قال سلمه الله تعالي : و ما الجواب عن تكليف الجهاد و قد قال تعالي ماجعل عليكم في الدين من حرج و لو بحصول مشقة علي النفس فكيف بالقتل و تلف المهجة فاي مشقة اعظم من تلف النفس .

اقول الجهاد و ان كان فيه مشقة و صعوبة الا ان مشقة ترك الجهاد اعظم و اعظم لان في تركه غلبة للكفار و استيلاء للفجار علي الابرار فعند ذلك لايؤمن المسلم المؤمن علي نفسه و علي عرضه و علي ماله و كلها في معرض الزوال و الاضمحلال فاذا اتقي منهم و اظهر دينهم يضمحل الدين شيئا فشيئا الي ان لايبقي له اثر و في ذلك خلاف حكمة الحكيم فان [ص 28] الله سبحانه حكم ان يظهر كلمته و يعلي دعوته و يبين للناس طريق الهدي من طريق الضلال و الا لم‌تتم حجته و لم‌يظهر دينه و الاظهار اما بمحض القول من غير سل السيف و اما به فان كان الاول فلايصدق الداعي الا القليل و اهل الجور من اهل الباطل كانوا يستولون عليه فلم‌يتمكن من اظهار نفسه فضلا عن اظهار دعوته و لذا تري ان رسول الله صلي الله عليه و آله بقي مدة مديدة في مكة و اظهر الدعوة ماآمن معه الا قليل و كانوا خائفين من مشركي قريش حتي بقوا مدة في شعب ابيطالب محصورين لايعاملونهم و لايبايعونهم و لايعاشرونهم و لولا ابوطالب و حمايته و هيبته في اعين الكفار لقتلوهم عن آخرهم و مع هذا كله ماتمكنوا من اظهار امرهم و اعلان كلمتهم و كانوا في ذل و محنة شديدة حتي كانوا يستهونون الموت الي ان توفي ابوطالب عليه السلام و خديجة عليها السلام فامر الله نبيه بالهجرة لعدم الناصر فلما هاجر انزل الله عليه صلي الله عليه و آله اذن للذين يقاتلون بانهم ظلموا و ان الله علي نصرهم لقدير الذين اخرجوا من ديارهم بغير حق الا ان يقولوا ربنا الله فلما فرض الله الجهاد لدفع المذلة و المظلومية صارت للاسلام عزة و للدين قوة و شوكة و صار الناس يدخلون في دين الله افواجا و هل يقاس الحالة التي بعد الجهاد بالحالة التي قبل الجهاد حتي كان الجهاد راحة للنفس بلحاظ ما تترتب علي تركه من الذلة و الهوان و اتلاف النفس و العرض و المال و بالجهاد تعالت كلمة الحق و انتشرت آثار الصدق و ظهر امر الله و هم كارهون هذا مع ما يجد [ص 29] المؤمن الشجاع عند منازلة الاقران و اصطكاك الاسنة عند اشتداد الضرب و الطعان ليعلي به كلمة الله و ليذب عن دين الله و ليحفظ ولي الله و ليمانع عن حوزة الاسلام و ليحامي حرم المسلمين عن تسلط الكفرة اللئام من اللذة و الفرح ما لايكاد يصفه واصف الاتري انك اذا هاج عليك الدم الفاسد تستعمل الحجامة و الفصد مع ما فيهما من المشقة الا انك ترتكبهما لتوقع ما هو اعظم من ذلك فاذا تأملت ما يترتب علي ترك الجهاد لعلمت ان الجهاد ح يسر لا عسر راحة لا زحمة فرح لا ترح نسئل الله الجهاد بين يدي السيد و السناد و الشهادة في طاعته و متابعته لنفوز بالسعادة يوم المعاد مع ان التكليف في نفسه كلفة و مشقة علي نفس الغير البصير و لذا سمي تكليفا و هذه الكلفة في جنب ما اعد الله سبحانه بحسب المقتضيات و الاسباب الظاهرة و الباطنة بازائها عين الراحة و السرور و لذا قال النبي صلي الله عليه و آله و قرة عيني في الصلوة ارحنا يا بلال و قال علي بن الحسين عليهما السلام و اعوذ بك من كل راحة بغير ذكرك و من كل لذة بغير انسك و هذه التكاليف بعضها بالنسبة الي بعض ايسر فاختار الله سبحانه للمكلفين ايسرها بالاضافة الي انواع التكاليف لا عدم التكليف رأسا كيف و ان التكليف مشقة و رحمة و لايقوم مقام الجهاد سواه حتي يكون ذلك ايسر ليختاره الله سبحانه فتعين ذلك فافهم الاشارة و لاتقصر علي العبارة .

قال سلمه الله تعالي : و ما الجواب عن النص الدال في قطع يد السارق ان راحة الكف لاتقطع لانها له سبحانه يسجد له عليها و ما كان لله لايقطع [ص 30] مع ان في قطع الرجل قطع الاصبع الابهام التي يسجد عليها فكيف هنا تقطع و هناك لاتقطع و علله عليه السلام انها لله فلاتقطع .

