قال سلمه الله تعالي : و ما الفرق بين صفات الذات و صفات الافعال في الواجب جل و علا مع ان الذات لاتوصف فما معني انها لاتوصف مع اثبات صفات الذات .
[ص 52] اقول الفرق بين صفات الذات و الافعال هو ان كل صفة تثبت لله تعالي و يثبت ضدها له تعالي فليس بصفة للذات تعالي لان صفاته الذاتية عين ذاته تعالي و ذاته تعالي لايمكن ان يكون محلا للاثبات و النفي فان النفي عدم يستحيل اثباته للقديم تعالي فتكون الصفة المذكورة من صفات الافعال كما تقول شاء الله و لميشأ و اراد و لميرد و اخبر و لميخبر و هكذا من ساير الصفات التي تنفي و تثبت كما تقول غفر و انتقم و رضي و غضب و غيرها و هذه كلها صفات تجري علي افعاله تعالي اذا تعلقت بالشيء و ضده و توصف الله تعالي بها لان الذات غيبت الافعال و الاضافات و تغيب عند ظهور الذات فتوصف الذات سبحانه و تعالي بها و كل صفة تثبت و لاتنفي و يستحيل نفيه فهي من صفات الذات كما تقول علم و قدر اذ لايصح ان تقول لميعلم و لميقدر او سمع و لميسمع و ابصر و لميبصر و هكذا من ساير الصفات التي لايجوز نفيها عنه تعالي و يستحيل ذلك فان صفة ذاته تعالي و لايجوز عليها النفي و الاثبات كما مثلنا لك و هذه قاعدة شريفة اذا اتقنتها لايخفي عليك امر الصفتين بحال و هي المستفادة من كلماتهم عليهم السلام و اما الجمع بين قوله عليه السلام كمال التوحيد نفي الصفات عنه لشهادة كل صفة علي انها غير الموصوف و شهادة كل موصوف علي انه غير الصفة و شهادة الصفة و الموصوف بالاقتران و شهادة الاقتران بالحدث الممتنع من الازل الممتنع من الحدث و ما اتفق عليه اهل الاسلام ان لله سبحانه صفات ذاتية و الاحاديث و الاخبار ناطقة بذلك فاعلم ان الصفة من حيث هي تقتضي [ص 53] المغايرة لموصوفها كما هو المعلوم الظاهر و قد صرح بذلك اميرالمؤمنين عليه السلام في الحديث المتقدم لشهادة كل صفة علي انها غير الموصوف و شهادة الموصوف علي انه غير الصفة الخ و الصفة بهذا المعني لا ريب انها منفية عنه تعالي اذ ليس في ذاته تعالي اختلاف و لا فيها جهة و اعتبار و حيث و حيث و كيف و كم و اضافة و نسبة و جهة و جهة فاذا اعتبرنا هناك صفة مغايرة للذات لزم الكثرة و هي علامة الحدوث و اما الصفة التي نثبتها له تعالي فهي اثبات الكمال مما نعلمه كمالا من غير ملاحظة صفة و موصوف و مغايرة و مخالفة و نقول ان الصفة هي عين الذات و الذات و الصفة لفظان لمعني واحد بلا اعتبار اختلاف و لا تعدد فقولك عالم هو بعينه هو معني قادر و القادر هو بعينه معني البصير و هو بعينه معني السميع و العالم و القادر و السميع و البصير الفاظ لمعني واحد بلا فرض المغايرة لا مفهوما و لا مصداقا و لا اعتبارا و لا حقيقة و القول بالمغايرة الاعتبارية ان كانت واقعية اي ما في الاعتبار مطابق لما في الواقع فجاء التعدد و الاختلاف في الذات و ان لمتكن واقعية كانت كذبا فلاتجوز الديانة بالكذب فانف المغايرة بالكلية ليستقيم لك التوحيد و تكون من اصحاب المذهب السديد و الصفة التي هي عين الذات ليكون اثباتها للخروج عن الحدين حد التعطيل و حد التشبيه هي التي نثبتها له تعالي و الصفة التي بها المغايرة و الاقتران و الاتصال هي التي ننفيها عنه تعالي فلا منافاة ح قال عليه السلام فاسماؤه تعبير و صفاته تفهيم و ذاته حقاقة و كنهه [ص 54] تفريق بينه و بين خلقه و غيوره تحديد لما سواه و تفصيل هذه الاحوال و شرح هذا المقال كما ينبغي يطلب في ساير رسائلنا لاسيما في اجوبة المسائل التي اتتنا من مشهد مولانا الكاظم عليه السلام فان ما فيه كفاية للطالب المسترشد بل ليس له دونه كلام و لو كان لي مجال لاريتك من عجائب المقال ما تقر به العين .
قال سلمه الله تعالي : و ما معني قوله تعالي فكان قاب قوسين و اصله فكان كقابي قوس فما الوجه فيه .
