[ص 1]

رسالة في جواب السيد حسين القطيفي

عن ثلاث و ثلاثين مسألة

من مصنفات السيد الاجل الاوحد المرحوم

السيد كاظم بن السيد قاسم الحسيني الرشتي اعلي الله مقامه

[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين و الصلوة و السلام علي خير خلقه و مظهر لطفه محمد و آله الطاهرين .

اما بعد فيقول العبد الجاني و الاسير الفاني كاظم بن قاسم الحسيني الرشتي ان السيد السند و الولي المعتمد اللوذعي الالمعي المنزه عن كل شين جناب السيد حسين بن . . . قد بعث الي مسائل انحطت دون اغلبها الاحلام و الافكار و عجزت عن حل اكثرها عقول اولي الانظار و قد اتت في حال كمال اشتغال البال و اختلال الاحوال و عروض الاعراض المانعة عن استقامة الحال و قد احببت ان تأتيني في غير هذا الوقت لاؤدي بعض حقها من التحقيق و ارشد المتحير الي سواء الطريق بانحاء جهات التدقيق و لكن الميسور لايسقط بالمعسور و اشير الي بعض ما هو المقدور مقتصرا علي اقل ما يحصل به المطلوب و الي الله ترجع الامور و جعلت كلامه سلمه الله تعالي متنا و جوابي كالشرح له كما هو عادتي في اجوبة المسائل لتطابق كل جواب بسؤاله .

قال سلمه الله تعالي : ما يقول سيدنا في الحديث المروي في القمي عن الصادق في قوله تعالي و انه هو اغني و اقني قال اغني كل انسان بمعيشته و ارضاه بكسب يده مع انا نري ذي الصنعة الرذيلة كالقصابة و غيرها لايرضي بها تحت غيرها من العالية فما معني ارضاه بكسب يده .

اقول اعلم ان الله سبحانه لايعطي احدا الا ما هو مقتضي مسئلته و طلبته [ص 3] و الا لكان بخيلا او ظالما تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا و الملازمة ظاهرة فلاتقع العطية الا علي حسب مقترح المعطي عدلا او فضلا الا ان السؤال علي قسمين احدهما سؤال بلسان المقال و ثانيهما سؤال بلسان الحال و الاستعداد و القوابل فاذا تطابق اللسانان في المسئلة وقع الجواب و جرت العطية في الحال بلا تراخي و عند التخالف يجب اجابة اللسان الحالي لان اجابة المقالي عند المخالفة يلزم فساد الكينونة و الطبيعة و هو خلاف ما جرت عليه حكمة الايجاد مثال المطابقة كالمريض الغالب عليه المرة الصفراء اذا طلب المبردات فالطبيب يجيبه لا محالة لحفظ الكينونة و يعطيه ما يصلحها من انحاء التبريد و مثال المخالفة كالمريض المذكور اذا طلب المسخنات و انحاء الحلويات مثل العسل و غيره فان لسان الحال لايطلبها لانها تفسدها و الطبيب الماهر الحكيم يجيب لسان الحال دون المقال و ان كرهه الداعي بلسان المقال بالشهوة الكاذبة فانه بعد ان صلح مزاجه و اعتدل بخلاف مشتهاه يرضي و يسكن و يطمئن فاذا عرفت ما ذكرنا اتضح لك الجواب عن كل مسئلة من هذا الباب فان الله سبحانه مااعطي احدا شيئا الا و ارضاه بذلك بحسب الحقيقة و الكينونة و ان كان بحسب الشهوات الظاهرية المقالية يكرهه و هذا الرضا و السخط لا اعتبار بهما و اليهما الاشارة بقوله تعالي عسي ان تكرهوا شيئا و هو خير لكم و عسي ان تحبوا شيئا و هو شر لكم و قال عز و جل مصرحا بما ذكرنا و لو اتبع الحق اهوائهم لفسدت السموات و الارض و ما بينهما بل آتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون فالذكر هو ما طلبوا و سئلوا [ص 4] بلسان الكينونة و الاهواء هي مشتهيات النفس بالعوارض الخارجية الظاهرة بلسان المقال و قوله تعالي ادعوني استجب لكم اشارة الي ما ذكرنا مع تخلف اغلب الادعية من الاجابة و الله سبحانه لايخلف الميعاد فافهم و اغتنم .

قال سلمه الله تعالي : و ما تقول في حديث كا عن الصادق عليه السلام اورده الكاشي في الصافي في تفسير قوله تعالي فلولا ان كنتم غير مدينين ترجعونها ان كنتم صادقين قال انها اذا بلغت الحلقوم اري منزله من الجنة فيقول ردوني الي الدنيا حتي اخبر اهلي بما اري فيقال ليس الي ذلك من سبيل .

اقول معناه علي ظاهره لا خفاء فيه فان كان الاشكال من جهة طلبه الرد الي الدنيا الذي هو طلب الادني الاسفل مع وجود الاعلي و التمكن منه و هو ليس شأن اهل الجنة الكاملين فالجواب ان ذلك ليس لاجل نفسه حتي يلزم ما ذكر و انما هو من جهة اظهار ما كان خافيا و ابداء ما كان كامنا من آثار اسرار الولاية التي اخفتها الحكمة الالهية لئلايلزم الاجبار و الالجاء و الانقياد لا لمحض الاخلاص عن قوله تعالي و ان الساعة آتية اكاد اخفيها لتجزي كل نفس بما تسعي فاراد المؤمن عند مشاهدة تلك الآثار و ظهور تلك الانوار ان يرجع الي الدنيا و يظهر الامر ليجذب ما كان من سنخه و ليتمم الناقص ببيان ما وجد من رسمه و اسمه حتي يحصل اخوانا قد نزع الغل من صدورهم ليكونوا علي سرر متقابلين و ذلك اعظم ملاذ الجنة و اعلاها لانها من ثمرات المحبة التي لها خلق الله [ص 5] الخلق و هي الاصل في الوجود و السر في الشاهد و المشهود فاراد الرجوع لهذه الغاية و هي اشرف الغايات و اقصي الدرجات فمنع حيث كانت شريعة الاختفاء و الاحتجاب بعد ثابتة و الحكمة ما اقتضت في محوها و ازالتها فلا بد من عدم الرجوع و لذا تري ان الحكمة اذا اقتضت محو آثار الخفاء رجعوا الي الدنيا لاظهار مخفيات الاسرار و ابداء مكنونات الانوار ففي ذلك عبرة لاولي الابصار و اما كون الآية في سياق الذم فلاينافي هذا التفسير لان القرآن علي وجوه و احوال و تفاسير و هذا التفسير نسميه في الاصطلاح تفسير التأويل لعدم ملاحظة سوق الآية و ترتيبها و شرح هذا الكلام يطول به الكلام و الاشارة كافية و التفصيل في هذه الاحوال يطلب في رسالتنا الموضوعة لبيان انحاء التفاسير من الباطن و التأويل و الظاهر و ظاهر الظاهر و غيرها من الوجوه السبعة او السبعين و غيرها .

