[ص 20] اما الجواب عن السؤال السابع : فاعلم ان عالم الرؤيا عالم برزخ بين عالم الغيب و الشهادة و يسمي عالم المثال و عالم هورقليا و جابلصا و جابلقا و مدركه بنطاسيا اسفله متعلق بمحدب محدد الجهات و اعلاه مرتبط باسفل الملكوت و هو عالم ذو عجايب و غرايب محيط بهذه الدنيا احاطة الاصل بالفرع نسبتها اليه كالخردلة الصغيرة في البرية الواسعة و استغفر الله عن التحديد بالقليل و حيث ان الله سبحانه و تعالي خلق الانسان انموذجا للعالم الاكبر فجعل فيه كلما فيه بقدر مقدر و امر مستقر و حيث ان العالم الاكبر ترتقي كليات مراتبه الي الفالف وجب ان يكون في الانسان الفالف مقام و الفالف مشعر ليدرك بكل مقام و مشعر عالما من العوالم اظهارا لعظمة الله و اعلانا لقدرته و سلطانه و لما كان الانسان في هذه الدنيا تعلقت به الشهوات و تراكمت عليه حجب الانيات و علقت به ثاء الثقيل لما اتصلت به هاء الهبوط عن ميم المركز فنسي تلك العوالم و ذهل عن تلك الرسوم و المعالم فلايعرف شيئا منها ما دامت النفس متعلقة بالامور السفلية الجسدية فاذا حصل لها الاعراض عن هذه القوي الجسدانية الجسمانية نظرت الي العالم الاعلي منها فان كان هذا الاعراض بالتوجه الي الله سبحانه و الاقبال اليه و طلب قربه و نجواه حتي رفع الحجاب عن بصيرته و ارتفعت الغشاوة عن نظر قلبه و حقيقته ليحصل له الامتثال لقوله عز و جل فتوبوا الي بارئكم فاقتلوا انفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم ، و لقوله صلي الله عليه و آله موتوا قبل ان تموتوا فينظر الي تلك العوالم و الحقايق و الذوات [ص 21] و يشاهد الازمنة من الماضي و الحال و الاستقبال فيجدها كما هو الواقع و تخبر تلك الحقايق بالسنة انفسها ما استودع في سر ذاتها من الدقايق و هذا هو مقام الصديقين و درجة المقربين و مقام السابقين لايناله الا ذو حظ عظيم فلايتفاوت عليه الحال في اليقظة و المنام و ان كان الاعراض بازهاق النفس لاجل تخلل الآلات الجسمانية الجسدانية من فساد الحرارة الغريزية بفساد بعض الاعضاء الرئيسة و غيرها لتحقق الموت الطبيعي فان كان من ماحض الايمان محضا ينظر الي تلك العوالم بعين المثال المدرك باسفلها اعالي عالم الاجسام و باعلاها اسافل عالم الملكوت و البصائر و النواظر ما يناسبها من العوالم و المقامات فتجدها كما هو الواقع لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطائك فبصرك اليوم حديد و اما ماحض الكفر فهو مشغول بالعذاب عن غيره و اما المستضعف فميت لايحس و لايدرك شيئا حتي النشور فان كان الاعراض لاجل غلبة الرطوبات و كثرة الابخرة الحادثة في المجاري من جهة زيادة الاكل و شرب الماء و ساير الامور المولدة للرطوبة الموجبة لملال الروح و النفس فتجتمع الروح في القلب و تعرض عن ظاهر البدن فتلتفت الي عالمها ذي الفضاء الاوسع فتري الاشياء و تسمع الاصوات فهذا هو الرؤيا فان كان نظرها الي العوالم السفلية من اطوار عالم الاجسام مما دون الكرسي بل اي الكرسي الثاني المعبر عنه بفلك القمر ان كان في البدن و المجاري رطوبات و ابخرة تتصاعد و تتشكل باشكال و صور او في كرة البخار لزيادة الابخرة الحادثة في الجو بقرانات