اقول المراد قوسان لا قوس واحدة فان العالم ما سوي الله كرة واحدة و بعض الكرة قوس فانقسمت هذه الكرة الي تسعة قسي و كل قوس عبارة عن عالم من العوالم الكونية و هي عالم الاجسام )١( و عالم المثال )٢( و عالم الطبايع )٣( و عالم المواد )٤( و عالم النفوس )٥( و عالم الارواح )٦( و عالم العقول )٧( و عالم الفؤاد )٨( و عالم المشية )٩( و الامكان و كل عالم اعلي من الذي تحته و رسول الله صلي الله عليه و آله صعد في عروجه الي هذه العوالم المعبر عنها بالقسي الي ان وصل في صعوده الي عالم العقول و مبدءه العقل الكلي روح القدس فلما وصل في سيره الصعودي الي هذا العالم احاط بالمكونات فكان من ربه اي من قطعه لعالم الامكان بالمرة و وصوله الي عالم الازل قاب قوسين اي مقدار قوسين و هما عالم الفؤاد و الوجود و عالم المشية و الامكان الراجح فصعد صلي الله عليه و آله الي ان قطع قوس الفؤاد و الوجود و وصل الي عالم المشية و الامكان فكان ادني و لكن قوس الامكان لايمكن قطعها و يستحيل الوصول الي عالم الازل [ص 55] فحده صلي الله عليه و آله في صعوده ليلة المعراج الي قاب قوسين اي الي ان يبقي قوسان بل ادني اي قوس واحدة لقطع عالم الامكان بالمرة فلايصح قابي قوس فان المراد بالتثنية التعدد في القوس لا طرفيها كما توهمه بعض المفسرين و ما ذكرنا لك من الكلام هو الحق الذي لايحوم حوله نقض و لا ابرام فخذه و كن من الشاكرين فليس وراء عبادان قرية و لا حول و لا قوة الا بالله .
قال سلمه الله تعالي : و ما معني ما ورد ان الميت اذا دفن لايتخلف احد عند القبر لئلايحدث علي الميت شيء فتسمع الاحياء كيف هذا و الحدث في المثال فكيف يسمع هذا السمع و المسموع في ذاك العالم .
اقول عالم المثال له وجهان وجه الي عالم الغيب و النفس و وجه الي عالم الشهادة و الاجسام فاهل الدنيا المتجلببون بجلباب الجسم المأخوذ من القبضات العشر اذا كانت حواسهم غير مختلة و مشاعرهم معتدلة غير متفرقة و لمتكن عوارض من غلة الاحكام الدنيوية الجسمية يسمعون اصوات اهل جابلقا و جابرصا من الذين في عالم المثال باسماعهم الجسمية المناسبة للوجه الاسفل من الاطوار المثالية فاذا كان نصف الليل و انت حواسك مجتمعة غير متفرقة تسمع اصوات عجيبة من اصوات اهل ذلك العالم و صرير اقلام الملائكة و غيرها من اطوار العوالم الجسمية في المقامات العلوية لحكم المناسبة المذكورة اماسمعت ما ورد ان الكافر اذا دخل في قبره يأتيه الملكان و يضربانه مرزبة من نار يصيح صيحة يسمعها كل حيوان سوي الجن و الانس و سر السماع هو الذي [ص 56] ذكرنا لك من مناسبتهم لاهل ذلك العالم بوجه و سر عدم استماع الجن و الانس عدم لزوم الالجاء و ليبقي لهم معاشهم الذي به تحصيل معادهم فافهم .
قال سلمه الله تعالي : ما الوجه في كون الزكوة اوساخ الاموال فليست للسادة بخلاف الخمس فانه ليس من الاوساخ مع كونهما حقين للفقراء سادة خمسا و غير سادة زكوة فما الوجه في ذلك .