قال سلمه الله تعالي : و ما معني ما ورد في حديث القمي ان كل شيء حامله الماء و الماء علي الهواء و الهواء لايحد فاي رتبة الهوي و هذا الحديث لايحضرني بما قبل و الهوي لايحد اي شيء نقلته بالظن نعم السؤال عن رتبة الهواء و انه لايحد ما معني انه لايحد .

اقول الهواء في اصطلاح اهل البيت عليهم السلام في محاوراتهم و عباراتهم يطلق و يراد به كل امر موجود ثابت غايب عن الادراك الظاهرة او الباطنة او الجميع كما قال عليه السلام ان قيل الهواء صفته فالهواء من صنعه و قال عليه السلام ان الروح متعلق بالريح و الريح متعلق بالهواء [ص 6] و قال عليه السلام في جواب من سئله اين كان الله قبل خلق السموات و الارض قال عليه السلام كان في عماء تحته هواء و فوقه هواء فالمراد بالماء في هذا الحديث الشريف و من الآية الشريفة و من الماء كل شيء حي هو الحقيقة المحمدية صلي الله عليه و آله التي بوجودها ثبتت الاشياء و بتحققها قامت الموجودات و لذا تري ان الارض اذا خلت من حجة الله ساخت باهلها كالبدن اذا خلا من القلب فالماء هو نور الانوار و حقيقة الاسرار و سر الموجودات و ايس الايسيات و اسطقس الاسطقسات و المراد بالهواء الذي لايحد هو الاسم المخلوق الذي خلقه الله بلا كيف و اشارة كما اشار اليه الصادق عليه السلام علي ما رواه الكليني في الكافي ان الله خلق اسما بالحروف غير مصوت و باللفظ غير منطق و بالشخص غير مجسد و بالتشبيه غير موصوف و باللون غير مصبوغ بريء من الامكنة و الحدود مبرء عنه الحدود محجوب عنه حس كل متوهم مستتر غير مستور و وجه آخر ان المراد بالهواء هو المشية التي خلق الله الاشياء بها كما قال عليه السلام خلق الله الاشياء بالمشية و خلق المشية بنفسها و المشية هي فعل الله سبحانه و ارادته و امره و كلمته و قد قال مولانا الرضا عليه السلام ارادته احداثه لا غير لانه لايروي و لايهم و لايفكر و انما يقول للشيء كن فيكون بلا لفظ و لا كيف لذلك كما انه لا كيف له و الوجه في ذلك ان الحدود و الاوضاع و الكيفيات كلها مخلوقة لله سبحانه بالمشية فهي موجودة قبلها فلو كانت الحدود موجودة لكان ايجادها تحصيلا للحاصل و لايجوز ذلك [ص 7] و انما هو محال و وجه آخر ان الماء هو النور الابيض الذي منه البياض و منه ضوء النهار لما علم بالبرهان ان كل بارد رطب الذي هو طبع الماء لونه البياض و هو الركن الايمن الاعلي من العرش و باقي الاركان و الانوار متوقفة بهذا الركن و هو عامل لها و الاشياء كلها قائمة بهذه الاركان لان مجموعها العرش الذي استوي الرحمان برحمانيته عليه و اعطي كل ذي حق حقه و ساق الي كل مخلوق رزقه و الاسماء قائمة بالعرش و هو متقوم بهذه الاركان و هي متقومة بالماء الذي هو النور الابيض و هذه المرتبة متقومة بالهواء و هو المادة التي اصل و سارية في كل هذه الاركان و جميع الحدود منتهية الي الاركان فالمادة من حيث هي هي منزهة عن جميع الحدود و القرانات و النسب و الاضافات و الاحوال لانها هي موصوف الصفات و موضوع تلك الجهات و محل النسب و الاضافات فهي في نفسها لا حد لها قضاءا لوجوب المغايرة بين النسبة و المنسوب و المنسوب اليه فالشيء من حيث هو هو ليس الا هو و لذا قالت الحكماء ان اجتماع النقيضين و ارتفاعهما في المرتبة جائز و المراد بالمرتبة نفس الشيء لا من حيث هو فان الهوية ايضا صفة تستدعي موصوفا فالحقيقة المعراة المنزهة عن جميع الحدود و القيود و الحيثيات هي الهواء المذكور في الحديث و التعبير لنفس وجوده و غيبته كما اشار اليه لفظه فان الهاء اشارة الي تثبيت الثابت و الواو اشارة الي الغائب عن درك الحواس و لمس الناس و لما كانت هذه الحقيقة من حيث هي لها صحة الصلوح للتقيد و التحديد اضيفت الي الهاء [ص 8] و الواو الالف اللينية لا المتحركة لبيان نفس التعلق و الارتباط اي صلوحها لهما و قوام الحروف كلها بالالف المذكورة كما ان قوام الاشياء ذات الحدود و القيود بتلك الحقيقة المعبر عنها بالهواء فافهم فان شرح هذه المراتب و المقامات يقتضي بسطا في الكلام و ليس لي الآن ذلك الاقبال .

قال سلمه الله تعالي : و ما يقول سيدنا في اهل البرزخ من المؤمنين هل لهم تناكح و تزاوج في الجنة البرزخية اذا دخلوها اما تنعمهم بمأكل و غيره فنعم ورد و لكن هل ورد التناكح كما في جنة الآخرة و من يناكحونه في البرزخ ابناء الدنيا ام غيرهم .