الاوضاع الفلكية مع المواد [ص 22] الارضية فتحدث صور و اشكال و هيئات و اشباح في العالم و هي تراها او في الروح عدم استقرار و طمأنينته فتصور صورا و هيئاتا مختلفة او ناظرة بخيالها الي شيء واحد مما يحبه او يكرهه فهذه كلها اضغاث احلام لا اصل لها و لا عبرة بها صور سيالة تذهب و تضمحل كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتي اذا جاءه لميجده شيئا و وجد الله عنده فوفيه حسابه و ان كان البدن مستقرا معتدلا و الروح نظرها مستقيما غير معوج ينظر الي حقايق الملك و غيوب الملكوت فتري حقايق الاشياء و صفاتها و ذواتها و كينوناتها و تطلع عليها و تسمع منها ما يقتضي عالمها و حيث كانت الازمنة مطوية في ذلك العالم كان ربما يقع ما رأته من احواله بتنزله الي هذه الدنيا بعد مدة من الاشهر او الاعوام مما رآه من هذا القبيل يقع كما رأي و لايحتاج الي تعبير و ان كان نظرها الي العوالم العلوية و خالية عن الموانع و العوارض يقع ما رآه بالتعبير فاذا رأي الرائي انه شرب لبنا قد ينال العلم و قد يشرب اللبن و قد لايقع شيء اصلا فافهم .
و اما المرئي المخبر في الرؤيا فان كان من اهل القسم الاول اي المقربين الصادقين المصطفين فهو مطلع بما رآه الرائي في المنام فان جميع عوالمه حاضرة لديه و ان كان ليس له تلك الرتبة و ذلك المقام فحيث ان عوالمه ليست حاضرة لديه و ليس ناظرا اليها كان لكل عالم حكمه مما يقتضيه فاذا جاء في العالم الآخر لاحتجابه لايدري ما جري معه في العالم الاول الاتري الرجل ربما يخبرك بخبر و يقول لك قولا ثم اذا اشتغل بشيء آخر نسي ما قال لك و اخبرك و انت [ص 23] تذكره و مثل ما يخبر في الطفولية و ينسي في الكبر و التفاوت بين عالم الرؤيا الذي هو عالم المثال و بين عالم اليقظة الذي هو عالم الاجسام بل الاعراض اعظم مما بين الطفولية و بين الشيخوخة بل لايقاس فالمرئي المخبر في ذلك العالم يحتجب عما اخبره و رآه في هذا العالم لان الكلام مع مثاله لا مع جسمه و اما الرائي فمن جهة تذكره بعد نسيانه و توجه روحه اليه و التفاته الخاص لاينسي غالبا فان قلت كلاهما اي الرائي و المرئي في عالم المثال حين الاخبار و الاستفسار فما بال الرائي يذكره اذا رجع الي عالم الاجسام و الاعراض و المرئي و المخبر لايذكر قلت اما الرائي فمن جهة وقوفه في قوس مثل قوس الصعود و المرئي في قوس النزول و قد بينا في كثير من مباحثاتنا ان قوس النزول مقام النسيان و الجهل في الا الذين عند الله يسبحون الليل و النهار لايفترون اي ليل الكثرة و نهار الاجمال و الوحدة و قوس الصعود مقام الذكر فالاعلي عند الرجوع الي الاسفل لاينسي مقامه و لايذهل عن رتبته فيذكره بعد التعلق بالعالم الاسفل الاتري الصاعد الي مقام الانسانية فان جميع مراتبها و احوالها و اوضاعها علي حسب صعوده اليها حاضرة عنده متي ما ارادها نظر اليها بخلاف النازل عنها الغير الصاعد اليها فانه لايذكرها و لاتحصل له متي ما ارادها فما يحصل للعارف الناظر الي مقام انسانيته لايحصل لديه في مقام حيوانيته قبل الصعود اليها بعد النزول منها فافهم و هذا كلام علي لسان العلماء العارفين و الامناء الكاملين و معرفته حظ اولي الافئدة .
