارها عليها علي مقتضي صورتها و هيكلها فظهرت علي هيكل الاسد و افترست فاستقرت اجزاء المأكول فيها ثم حيث ان الحكمة مااقتضت استمرارها و دوامها اخذ الامام عليه السلام منها ما اعطاها رجعت تلك الاجزاء للمأكول الي محالها من الارض التي اخذت طينة منها كما في الحديث علي ما فصلناه في مباحثاتنا و اجوبة مسائلنا و قال عز من قائل و ما منا الا له مقام معلوم و انا لنحن الصافون و انا لنحن المسبحون فاستقرت الاجزاء في محالها علي مقتضي كينوناتها و استدارت طينة الاصلية فيها و بقيت و العرضية تفرقت الي مباديها و عللها كما في موثقة عمار بن موسي الساباطي فتعود يوم القيمة تلك الاجزاء و تصاغ ذلك الشخص المأكول بتلك الاجزاء المحفوظة في الكتاب الحفيظ من قوله تعالي و قد علمنا ما تنقص الارض منهم و عندنا كتاب حفيظ و تتعلق به الروح فيحشر ذلك الشخص الموجود في الدنيا المأكول الاسد في مجلس المأمون و المتوكل يوم القيمة كما كان في الدنيا و ان كان اكل ما اكل منه من الاجزاء الاصلية و الفضلية فانها محفوظة في محالها من كتاب الله الاكبر و اما ما اكلته عصا موسي فحكمه كما قلنا حرفا بحرف و اما قوله تعالي كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها فالمراد بها جلود اهل النار ممن كانوا في الدنيا و هي من سنخ عالمها فلما اكل الاسد اجزاءه اعاد الله سبحانه تعالي تلك الاجزاء و صاغها كما كان في الدنيا فالآية لا ربط لها في هذا المقام و ذلك ظاهر و السلام .