اقول اما التناكح و التزاوج في الجنة البرزخية فقد نص عليه القرآن بعد عموم قوله تعالي و فيها ما تشتهيه الانفس و تلذ الاعين و لا ريب ان التناكح مما ترغب اليه النفوس القدسية و القلوب السليمة و ليس كساير الاعمال القبيحة الدنياوية التي تأباه النفوس العالية و تخصيص الآية الشريفة بجنة الآخرة لا دليل عليه كما هو المعلوم في القواعد اللفظية و اما خصوص ما يدل عليه من القرآن فقوله تعالي و من دونهما جنتان فباي آلاء ربكما تكذبان مدهامتان فباي آلاء ربكما تكذبان الي ان قال تعالي فيهن خيرات حسان فباي آلاء ربكما تكذبان حور مقصورات في الخيام لم‌يطمثهن انس قبلهم و لا جان و هذه الجنة دون الجنتين اللتين اشار اليهما الله سبحانه بقوله و لمن خاف مقام ربه جنتان الآيات و دونهما هي جنة الدنيا و الدليل عليه ما ورد في [ص 9] الاخبار المتكثرة ان الجنتين المدهامتين تظهران في آخر الرجعات فتكونان هما من جنان الدنيا و هي جنة البرزخ ثم وصف الله سبحانه و بين ان فيهن اي جنان الدنيا خيرات حسان ثم فسرهن سبحانه بقوله حور مقصورات في الخيام لم‌يطمثهن انس قبلهم و لا جان فبين ان اهل جنة الدنيا التي هي جنة البرزخ ينكحون الحور في القصور و ذلك ظاهر و لا منافاة في ذلك بوجه من الوجوه و اما بنات الدنيا فالظاهر ان نكاحهن موقوف الي الآخرة لعدم التصفية الكاملة من عوارض الخلط و اللطخ الحاصل بينهن و بين الرجال في الاحوال العرضية فان لنا في قوله تعالي الطيبات للطيبين الآيات كلاما شريفا في النسب الذاتية و العرضية بين الرجال و النساء و لايسع المقام شرح ذلك و تفصيله و الجواب من السؤال حاصل مما ذكرنا .

قال سلمه الله تعالي : و ما يقول سيدنا علي ما نقل لي بعض العلماء الفضلاء في ان فائدة مصافحة الانصار يوم كربلا للحسين عليه السلام انه اذا بايعه و برز لايلتقي في وجهه من عسكر ابن‌زياد (لع) الا من ليس في صلبه مؤمن حتي يقتله فاين ورد هذا في اي كتاب عنهم عليهم السلام .

اقول اما خصوص رواية بهذا المعني فلم‌اقف عليها و لكن معناها صحيح مقطوع به لا شك فيه و لا ريب فان النطف الطيبة لما سرت في الاصلاب الخبيثة حين نزولها اي الطيبة من عليين و النطف الخبيثة المتصاعدة من سجين و وقوعها علي البقول و الثمار و جريان حكم الله سبحانه بان [ص 10] لايقطع الفيض من اهله و مستحقه فوجب ان لايقتل الذين في اصلابهم تلك النطف الطيبة من الكفار و المنافقين اما بمشاهدة لها اما بانفسهم مثل الائمة عليهم السلام او بتبين و اعانة و زيادة نور في خواص شيعتهم او بحاجز بينه و بينهم من مدافعة الملائكة الحافظين من قوله عز و جل له معقبات من بين يديه و من خلفه يحفظونه من امر الله و هكذا كان الحكم في محاربة الانبياء و الاوصياء و الحجج عليهم السلام فان العساكر مايعرفون و لايستطيعون النظر الي الاصلاب فتحول الملائكة الحفظة بينهم و بين الكفار الذين في اصلابهم تلك النطف الطاهرة حتي لاينقطع الفيض عنهم و لاتكون لهم علي الله حجة و اما اصحاب سيدنا الحسين روحي له الفداء فحيث فاقوا و سبقوا الكل بثباتهم و قوة نورانيتهم فكشف مولانا الحسين عليه السلام الغطاء عن بصايرهم و ابصارهم حتي نظروا الي الاصلاب لانقاذ اولئك الاطياب كما انه عليه السلام اراهم اماكنهم و منازلهم في الجنة و مقاماتهم و درجاتهم و هذا ايضا من تلك المكاشفات التي من الله عليهم بنصرتهم لابن بنت رسول الله صلي الله عليه و آله يا ليتني كنت معهم فافوز فوزا عظيما فما ذكرتم ايدكم الله تعالي ليس خاصا باصحاب الحسين عليه السلام و لا خصوصية لمبايعته و مصافحته روحي له الفداء و ان الله سبحانه يجب عليه حفظ تلك النطف الطاهرة و هو قوله تعالي انا نحن نزلنا الذكر و انا له لحافظون و الخصوصية لعلها فيما ذكرنا فافهم .

قال سلمه الله تعالي : و ما النكتة في قوله تعالي لما اسري بنبيه [ص 11] صلي الله عليه و آله سبحان الذي اسري بعبده ليلا من المسجد الحرام الي المسجد الاقصي و الاقصي كما في بعض الاخبار انه البيت‌المعمور مع انه تجاوز جميع مراتب الخلق فما النكتة في هذه الغاية و ما النكتة في الاسراء ليلا لا نهارا .