و اما علي لسان المتكلمين و الحكماء الظاهريين [ص 24] فانهم يقولون ان الرائي اذا حصل للروح ملل و كسل توجهت الي عالمها و استقرت في مركزها وجه القلب فتتخيل الصور و تنطبع فيه الاشباح الحسنة و القبيحة فان كانت كاملة تنطبع فيها الصور و الاشباح كما هو الواقع كالمرآة المستقيمة الصافية و الا فعلي حسبها من انحاء الاعوجاجات و المرئي هو الشبح و المثال لا الحقيقة و الذات حتي يطلع علي حقيقة الامر فالرائي مطلع ناظر و المرئي ذاهل غافل فلا اشكال و لا اعتراض و هذا الكلام قشري صوري و ان كان لايخلو من صحة في الجملة و كيف كان فاذا رأي الامام او النبي عليه و عليهم السلام فالامام يطلع لانه ركن البلاد و سائس العباد و الله سبحانه اطلعه علي غيبه و اودعه سره فلايعزب عن علمه مثقال ذرة في الارض و السماء و الاحاديث في ذلك مستفيضة و الادلة القطعية العقلية عليه ناطقة و آيات الكتاب عليه شاهدة و الله سبحانه يقول عالم الغيب فلايظهر علي غيبه احدا الا من ارتضي من رسول و قال عز و جل و ماكان الله ليطلعكم علي الغيب و لكن الله يجتبي من رسله من يشاء و تفصيل الكلام يطلب في ساير رسائلنا .
اما الجواب عن السؤال الثامن : فاعلم ان الروح التي يقبضها ملك الموت هو الشخص الانساني الحامل للفؤاد و العقل و الروح الرقايقي و النفس و الطبيعة و المادة و المثال قد نزع عنها لباس الجسم و الجسد و هي محلها و مركزها في الوجه الاسفل الوجه الاعلي من محدب محدد الجهات و جميع الاجسام و الجسمانيات من العرش و ما دونه الي الثري [ص 25] بالنسبة الي عالمها كالحلقة الملقاة في فلاة قي فجميع اهل الدنيا بمرئي منها و مسمع و معني كون اهل الجنة في وادي السلام و اهل النار في حضرموت وادي برهوت في بئر بلهوت انهم في ذلك العالم و مظهر الجنة و مفتاحها و بابها باطن وادي السلام لا ظاهره و لذا تأتي الوادي و لاتري شيئا و الجنة قد علمت سعتها و نعيمها و كذلك برهوت فالمراد باطنهما كما ان الروح و العقل في القلب اللحم الصنوبري و ان الامدادات تجري الي القلب فهو باب عالم الغيب كذلك وادي السلام باب الجنة و مظهرها و اهل الجنة في غيبها فالشخص الميت في الجنة وادي السلام محيط بجميع الدنيا من قبره و بيته و اهله اينما كانوا فلايتفاوت عنده البعد المكاني الأيني فكل وقت اتي الشخص الي قبره ليلا او نهارا صبحا او عشاء هو مطلع عليه ناظر اليه فما ورد ان الارواح في الجنة يأتون يوم الجمعة وقت الصبح مع جبرئيل و الملائكة علي نوق من النور الي وادي السلم و يبقون هناك الي الزوال ثم يستأذنون جبرائيل للاتيان عند قبورهم