اقول اعلم ان ما وضع للسجود و العبادة لله سبحانه و تعالي فلايقطع و لايغير لان ذات الانسان انما تترقي بتلك العبادات و الاعمال الي اعلي الدرجات و تنال اعلي المقامات و المعصية ما لم‌تبلغ حدا يكون عدم العاصي في الدنيا ارجح من وجوده يراعي بقاء الاعضاء و الاسباب التي بها تحصل العبادة علي الوجه الاكمل لحصول الغرض و الغاية في ايجاد المكلف من العبادة و الطاعة و المعصية العرضية لاتمنع قطع الفيض الاصلي الحقيقي بقطع جواذبه و اسبابه فما كان معدا للعبادة من الاعضاء و الجوارح يكون مقتضيا للبقاء و عدم تطرق الخلل عليه و لكنه قد يعتري المقتضي مانع اقوي فيمنع المقتضي عن اظهار مقتضاه و يكون الحكم للمانع ح كما في المقام فان اقامة الحدود الالهية و التأديبات الربانية لحفظ المكلفين عن المجاهرة في العصيان و المكابرة بالطغيان الموجبتين لاعراض المبادي العالية عنهم الموجب بهلاكهم الابدي و فنائهم السرمدي المسبب للخلود في النار ذات الوقود اولي و اعظم من مراعات الاجزاء و الاعضاء التي بها تحصل الاعمال الجسمانية و حيث ان السارق تكون العمدة في سرقته شيئين احدهما يداه و اعظمهما اليمني و بهما يقبض ما يقبض و ثانيهما رجلاه و بهما يسعي الي الوجه المقصود و حيث كانت مدخلية اليد اعظم و ادخل تقطع اولا اليد و حيث ان اليد مشتملة علي الاصابع و الكف و موضع العبادة في السجود [ص 31] و اصلها فيه الكف و في السرقة كانت مدخلية الاصابع في القبض اكثر فوجب قطع الاصابع ماعدا الابهام لئلايتمكن من قبض مال الحرام بالسرقة فكان بقطع الاصابع مندوحة عن قطع الكف فوجب قطعها و ابقاءه لوجود المقتضي و رفع المانع و ابقاء الاصل علي ما هو عليه من قوله تعالي و ان المساجد لله و اما اذا تكررت منه السرقة بعد قطع اليد الموجب لقطع الرجل لانه اعظم الاسباب في السرقة بعد اليد فقطع الرجل لايخلو اما ان يكون من العقب او من الاصابع فان كان الاول كان في ذلك تعطيل الشخص اذا تاب عن حمله عظيمة من العبادات و الطاعات و القربات التي تحصل بالسعي و المشي و في ذلك مشقة عظيمة و فوت جلايل القربات و الطاعات فوجب قطع الاصابع و في قطع ماعدا الابهام لم‌تحصل فائدة معتد بها لان اصل المشي بالابهام و قوته فهنا و ان كان المقتضي لعدم القطع و هو كونه محلا للسجود و ان المساجد لله موجودا الا ان المانع الذي هو اقامة الحدود علي الوجه المطلوب و مراعاة ما هو اقل ضررا و اكثر فائدة و هو قطع الابهام دون الاعقاب موجود فيمنع ذلك المقتضي فدليله عليه السلام بالآية الشريفة من جهة الاصل المقتضي حيث لا مانع و هو الدليل الذي يقولون خرج ما خرج بالدليل و مرادهم بالدليل هو المانع الذي يمنع المقتضي عن اظهار مقتضاه كما شرحنا لك و ان لم‌يكن رفع المانع من تتمة المقتضي كما توهم و ذلك كما قلنا ان الحق ان الرافع في الفعل المضارع هو حرف المضارعة لا تجرده عن الناصب و الجازم نعم هي مقتضية للرفع فاذا وجد مانع [ص 32] اقوي يمنعه عن اقتضاه و يأتي حكم النصب و الجزم بدخول حرف الناصب و الجازم فافهم .

قال سلمه الله تعالي : و ما توجيه المراتب الوجود السبع المشية الخ في مثل الصلوة و الصوم و غيرهما من الاعمال مع انه لايكون شيء في الارض و لا في السماء الا بسبعة اشياء .

اقول قد قال مولانا الكاظم عليه السلام علي ما في الكافي و التوحيد و غيرهما لايكون شيء في الارض و لا في السماء الا بسبعة بمشية و ارادة و قدر و قضاء و اذن و اجل و كتاب فمن زعم انه يقدر علي نقص واحدة منها فقد كفر و في رواية اخري فقد اشرك و النكرة في سياق النفي تدل علي العموم و الشيء اعم من ان يكون ذاتا او صفة او لفظا او معنا او جوهرا او عرضا او غيبا او شهادة و غيرها من ساير الاكوار و الاطوار و الادوار و الاوطار و ذلك لان كل شيء لايقوم و لايتحقق الا بمادة و صورة نوعية و صورة شخصية و حدود مشخصة معينة و قران تلك الحدود بتلك المواد و الذوات و الحقايق و تحقق الحقيقة الوحدانية ثم ظهور الآثار من الشيء التام و الكون العام و كل هذه المراتب حيث كانت مخلوقة و لايكون مخلوق الا بتعلق فعل الخالق عليه فالفعل المتعلق بالمادة هو المشية و المتعلق بالصورة النوعية هي الارادة و المتعلق بالحدود و المشخصات هو القدر و من تفاصيل حدوده الاذن و الاجل و الكتاب و المتعلق بالتركيب و تمام الحقيقة هو القضا و المتعلق بظهور الشيء التام بآثاره و حدوده و اشعته و انواره علي الوجه الاعم هو الامضاء [ص 33] و لكن تعلق هذه المراتب انما يكون بامر بين الامرين و علي جهة الاختيار كما فصلنا في ساير رسايلنا و اجوبتنا و مباحثاتنا و لايسعني الآن تفصيل تلك الاحوال و ليست ايضا بموضع السؤال و حيث كانت الاشياء المتميزة المركبة من الجواهر و الاعراض و الاشعة و الانوار لاتخلو عن هذه المراتب المذكورة و كذلك حكم الصلوة و الزكوة و ساير الاعمال لان لها مادة و صورة و روابط فلا بد من تعلق هذه الافعال الالهية بالشيء لتمام تكوينه بسر الامر بين الامرين فمادة الفعل من الله تعالي اولا و بالذات لانه لولاها لماكان شيء اصلا و لايقدر علي ايجاد المواد سواه تعالي و هو قوله عليه السلام و كل صانع شيء فمن شيء صنع الا الله سبحانه و تعالي و الصورة من حيث هي في نفسها ايضا مخلوقة لله تعالي خلقها و اودعها في باطن الكرسي كتاب الابرار و في باطن الصخرة في سجين كتاب الفجار و قران المادة بالصورة بفعل العبد و طلبه من الله سبحانه و التركيب و التمام ايضا بفعل منه تعالي بمقترح العبد و سؤاله منه تعالي و اظهار الآثار من ذلك الشيء ايضا بفعل منه تعالي بحسب قابلية العبد و المكلف فالفعل منسوب الي العبد لان القران المذكور بين الصورة و المادة انما هو بطلبه و سؤاله و هو العمدة في النسبة و الا فنسبة الله سبحانه و تعالي الي جميع من سواه علي حد سواء فان كان القران علي محبة الله سبحانه فيزيد الرضا علي السبعة المذكورة فيكون الخير و فعله انما يكون بثمانية بالسبعة المذكورة و الرضا و المحبة و ان لم‌يكن علي محبة الله سبحانه بل علي خلاف محبته [ص 34] فلايكون الا بسبعة و لك ايضا ان تقول ثمانية بزيادة السخط و الكراهة و الغضب فيلحق الاول بمركزه و هو دار المحبة و الثاني بمركزه و هو دار الغضب و السخط و الاول هو المعبر عنه بالجنة و الثاني بالنار نعوذ بالله منها .