اقول اعلم ان هنا سر دقيق و رمز خفي ذكرنا تفصيله و شرحه في اسرار العبادات في اسرار الزكوة و الخمس فان اردت التفصيل فراجعها و لا ريب ان الخمس من صافي الحقوق فمن هذه الجهة جعل الله تعالي لنفسه المقدسة نصيبا و لنبيه اشرف الخلق و لاوليائه نصيبا صلي الله عليهم بخلاف الزكوة فان الله سبحانه لميجعل له منها و لا لنبيه و اوليائه عليهم السلام نصيبا بل حرمها عليهم فجعل للسادة ما جعلها لنفسه و اوليائه و لا شك ان ذلك لايكون من الاوساخ و من الفضلات بخلاف الزكوة فانها لساير الناس فقد صرحوا عليهم السلام بانها اوساخ ما في يد الناس و ليس الخمس للفقراء و انما هو لله و لرسوله و اولي الامر و اين الفقير من هؤلاء و اما اليتامي فقد صرح الشيخ بعدم اشتراط الفقر فيهم و ليس ببعيد و اما الزكوة فللفقراء خاصة الا المؤلفة قلوبهم لكنهم من قسم الكفار و الفرق ابين من الشمس و الوجه في ذلك ان الشيء اذا تم في نفسه يجري عليه الحكم و يثبت له و عليه و تمام الشيء فالعالمين عالم الغيب و الشهادة فعالم الغيب هو الاصل [ص 57] و هو انما يتم في خمسة عوالم عالم الامكان الراجح و عالم الفؤاد و عالم العقل و عالم الروح و عالم النفس و هو تمام الذر و تمام الخلق الاول في العالم الاول فاذا تم فلاحظ فيه جهة الحق سبحانه بظهور التوحيد و النبوة و الولاية و الشيعة الذين هم محل العناية و ظهور الولاية المطلقة و هم المختصون بالولي و النبي و المنتسبون اليه و مظهرها في هذا العالم الذرية من اولادهم عليهم السلام ممن ليسوا في مقام الاصل و انما هم في مقام الرعية و هم علي ثلثة اقسام العوام منهم و الخواص منهم و الخصيص منهم و مقام التوحيد و النبوة و الولاية فهذه ستة نصفها خاصة للامام عليه السلام لانه عليه السلام مظهر الجميع و الاصل الثالث و النصف الآخر الي الاقسام الثلثة المذكورين فالخمس الذي لله فيه نصيب لايكون الا من الوجه الاعلي و اما عالم الشهادة فذلك عالم الكثرة و الاختلاف و البعد عن المبدء فيتم في عشرة عوالم الخمسة المذكورة و عالم الطبيعة و عالم المواد و عالم المثال و عالم الاجسام و عالم الاعراض فاذا تمت هذه العوالم العشرة تم الشيء في عالم الشهادة مشروح العلل و مبين الاسباب فلوحظت فيها جهتها من حيث نفسها فعشرها من حيث نفسها اسفل المراتب و هو مقام الاعراض و ذلك اوساخ ما في ايديهم لان العشر بازاء الوجه الاسفل و الاعراض معلوم حالها و دناءة محلها و كلما هو بازاء الشيء يجري عليه حكمه و حيث كان الملحوظ في الزكوة ظهور الشيء بعد تمامه في نسبته الي غيره و لا شك ان نسبة الشيء الي غيره من جنسه او اسفل منه بالوجه الاسفل لا بالوجه [ص 58] الاعلي كان ما بازائه مما يتعدي الي غيره مما يظهر سره في ماله في الوجه الاسفل و كان ذلك حكم الاوساخ و الفضلات و يؤثر تأثيره و من هذه الجهة ورد عنه عليه السلام انه قال لاتهن المؤمن و لاتعطه اوساخ ما في ايدي الناس بخلاف الخمس فان ذلك بازاء الشيء بعد تمامه من جهة انتسابه الي المبدء الاعلي و لا شك ان وجهه من ربه هو اعلي مراتبه و مقاماته فيكون الخمس اصفي الاموال و ازكاها و اشرفها و الزكوة ادني الاموال و اخسها و اكثفها و الئامها و حيث كانت الزكوة بازاء وجه الشيء الي غيره من نفسه بعد تمامه اختلفت بالعشر و نصف العشر و الجزء من اربعين جزء و ذلك علي حسب اختلاف تمامية الشيء في ترتب الاحكام عليه و ان كانت الاصول انما تتم في العشرة و لكن الظهور بآثار الشيء و احكامه قد يتوقف بالاربعين كما في قوله تعالي خمرت طينة آدم بيدي اربعين صباحا و بالعشرين في مقام ظهور العشرة في قوسي الصعود و النزول ،
و لكل رأيت منهم مقاما شرحه في الكتاب مما يطول
و قد اشرت لك الي حقيقة السر فان فهمته فقد سعدت به و الا فليس لقصور فيك بل انما هو لعلو مقام المسئلة لان دليلها من دليل الحكمة و سرها من شرح سر العصمة و هو في هذا الزمان بعيد المنال و عزيز الوصال فان افتريته فعلي اجرامي و انا بريء مما تجرمون .
قال سلمه الله تعالي : ما الوجه فيما ورد عنهم عليهم السلام ان الصادق عليه السلام اذا ذكر عنده يعقوب عليه السلام قال صلي الله عليه و آله [ص 59] صلي الله علي الشيخ يعقوب يكرر هذه الصلوة ثلثا ما وجه تسميته بالشيخ و ما وجه الثلث المرات .