و اهاليهم فالمراد بوادي السلم مقر الولي و مركزه الذي تأوي اليه الخلق بعد كل جمعة لينالوا ما اعد الله لهم مما جري في سابق علمه و قضاه و قدره بعد اتمام ما قدر و قضي و امضي بعد اجتماع مراتبها فمادتها في يوم الاحد و صورتها في يوم الاثنين و نسبة المادة الي الصورة في يوم الثلثاء و نسبة الصورة الي المادة في يوم الاربعاء و مبدء الاجتماع في يوم الخميس و تمام الاجتماع و صيرورته شيئا واحد في يوم الجمعة فهذا اليوم يوم الاستمداد و الاستفادة [ص 26] و الاستزادة بمدد جديد فلا بد من الوقوف بباب الفيض و فوارة النور ليجري عليه تمام الصنع و كمال الامر و باب الفيض و مركز الخير و النور هو وادي السلم و لذا كان مقر الولي و مسكنه فالارواح تأتي وادي السلم يوم الجمعة للاستزادة و الاستمداد بنوع اعظم و اعلي فكونها في وادي السلم لايمنعها من الاطلاع و الاستخبار و المشاهدة لمن هو عند قبورهم و ابدانهم و مثاله ان الفلك الاعظم المسمي بالعرش عند اهل الشرع محيط بالارض و اهلها حتي ان نسبتها اليه لايقاس بالحواس و لكن الارض مع صغرها تطابقه بالمحاذاة فكان خط الاستواء محاذيا لمنطقة العرش و هي دائرة معدل النهار فاذا اراد الواقف في العرش ان يعرف اهل الارض كونه في اعلي المقامات و اشرفها يقول انه في خط الاستواء فانه يحاذي القطب الاصلي عندنا و المنطقة عندهم و هي باب المدد و الافاضة و لكنه حين كونه في المنطقة محاذي خط الاستواء لايحتجب عن باقي اطراف الارض و اقطارها و اقاليمها و اذا خرج عن الخط المذكور و صار في ناحية اخري من الفلك لايحتجب عن باقي مقاماتها لان الارض كلها عنده كالخردلة في البرية الواسعة فالمراد باتيان الارواح يوم الجمعة الي وادي السلم هو ما ذكرنا لك و من الاتيان الي اشرف المواضع و احسن الاماكن من الجنة و الوادي بابها و المحاذي لها كما روي ان مكة بازاء البيتالمعمور و هو بازاء العرش و اركانه و كما ذكرنا ان خط الاستواء بازاء دائرة معدل النهار مع ما تري من التفاوت العظيم بينها و كذلك القول في وادي برهوت فاهل الجنة لايزالون مطلعين علي من [ص 27] يأتيهم علي قبورهم حتي ورد عن مولانا الصادق عليه السلام ان المؤمن اذا مر بقبره حمل حنطة يعلم كم فيه من حبة ه ، و ان كانوا في وادي السلم و غيره و اما اتيانهم الي قبورهم و بيوتهم و اهاليهم فذلك التفات خاص و عناية خاصة لهم لاهاليهم و بيوتهم و قبورهم لا لانهم قبل ذلك ماكانوا يعلمون اذا التفتوا و نظروا و الوجه الخاص لاينافي ما هم عليه من الاحاطة و الاستيلاء كما ذكرنا في وادي السلم حرفا بحرف فافهم .