قال سلمه الله تعالي : و ما الفراسخ الواردة في الشمس عن علي عليه السلام انها ستون فرسخا في ستين فرسخا و القمر اربعون فرسخا في اربعين فرسخا ما هذه الفراسخ مع ان علماء الهيئة يقولون ان الشمس اكبر من الارض مائة مرة و ربع و ثمن .

اقول اعلم ان مقدار جرم الشمس قد اختلفوا فيه فقال بعضهم كما ذكر جنابك و قال آخر ثلثمائة مقدار جرم الارض و هو مذهب اهل الهندسة من اليونانيين و قال آخرون انها اكبر من الارض الف مرة و قال آخرون الف‌الف مرة كما هو مذهب علماء فرنج و لكل وجه وجيه يطول الكلام بذكره و المراد من الحديث الشريف بالفرسخ هو المرتبة لا خصوص العدد كما هو مراد اهل الهندسة فان فلك الشمس علي ثلث مراتب خارج المركز و المتممان الحاوي و المحوي و كل واحد من هذه الافلاك الثلثة له تدبير في ظاهر العالم الجسماني بظاهريته و في باطن العالم بباطنيته فكانت ستة و لما كانت الشمس هي الاصل في تدبير السفليات لان بها المواد بالحرارة الغريزية كان لها ارتفاع بمرتبة فاذا رقيت الستة مرتبة واحدة كانت ستين و الفرسخ حدود المسافة في كل شيء بحسبه و قد اشار الامام عليه السلام بكونها ستين الي اصالتها و ان [ص 35] لها تصرفا في الغيب و الشهادة و لها مزية علي غيرها من ساير الكواكب و القمر حيث كان له اربعة افلاك و هو التدوير و الحامل و المائل و الممثل و حيث كان اعلي من السفليات بمرتبة رقيت الاربعة الي الاربعين و الشمس لها مزية ترقيها الي الغيب دون القمر فكان القمر اربعين و الشمس ستين و هذه الجهات هي الحدود المعبرة في الشرع يعبرون عنها بالفرسخ مرة و باليوم اخري و بالشهر اخري و بالسنة اخري و يرقون العدد و ينزلونه علي حسب جهات الشيء باقتضاء المقام الاتري ما ورد ان المسافة بين سماء الي اخري خمسمائة عام يريدون ان الاصل في الفلك هو الخارج المركز و بينهما المتممان من الفلك الاعلي و المتممان من الاسفل و ملاحظة نفس الفلك الخارج المركز بالنسبة و الملاحظة و هي خمسة افلاك من الفلك الي الفلك الآخر و عبر عن كل فلك بمائة عام لان السنين حدود الشيء من حيث الزمان كما ان الفراسخ حدوده من حيث المكان و يعبر عن الشيء الواحد بالجهات المتعددة بالاعتبارات المختلفة بالاسماء المختلفة و لا منافاة في الواقع و ان اختلف في التعبير و ما ذكر اهل الهندسة هو الحدود المحسوسة و ادلتهم قطعية بديهية لاتحتمل الخلاف فوجب التأويل في الاخبار و هو علي نحو ما اشرنا اليه و انما عبر عنها بمائة عام لملاحظة ارتفاعها عن المراتب السفلية بثلث مراتب احدها الجو و ثانيها ظاهرية الفلك و ثالثها غيبها الذي له تصرف في غيب هذا العالم ذلك تقدير العزيز العليم و حيث كانت الشمس في جملة هذه الاعداد لوحظ رتبة الغيب [ص 36] و حيث انفردت لوحظت فيها دون ما سواها .

قال سلمه الله تعالي : و ما توجيه معني ما ورد ان من خاف الله اخاف الله منه كل شيء مع انا نري ان كل مؤمن يخاف من كل شيء خصوصا مثل زماننا و نري كل من لم‌يخف الله يخافه كل شيء .