اقول ان يعقوب عليه السلام اسرائيل الله هو مثال اميرالمؤمنين عليه السلام باعتبار ذريته و كون الانبياء منهم و ان يعقوب له اثنيعشر ابنا عدد الائمة الاثنيعشر و ان ابنا واحد منهم قد ابتلي بالبلايا و المحن و وقوع ما جري عليه و هو مثال ابنه الحسين عليه السلام في ابتلائه بالبلايا العظيمة و المحن الجسيمة و انه بعد الابتلاء قد رجع اليه الدولة و السلطان و الحكم في الارض كذلك الحسين عليه السلام يرجع اليه الدولة و السلطان في الرجعة و الكرة و يبقي سلطانا متمكنا في الارض خمسينالف سنة علي بعض الروايات و يأتي اليه والداه بعد السلطنة و هو عبارة عن رجوع محمد و علي و فاطمة و ساير الائمة عليهم السلام و اجتماعهم بالحسين عليه السلام في الرجعة و بالجملة حيث كان يعقوب مثالا له عليه السلام و لهم و ان كان المثال مقربا من وجه و مبعدا من جميع الوجوه و هو عليه السلام اصل لجميع الانبياء من نسله فصح اطلاق الشيخوخة عليه و في الزيارة لامير المؤمنين عليه السلام السلم علي اسرائيل الامة و باب الرحمة و ابي الائمة و لما كان مثالا مطابقا و دليلا موافقا لحدود الولاية الظاهرة في اثنيعشر متي ما ذكره مولانا الصادق عليه السلام صلي عليه لحكايته لهذا الامر العظيم و الخطب الجسيم و النور القويم و الصراط المستقيم و انما لقبه شيخا لبيان ان الممثل اصل تفرع منه الائمة عليهم السلام فهم المؤمنون [ص 60] و هو عليه السلام اميرهم و شيخهم و سيدهم و الواسطة بينهم و بين ربهم و نبيهم و لذا كان هذا الاسم اي اميرالمؤمنين خاصا به عليه السلام دون غيره و لما كان ظهور الولاية المطلقة ظاهرا في الاوعية الثلاثة علي حسب اختلاف المراتب و المقامات اي الدنيا و الآخرة و البرزخ كرر الصلوة عليه ثلث مرات اتباعا لقوله تعالي و السلام عليه يوم ولد و هو الدنيا و يوم يموت و هو البرزخ للانتقال بالموت اليه دون غيره و يوم يبعث حيا و هو الآخرة اي القيامة و ما بعده و الصلوة اي الرحمة المتصلة او الوصلة او الصلوان بمعني التبعية في جريان الاحكام علي الوجوه الثلثة ثابتة له عليه السلام في الاحوال الثلثة و لذا كان يكررها عليه السلام ثلثا اشارة الي هذه الدقيقة الشريفة ملاحظا لحكم الفرع و الاصل فافهم .
قال سلمه الله تعالي : ما وجه ما ورد ان ما اصاب الانسان غير المعصوم فهو عن ذنب و هذا له تصفية و بين ان اشد الناس بلاء الامثل فالامثل اما هم عليهم السلام فما ينالهم فهو تصاعد و علو في درجاتهم .
اقول ان الانسان المكلف اما مقبل الي الله تعالي او مدبر عنه فان كان الاول فهو في سرور و غبطة و نور و خير و رحمة لان النور و الرحمة و الخير و البركة كلها من عند الله سبحانه و من فيض فضله بفعله فالمقبل اليه غائص في بحر النور و الخير و الرحمة و البركة و الصحة و السلامة و العافية لمقابلته لفوارة النور و ان كان الثاني فهو في ضر و زحمة و ضيق و حرج و ذلة و محنة و هوان و مرض و بلية فان كان الاقبال في [ص 61] الظاهر و الباطن و السر و العلانية في جميع المراتب من الغيب و الشهادة و الذاتية و العرضية فمقتضي مقابلته لفوارة النور ان لاتصيبه محنة و لا كدورة و لا مصيبة لمنافاتها لما توجه اليه و لكن من جهة تحمله لاوزار غيره و ارادة التخفيف عن الغير قد يصيبه ما كان الغير مستحقا لذلك من ادباره و اعراضه من آثارهما من المحن و الشدايد او من جهة ان الدنيا قد جعلها الله لاعدائه لامور استحكمت في عالم الغيب و يطول الكلام بذكرها كما اشار اليها في دعاء الندبة فشرطت عليهم الزهد في درجاة هذه الدنيا الدنية و زخرفها و زبرجها فشرطوا لك ذلك و علمت منهم الوفاء بذلك فقربتهم و جعلت لهم الذكر العلي و الثناء الجلي الدعاء فلاتقبل الدنيا اليهم لتركهم اياها فيمتنعون من ملاذها و تصيبهم مكارهها و هم في ذلك في عين الراحة و السرور و ان كانوا في الكدورة و الهم و الغم كما اشار اليه في البيت المنسوب الي علي بن الحسين زينالعابدين عليهما السلام :