و اما الجواب عن السؤال التاسع : اما في الظاهر فاعلم ان الزمان ليس كما يزعمون انه منتزع من حركات الفلك و انه من الاعراض الغير القارة بل اقمنا براهين قطعية في كثير من مباحثاتنا و اجوبتنا علي ان الزمان حقيقة ثابتة قارة منبسطة و ان حركات الافلاك كواشف عن مقاديرها و مشخصاتها و مظاهر لها فلو لميكن حركة الفلك و الكواكب لايعرف الغد من الامس و لا الشهر من الاسبوع و لا السنة من اليوم لا ان المدة ما كانت كيف و هي لازمة للجسم و مقومة له و متقومة به بلا دور لاختلاف الجهات و هو قوله تعالي و لتعلموا عدد السنين و الحساب فهذه الحركات للعلم بالسنين و الاشهر لا لتحقق حقيقتها و لتحقيق هذه المسئلة مقام آخر و اما ما تري من سيالية الزمان و تلاشيها فهو لاجل حركات اهله فيه كراكب السفينة يجد الشاطي متحركا فالزمان عبد من عباد الله مطيع له ناظر شاهد علي خلقه كما ذكره سيد الساجدين في دعاء الصحيفة اللهم ان هذا يوم جديد و هو علينا شاهد عتيد ان احسنا [ص 28] ودعنا بحمد و ان اسأنا فارقنا بذم و في وداع شهر رمضان السلام عليك يا شهر الله الاكبر و يا عيد اوليائه السلم عليك يا اكرم مصحوب من الاوقات و يا خير شهر في الايام و الساعات السلام عليك من شهر قربت فيه الآمال و نشرت فيه الاعمال الدعاء فمن نظر و تفكر و بصر و اعتبر علم ان الزمان امر متحقق موجود ثابت حاله كحال ساير الموجودات المتحققة المتأصلة فان سلام الامام علي امر عرضي مضمحل غير مدرك و لا شاعر قبيح جدا عند من عرف الامام عليه السلام فافهم الكلام و نحن الآن لسنا بصدد تحقيق حقيقة هذه المسئلة و انما مرادنا الاشارة الي نوع البيان من اهل المعاني و البيان لاهل المعاني و البيان .
فقد عرفت مما ذكرنا ان الازمنة متأصلة لها شعور و ادراك و فهم و اختيار علي حسب مقامها و لما ثبت ان التكليف يساوق الوجودات الكونية و الشرعية كلفه الله سبحانه حين ما اصلها و شيئها فسبقت هذه الايام الشريفة الي الاجابة و سارعت دون غيرها الي التلبية و الاقرار بالتوحيد و النبوة و الولاية فشرفها الله سبحانه دون غيرها من الايام و اوجب حرمتها علي الانام و زينها بمزايا الاحكام و هي بعضها بالنسبة الي بعض تفاضل بحسب السبق الي الاجابة فيوم الغدير اول الايام المسرعة الي الاجابة و المبادرة الي التلبية فشرفه الله سبحانه تعالي علي غيره فاختص بظهور نور الولاية الذي بها كمال الدين و تمام شريعة سيد المرسلين و جزء الاخير للعلة التامة لنجات الخلائق اجمعين و الاصل الذي به قوام الكون و العين و الدنيا و الدين و الي [ص 29] الجميع اشار الله تعالي بقوله اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلاتخشوهم و اخشوني اليوم اكملت لكم دينكم و اتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الاسلام دينا و هو يوم الفصل اي فصل الخطاب و عنده البدو و اليه الاياب و هو يوم تتلألأ فيه الانوار و تبدو فيه الاسرار و تختلف به الليل و النهار الا ان الليل في مقام عرضيته و النهار في رتبة ذاتيته فلما تزايدت فيه الانوار و اشرقت من افقه تجليات الاسرار مما لمتكن في غيره و لمتوجد في سواه فتزين باحسن زينة و تشرف باكرم شرافة بما هو اهله و مستحقه بحسب اجابته في العالم الاول و مسابقته في طاعة