اقول قال الله تعالي في الحديث القدسي من اقبل الي شبرا اقبلت اليه ذراعا ه‍ ، فاذا اقبل العبد اليه تعالي بسره و خاف مقام ربه و اندكت جبال انيته و انهدمت اركان هويته بحيث لايجد شيئا سواه و لايري مستقلا ما عداه اقبل الله تعالي اليه كرما منه و فضلا و رأفة و رحمة فاودع قلبه و صدره و جوارحه هيبته و كبريائه و جلاله فلايراه شيء و يعرفه بحقيقة المعرفة او يريد ذلك المؤمن الخائف من الله سبحانه ان يخاف الا و يخاف منه و لذا تري اميرالمؤمنين عليه السلام ماقدر ان يصبر لما صعد النبي صلي الله عليه و آله علي ظهره و كان رسول الله صلي الله عليه و آله يمشي علي وجه الارض و يركب الدابة و كان اميرالمؤمنين عليه السلام ماكان يقدر ان يتكلم عند النبي صلي الله عليه و آله بخلاف ساير الناس لقلة معرفتهم دونه و هكذا حال العارف بالنسبة الي غير العارف و كذلك اذا اراد المؤمن ان يخاف كما فعل الصادق عليه السلام بهشام بن الحكم لما ان اتي اليه اول مرة قبل ان يستبصر و كما فعل النبي صلي الله عليه و آله برسول ملك اليمن و لكن الله سبحانه حيث جعل هذه الدنيا دار مشقة و ابتلاء علي المؤمنين و امرهم بتحمل المشاق و الآلام من السفلة اللئام مااظهروا جلالهم و هيبتهم [ص 37] لقلة معرفتهم حتي قيل للصادق عليه السلام ما معناه لولا انك رجل متكبر لكان لك شأنا قال عليه السلام لست بمتكبر و لكن ظهرت كبرياء الله في فظننت اني متكبر و الحاصل ان عدم خوف الناس لاولياء الله بظاهر فطرتهم المغيرة لا بفطرتهم الحقيقية عند عدم المعرفة و عدم الارادة و الذي ذكرت من امثال زماننا فجوابه ما ذكره مولانا الصادق او الباقر عليهما السلام المؤمنة اعز من المؤمن و المؤمن اعز من الكبريت الاحمر و هل رأي احدكم الكبريت الاحمر و اما خوف الانبياء و الائمة عليهم السلام من طواغيت زمانهم فليس خوفا حقيقة فان من عرف عظمة الله سبحانه يستحقر كل من سواه و لايري مستقلا منشأ للاثر الا الله سبحانه و لكنه سبحانه امر اوليائه بامر من التقية لحكم و مصالح يطول الكلام بذكرها و قد وقعت الاشارة اليها في اول دعاء الندبة فامتثلوا امر الله و اتبعوا حكمه و لو ارادوا لكان المخالفون يأتون اليهم عليهم السلام خاضعين خائفين ذليلين الم‌تقرء قوله عليه السلام في الزيارة الجامعة طأطأ كل شريف لشرفكم و بخع كل متكبر لطاعتكم و خضع كل جبار لفضلكم و ذل كل شيء لكم مع انهم عليهم السلام قتلوا و ذبحوا و اسروا الا لعنة الله علي الظالمين و سيعلم الذين ظلموا اي منقلب ينقلبون و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم .

قال سلمه الله تعالي : و ما معني كلام علي عليه السلام كما في التوحيد قال عليه السلام الا رب شيء من كتاب الله تعالي تأويله علي غير تنزيله و لايشبه كلام البشر من ذلك قول ابراهيم عليه السلام اني ذاهب الي ربي [ص 38] سيهدين فذهابه الي ربه توجهه اليه عبادة و اجتهادا و قربة اليه تعالي الاتري ان تأويله غير تنزيله ما وجه هذا و كذا عنه عليه السلام في و انزلنا الحديد فيه بأس شديد يعني السلاح الاتري ان تنزيله غير تأويله .