عتبت علي الدنيا و قلت الي متي اكابد هما بؤسه ليس ينجلي
اكل شريف من علي بجدوده . . . ( حرام عليه العيش غير محلل ظ )
فقالت نعم يا بن الحسين رميتكم بسهم عنادي حين طلقني علي
و هؤلاء هم الانبياء و الائمة و الاوصياء المعصومون الذين لايقترفون سيئة و لايخطر ببالهم سوي الحسنة و المصائب الواردة عليهم و المكاره النازلة بفنائهم اما لاجل تحملهم لذنوب شيعتهم و تبعات رعيتهم كما اشير اليه في قوله تعالي ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك و ما تأخر [ص 62] او لاجل الدنيا و قد طلقوها و تركوا ملاذها و محابها امتثالا لامر الله تعالي و اعطاء لكل ذي حق حقه و واضعا لكل شيء موضعه فان المسافر لايستريح الا في وطنه و المؤمن غريب في الدنيا و بذلك نالوا اعلي الدرجات و لحقوا باعلي المقامات و يترقون ابدا الآبدين و ما يشاهدونه من الاذية عندهم في الغاية من الراحة و المحبة و ان كان الاقبال بقلبه و لكنه بظاهر بدنه بالشهوات العرضية يقترف المعاصي و يدبر و يعرض عن فوارة النور و الخير فيستحق مقتضياته من انواع الآلام و الاسقام و المصائب و المكاره و ان كان ممن يريد الله به الخير و له عنده سبحانه في الدار الآخرة المقام الاعلي و الرتبة الاسني يبليه الله تعالي في الدنيا بالبلايا و المصائب و المحن و الشدايد كفارة لذنوبه و محوا لسيئاته و الشفيع المنيع لايشفع عن مكاره الدنيا غالبا الا في وقت يكون المانع اقوي لان الدنيا مما اذن الله بزوالها و فنائها و اضمحلالها و الاعراض عنها و عدم الركون اليها فاذا استقامت له الامور الدنيوية من كل الجهات و هو ليس بمعصوم فيخاف عليه من الميل و الركون الي الدنيا الملعونة كما قال تعالي ان الانسان ليطغي ان رآه استغني فتشتد عليه المحن و البلايا علي حسب قوته و طاقته في ايمانه دفعا لمكروه اعماله و كفارة لذنوبه و صونا له عن الرجوع الي مثله و الميل الي ما يجب الاعراض عنه بقلبه فتتوجه اليهم البلايا الامثل فالامثل و قد ورد ان الله سبحانه يهدي البلاء الي المؤمن هدية كما يهدي بعضكم الي بعض ه ، و ذلك لكرامته عليه ليكفر ذنوبه و يصرف قلبه الي [ص 63] ما هو الاهم الاعلي فلا منافاة حينئذ بين المقامين فان المؤمن علي حسب قوة ايمانه يبليه الله تعالي بالبلايا لعلمه بان الدنيا ليست بدار راحته و لا عزته و حيث انه لميخل من المعصية يكون كفارة لها فجمع بين الامرين فارتفعت المنافاة من البين و اما الكفار فلكمال اعراضهم لايجري عليهم حكمه في الدنيا في الغالب لقوله تعالي و لاتحسبن الذين كفروا انما نملي لهم خيرا لانفسهم انما نملي لهم ليزدادوا اثما و لهم عذاب عظيم و هذا ايضا بلاء و اي بلاء و لكنهم مايشعرون و المؤمن ايضا اذا كان ضعيف الايمان لايقوي قلبه لحمل المعارف و ان البلاء خير من عند الله تعالي انزله اليه لايبليه الله تعالي بالمكاره الشاقة و المصائب العظيمة حتي لايفسد عليه دينه و قد شاهدت بعض اشباه الناس و قد حصلت له بعض العوائق في الطريق في رجوعه من مكة زادها الله شرفا بلا اذية و لا محنة و قد سمعته يقول احببت ان احشر محشر اليهود و النصاري و لاحجيت و سمعت الآخر يقول ماظلم الله احدا مثل ما ظلمني في هذا السفر و امثالهما كثير و هو سبحانه لايبلي الغالب من الفرقة المحقة بالبلايا المستمرة العظيمة لئلايصدر منهم مثل هذه المقالة الخبيثة فيخرجوا عن الدين و الله سبحانه هو الموفق و الهادي نسئل منه العافية و حسن الخاتمة و الرضا بما يقضي و يمضي .
قال سلمه الله تعالي : و ما الوجه في كون العنوان للواجب ليس داخلا في الامكان مع انه محدث لانه ليس ازل الآزال غير الذات البحت و كونه [ص 64] عالما اذ لا معلوم ليكون علم بلا معلوم مع ان العلم عين المعلوم فمتي تحقق عينية العلم للمعلوم فكون الذات تعلم الممكنات في الحدوث فقبل حدوثها هو عالم بها فما معني العلم في الذات البحت و في رتبة العلم علمه تعالي بالممكنات قبل وجودها مع ان العلم غير المعلوم فهناك عينية ام لا .
اقول قد دلت الادلة القطعية من العقلية و النقلية ان الشيء لايتجاوز مبدئه و انه لايصل الي ما فوق ذاته اذ لا ذكر له فوق ذاته و هو عدم هناك فاين الادراك و الوصول و قد قال تعالي و ما منا الا له مقام معلوم و انا لنحن الصافون و قال اميرالمؤمنين عليه السلام انما تحد الادوات انفسها و تشير الآلات الي نظايرها فاذا ثبت ذلك فالخلق الحادث و الممكن المخلوق لايمكن له الوصول الي كنه ذات الخالق و البلوغ الي حقيقة معني الصانع و ذلك واضح ظاهر ضرورة فلايعرف احد ربه الا بما ظهر له من آثار صفة و صفات فعله و معني ذلك انه تعالي اوجد فيهم صفة نفسه تعالي ما يعرفه له تعالي و تلك الصفة هي المسماة بالعنوان و لكن حيث انها صفة له تعالي في مقام التعريف و التعرف فلو قصدت بها سواه و لاحظت امكانها لمتكن صفته فان الصفة دليل علي الموصوف و ان كانت الصفة في نفسها من عالم الامكان و لكن لايلاحظ امكانها كما اذا قلت لك انا فلان بن فلان و صفتي كذا و فعلي كذا فالسامع حين ما يسمع هذا الكلام ينظر الي و يلتفت الي و لايلتفت الي ان هذا قول و كلام احدثه فلان و هو اثره فاذا اشتغل بهذه الالتفاتات احتجب عن [ص 65] معرفتي بما عرفته من نفسي باثر فعلي و هو كلامي فالكلام الدال علي حين دلالته علي و توصيفه لي عنوان اعرف به يعرفني به غيري و ذلك الكلام الدال علي و ان كان اثري احدثته بفعلي و لكني احدثته فيكون صفة لي فلايلتفت اليه حين ارادتي منه الي و انما يلتفت الي و ان كان ما عرف صفة فعلي و شبح كينونتي فكذلك حين تتوجه الي صفة الاستدلال التي جعلها الله سبحانه في كينونات الخلق فانما تتوجه الي صفة الله سبحانه و توحيده و انت حينئذ ذاهل عن كون هذه الصفة عنوانا محدثا او صفة مخلوقة و ان كان في الواقع كذلك و هو معني قول شيخنا العلامة اعلي الله مقامه ان عنوان الواجب ليس داخلا في الامكان يعني عند الملاحظة لا في الواقع و نفس الامر حتي يكون قديما آخر غير الله تعالي و لا ريب ان العنوان محدث و قد نص قدس سره علي حدوثه في الفوائد و غيرها و المعروف مذهبه و اذا قال ليس في الامكان مراده لايلحظ امكانه و حدوثه فانك اذا لاحظتهما مااستدللت به الي القديم و ذلك معلوم انشاء الله تعالي بعد البيان و ان كان من اصعب ما يرد علي الافهام و اما كون عالم اذ لا معلوم فقد ذكرنا ان الصفة الذاتية عين الذات بلا فرض المغايرة و الاعتبار فعلمه تعالي عين ذاته و ذاته عين علمه بل العلم و الذات لفظان لمعني واحد كما مر سابقا فح لا اشكال فان الذات الاقدس موجود و لا خلق من الامكان و الاكوان فاذن يصح ان تقول علم و لا معلوم كما تقول ذات و لا خلق لان مؤدي احدي العبارتين عين الاخري ثم نقول ان العلم [ص 66] الذي يقتضي المعلوم هو العلم الاضافي و الاضافة من العوارض و الاعراض من المقولات التسع فكيف يصح ان ينسب اليه تعالي العلم الاضافي الذي هو من مقولة الاعراض و هو سبحانه لايوصف بعرض و لا جوهر و هو سبحانه ليس محلا للاعراض فالعلم الثابت له تعالي لو جعلته مما يقتضي المعلوم كان اضافة و هو سبحانه منزه عنها و الا لزم ما ذكرنا من كونه اما محلا للاعراض اذا كان العلم غير ذاته و اما ان يكون ذاته عرضا اذا كان عينها و هو من مقولة الاضافة و يلزم ان يكون ذاتا اخري حتي تكون ذات الله سبحانه اضافة ارتباطية بينهما سبحانه سبحانه سبحانه و تعالي عما يقولون علوا كبيرا فاذن من اين استبعاد ان العلم ينفك من المعلوم اذا لمتجعل العلم من مقولة الاضافة فالعلم في الحقيقة في الوضع الاولي اسم للذات البحت المجردة عن كل الاضافات و الاعتبارات فهي علم و هي قدرة و هي نور و هي سمع و هي بصر من غير اضافة الي معلوم و مسموع و مقدور و غيرها ثم لما تحققت الاضافة و النسبة بينه تعالي و بين خلقه و اقتران سمي تلك الاضافة علما من باب الحقيقة بعد الحقيقة لا ان العلم هو محض تلك الاضافة و اليه الاشارة في قوله عليه السلام كان ربنا عز و جل و العلم ذاته و لا معلوم و القدرة ذاته و لا مقدور و السمع ذاته و لا مسموع فلما وجدت الاشياء و كان المعلوم وقع العلم منه علي المعلوم و السمع علي المسموع و البصر علي المبصر نقلت معني الحديث فالمراد بالعلم في الاول هو ذات الله سبحانه كالقدرة و السمع و البصر فانها الفاظ [ص 67] ترد علي معني واحد و العلم و القدرة و البصر و السمع هي الاضافية و هي انما تتحقق باشراق فعله تعالي علي المفعولات حين احداثها فالاقتران انما هو باعتبار فعله تعالي بالمفعولات و الذات منزهة عن ذلك مثاله و لله المثل الاعلي ان السراج له نوران نور هو عين ذاته اي لايتحقق السراج بدونه اصلا و نور يقع علي الجدران و الاراضي و الاشخاص فالنور الذي هو عين ذاته لايتغير و لايتبدل و انما هو شيء واحد و الذي يتعلق بالمرايا و الجدران هو اشراق فعل السراج فيختلف بحسب المتعلق فيكون في المرآة الحمراء نورا احمر و في الصفراء نورا اصفر و في البيضاء نورا ابيضا و هكذا و الكل في السراج شيء واحد و لك ان تقول النور الاحمر و النور الابيض و النور الاصفر عين ذات السراج بلا فرض تعدد و مغايرة فان التعدد و الكثرة و الاختلاف انما حصل عند تعلق الاشراق بمتعلقاته فنحن لما نظرنا الي المتعلقات و رأينا تعدد الكمالات اثبتناها له لكن بدون فرض المغايرة و الاختلاف بل علي جهة الوحدة الحقيقية فالتعدد في الاشراق و الوحدة في الذات و الاضافة في الخلق الحادث لا في الرب القديم القاهر فافهم .
و اما ان العلم عين المعلوم فذلك في الامكان و الحدوث لا في القدم فانه تعالي لايدرك من حيث ذاته و علمه عين ذاته فلايكيف علمه كما لايكيف ذاته فلايقال ان علمه تعالي حصولي او حضوري او انكشافي لو عين المعلوم او غير ذلك فان ذلك كله بعد فرض المعرفة فاذا كان الطريق مسدودا و الطلب مردودا فلا سبيل لك اليه الا من جهة الآثار و الاثر لايكيف المؤثر الذات [ص 68] و لايفهمه و انما يدل بفقره الي غني يسد فقره و اما شرح ذات الغني فلا سبيل للاثر اليه و لذا اذا رأيت بناء دلك علي ان له بانيا و لكن لايدلك علي انه رجل او امرأة حر ام عبد اسود ام ابيض مسلم ام كافر ام منافق طويل ام عريض ام قصير جن ام انس يعلم غيره ام لا بالجملة جميع احوالات الذات و صفاتها و اوضاعها غائبة عنك فلاتعرف منه الا انه موجود و لكن لا كما هو عليه بل كما انت عليه فاذن فما عسي ان تقول في العلم الذي هو ذاته من التوصيف و التكييف و التحديد حتي تقول عين المعلوم ام غير المعلوم نعم نعلم يقينا انه تعالي عالم و العلم ذاته و لكنا لانعلم كيفية ذلك العلم الذاتي فمن كيفه فقد ثناه و من ثناه فقد جزاه و من جزاه فقد الحد فيه نعم العلم في الامكان عين المعلوم لان العلم عبارة عن ظهور المعلوم للعالم و ذلك الظهور قائم بالمعلوم دون العالم و لذا تري ان المعلوم اذا لميوجد و لميظهر لميكن معلوما فالظهور اي ظهور المعلوم للعالم قائم بالمعلوم كما ان الضرب قائم بالمضروب و الكلام قائم بالهواء المتقطع منه الكلام فتقول ضارب و متكلم لدي الضرب و الكلام و كذلك العلم قائم بالمعلوم و تقول للشخص عالم باعتبار وقوع العلم في المعلوم فذلك الشيء علم باعتبار ظهوره للعالم و معلوم باعتبار تعلق الظهور به فالعلم و المعلوم شيء واحد و ان كان يلحظ بينهما التغاير الاعتباري الاتري الصورة الخالية المدركة في الخيال فانها معلومة لك و لكن علمك بها ليس بصورة