مبدء الكل و كذلك حكم غيره من الايام التي لها مزيد شرافة و كرامة فانها مختصة بظهور الانوار الساطعة من افق حجاب الواحدية و لما كان الخلق في هذه الدنيا قد غشي ابصارهم حجاب الغفلة و احاط بهم غطاء الانية فحجبوا عن مشاهدة تلك الانوار و حرموا عن تحمل تلك الاسرار فبقوا لايفرقون بينها و بين ساير الايام و لايجرون عليها تلك الاحكام التي اخبر الله سبحانه عنها بالسنة سادة الانام عليهم الصلوة و السلام فمن صدق الله سبحانه و صدق اوليائه عظم هذه الايام امتثالا للامر و ترقبا للاجر لا لمشاهدة انوارها و ملاحظة اسرارها و من لميصدق ربه لمير لها مزية زايدة علي غيرها من الايام و لميجد لها احتراما كساير الايام و اما يوم القيمة فحيث ان الحجب قد كشفت و الموانع قد زالت و العوارض قد ارتفعت و الاشياء بحقائقها قد ظهرت فيري تلك الايام علي ما هي عليه من الزينة و النور و الحبور و السرور فالمصدق يستر [ص 30] بما طابق فعله عيانه فيقول الحمد لله الذي صدقنا وعده و المكذب يتحير حيث خالف فعله وجدانه فيقول يا حسرتي علي ما فرطت في جنب الله و قد اشار الله سبحانه و تعالي الي ما اشرنا بقوله الحق لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد فمعني اتيان هذه الايام باحسن زينة ظهور احكامها و انوارها للرائي لا انشاؤها جديدا و اتيانها من مقام الي مقام كما قال عز من قائل و الامر يومئذ لله فان الامر لله في كل وقت و في كل حال و اختصاصه بيوم القيمة لبيان ظهور الاختصاص لعامة الناس بلا شبهة و التباس لانتفاء الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة و الناس فظهور هذه الايام عبارة عن ظهور كينونتها علي ما هي عليه للخلق لا انها انقلبت الي حقيقة اخري و من كينونة الي كينونة سواها حتي يلزم انقلاب العرض جوهرا بل العرض عرض و الجوهر جوهر و الايام جواهر لا اعراض و ان كانت الاشياء جواهر باعتبار و اعراض باعتبار فكل شيء جوهر و عرض اماسمعت ما يقول الشاعر يمدح به مولاه :
يا جوهرا قام الوجود به و الناس بعدك كلهم عرض
و لتحقيق الجوهر و العرض مقام آخر فان لنا فيهما تحقيقا رشيقا انيقا اشبعنا الكلام فيه في كثير من مباحثاتنا و اجوبتنا للمسائل فمعني اتيان هذه الايام الشريفة المباركة يوم القيمة علي احسن زينة ظهورها في محالها و مواقعها اي كل يوم في محله و موضعه علي اكمل ما يكون من الصفة التي ينبغي ان يكون عليها مطيع لله مما يقتضي كينونته علي [ص 31] حسب ما عليه من ذات او صفة جوهر او عرض و هذه في الدنيا كك لكن غشاوة العيون و مقارنات الاشياء من اختلاط التطنجين و صرير الفلك و اصطكاك رأس افرودوس مانعة عن مشاهدة تلك الانوار و ملاحظة تلك الاسرار و اما يوم القيمة فحيث كان محل كشف الغطاء و ظهور قوله تعالي فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد تظهر تلك الانوار في تلك الايام علي حسب المقام كما انك الآن في خيالك تنظر الي الايام الماضية كل يوم في مكانه و محله مستقرة مجتمعة لايزاحم واحد منها صاحبه كك يوم القيمة يظهر هذا الخيال و تراه بمشاهدة العيان كما كان من غير مزاحمة و من غير اجتماع المستقبل في الماضي و الماضي في المستقبل فجميع الايام من ايام الجمعة و الغدير و غيرهما يؤتي بها علي ما