اقول اعلم ان القرآن لايشبه كلام البشر لان كلام كل متكلم علي مقتضي علمه و فهمه و قد قال عليه السلام المرء مخبوء تحت لسانه فكلام الله تعالي علي قدر علمه تعالي و مقتضي حكمته و ربوبيته و قهاريته فلايشبهه الا كلام من هو مثله و لايتم ذلك الا علي القول بوحدة الوجود او الموجود او القول بوجود اله غير الله تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا و قد اشار سبحانه الي نوع هذا الاستدلال بقوله الحق فان لم‌يستجيبوا لكم فاعلموا انما انزل بعلمه يعني عجزهم عن الاتيان بسورة من مثله انما هو لاجل ان الله تعالي انما انزل القرآن بعلمه و هو علي مقتضي علمه و وفق حكمته و اني للخلق و الاحاطة بعلمه تعالي حتي يتكلموا بمثل هذا الكلام او يأتوا بما يشبه هذا القرآن ثم لما انقطع علم الخلق و قدرته ان يأتوا بمثل هذا القرآن فلو كان لله شريك يعلم علمه و يقدر قدرته لاتي به و قد ثبت امتناع الشريك بالادلة القطعية و ان الشريك لله تعالي لايتعقل و لايتصور فضلا عن الوجود و التحقق فلايمكن الاتيان بمثله و اليه الاشارة بقوله تعالي و ان لا اله الا هو فاذا ثبت ذلك فوجوه القرآن كثيرة غير عديدة منها التنزيل و منها التأويل و منها الباطن و منها الظاهر و منها ظاهر الظاهر و ظاهر ظاهر الظاهر الي ان [ص 39] يرتقي الي السبعة او الي السبعين و منها تأويل التأويل كذلك و منها باطن التأويل كذلك و منها باطن الباطن كذلك و شرح هذه الوجوه يطول به الكلام فليطلب نوع الاشارة اليها في رسالتنا الموضوعة لذلك و اما التنزيل فقد يطلق و يراد به الظاهر و هو ما تفهمه عامة اهل اللسان من جهات التقديم و التأخير و الزيادة و النقصان علي القواعد اللغوية و الاصطلاحات النحوية و الصرفية و الجهات البديعية و النكات المعانية و قد يطلق و يراد به ما دل عليه ظاهر اللفظ بمعناه اللغوي الحقيقي المنساق الي الذهن و المتبادر اليه و قد يطلق و يراد به ما في عالم الاختلاف من الاحكام النفس الامرية الموجبة لاختلاف الاحكام و اختلال النظام للاتقان و الاحكام المقتضية لاختلاف نزول القرآن باختلاف الامكنة و الازمان و لذا نزل القرآن في عالم الزمان و المكان منجما موزعا في اوقات مختلفة و اماكن متعددة و قد قال تعالي انا انزلناه في ليلة القدر يعني القرآن اجمع و قد ورد في الحديث المتفق عليه ان اميرالمؤمنين عليه السلام لما ولد من بطن امه قرء القرآن كله من اوله الي آخره و قد ولد عليه السلام قبل البعثة بسبع سنين او بعشر سنين علي الخلاف و قد يطلق و يراد به ما يفهمه و فهمه الخلق حين اوقفهم الله تعالي عند الحجرالاسود لما كان طالع الدنيا السرطان و الكواكب كانت في اشرافها و الشمس كانت في برج الحمل في التاسع‌عشر درجة منه و من المعاني التي تظهر عند الخلوص عن الخلط و اللطخ و ظهور حكم الله الوحداني الغير المختلف و قد يطلق و يراد به ما يفهمه [ص 40] اهل العناصر من ذلك العالم و قد يطلق و يراد به ما يفهمه اهل السموات السبع من ذلك العالم و قد يطلق و يراد به ما يفهمه اهل العرش و الكرسي و اهل الحجب و السرادقات من اهل ذلك العالم و التأويل مقابلات ما ذكرنا من الوجوه و في جميع هذه الوجوه تأويله علي طبق تنزيله و التفاوت بالعلو و السفل و الظهور و الخفاء الا الوجهين الاولين فان الاول منهما لم‌يزل تأويله غير تنزيله و الثاني منهما قد يطابق و قد يخالف فان كثيرا ما يطلق الالفاظ في القرآن و يراد بها معني غير المعاني الحقيقية المتعارفة المنساقة الي اذهان العوام كما في قوله تعالي اني ذاهب الي ربي سيهدين فان المتبادر الي اذهان الناس من الرب هو المعبود بالحق سبحانه و الذهاب اليه علي المتعارف بينهم ممتنع فانه تعالي ليس في مكان و لا اليه حد و لا نسبة و لايخلو منه مكان دون مكان و لا حال دون حال فوجب حمله علي ما ذكره عليه السلام مرموزا من التوجه اليه و التقرب اليه و العبادة له تعالي فذكر عليه السلام اللازم و اخفي الملزوم لعدم تحمل الناس و لما في صدورهم من وسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة و الناس و قد اشاروا عليهم السلام الي ما اخفاه عليه السلام في هذا المقام في الزيارة الجامعة من اراد الله بدء بكم و من وحده قبل عنكم و من قصده توجه بكم فالتوجه الي الله سبحانه و التقرب اليه و العبادة له لايكون الا بالتمسك بولايتهم و الاعتراف بحقهم و الاخذ عنهم و الرضا بفعلهم لانهم اركان التوحيد و محال المعرفة فبين ان تنزيله [ص 41] غير تأويله و تأويله تأسيس اصل كلي و يتفرع عليه جميع العبادات و الطاعات و احوال الجنة و النار و كتاب الابرار و الفجار و اوضاع الدنيا و الآخرة و كذا قوله تعالي و انزلنا الحديد فيه بأس شديد يريد به السلاح الذي عندهم وديعة من سلاح رسول الله صلي الله عليه و آله الذي هو آية الامامة و علامة الولاية المراد به الاستيلاء و الغلبة و الاستعداد لذلك عن رسول الله صلي الله عليه و آله و قد قالوا عليهم السلام ان مثل السلاح فينا مثل التابوت في بني‌اسرائيل فان التابوت علامة النبوة و الملك عند من يوجد و كذا السلاح كل من عنده السلاح فهو القائم بالامر و قوله تعالي و انزلنا الحديد فيه بأس شديد اشارة الي السلاح الذي عندهم سلام الله عليهم من آيات النبوة و علامات الامامة و الوصاية فكان تنزيل هذه الآية الشريفة غير تأويله فالآية الاولي بيان انهم وجه الله و باب الله و عين الله و سبيل الله و الصراط المستقيم و باب الخيرات كلها لانها كلها من عند الله و ما عند الله لاينال الا بهم من اراد الله بدء بكم و الآية الثانية بيان هيمنتهم و استيلائهم و سلطنتهم علي كل مذروء و مبروء لان بذلك السلاح يذلل لهم كل صعب و يخضع لهم كل متكبر و خص عليه السلام تين الآيتين بان تنزيلهما غير تأويلهما لان بهما تبيان سلطانهم و شرح فضايلهم و مناقبهم بما لا مزيد عليه و ذكر تفاصيل هذه الاجمال يطول بها الكلام و ليس لي الآن اقبال ذلك لان الجور قد مد باعه و اسفر الظلم قناعه و دعي الغي اتباعه فكثر مجيبوه و ملبوه و يذوب قلب المؤمن كما يذوب [ص 42] الملح في الماء نسئل الله الصبر و الاعانة و حسن الخاتمة و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم .

قال سلمه الله تعالي : ما معني قول الرضا عليه السلام في صفات الله تعالي شاء لا بهمة مريد لا بهمامة ما لفرق .

اقول الهمة هي القصد و مبدء العزم و الهمامة تمام العزم و كماله و اتصاله بما عزم عليه و الكلمتان للعزم الآن زيادة المباني حيث كانت تدل علي زيادة المعاني فكانت الهمامة اكد في العزم و انما نسب الهمة الي المشية لانها هي الذكر الاول اي اول القصد و مبدئه و الذي يعقد به القلب و يميل اليه الضمير و اذا تأكد ذلك و تصمم سمي الارادة فالتأكيد في الارادة اكثر و اعظم و المشية ابسط و حيث ان مشية الله سبحانه ليست بعقد الضمير و ميل القلب لانه من صفات المخلوقين و كذا ارادته بالتصميم و العزيمة التي هي من صفات الخلق نزه الله سبحانه عنهما و نسب اصل الفعل و نفي صفة المخلوقين فقال عليه السلام شاء لا بهمة و مريد لا بهمامة و كلاهما بمعني واحد الا ان الثاني تأكيد للاول لما قلنا و هو ظاهر واضح انشاء الله تعالي .

قال سلمه الله تعالي : و ما معني ان لله مشيتين مشية عزم و مشية حتم ما معني مشية عزم .

اقول روي الكليني في الكافي و غيره في غيره ان لله مشيتين و ارادتين مشية حتم و مشية عزم و ارادة حتم و ارادة عزم يأمر و هو لايريد و ينهي و هو يريد امر ابليس بالسجود لآدم و شاء ان لايسجد [ص 43] و لو لم‌يشأ لماغلبت مشية ابليس مشية الله و نهي آدم عن اكل الشجرة و شاء ان يأكلها و لو لم‌يشأ لماغلبت مشية آدم مشية الله نقلت معني الحديث اذ لم‌احفظ لفظه اما مشية العزم و هي مشية المحبة و النور و الخير فان الله سبحانه يحب للمخلوقين ان يعملوا بمقتضي اوامره و نواهيه فينالوا بذلك اعلي درجات القرب حيث انه تعالي جعل الاوامر و النواهي اسبابا للارتقاء الي معالي الدرجات و الوصول الي اسني المقامات و لكنه سبحانه حتم علي نفسه ان لايجبر احدا الطاعة و لا المعصية فمن اراد الطاعة يمكنه منها و لايحول بينه و بينها و لايمنعه عن المدد الذي يتمكن به منها و من اراد المعصية يمكنه منها و لايحول بينه و بينها و لايمنعه عن المدد الذي يتمكن به منها فان الخلق الحادث في جميع الاحوال لايستغني عن المدد و الا لانعدم و هو قوله تعالي كلا نمد هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربك و ماكان عطاء ربك محظورا لكن العطاء في الخير يسمي مددا و في الشر يسمي خذلانا فالله سبحانه حتم علي نفسه ان لايجبر احدا في حال من الاحوال لا في الطاعة و لا في المعصية فان الجبر ظلم و هو سبحانه متعال عن ذلك علوا كبيرا فهو سبحانه يحب من عباده ان يعملوا الخير و يشاء ذلك بمشية عزم و لكنه سبحانه لايحتم ذلك عليهم ليجبرهم عليه و هو قوله تعالي و لو شئنا لآتينا كل نفس هديها و لكن حق القول مني لاملئن جهنم من الجنة و الناس اجمعين و كذلك هو سبحانه يحب من عباده ان يتركوا الشر و المعاصي و لكنه سبحانه لايجبرهم عليه فاذا مالوا الي الطاعات جري حكم [ص 44] المشيتين مشية عزم لانها نور و خير و هو سبحانه يشاء ذلك لعباده و مشية حتم لانه تعالي اجراهم علي وفق ارادتهم و مشيتهم و لاجبرهم و لااكرههم علي خلاف ما تميل اليه كينونة نفوسهم و اذا مالوا الي المعاصي جري حكم مشية الحتم دون العزم لانه سبحانه لايحب ان يعصي و ان يرتكب الخلق المعاصي الا انه سبحانه اجري عليهم ما حتم علي نفسه ان لايجبرهم علي الطاعات فشاء سبحانه ذلك بمشية حتم دون مشية عزم فمشية الحتم لازمة للكينونات غير منفكة عنها بخلاف مشية العزم كما بينت لك فامر ابليس بالسجود لآدم و شاء ذلك بمشية عزم الا ان ابليس حيث مالت بماهيته الخبيثة الي المخالفة و ترك السجود و الامتناع منه ماجبره الله علي ذلك و شاء ان يجري محبته و ميله و لو شاء الله جبره علي السجود لماوسع ابليس المخالفة و لماغلبت مشيته مشية الله و لكنه سبحانه احب ان توجد مشيته لئلاتجبر فشاء سبحانه عدم السجود بمشية حتم حيث اجري عليه مختاره و نهي آدم عن اكل الشجرة و شاء عدم اكله منها بمشية عزم و لكن آدم لما مالت طبيعته الي ترك الاولي ماجبره علي فعلها و امده عليه حتي اكل منها فلو لم‌يشأ الله ذلك و لم‌يمده بالمدد الوجودي لماتمكن آدم من المخالفة و الترك فشاء ان يأكلها بمشية حتم و لولا ذلك لماغلبت مشية آدم مشية الله فمشية الحتم لاتتخلف ابدا دون مشية العزم فافهم راشدا موفقا .

قال سلمه الله تعالي : و ما معني ما ورد اطووا ثيابكم بالليل فانها اذا كانت منشورة لبستها الشياطين الي الصباح ما معني لباسهم و ما وجه النكتة الي الصباح .

[ص 45] اقول ان الليل حيث كان بعيدا من النور و حاملا للظلمة فله مناسبة مع الشياطين لانهم ظلمانيون خلقوا من بحر الظلمات و النهار حيث كان مقارنا للنور و حاملا له فله مناسبة مع الملائكة لانهم انوار و نورانيون فالشياطين و الجان و العفاريت و كل من غلبت علي طينته الظلمة لهم انتشار في الليل لتوافق كينوناتهم فاللباس لكثرة الخلل و الفرج اذا كانت منشورة في الليل تتخلل في خلالها الابخرة و الرطوبات الفضلية العرضة الحاصلة ببرودة الليل فاذا تخللت في خلالها تهيأت و استعدت لتعلق الشياطين لانها لاتتعلق الا في محل مناسب لها فتستقر و تتعلق الاجنة و الشياطين بتلك اللباس ما دامت المناسبة موجودة فاذا لاح الصباح و ظهر سلطان النور و استبان آثار الحرارة فتظهر ملائكة الانوار و تجف بحرارة النور تلك الرطوبات الفضلية العرضية فتنتفي مناسبتها مع الشياطين و تظهر الانوار فلاتبقي للشياطين و الابالسة قرار الا في قلوب الكفار في كتاب الفجار فاذا طوي اللباس يقل تخلل الرطوبات و تقل المناسبة مع ان طي المؤمن ختم من الله يبعد عنه الشياطين حفظا لما اراد المؤمن حفظه فيما غاب عن حسه فاذا نوي ذلك بفعله فالله سبحانه هو الاولي بحفظه له معقبات من بين يديه و من خلفه يحفظونه من امر الله فان الشياطين اذا تعلقوا باللباس تأثرت ظلمتهم فيه فتبعد عنه الملائكة لعدم محل لايق مناسب فاذا لبسه الشخص تظهر آثار تلك الظلمة فيه اما في ظاهره بان تؤثر الامراض و الفقر و الهم و الحزن و امثالها و اما في باطنه بان تؤثر القساوة و البلادة و الميل الي المعاصي و [ص 46] السيئات نعوذ بالله منها و لذا ورد كنس البيت عن الكثافات و علل ذلك بانها تورث الفقر و الوجه في ذلك ان الكثافات و النجاسات لها مناسبة مع الشياطين فاذا رأو مكانا مناسبا تعلقوا به فتبعد عنه ملائكة النور و الخير فاذا بعدت الرحمة عن البيت يكون فيه الفقر و الفاقة و الذلة و المسكنة لانها كلها اضداد للنور و هو معني ما ورد ان الملك لايدخل في بيت فيه كلب و المراد بالملك ملك الخير و النور و الكلب مناسب للشياطين و الابالسة و بينهما تضاد و اما ما تجد من الغني و العز في بعض بيوت الكفار فلقوله تعالي و لاتحسبن الذين كفروا انما نملي لهم خيرا لانفسهم انما نملي لهم ليزدادوا اثما و لهم عذاب عظيم و قوله تعالي سنستدرجهم من حيث لايعلمون و املي لهم ان كيدي متين فافهم فقد نبهتك علي سر دقيق و هنا وجوه باطنية و اسرار غيبية يطول بذكرها الكلام و يحتاج الي ذكر مقدمات كثيرة و فيما ذكرنا كفاية لاولي الدراية و تعيها اذن سامعة .

قال سلمه الله تعالي : و ما يقول سيدنا في حديث العياشي عن الصادق عليه السلام في تفسير الله يتوفي الانفس حين موتها الي قوله تعالي و يرسل الاخري الي اجل مسمي انه اذا نام العبد خرجت نفسه و بقيت روحه في جسده و صار بينهما سبب كشعاع الشمس فان اذن تعالي لرد النفس جذب الروح الشعاع و جذب الشعاع النفس فردت النفس الي الجسد و بالعكس تجذب النفس الروح بالشعاع فلاترجع ما المراد بالشعاع هنا من اي الرتب .

[ص 47] اقول المراد بخروج النفس في النوم و في الموت قطع النفس علاقتها عن هذا البدن لانها خرجت عن محلها و نزلت الي عالم الاجسام كيف و الله سبحانه و تعالي يقول و ما منا الا له مقام معلوم و انا لنحن الصافون فالنفس هي النفس القدسية الانسانية التي مقرها في الملكوت نازلة من عالم اللاهوت و هي التي اشار اليها اميرالمؤمنين عليه السلام في حديث الاعرابي و اشار الي قواها و خواصها في حديث كميل فراجع اليهما و هذه النفس من عالم الغيب و هي الاصل في الانسان و هي لاتظهر و لاتتعلق بالبدن الا بشيء مناسب لها يكون ذلك الشيء حاملا لظهور آثارها في اقطار البدن و ذلك الحامل المناسب هو الدخان الصافي المتصاعد من تجاويف القلب و يطلق عليه البخار ايضا و هو في غاية اللطافة و الخفة لها مناسبة بعالم الغيب لكمال لطافته و نورانيته و النفس تظهر آثارها في هذا البخار و هو المسمي بشعاعها لانه حامل آثارها الي البدن كالشعاع الحامل لآثار الشمس الي الارض و هذا البخار ايضا لايحل الا في محل مناسب له في اللطافة و الصفاء و القوة و ذلك هي العلقة الصفراء الكائنة في تجاويف القلب الحاملة للحرارة الغريزية فهي في تلك العلقة و البخار المسمي في عرف الاطباء بالروح الحيواني انما يتصاعد من تلك العلقة فالحرارة الغريزية هي المراد بالروح في هذا الحديث لان بها قوة البدن و حيوته و تحققه فهي حاملة لذلك البخار الشعاع المتصل بين النفس الغيبية و بين الروح الحرارة الغريزية و البخار اي الروح الحيواني هو السبب لايصال آثار النفس الي البدن [ص 48] مع ما فيه من القوي و المشاعر و الحواس فلولاه لم‌يكن للنفس ظهور فهو حاك للشعاع الظاهر من النفس الي البدن فاذا اراد الله رد النفس الي البدن و حيوة الشخص و رجوعه الي الدنيا امر بالروح فجذب الشعاع و ذلك بعد تحقق المواد الصالحة في البدن القابلة لبقاء الحرارة الغريزية باعتدال المزاج و صفو العناصر الاصلية عن الاختلاط و الامتزاج بالاعراض و الغرائب المخرجة اياها عن الاعتدال فاذا وجد الله سبحانه المحل قابلا و المزاج معتدلا امر بالروح الحيواني المعبر عنه بالشعاع بالتعلق به فاذا تعلق الروح البخاري بالحرارة الغريزية انجذبت آثار النفس الغيبية اليه لا محالة كما يجذب البلور الحرارة و الاحراق من الشمس فيجري آثارها في القوابل السفلية المستعدة لظهور تلك الآثار فيها كذلك الروح البخاري جاذب و حامل لظهور آثار النفس القدسية الكائنة في باطن الكرسي فيقوم الشخص حيا سويا فاذا انعكس الامر و اختل المزاج و فسد النظام المتصل في الاعضاء و الجوارح لم‌يبق للحرارة الغريزية قرار فتلحق بمركزها و تخر ساجدة تحت عرش ربها و لايبقي ايضا للروح البخاري قرار فلا حامل لآثار النفس المجردة البسيطة فتجذب النفس الشعاع و هو الروح البخاري اي روحه المتعلق به المفاض من باطن الجوزهر من فلك القمر فينجذب الي مركزه و يعود اليه عود ممازجة و الروح البخاري يجذب الروح الذي هو الحرارة الغريزية فتعود الي مركزها و تتصل باصلها و تلحق بمبدءها و هو كرة النار تحت فلك القمر فاذا جذبت النفس الروح البخاري و قطع [ص 49] العلاقة بينه و بين محله الحرارة الغريزية المعبر عنها بالروح في هذا الحديث يبقي البدن ميتا لا حراك له فان الحركة و الحيوة من مباديها و عللها من النفس الغيبية بحواملها و جواذبها و مباديها و اسبابها من الشعاع و الروح كما فصلت لك و انما كررت العبارة للتفهيم فافهم و قد تبين لك ان الشعاع من اي الرتب فان مبدئه باطن جوزهر القمر و منتهاه اعلي كرة النار فافهم .

قال سلمه الله تعالي : و ما يقول سيدنا في حديث العياشي عن الصادق عليه السلام في تفسير قوله تعالي فنظر نظرة في النجوم قال انه تعالي خلق روح القدس و لم‌يخلق خلقا اقرب اليه منها و ليست باكرم خلقه اليه فاذا اراد امرا القاه اليها فالقته الي النجوم فجرت به ما معني لم‌يخلق خلقا اقرب ما الاقربية و قال ليست باكرم خلقه اليه ما اكرم منها و ما معني الكرم و اذا اراد امرا القاه اليها فالقته الي النجوم فجرت به ما المراد بالنجوم .

اقول روح القدس في غالب اطلاقات الائمة عليهم السلام يراد به العقل الكلي العقل الاول المعبر عنه بالقلم الاعلي اول غصن اخذ من شجرة الخلد و هو اول خلق من الروحانيين عن يمين العرش الذي قال الله تعالي له اقبل فاقبل ثم قال له ادبر فادبر و اليه الاشارة فيما وجد بخط مولانا العسكري عليه السلام روح القدس في جنان الصاقورة ذاق من حدائقنا الباكورة و قد قضي بطلان الطفرة علي ان الفيض و الامر من المبدء الاعلي انما يكون من الاعلي فالاعلي حتي لايلزم خلاف الحكمة [ص 50] و يجري حكم اجرائه سبحانه الاشياء علي اسبابها و حيث ان روح القدس اول الخلق و كان اقرب الخلق الي فعله تعالي و مشيته و ابداعه لا الي ذاته لان ذات الله سبحانه لا مناسبة بينه و بين غيره تعالي بوجه لا بقرب و لا بعد و لا بنهاية و لا بداية وجب ان يكون امره تعالي بالنسبة الي اطوار الكائنات اولا يلقي الي الروح اذ ليس اقرب منه خلق فكان حاملا للامر النازل و الحكم الواصل و قد يطلق عليه الملك بمعني الالوكة اي الرسالة او من الملك بمعني العبودية و كلا الامرين في ذلك الخلق علي الوجه الاكمل كما فصلنا في ساير رسائلنا و اجوبتنا فاذا وصل الامر الالهي من التكويني و التشريعي الي هذا الخلق القاه بوسايط و هي الروح و النفس و الطبيعة و المادة و المثال و جسم الكل و العرش محدد الجهات و الكرسي و منه الي النجوم في المنطقة ثم الي البروج ثم الي المنازل ثم الي ساير النجوم في اطراف المنطقة ثم الي فلك الشمس بعدها ثم منها الي زحل و القمر ثم منها الي المشتري و عطارد ثم منها الي المريخ و الزهرة ثم منها الي ساير الخلق و اطواره و اكواره و ادواره و اوطاره فتجري في كينونات المتولدات بعد ما يجري الي العناصر فنظر ابراهيم عليه السلام الي النجوم و ما اودع الله سبحانه في سرها من اطوار الكائنات اطلع علي شهادة الحسين عليه السلام و روحي له الفداء و قتله بيد شر خلق الله توجع قلبه و حزن و سري الي كل اقطاره فتألم فقال اني سقيم من تلك الداهية الكبري و البلية العظمي التي ظهر منها الخلل العظيم في العالم الكلي و وهنت قواه و انهد اساسه [ص 51] و اما كونه اقرب الخلق فقد ذكرنا لك و اما كونه ليس باكرم علي الله لوجود من هو اكرم منه عنده تعالي و هو الجامع الكلي الذي روح القدس شأن من شئونه و طور من اطواره و هو محمد صلي الله عليه و آله فانه العاقل الكامل الجامع للعقل و غيره من المراتب الكونية و نسبة العقل اليه نسبة الرأس الي مجموع الجسد و لا شك ان الرأس و ان كان اشرف من ساير الجسد لكن الجامع بين الرأس و الجسد اشرف من الرأس وحده ضرورة ان الكل من حيث هو كل اشرف و اعظم من اجزائه لان فيه ذلك الجزء بكمال شرافته مع شيء زايد بكماله ففيه الكمالات المتكثرة التي منها ذلك الخلق الاول فكان اقرب الخلق الي الله تعالي و ليس باكرم عليه لان الجامع له و غيره اكرم و اعظم من الواحد كما هو المعلوم ضرورة و هذا لاينافي كون كلما هو اقرب الي الله تعالي اشرف فان ذلك بالنسبة الي مراتبه النازلة لا بالنسبة الي الحقيقة الجامعة فمحمد و آله صلي الله عليه و آله اكرم علي الله و اشرف عنده من روح القدس و غيره و ذلك معلوم بالضرورة من المذهب و الدين و قولكم ايدكم الله تعالي و ما معني الكرم اعلم انه ليس المراد منه هنا الكرم و انما هي الكرامة و الشرافة فان الكرم لا دخل له هنا كما هو الظاهر و باقي المباحث فقد شرحناها فافهم راشدا موفقا .