اقول اما التعبير بالمسجد الاقصي فقد قال مولانا الباقر او الصادق عليهما السلام كما في الصافي انه اقصي ما صعد اليه رسول الله صلي الله عليه و آله لا البيت‌المعمور و ان اطلق علي البيت‌المعمور مرة و علي بيت‌المقدس اخري فان له اطلاقات و المراد به في هذه الآية الشريفة اقصي المراتب و المقامات التي صعد اليها صلي الله عليه و آله و هو اعلي مقامات العرش الاعظم الاعلي الاقصي و انما اطلق عليه المسجد لانه محل الخضوع و الخشوع اذ المراتب كلما علت و قربت من المبدء الاعلي كان اعظم في الخضوع و الانقياد و التسليم و الفناء و التمحض لذكر الله تعالي و لذا كني الله سبحانه في القرآن عن الائمة عليهم السلام بالمساجد و قلوب المؤمنين مساجد و مواضع لذكر الله سبحانه فذلك الموضع الذي هو اعلي المواضع و اشرف المقامات في القرب اولي بان تسمي مسجدا فكان هو المسجد الاقصي حقيقة و البيت‌المعمور و بيت‌المقدس يسميان الاقصي من باب الحقيقة بعد الحقيقة فعبر الله سبحانه عن منتهي سير النبي صلي الله عليه و آله ثم عبر بانه الاقصي لبيان انه لايقع عليه اسم و لا رسم و لا اشارة و لايقال فيه الا انه اقصي المراتب و المقامات و اما كون الاسراء في الليل فلان الصعود انما يكون [ص 12] من العالم الاسفل الادني الي العالم الاعلي الاقصي و العالم الاسفل عالم الكثرة و هي لونها السواد و محلها و مظهرها في عالم الشهود الليل كما ان مظهر النور و محله و موقعه في عالم الشهادة النهار فحيث وجبت المطابقة بين العالمين لرفع الاختلاف في البين وجب الصعود الي العوالم العلوية في الليل و الوصول الي مقامات القرب و الوصال في النهار و لذا ورد انه صلي الله عليه و آله لما وصل الي اعلي العرش ناداه الله سبحانه بلسانه يا محمد ادن من صاد و توضأ لصلوة الظهر و انما خص صلوة الظهر لبيان الوصل و الاتصال بمقامات القدس في وقت استواء النور و وقوفه علي اعلي مراتب العوالم الامكانية حتي تساوت نسبته الي جميع الذرات و ان اختلفت نسب الموجودات بالنسبة اليه فافهم .

قال سلمه الله تعالي : و ما معني كلام النبي صلي الله عليه و آله في خطبة الغدير : و احاط بكل شيء علما و هو في مكانه ما المراد بالمكان .

اقول لا ريب ان الله سبحانه منزه عن المكان و الكاينات و كل شيء في عالم الامكان سبحان ربك رب العزة عما يصفون و انما المراد بالمكان الرتبة فمراده صلي الله عليه و آله ان العلم في الامكان و ان كان عين المعلوم او مقارنا و مطابقا به و لايمكن الا بهما و ليس كذلك علم القديم سبحانه و تعالي اذ لايشبه خلقه و انما هو سبحانه محيط بكل شيء و هو سبحانه في ازليته و رتبة قدمه و ابديته بلا اتصال و لا اقتران فان المقترن في رتبة قرينه و هو سبحانه متعال عن ذلك و انما احاط بكل شيء علما [ص 13] و هو رتبة ذاته بلا تغير و لا انتقال و لا حركة و لا زوال علم الاشياء كلها في اماكن وجودها و مراتب شهودها و محال تحققها و هو سبحانه علي ما هو عليه في عز قدمه و سلطانه و هذا ظاهر انشاء الله تعالي .

قال سلمه الله تعالي : و قول علي عليه السلام لما ضرب و كان في مرضه قال يوما : افرشوا لي في صحن داري لعلي انظر في ملكوت السموات ، و هل يغيب عنه الملكوت الا في صحن الدار فما معناه .

اقول اعلم ان العالم كله كتاب علم مشتمل علي اوراق اودع الله سبحانه فيه علومه و غيوبه و اسرار صفاته و اسمائه و جلاله و جماله و احكام ملكه و ملكوته و هو قوله تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق و من اعظم تلك الاوراق المشتملة علي جلايل العلوم و غوامضها و اسرارها و حقايقها هو السموات لشرفها و علوها و صفائها و لطافتها و نورانيتها مع ان الله سبحانه جعلها مهبطا للفيوضات و مركزا للخيرات و ينبوعا لانحاء الافاضات و مسكنا لملائكة الرحمة و الملائكة الحاملون لمواد العلوم و الرسوم و الحقايق و الصفات و حيث كان قلب الامام عليه السلام عيبة لعلم الله و وعاء لسره و حافظا لغيبه فجميع تلك الاحوال منكشفة لديه و حاضرة عنده و لما وجبت المطابقة بين مشاهدة ملكوت السموات الباطنية و مشاهدة ملكوت السموات الشهودية و الاولي ظاهرة لقلبه اراد اظهار الثاني و انكشافه لحواسه حتي يطابق الباطن بالظاهر و السر بالعلانية ليرتفع [ص 14] الاختلاف في جميع الوجوه كما كان يقرء عليه السلام القرآن علي المصحف و ان كان يعلمه بظهر الغيب فقال عليه السلام افرشوا لي في صحن داري لعلي انظر في ملكوت السموات و ينظر الي تلك العلوم المسطرات و يلقي الملائكة بانحاء الافاضات و ليتزودوا من لقائه عليه السلام فانهم لايرونه بعد الانتقال الي العالم الآخر و ليس لهم الانتقال عن محالهم و مراكزهم لقوله تعالي حكاية عنهم و ما منا الا له مقام معلوم و هذا كله لايحصل في بطن الدار و ان لم‌تكن غائبة عنه فان مطابقة العلم للمشاهدة اقوي و اعظم له و لغيره علي انا نقول ان مادة العلم لاتنقطع عنهم و تتجدد عليهم آنا فآنا في تلك الالواح الحقيقية فلا بد من ملاحظتها و مشاهدتها و مشاهدة الآيات و العلامات الحاصلة بقران الكواكب و تحقق النظرات الدالات علي فقد الامام عليه و علي ابنائه اكمل التحيات و افضل التسليمات كما روي عنه عليه السلام انه في ليلة تسعة‌عشر كان يكثر الخروج الي صحن الدار و النظر الي اطراف السماء و يقول هذه الليلة التي وعدت فيها و ذلك لمشاهدة العلامات و الآيات الدالة علي ذلك و الامر و ان كان معلوما عنده عليه السلام لكنه اراد مشاهدة عللها و مبانيها و اسبابها و هذا لايتفق الا تحت السماء فافهم ان كنت تفهم و الا فاسلم تسلم .

قال سلمه الله تعالي : و ما معني قول علي عليه السلام لما مر علي جدار مائل فاسرع في المشي فقيل اتفر من قضاء الله قال عليه السلام افر من قضاء الله الي قدره .