هي عليه مع اهلها باحوالها و اوضاعها كك ايام شهر رمضان و شهر شعبان يؤتي بها يوم القيمة لتكون شاهدة علي اهلها من المطيعين و العاصين لان كل يوم له حكم خاص و كل ساعة و دقيقة و كل شهر و عام لها احكام خاصة و آثار معينة يترتب عليها لا علي غيرها فلا بد من احضار الكل لتكون الحجة اتم و النعمة اكمل و اختصاص هذه الاربعة انما هو لبيان نوعها مثلا لايراد بيوم الغدير يوم واحد بل هو نوع الغدير و ان كان مشتملا علي ايام كثيرة كل يوم يظهر في مكانه علي احسن زينة و هكذا غيره فالاتيان بها هو اظهارها مشروحة العلل مبينة الاسباب فما تراها الآن بخيالك في الدنيا تراها ببصرك في العقبي فلانحتاج اذن الي التكلفات التي تكلفها جنابك في خلال السؤال من تجسيم [ص 32] الاعمال او ان المراد اهلها و لزوم انقلاب الجوهر عرضا و غيرها مما ذكرت بل الايام علي ما هي عليه تظهر و يؤتي بها علي ما ذكرنا و انما كررت العبارة و رددتها لاجل التفهيم و كاني بضعيفكم يقول هذا قول لميقله ساير العلماء قلت كما قال المتنبي :
فهب اني اقول الصبح ليل ايعمي الناظرون عن الضياء
و البرهان احق ان يتبع و الله سبحانه و تعالي اعلم بخلقه من خلقه و خلفائه و اوليائه سلام الله عليهم اشهدهم الله خلق السموات و الارض فاذا دل الكتاب و السنة و البرهان القاطع علي حكم يجب القول به و ان لميقل به غيره لان فوق كل ذي علم عليم و هنا وجوه اخر من وجوه الباطن و التأويل تركت ذكرها خوفا للتطويل و صونا من اصحاب القال و القيل و فيما ذكرنا من الوجه الظاهري كفاية فما اسعدك لو وفقت لفهمه فان فهمته فخذه و كن من الشاكرين و ليس وراء عبادان قرية و الا فرده الي اهله اولي العلم الذين يستنبطونه منه و الله خليفتي عليك .
اما الجواب عن السؤال العاشر : فاعلم ان الانسان له اربعون مقاما بها تتم مراتبه و تكمل حقيقته و قد اشار الله الي هذه المراتب بقوله لقد خمرت طينة آدم بيدي اربعين صباحا و قوله تعالي فتم ميقات ربه اربعين ليلة فاذا عصي الشخص فان كانت معصيته عن قلب فتسود هذه المراتب و تظلم و هو الذي احاطت به خطيئته كما قال تعالي بلي من كسب سيئة و احاطت به خطيئته فاولئك اصحاب النار هم فيها خالدون و هذا مخلد في النار لايطهر و لاينجو الا بتغيير قلبه و التصديق القلبي [ص 33] و الاخلاص الحقيقي و ان كانت ليست عن قلب بل باعراض مراتبه الحاصلة من اللطخ دون الخلط يتصعد منها بخار مظلم منتن و لما كانت مراتبه الذاتية طيبة و المعصية ليست ذاتية و انما هي مجتثة من اسفل السافلين فلاتقبل تلك المراتب ذلك الاثر المعبر عنه بالبخار المنتن فيرجع قهقري حتي يتصل الي ادني المراتب من المراتب الجسمانية فيمكث فيه لقوة المناسبة بينهما ان لميتب عن تلك المعصية و هكذا لايزال يعصي معصية فيسود مرتبة من مراتبه السفلية حتي يتمادي في المعصية الي ان تظهر آثارها في جميع مراتبه التي قلنا انها اربعون فاذا اسودت هذه المراتب و اظلمت مع خلوص القلب و انكاره لها فتتقوي آثارها و يكمل ظهورها فيصعب حينئذ ازالتها الا بداع قوي و هذا الكمال في مراتب الظلمة و اسودادها في مراتبها لايكون الا في اربعين سنة لان كل مرتبة من هذه المراتب تشتمل علي ثلثمائة و ستين مرتبة و كل مرتبة تتعين في العالم الزماني باليوم