اخري حتي يدور او يتسلسل بل انما علمك بها بنفسها فهي [ص 69] علم باعتبار و معلوم باعتبار و كذلك اذا رأيت الشيء في الخارج فان نفس وجوده و حضوره لك علمك به فعلمته به لا بغيره فاذا غاب عنك انتقشت صورته في ذهنك فتلك الصورة حينئذ معلومك لا العين الخارجة فهي علمك بها و لذا تري لو تغيرت العين الخارجة باحوال مختلفة لمتطلع عليه الا بما انتقش في نفسك من صورتها فلو كان المعلوم هو الخارجي و العلم هو الذي في نفسك لتغير علمك بتغير معلومك ضرورة المطابقة بينهما لو لمنقل بالعينية و عدم التغيير ضروري الا بتجدد ظهور آخر اما بالصورة المغايرة او بالعين الخارجة مثلا اذا رأيت زيدا علمته به علي الهيئة التي رأيته فاذا غاب انتقشت صورة ما رأيته منه في الذهن فاذا تغير زيد بعد غيبته بمرض او موت او سمن او هزال او غير ذلك من الاحوال و انت ماتجد ذلك شيئا غير ما رأيته فلايتغير ما عندك فلو كان المعلوم هو الخارجي لاستحال ذلك فلما رأينا تحقق ذلك علمنا ان المعلوم هو الصورة الذهنية لا غير و ذلك انشاء الله تعالي ظاهر لمن القي السمع و هو شهيد و لتحقيق المسئلة مقام آخر و قد حققه مولانا و شيخنا العلامة قدس الله نفسه و سره في رسائل متعددة بما لا مزيد عليه و قد كتب الحقير ايضا في مواضع متعددة و شرحته علي كمال ما ينبغي خصوصا في اللوامع الحسينية .
و بالجملة فالعلم في الامكان عين المعلوم فح فلانقول انه من مقولة الكيف او الاضافة او الانفعال او غير ذلك كما ذكروا و اختلفوا بل نقول ان العلم بالجوهر جوهر و بالعرض عرض و ساير [ص 70] المقولات علي حسبها من غير اختصاص بمقولة دون اخري فافهم فظهر لك ان القول بعينية العلم للمعلوم انما هو في الامكان لا في القديم فنقول انه تعالي عالم بالاشياء قبل حدوثها فعلمه بها قبل حدوثها كعلمه بها بعد حدوثها بلا تغير و لا زوال و لا حدوث حال و لا كيف لهذا العلم نعم ان الكثرات و الاضافات و التعدد منتفية في ذاته تعالي و العلم بها حاصل و اما كيفية هذا العلم فلايمكن للمخلوق ادراكه و لايسع الحادث تحقيقه و الا لشاركه في قدمه فهو تعالي عالم في الازل بالاشياء في رتبها و اماكنها في الحدوث و لا كيف لذلك كما انه لا كيف له .
ثم اعلم ان العلم قد يطلق علي المشية و علي الامكان الراجح و علي الحقيقة المحمدية صلي الله عليه و آله و علي القلم الاعلي و اللوح المحفوظ و علي الكتاب و علي الواح الكائنات و علي الآيات المرئية في الآفاق و في الانفس و علي ما في الخزائن الغيبية الكونية و الشرعية من الاسرار المكنونة و حيث ان هذه الاشياء المذكورة و الغير المذكورة من الجواهر العلوية لشرافتها تنسب الي الله تعالي نسبت الي الله تعالي فقيل انها علمه تعالي الاتري الاخبار الواردة في ان لله علمين علم علمه انبيائه و رسله و ملائكته و علم استأثره في علم الغيب عنده و قد عقد الكليني (ره) بابا في هذا المعني و لا ريب ان العلم الذي علمه الله انبيائه ليس هو ذاته تعالي و لكنه نسب اليه تعالي تشريفا كما قال تعالي و نفخت فيه من روحي و لما كانت هذه العلوم كلها اشراقات فعله تعالي في الاطوار الكونية الوجودية سميناه علما لله حادثا اشراقيا لان [ص 71] هذه الاشياء لاتصح ان تكون عين ذاته تعالي فتكون غيره و كلما سوي الله حادث فيكون هذا العلم حادثا و ليس معناه انه تعالي حدث علمه بها تعالي الله عن ذلك فان الله تعالي لايتغير عن حال و لايجري عليه زوال و لا اضمحلال و انما المعني كما ذكرت لك علي ما ذكرت لك من ان هذه الامور اشراقات فعله و انوار كينونته نسب اليه تعالي كما ينسب ساير اسماء الافعال و صفاتها اليه تعالي . . .
( الي هنا وجد في النسخة الاصلية )