[ص 15] اقول اعلم ان القدر علي ما قال مولانا و سيدنا الرضا عليه السلام هو الهندسة و وضع الحدود و ترتب احكام قرانات الاشياء و نسبها في نفسها و بعضها ببعض مما هو مستودع في امكانها من مقتضيات الاجابة و الانكار في عالم الذر الاول او الثاني او الثالث و المراد بالذر الاول عالم العقول و الثاني عالم النفوس و الثالث عالم الاجسام فالقدر تفاصيل احكام تلك الاقتضاءات و صلوح الشيء لترتبها عليها بعد وجود اسبابها و عللها و مباديها و القضاء وقوع المقتضي علي المقتضي و اقتران العلة بالمعلول و السبب بالمسبب و هو المعبر عنه بالتركيب في قوله تعالي في اي صورة ما شاء ركبك فاذا وقع القضاء و تم فلا بداء في تحقق الشيء و ان حصل البداء في محوه و اثباته ففي التقدير يكون محو او اثبات دون القضا مثلا في مثالنا لما خلق الله سبحانه جسم الانسان قدر فيه النعومة و اللين و قدر فيه سرعة الانفعال اذا وقع عليه شيء حاد او ثقيل و قدر في الجسم الثقيل مثل الجدار المائل عدم التماسك فاذا وقع الجدار الثقيل علي البدن اللطيف الناعم ينفعل يقينا فبعد الوقوع يتم القضا لتمام وقوع العلة علي معلولها و المقتضي علي مقتضاها و قدر ايضا سبحانه انه اذا اسرع و هرب عن الجدار المائل ينجو من هذا التأثر و التألم و قد هرب عليه السلام من قضاء الله سبحانه و هو وقوع الجدار الموجب للانفعال الي قدره تعالي و هو ما قدر سبحانه بان في الاسراع و عدم وقوع الحائط نجاة من الاذية المتوقعة فهرب من امر الله الي امر الله و من حكمه الي حكمه و من قضائه الي قدره و القضاء و القدر لهما اطلاقات [ص 16] كثيرة و يترتب علي كل اطلاق احكام كثيرة اقتصرنا منها علي موضع للحاجة فليطلب الزيادة في ساير رسائلنا .

قال سلمه الله تعالي : و ما يقول سيدنا فيما ورد عنهم عليهم السلام ان الميت يعاين الحجج الاربعة‌عشر عليهم السلام مع كون الزهراء امرأة فكيف يعاينها الرجل الاجنبي و ما معني معاينتها .

اقول ان الله سبحانه خلق الخلق باسرهم من شعاع انوار آل‌محمد عليهم السلام مثل شعاع الشمس من الشمس فلهم الهيمنة العليا و السلطنة الكبري عليهم فاذا اردت ان تنسبهم الي الخلق في المثال الظاهري بالصورة الظاهرية تقول انهم للخلق آباء فرجالهم آباء لهم و امرأتهم ام حيث ان الاولاد خلقوا مما حملته نطفة آبائهم و امهاتهم فما ظنك بمن خلقوا في ذواتهم و حقايقهم من شعاع شعاع انوارهم و عكوسات آثارهم و قد قال رسول الله صلي الله عليه و آله انا و علي ابوا هذه الامة او تقول انهم عليهم السلام السادة و الموالي و ساير الخلق عبيد ارقاء كما في زيارة الحسين عليه السلام عبدك و ابن عبدك المقر بالرق و التارك للخلاف عليكم الزيارة و اما هذه الدنيا فحيث كانت الشهوة البهيمية غالبة و النفس الامارة متسلطة فلايقف الخلق الاشخاص الدنياويون علي حدودهم و لايقنعون بما تقتضيه كينوناتهم فيتمنون ما ليس لهم و يعرضون عما هم عليه من مقتضي اعمالهم و افعالهم فاوجب الله سبحانه عليهم الاجتناب الا عن المحارم التي لهم ارتباط ذاتي في اطوار كينوناتهم الدنياوية التي تمنع النفس في الغالب عن الميل اليهم [ص 17] بما لم‌يجعل الله لها فاذا خرجوا من الدنيا قنع كل احد بما له و لم‌يتعد حده فلا حجاب لعدم ميل الشيء الي ما ليس له في ذاته او صفاته او افعاله فعند الموت و معاينة الملك تظهر احكام الفطرة الاولية فلا بأس حينئذ ان يعاينوا مولاتنا الزهراء عليها السلام كما اذا عاين الرجل امه و هي روحي لها الفداء اعظم مدخلية في وجوده من امه بالنسبة اليه كما هو المعلوم لمن تتبع احاديثهم خصوصا احاديث خلق انوارهم و كذلك الائمة عليهم السلام اذا حضروا و نظروا الي النساء ممن يحضرون عنده من المؤمنات الممتحنات فانهم ينظرون اليهن كما اذا نظر المولي الي امته و لا بأس بذلك و اما هذه الدنيا فلمحل الريبة المتوهمة في حقهم عليهم السلام منعوا عن النظر و ساير التصرفات حتي يرتدع الجاهل بذلك عن التخيل و التوهم في حقهم سلام الله عليهم بما ينافي مرتبتهم و مقام قدسهم كما منع النبي صلي الله عليه و آله عن انشاد الشعر و اما بعد هذه الدنيا فقد تمايزت النقطتان نقطة الظلمة و النور و مالت كل واحدة منهما الي مركزهما فلايقع الاشتباه لكشف الغطاء عن ابصارهم و بصايرهم كما قال عز و جل لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد فلا بأس اذا نظرت الزهراء اليهم و نظروا اليها كما في نساء اهل الجنة و رجالهم الاتري كيف استثني الله غير اولي الاربة من الرجال فافهم .

قال سلمه الله تعالي : و ما معني ما ورد كما في الفقيه عنهم عليهم السلام ان آخر طعم يجده الانسان عند موته طعم العنب ما معناه .

[ص 18] اقول الظاهر ان الانسان في هذه الرواية يراد به المؤمن بل الانسان حقيقة هو المؤمن و الكافر ليس بانسان و لايحشر علي الصورة الانسانية و ليس في النار من هو علي الصورة الانسانية لانها هيكل التوحيد و الكافر صورته عرضية لا حقيقية تنزع عند حلول الموت و قد قال تعالي اولئك كالانعام بل هم اضل و المشبه في القرآن و الاحاديث عين المشبه به كما برهنا عليه في كثير من مباحثاتنا و اجوبتنا للمسائل و قد صرح مولانا الباقر عليه السلام بذلك في قوله الناس كلهم بهائم الا المؤمن و المؤمن قليل و المؤمن قليل و معني وجدانه لطعم العنب هو السكر و الذهول في حالة الطرب الذي يحصل للمؤمن عند الموت عند حضور النبي و الائمة عليهم السلام و يظهر له ملك الموت علي صورة حسنة جميلة جدا بحيث ينجذب اليها انجذاب الحديد الي المقناطيس و العاشق الي معشوقه و المحب الي محبوبه فلايحس بسكرة الموت الا علي نحوها اي السكرة التي ليس معها نصب و لا تعب و قد حصلت من شجر الولاية التي نهي آدم عن تناولها و انما خص العنب لقوة الحرارة و الرطوبة اللطيفتين فيه اللتين بهما قوة الروح و انتعاش الحرارة الغريزية المعنوية القلبية بالروح و الريحان و لك ان تجعل وجدانه لطعم العنب عاما لكل ميت فانه حين موته و انتقال روحه لايحس بشيء بل هو ذاهل عن كل شيء كما انك حالة النوم حين دخولك في النوم لاتحس شيئا ابدا فقد وجدت طعم العنب و هو السكر و لعله لهذا سمي حالة الاحتضار سكرات الموت و العنب اسرع الاشياء استحالة الي الخمر و الطفها [ص 19] و اصفاها و انفعها و لذا ورد التعبير عنها به دون غيره و يحصل منه كالتمر و الشعير و العسل و غيرها فافهم .

قال سلمه الله تعالي : و ما معني ما ورد ان القوم اذا كانوا جلوسا و سكتوا كلهم فتلك لحظة ملك الموت اياهم ما معناه .

اقول اعلم ان الموت ضد الحيوة و كل منهما له آثار فمعظم آثار الحيوة الحركة بل هي الحركة فان غيرها يرجع اليها و اثر الموت السكون فان كانت الحركة بجميع اطوار الشيء و اكوار الانسان و ادواره في باطنه و ظاهره و داخله من قلبه و صدره و شراسيفه و اضلاعه و شرائينه و ظاهره من حواسه سمعه و بصره و لسانه و يده و رجله و ساير اعضائه فهي دالة علي قوة الحيوة و ظهور الروح الحيواني و سريانه في جميع مراتبه و رفع الموانع الحاجبة عن نفوذه و الا اي و ان لم‌تكن ظاهرة كذلك فهي دالة علي ضعف الحيوة و فتور الروح اما بالذات او بالعوارض فعلي مقدار ضعفها تظهر آثار الموت فيه و ذلك قد يكون بانعدام الحرارة الغريزية التي هي مركب للروح الحيواني فاذا انعدمت فارقت فسكنت الجوارح و الاعضاء الداخلة و الخارجة بالمرة فلاتعود و هو المسمي بالموت عند الناس و قد يكون بتوجه الروح الي القلب و اجتماعه فيه و اعراضه عن ظاهر البدن باسباب و امور يطول بذكرها الكلام و قد ذكرناها في تفسير آية‌الكرسي فاذا اعرض الروح عن ظاهر البدن سكن ظاهر البدن عن الحركة و ان كان الباطن متحركا و ذلك هو النوم الذي هو اخو الموت ففي ظاهره اثر الموت و باطنه اثر [ص 20] الحيوة و قد يكون بالاعراض عن الكلام الذي هو العمدة في آثار الحركات الظاهرية من جهة الحواس التي هي اشرف الاعضاء فاذا اعرض عن هذه الجهة سكن و سكت و ذلك ايضا اثر من آثار الموت لكنه ليس بثابت دائم و حيث كان الموت بجميع المعاني انما هو بنظر ملك الموت و هذا ايضا وجه من وجوهه الخفية سماه الامام بلحظة من لحظات ملك الموت فان الملك الموت انما ينظر الي الشيء اذا وجدت اسبابه و قد قلنا لك ان السكون من تلك الآثار و الاسباب فيلحظه ملك الموت ما دام في تلك الحالة فاذا تكلم و حصل له شغل و حركة انصرف ملك الموت بلحظه لعدم المقتضي و من هذه الجهة لايأتي الملك لقبض الروح الا اذا وجد المقتضي لذلك و هو انعدام الحرارة الغريزية فافهم و قد اشرت الي نوع العلم باب ينفتح منه الف باب ما اسعدك لو وفقت لفهمه .

قال سلمه الله تعالي : و ما معني ما قال تعالي و شجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن ان المراد بها شجرة الزيتون ما وجه تخصيص طور سيناء مع انها تنبت في كل الارضين غير الطور فكيف قال تعالي تخرج من طور سيناء .

اقول هذه الشجرة النابتة في طور سيناء ان اردنا بالطور هو الجبل المعروف هو سر الشجرة الزيتونة التي لا شرقية و غربية كما في الآية الشريفة توقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية و لا غربية يكاد زيتها يضيء و لو لم‌تمسسه نار و دهن الزيتون اصفي الادهان و الطفها لاسيما اذا كانت الشجرة نابتة علي سواء الجبل تقع عليها الشمس في المشرق [ص 21] و المغرب و هذه الشجرة تحمل النار بل النار تحملها الاتري كيف اشار الله سبحانه الي هذه الدقيقة بقوله يوقد من شجرة مباركة زيتونة الخ فالدهن منها و النار ايضا منها كما في قوله تعالي هو الذي جعل لكم من الشجر الاخضر نارا و لذا ظهرت آثار النار عليها و تجلي الله سبحانه لموسي علي محمد و آله و عليه السلام بالنار عليها و تكلم باني انا الله لا اله الا انا و اعبدني منها فالنار سر المشية و دهن الزيتون الحقيقة المحمدية صلي الله عليها و تعلق النار بالدهن هو السراج الوهاج في قوله تعالي يا ايها النبي انا ارسلناك شاهدا و مبشرا و نذيرا و داعيا الي الله باذنه و سراجا منيرا فاضاء به الاكوان و الاعيان و ظهر به مستجنات غيب الامكان لمتممات الامكنة و الازمان فظهر توحيد الله سبحانه في السر و الاعلان و هو قوله عليه السلام في دعاء رجب فبهم ملأت سمائك و ارضك حتي ظهر الا اله الا انت و الشجرة الزيتونة الحاملة لهذا السر ماتنبت في غير جبل الطور و بذلك الزيتون اقسم الله سبحانه بقوله و التين و الزيتون و اما الزيتون في غيره فليس بحامل لذلك السر و لذا لم‌يقع عليه التجلي و انما هو مكدر بعوارض الاغيار المستوجبة لانحاء الاكدار ان في ذلك لعبرة لاولي الابصار و روي القمي ان شجرة الزيتون مثل رسول الله صلي الله عليه و آله و اميرالمؤمنين صلوات الله عليه فالطور الجبل و سيناء الشجرة و في التهذيب عن الباقر عليه السلام في وصية اميرالمؤمنين عليه السلام اخرجوني الي الظهر فاذا تصوبت اقدامكم و استقبلتكم ريح فادفنوني فهو [ص 22] اول طور سيناء و عن الصادق عليه السلام و قد ذكري الغري قال و هي قطعة من الجبل الذي كلم الله عليه موسي تكليما و قدس الله عليه عيسي تقديسا و اتخذ عليه ابراهيم خليلا و اتخذ محمدا صلي الله عليه و آله حبيبا و جعله الله للنبيين مسكنا و رواه ايضا في البحار في كتاب المزار فاذا تأملت في هذه الاخبار عرفت صحة ما اشرنا اليه في هذه الكلمات و انه تعالي يريد به الزيتون الخاص لا العام و هو لاينبت في غير الجبل و فيه اشارة الي حقيقة اخري اشار اليها صاحب الشذور بقوله :

لنا شجر في طور سيناء راسخ و فوق ذراها الشم منها شمارخ

الي آخر الابيات و هي التي تنبت بالدهن و صبغ للآكلين و شرح هذا الكلام يطول و ليس لي الآن اقبال الي ذلك و فيما ذكرناه كفاية .

قال سلمه الله تعالي : و ما فائدة تكليف من انكر في الذر الايمان مع انه انكر و من انكر هناك ينكر هنا و كما ورد عنهم عليهم السلام ان من انكر في الذر ينكر هنا مع ان سيدنا علي ما رأيت في بعض اجوبته انه في هذه الدار لو انكر قد يقر هنا و لو اقر هناك قد ينكر هنا مع ما ورد ان من انكر هناك ينكر هنا و بالعكس فما الجواب .

اقول اما الفائدة في التكليف مع الانكار في عالم الذر فهي بعينها الفائدة في ارسال الرسل و انزال الكتب مع ان الله سبحانه عالم بالمؤمن و الكافر قبل ان يخلقهم و الفائدة ظهور الامر للمكلف الكافر و لغيره حتي لايقولوا انا لو كلفنا و امرنا بالايمان لكنا نؤمن و نصدق و نعمل علي مقتضي الربوبية و حتي تظهر الحكمة و السر للمؤمن ايضا اذا ادخل الله [ص 23] ذلك الكافر نار جهنم و للكافر اذا ادخل المؤمن الجنة و لايتوهم في حقه تعالي الترجيح من غير مرجح و التخصص من غير مخصص اذا جهلوا الامر و خفي عليهم السر و كذلك الكفار المنكرين في ذلك العالم انما كلفهم هنا لاستنطاق سرائرهم الخبيثة و استعلام بواطنهم القبيحة لان ذلك العالم من عالم الارواح و التكليف هناك روحاني و في هذا العالم جسماني و لتطابق العالمين و توافق النشأتين فان امر الله سبحانه و حكمه واحد في جميع المراتب في الارواح و الاجساد و الاجسام و اما ما ذكرنا من التخلف احيانا و ان المنكر هناك قد يقر هنا و بالعكس فليس علي ما تعرفه العامة و لا منافاة بينه و بين ما ورد في الخبر من التوافق فان المنكرين و المقرين علي اختلاف مراتبهما يجمعهما مقامان احدهما مقام الايمان و الانكار علي وجه البصيرة فالمؤمنون آمنوا علي جهة المعرفة و صدقوا بعد وضوح الحق و الكفار انكروا كذلك اي بعد ظهور الامر و وضوح الحق فهؤلاء لايرجعون هنا عما استقرت عليه عقايدهم و استمرت به سرائرهم و هو قوله تعالي فماكانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل اي في عالم الذر و ثانيهما مقام الجهل و عدم البصيرة و غلبة التقليد و هؤلاء اذا آمنوا او انكروا هناك فحيث كان ايمانهم و انكارهم لا عن معرفة بل عن تقليد و جهالة فلربما رجعوا اذا تبين لهم الامر و وضح لهم السر ايمانا او كفرا فما ورد في الاخبار من تطابق العالمين يحمل علي صورة العلم و البصيرة و ما ذكرناه محمول علي صورة الجهل و قلة المعرفة فلا منافاة ح و المسئلة في الصورتين [ص 24] مقطوع بها فان الاثر انما يجري علي الثابت لا علي المتزلزل الغير القار المضطرب فاذا آمن هنا بعد البصيرة فهو قد آمن هناك قبل هذه الدنيا بالفي عام او باربعة‌آلاف عام علي اختلاف الانظار في اختلاف المراتب لان الانسان لايؤمن بالحواس الا و قد سبقه القلب به و سبقه روحاني و الحواس الظاهرة جسمانية و لا ريب ان الارواح قبل الاجساد بهذه المدة بل لا نهاية لسبقها و خصوص هذا العدد لاجل الكثرة و ملاحظة المرتبتين اذ المراتب التي بين عالم الاجسام و الارواح فباعتبار عالمان و هو عالم الاجسام و عالم المثال ثم عالم الارواح و باعتبار اربعة و هي الاجسام و الامثال الاشباح و المواد و الطبايع و النفوس و هي مبدء عالم الارواح و حيث كان عالم الارواح في المرتبة الرابعة صح التعبير عنه بالالف لان الالف في المرتبة الرابعة من الاعداد فافهم .

قال سلمه الله تعالي : و ما الوجه في اختلاف الرؤيا و المنامات بين حصول مؤداها هنا فانه قد يري الانسان زبادا و هو دم كما ورد فيمن رأي نزول ملك علي قبر الاول و الثاني و لطخ قبريهما بزباد و ترك قبر النبي صلي الله عليه و آله فاخبر الرجل الصادق عليه السلام ان قتل قتيلا و الزباد دم المقتول لطخ به قبريهما لان كل دم يسفك فوزره عليهما فما وجه الاختلاف بين النوم و اليقظة و غير هذا من الرؤيات كلها .

اقول قد شرحنا احوال النوم و الرؤيا و اختلاف التعبير و اختلافها باختلافه في شرحنا علي آية‌الكرسي عند قوله تعالي لاتأخذه سنة و لا نوم [ص 25] بما لا مزيد عليه و نشير هنا الي نوع المسئلة اشارة ما لتحظي بالمطلوب انشاء الله تعالي اعلم ان الرؤيا تختلف بحسب حال الرائي في صفائه و كدورته و اجتماع حواسه و عدمه و امتلائه من الاغذية و الرطوبات و عدمه و خلوه منها و بحسب اوضاع العالم و اختلاله و استقراره و نظرات الكواكب فقد يري شيئا في الرؤيا يراه بعينه في اليقظة و قد يري شيئا فيها يقع تعبيره و تأويله في اليقظة و قد يري شيئا هو ليس بشيء في اليقظة مثلا اذا رأي انه يشرب حليبا قد يتفق انه يشرب الحليب و قد يتفق انه ينال علما و قد يتفق انه ليس بشيء فاذا كان عند نومه ناظرا الي الملاء الاعلي غير ممتلي بطعام و لا ماء و لا غيرهما من الرطوبات الفضلية و العرضية و حواسه مجتمعة غير متفرقة و اوضاع العالم متسقة غير مختلة بكثرة الابخرة الكائنة في الجو و النظرات الحاصلة للكواكب الموجبة للاختلال في العالم فح اذا نظر الروح الي عالمها بعد حصول الكلال و الملال بمعالجة الاغذية و جذبها و هضمها و امساكها و دفع الاعراض و الفضولات منها و اجتماعه في القلب ينظر الي الاشياء كما هي لسعة دائرته فيكون رأي كما رأي و هو الذي اشار اليها في الحديث ان الرؤيا جزء من سبعين جزء من النبوة ه‍ ، و هي الرؤيا الصادقة الخالصة من الموانع المذكورة فكلما يري في الطيف يقع في اليقظة كما رأي لانه ذاك بعينه فقد طوي الزمان و رأي ذاك هناك لان الرؤيا من عالم المثال و هو اوسع دائرة من عالم الزمان و الاجسام اذا نظر حالة الارتباط بالاجسام و اذا كان الناظر في الطيف ناظرا في الوجه [ص 26] الاعلي من عالم المثال فان له جهتين جهة مرتبطة بالارواح و الاخري مرتبطة بالاجسام فان نظر الي الجهة المرتبطة بالاجسام يري ما يقع بعينه و ان نظر الي الجهة العليا الاولي يقع بتأويله كما اذا رأي يخوض في الماء الصافي فانه يخوض في العلم فان الماء في العالم الاول اذا نزل يظهر بصورة العلم كما ان الماء هنا اذا ترقي يظهر بصورة العلم و قد ورد ان طعام اهل الجنة اسفله طعام و اعلاه علم فافهم و اذا كان الرائي عند نومه علي اضداد ما ذكرنا في نفسه بان كان ممتليا تتصاعد الابخرة ففي تصاعده تتشكل باشكال و تتصور بصور فيتخيل الرائي انه ناظر الي حقايق و هي اشكال و صور لا اصل لها كذلك اذا حدث اختلال في اوضاع الجو بكثرة الابخرة و زيادة الرطوبات و الادخنة الموجبة لحصول اشكال و صور خيالية لا اصل لها و تختلف رؤيا هؤلاء علي اختلاف امزجتهم و استعداداتهم فاهل الدم يرون ما يناسبه في اللون و في الطبع و الاقتضاء و اهل الصفراء و السوداء و البلغم كذلك و اطوار هؤلاء لاتحصي كثرة يطول الكلام بذكرها و ذكر علاماتها و هيئاتها الا اني اشرت الي نوعها فتبصر و هؤلاء اذا رأو شيئا في الطيف لا اصل له و لا حقيقة الا ان المعبر اذا عبرها علي وجه انتقشت صورة ذلك الوجه في النفس و ارتسمت هيئتها فيها فان كانت مستمرة مستقرة و لاتأتها صورة مناقضة تقابل فوارة الفيض فتحيي تلك الصورة التي عنده و تظهر آثارها و هو معني قولهم عليهم السلام تفاءلوا بالخير تجدوه و منعوا من التطير لان النفس اذا ارتسمت فيها الصورة استمدت بها فجذبت علي مقتضاها فان [ص 27] الهيئات و الصور قوابل و جواذب للمدد من المبدء الاعلي كالبلور الجاذب لنور الشمس الجامع له حتي يظهر منه الاحراق و لذا تري الحكماء و الاطباء ذكروا ان من تصور حالة الجماع صورة مخصوصة و استمر بها يأتي الولد علي تلك الصورة و هذا معني قولهم ان الرؤيا علي ما عبرت فافهم فقد كشفت لك القناع عن حقيقة المراد فالزباد الذي رآه في الطيف ذلك الرجل فقد ظهر بتأويله لا بعينه لما بين الزباد و الدم من المناسبة بل الزباد اصله هو الدم فلما خرج تصور علي هذه الصورة لمجاورة المحل و هواء البلد كذلك المعاصي اصلها و مبدءهما منهما و عنهما و لكنها تظهر في كل محل بصفة ذلك المحل و تنسب اليه فظهر الزباد شارحا للمواد و مبينا لقصد الفؤاد و خصوصية الشرح لرطوبته و سيلانه و دسومته السارية كافعال اولئك في جميع افعال العباد فافهم راشدا .