الواحد الذي هو تمام اول دورة باول حركة لاول متحرك من العوالم الجسمانية و ذلك هو العرش الاعظم و معصية كل يوم تظلم مرتبة من مراتبه اذا لمتكن المعصية ذاتية ففي اربعين سنة تسود المراتب كلها و انما قلنا ان كل مرتبة تشتمل علي ثلثمائة و ستين مقاما لان اصول الوجود عشرة و هي التي كانت الافلاك و العناصر مظاهرها و هذه العشرة يكمل ظهورها و يستعد للكمال و التمام بعد ما دارت ثلث دورات دورة العنصر و دورة المعدن و دورة النبات فذلك ثلثون و كل مرتبة [ص 34] من هذه الثلثون بحكم قوله تعالي و ان من شيء الا عندنا خزائنه و ماننزله الا بقدر معلوم قد نزلت من عشرة خزائن الاولي خزانة الامكان الثانية خزانة الكون النوراني و هو الوجود و الفؤاد الثالثة خزانة القلم الرابعة خزانة الرقايق الخامسة خزانة اللوح السادسة خزانة الحجاب الاحمر الياقوتة الحمراء التي غلظها قطر محدب محدد الجهات السابعة خزانة البحر الحاصل من ذوبان هذه الياقوتة الثامنة خزانة حجاب الزبرجد و مقام الاظلة و الاشباح ابدان نورانية لا ارواح لها التاسعة خزانة الاجسام محل النقش و الارتسام العاشرة خزانة الاعراض حجاب اسود غليظ و هي آخر المراتب السفلية فاذا ظهر الثلاثون في العشرة كانت ثلثمائة و اما الستون فلظهور هذه العشرة المذكورة في الستة الايام التي خلق الله فيها الشيء يوم النطفة يوم العلقة يوم المضغة يوم العظام يوم اكتساء اللحم يوم انشاء خلق آخر فهذه الستة لما حملت تلك العشرة تم الستون فصار كل مرتبة اشتملت علي ثلثمائة و ستين و قد قسمت الدواير و الكرات الظاهرية علي طبق الدواير و الكرات الباطنية ذلك تقدير العزيز العليم فاذا عصي الشخص اربعين سنة اسودت هذه المراتب كلها و اظلمت بحذافيرها و حيث كانت المعصية عرضية ليست بذاتية من جهة عدم محبة القلب لها و ميله اليها فهي تزول اما بتوبة و استغفار او دعاء و مناجات في الاسحار او باكثار الصلوة علي محمد و آله الاطهار او بالاقبال اليه سبحانه بالعشي و الابكار او بالرجوع الي يوم القيمة و الدخول في النار و المكث فيها احقابا و يزول ذلك الغبار [ص 35] الذي حصله من الاغيار و لما كان الدعاء المشتمل علي الاسماء الحسني له مراتب بحسب هذا الاشتمال في قوة المدافعة و ضعفها كان اقوي الادعية دعاء بقوة نورانيته و اشتماله علي سر الاسم الاعظم و التجلي الاقدم يدفع عوارض السيئات العارضة بتلك المراتب و الدرجات المستولية علي كلها باكمال اربعين سنة فاذا ارادوا عليهم السلام ان يصفوا دعاء كاملا بالغا في قوة النورانية اعلي المقامات و اقواها عبروا عنه عليهم السلام بان من قرأه و واظب عليه غفر الله له ذنوب اربعين سنة و ان كان عمره اكثر من اربعين سنة لان السواد الطاري طرء علي جميع المراتب فاذا ازال عن الجميع ازال عن الجميع فافهم فقد اسمعتك تغريد الورقاء علي دوحات سدرة المنتهي ان في ذلك لذكري لمن كان له قلب او القي السمع و هو شهيد و اني معتذر الي جنابك من بسط المقال و شرح حقيقة الاحوال لما انا عليه من تبلبل البال و عدم استقامة الحال و قلة السعة و المجال و تصادم القيل و القال و فيما ذكرنا كفاية و جنابك و لله الحمد ممن تكفيه الاشارة و الله خليفتي عليك و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين .