رسالة اسرار الشهادة
في جواب المرحوم الحاج عبدالوهاب القزويني
من مصنفات السيد الاوحد الامجد
المرحوم الحاج سيد كاظم الرشتي اعلي الله مقامه
[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي خير خلقه و مظهر لطفه محمد و آله الطيبين الطاهرين و لعنة الله علي اعدائهم و ظالميهم و مبغضيهم و غاصبي حقوقهم و منكري فضائلهم اجمعين .
اما بعد فيقول العبد الجاني و الاسير الفاني كاظم بن قاسم الحسيني الرشتي ان جناب المولي الامجد و الاعظم الانجد قدوة الاماثل و الاكابر مجمع المعالي و المفاخر اسوة العلماء الاطياب و زبدة الفضلاء ( فضلاء خل ) الاصحاب مولينا الحاج عبدالوهاب القزويني بلغه الله آماله في كل باب و جعل قلبه متعلقا بالرفيق الاعلي في المبدء و المآب لان البدء هو العود كالعكس عند اولي الالباب بمحمد و آله الذين بهم البدء و اليهم الاياب صلي الله عليهم ما لسؤال جواب قد امرني ان املي كلمات اظهر بها سر الحقيقة في وقعة الطفوف و حقيقة الامر فيها علي ما عند اصحاب الحقايق و الكشوف و قد جاء امره العالي حين ابتلائي بانحاء الامراض و انواع الهموم و الاعراض و اختلال الاحوال و تبلبل البال و في مثل هذه الحالة لايمكن البيان علي ما يحب الخاطر لذلك الجناب المرجع لاولي الالباب فاردت تسويفه الي ان يطيب الحال و يزول ( يتسق خل ) الاختلال و لكنني خفت من عروض المانع فبادرت بالامتثال و اكتفيت بالاشارة بدون البسط في المقال اعتمادا علي فهمه العالي و ادراكه السامي و اتيت بما هو الميسور اذ لايسقط بالمعسور و الي الله ترجع الامور و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم .
[ص 3] اعلم ان الله سبحانه عز و جل لما وجب ان يكمل صنعه و يتقن امره و يحسن خلقه و الخلق و الصنع بان يكون مختارا ذا شعور و ادراك احسن و اولي من ان يكون مضطرا بلا فهم و ادراك و اجراء هذا الاختيار بالاعطاء علي حسب الميولات و الاقتضاءات في العالمين عالم التكوين و التشريع اولي من اجرائه في التشريع فحسب و لايليق به تعالي لقدرته التامة و غنائه المطلق و علمه العام البالغ ان يعدل من الاحسن و الاولي الي غيره و حيث كانت الانبياء عليهم السلام مؤاخذين بتركهم الاولي مأمورين بفعله فسبحان ربنا الكريم الاعلي و اذا كان الامر كذلك فخلق الله سبحانه بحر الامكان و جعل فيه ذكر الاشياء مما يمكن ان يكون متعلق الجعل ( متعلقا لجعل خل ) الالهي و الفيض السرمدي فكل ممكن امكن فيه و هو قوله عليه السلام جف القلم بما هو كاين علي احد المعنيين ( المعاني خل ) و ذلك هو العلم الحادث و حجاب الواحدية و امكان الراجح و بحر القدر الذي في قعره شمس تضيء لاينبغي ان يطلع عليها الا الواحد الفرد فمن تطلع عليها فقد ضاد الله في ملكه و نازعه في سلطانه و باء بغضب من الله و مأويه جهنم و بئس المصير و هو الاسم المكنون المخزون الذي استأثره الله في علم الغيب عنده لميطلع عليه احد و منه امر نبيه بالاستفادة و الاستزادة ( و منه الامر بالاستزادة خل ) حين قال عز و جل قل رب زدني علما .
ثم جعل الله سبحانه اهل ذلك العالم اي عالم الذكر و الامكان لا عالم الوجود و الاعيان بحيث اذا سئلوا اجابوا فسألهم لما سألوه ان يسألهم الست بربكم و ذلك ليوجدهم و يكونهم فمن سبق بالاجابة استأهل السابقية في الوجود و الظهور من عالم [ص 4] الامكان الي عالم الاكوان فاول من سبق بالاجابة التكوينية قصبة الياقوت النابتة في اجمة اللاهوت المشتملة علي اربعةعشر عقدا علي حسب مراتبهم فاول السابقين هو محمد صلي الله عليه و آله و كان بذلك عرشا لذلك العالم ثم السابق بالاجابة علي عليه السلام و كان بذلك كرسي ذلك العالم الظاهر بمنطقته علي اثنيعشر برجا ثم السابق في الاجابة الحسن عليه السلام و كان بذلك شمس ذلك العالم ثم الحسين عليه السلام و كان بذلك قمر ذلك العالم ثم القائم عجل الله فرجه و كان بذلك مريخ ذلك العالم ثم ساير الائمة الثمانية عليهم السلام فكانوا بذلك ساير افلاكه مع فلك البروج و فلك المنازل و فلك الرأس و فلك الذنب ثم الطاهرة الصديقة عليها السلام فكانت بذلك ارض ذلك العالم .
ثم لما سبقوا في الوجود و احاطت الانوار الالهية علي غيبهم و شهودهم و اشرقت علي كل ذراتهم تلألأ نورهم و تشعشع ظهورهم و اقترن ذلك النور بالحدود و الماهيات فخلق منه مأة الف و اربعة و عشرون الف نبي عليهم السلام و هم لما بعدوا عن المبدء و لو بواسطة ظهرت الظلمة فيهم بحيث قد يتركون الاولي بخلاف الاولين السابقين المقربين فلايتركون الاولي لتلاشي ظلمتهم و احتراقها بنار الشجرة الزيتونة التي ليست بشرقية ( شرقية خل ) و لا غربية يكاد زيتها يضيء و لو لمتمسسه نار نور علي نور و في الرتبة الثالثة لما بعد النور و ظهر الغيور اقتضت ظهور المعاصي و السيئات و اعلان القبايح و الخطيئات و اراد الله سبحانه اكمال نعمته و اتمام حجته و اظهار كمال سلطنته و رأفته في رعيته و خليقته لئلايكون لاحد علي الله حجة و لايكون لاهل [ص 5] المعاصي عذر فخلق سبحانه من نور طينة الانبياء و حقيقتهم عليهم السلام ماء طعمه احلي من العسل و لونه ابيض من العاج و رايحته اطيب من الكافور و المسك و لمسه الين من الزبد و جعله تحت العرش و هو ماء المزن و بحر الصاد و النون علي احد المعاني .
ثم خلق سبحانه من ثفل ذلك الماء و زبده ارضا طيبة طاهرة نقية عن الاوساخ و الاعراض بيضاء كالفضة الصافية بل اشد بياضا منها و نباتها الزعفران و ثمرها المسك و حصاها اللؤلؤ و المرجان و الياقوت و الالماس ثم انه سبحانه اجري ذلك الماء علي تلك الارض بيمين كلمته و نور مشيته فعركهما و صلصلهما حتي صارا شيئا واحدا و ماء معينا فراتا سايغا شرابه لان الارض كانت مقدار ربع الماء ثم خلق سبحانه شجرة تسمي شجرة المزن و جعل ذلك الماء يقطر علي تلك الشجرة قطرات و هو قوله عز و جل افرأيتم الماء الذي تشربون ءانتم انزلتموه من المزن ام نحن المنزلون .
ثم خلق سبحانه من ظل نور الانبياء و عكسه ظلمة غاسقة مدلهمة و فجر منها عينا آنية لونها اسود من القار و طعمها امر من الحنظل و رايحتها انتن من الجيفة و حرارتها اشد من النار و لمسها اقطع من الالماس و جعلها في سجين ( السجين خل ) اسفل السافلين .
ثم خلق سبحانه من ثفل ذلك الماء المالح الاجاج ارضا خبيثة نجسة منتنة سوداء مظلمة فصعد من حرارة تلك العين بخار الي الارض التي فوقها و ذلك البخار النجس و الدخان المنتن ببرودة تلك الارض استحالا ماء فاجري الله سبحانه بشمال كلمته و نفاذ ارادته ذلك الماء علي تلك الارض فعركهما و مرجهما ( مزجهما خل ) حتي [ص 6] صارا شيئا واحدا ثم خلق سبحانه شجرة تسمي شجرة الزقوم طعام الاثيم كالمهل يغلي في البطون كغلي الحميم و طلعها كأنه رؤس الشياطين ثم اجري ذلك الماء علي تلك الشجرة فصعدت منها الابخرة و نزلت من شجرة المزن ( من المزن خل ) قطرات الي ان التقيا في ارض المحشر ارض عالم الذر في عالم الظلال فهو ملتقي البحرين و مجمع العالمين و محل اجتماع الضدين فمزج الله سبحانه بينهما هناك حتي صارا شيئا واحدا بكلمته و نفاذ قدرته .
ثم اخرج منهما النسمات و خلق بهما الارضين و السموات و هو قوله تعالي كان الناس امة واحدة ثم اقام الخلق في باطن المسجد الحرام عند الركن العراقي من البيت ركن حجر الاسود فسألهم ليجري حكمه عليهم و يميز بين الطيب و الخبيث و الحق و الباطل فنطق بلسان نفسه بل بلسان ( نفسه بلسان خل ) انفسهم الست بربكم و محمد (ص) نبيكم و علي عليه السلام و الائمة الاحدعشر من ولده و الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء عليهم و عليها السلام ائمتكم و اوليائكم و لما كان الاربعةعشر عليهم السلام هم السابقين في كل مقام و كل خير و لهم ظهور في كل مرتبة و كل طور لان العالي له ظهور مع السافل في جميع مقاماته سبقوا في الاجابة و لبوا للنداء طبقا لمقامهم الاعلي و وفقا لرتبتهم العليا لانهم اصل كل خير و نور كما في الزيارة ان ذكر الخير كنتم اوله و اصله و فرعه و معدنه و مأويه و منتهاه ، و كانت الاجابة علي كل ذرات كينوناتهم في ظاهرهم و باطنهم و سرهم و علانيتهم و اعضائهم و جوارحهم انظر الي كلام مولينا الحسين عليه السلام في يوم عرفة في قوله عليه السلام فانا اشهدك يا الهي بحقيقة ايماني و عقد [ص 7] عزمات يقيني و خالص صريح توحيدي و باطن مكنون ضميري و علايق مجاري نور بصري و اسارير صفحة جبيني و خرق مسارب نفسي و خذاريف مارن عرنيني و مسارب صماخ سمعي و ما ضمت و اطبقت عليه شفتاي و حركات لفظ لساني و مغرز حنك فمي و فكي و منابت اضراسي و بلوغ حبائل بارع عنقي و مساغ مطعمي و مشربي و حمالة ام رأسي و جمل حمائل حبل وتيني و ما اشتمل عليه تامور صدري و نياط حجاب قلبي و افلاذ حواشي كبدي و ما حوته شراسيف اضلاعي و حقاق مفاصلي و اطراف اناملي و قبض عواملي و لحمي و دمي و شعري و بشري و عصبي و قصبي و عظامي و مخي و عروقي و جميع جوارحي و ما انتسج علي ذلك ايام رضاعي و ما اقلت الارض مني و نومي و يقظتي و سكوني و حركتي و حركات ركوعي و سجودي الدعاء ، و كان هكذا ايمانهم و تصديقهم بالله عز و جل كلهم سلام الله عليهم و ان اختلفت مراتبهم في التقدم و التأخر و لما كان التصديق بكلهم ظهر النور الالهي في كل ذرات كونهم و وجودهم فتلألأت انوارهم و تشعشعت اشراقات اسرارهم و سرت بكل اطوار التوحيد في كل مقامات التفريد و التمجيد حتي ملأت الوجود و احاطت بالغيب و الشهود و هو قوله عليه السلام في دعاء شهر رجب ( دعاء رجب خل ) فبهم ملأت سماءك و ارضك حتي ظهر ان لا اله الا انت ، و كلمة التوحيد ايضا اثنيعشر حرفا للاشارة الي تلك الهياكل النورية صلي الله عليهم فخلق سبحانه بذلك النور النهار وقت الزوال لكمال انبساط النور و وقوف الشمس علي دايرة نصف النهار و تساوي نسبته الي [ص 8] جهتي الشرق و الغرب و لذا سمي ذلك الوقت ظهرا لكمال ظهور الشمس بنورها و غاية بروزها بشعاعها في ذلك الوقت .
ثم لما رأي الخلق الواقفون في ذلك المشهد ما انعم الله سبحانه عليهم و آتيهم الله من فضله بسبقهم في الاجابة في التكوين و التشريع و الذات و الصفات و كل الجهات بكل الذرات اضمرت طائفة منهم عداوتهم و بغضهم حسدا و غيظا و تكبرا من ان يكونوا عليهم السلام هم الرئيس الحاكم عليهم كما قال الله عز و جل ام يحسدون الناس علي ما آتيهم الله من فضله و قال مولينا الباقر عليه السلام نحن والله الناس المحسودون فلما وقع التكليف عليهم هناك ولوا مستكبرين و اعرضوا مدبرين و انكروا ( انكروا لله خل ) الحق المبين لئلايكونوا من تبعة و رعايا اولئك المقربين سلام الله عليهم اجمعين و لما كانت العداوة و البغضاء و الشحناء قد سرت في كل ذرات كينوناتهم و كان الانكار و العناد و عدم الانقياد بكل جهاتهم تراكمت عليهم الظلمة بكل الجهات و اشتملت عليهم في كل الذرات لان خطيئتهم قد احاطت بهم في ( احاطت في خل ) كل المقامات و هو قوله تعالي بلي من كسب سيئة و احاطت به خطيئته فاولئك اصحاب النار هم فيها خالدون و تشعبت ظلمتهم و خبثت ( خبث خل ) كينونتهم حتي استولت علي ارض المحشر اي عالم الذر كلها فغربت شمس تلك الانوار الطيبات و حالت بينها و بين الخلق سحائب مكفهرات و ارض الانيات و الشهوات فصارت بذلك مبدء الظلمات فخلق الله سبحانه بها الليل و قد غشي النهار ان في ذلك لآيات لاولي الابصار و قد اخبر الله سبحانه عن تراكم ظلمة اولئك الاشرار في كلامه [ص 9] حيث قال بعد ذكر مثل نوره الذي هو محمد صلي الله عليه و آله و آله الاطهار عليهم السلام او كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض و قد روي عنهم عليهم السلام ان الظلمات في البحر اللجي هو الاول لانه النفاق كما يشهد عليه عدد اسمه و مبدء الشقاق و هو قوله عز و جل و من اهل المدينة مردوا علي النفاق لاتعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين الآية ، و هو اول المنكرين و اول الحاسدين المعاندين لله رب العالمين و قد جاءت كنيته ابوالدواهي من الله الحق المبين كما اخبرت به الائمة الميامين سلام الله عليهم اجمعين و هو نقطة دايرة الجهل و قطب فلك الضلال يغشاه موج و هو ( موج هو خل ) الثاني و هو المنكر كما يشهد عليه عدد اسمه و هو المنافق و هو وزيره و صاحب تفصيله و ناشر اعلام ضلالته و باسط بساط غوايته و كرسي تفاصيل الجهل و الضلال و هو هامان الباني لصرح التكبر الصاعد عليه الاول بغاية التبختر و رمي سهم عناده الذي هو يزيد الملعون الابتر الي جانب الحق الاكبر فامر الله سبحانه حوتا و هو الحسين بن علي روحي لهما الفداء و عليهما السلام ( هو الحسين عليه السلام خل ) فقابل ذلك السهم فطلع دمه و نزل السهم مخلوطا بالدم ليحق الحق و يبطل الباطل كما اخبر الله سبحانه عنه و قال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي ابلغ الاسباب اسباب السموات فاطلع الي اله موسي و اني لاظنه كاذبا فالصرح هو سرير الولاية المغصوبة فافهم من فوقه موج و هو ( موج هو خل ) الثالث من فوقه سحاب و هو ( سحاب هو خل ) الرابع اي معوية انما شبهه و عبر عنه بالسحاب لسر يطول به الكتاب و لكنه لايخفي بالنوع علي اولي الالباب [ص 10] ظلمات بعضها فوق بعض و هم بنوعباس فوق بنيامية او بالعكس او فتن بنيامية فلما استولت الظلمات و احاطت بالنسمات و كان في ذلك تضييع الكاينات و خراب البريات و خفاء تلك الانوار المضيئات و الذوات المقدسات اراد الله سبحانه اظهار تلك الانوار باذهاب الظلمات و اخراج الخلق عن ( من خل ) الشكوك و الشبهات و لايمكن اذهاب تلك الظلمات الا باذهاب تلك الاصول الخبيثات و لما ان الله سبحانه جعل للباطل دولة كما جعل للحق دولة اتماما لحجته عليهم و قطعا لمعاذيرهم حتي لايقولوا لو جعلت لنا دولة و مكنة لكنا اطعناك و حتي يخرج اضغان المنافقين الذين اظهروا الايمان و الاسلام و ابطنوا النفاق و الكفر فلولا ان يكون لهم دولة ماخرجت تلك الضغون و لبقيت مكنونة الي ان يموتوا فيوم القيمة لايصح ان يدخلهم الله الجنة لفساد عقايدهم و خبث سرايرهم و ضمايرهم و لا ان يدخلهم الله النار لايمان ظاهرهم ( للايمان في ظاهرهم خل ) و عدم اظهار ما يحتج الله ( الله به خل ) عليهم و مراد الحق سبحانه من بعث الانبياء و الرسل انما هو ليتميز الخبيث من الطيب في الظاهر و الصورة و الا فالله سبحانه هو المطلع علي ضماير خلقه و سرايرهم الايعلم من خلق و هو اللطيف الخبير فوجب ان يجعل للباطل دولة مقدمة لتكون ( ليكون خل ) فانية زايلة مجتثة ( مجتثة فلما وجب ذلك خل ) و لما ان الله سبحانه مااصطفي لدينه و مااختار لاعلاء كلمته غير اولئك الاربعةعشر عليهم السلام لوجوه طويلة ذكرتها في ما كتبت في اثبات النبوة الخاصة المطلقة المحمدية صلي الله عليه و آله بالدليل القطعي العقلي وجب ان لايظهروا في الدنيا مستولين ظاهرين بالسلطنة و الحكم [ص 11] ليكون اعدائهم حصايد سيوفهم و مخالفوهم ( مخالفيهم خل ) لايمكنهم اظهار ضغاين صدورهم و وجب ان يكون فيهم عليهم السلام من يتصدي لاظهار الحق و اعلاء كلمة التوحيد علي جهة المظلومية و المقهورية و تحمل الاذيات و المشقات فنادي منادي الحق سبحانه في ذلك العالم ان يا آلمحمد صلي الله عليهم من فيكم من يتصدي لاذهاب هذه الظلمات و اظهار تلك الانوار و اعلان كلمة الله سبحانه في الارضين و السموات و لايكون ذلك من جهة القهر و الاستيلاء و الغلبة بل يكون علي جهة المظلومية و المقهورية و تحمل الاذي بحيث يكون امرا لاينسي ابد الابد و دهر السرمد .
فلبي داعي الحق عز و جل سيدنا و مولينا ابوعبدالله الحسين بن علي بن ابيطالب صلوات الله عليهما و قال يا رب انا الذي احب الخضوع و الخشوع لك و لاعلاء كلمتك و افدي نفسي و مالي و عيالي و اولادي و اصحابي و كلما املك في سبيل هدايتك لترضي عني :
ما لي سوي روحي و باذل نفسه في حب من يهواه ليس بمسرف
و لمتكن المصلحة ان يتقدم لذلك جده و ابوه و اخوه الطاهرون سلام الله عليهم اجمعين لما سنذكره ان شاء الله فلما خضع الحسين عليه السلام ظهر ( ظهور خل ) خضوعه و خشوعه و انكساره في كل العالم فكان كل خضوع من فاضل خضوعه و كل خشوع بتبعية خشوعه بل كل خضوع له عليه السلام فاحب الله سبحانه حيث بلغ غاية مرتبة العبودية و توجه اليه تعالي بكل حقيقة في الظاهر و الباطن و الحقيقة و المجاز و الذاتيات و العرضيات فاكرمه الله سبحانه و حباه و اجتباه و فضله علي غيره بالامور النسبية فصار اشرف الخلق جدا و والدا و اما و اخا و ولدا و لميحظ [ص 12] بذلك الاجتماع احد من المخلوقين سواه روحي فداه و عليه السلام .
ثم لما كان هو المظهر لدين الحق و هو القول الفصل الفاصل بين الحق و الباطل وجب ان يكون الائمة عليهم السلام الذين هم حدود الولاية التفصيلية من صلبه و من نسله و من ذريته لتتم له الامور المعنوية الالهية التي كل منها كاف و مستقل في الشرافة له عليه السلام و لذا خصه الله سبحانه بما خص به نفسه المقدسة في الاماكن المنسوبة اليه تعالي و في المكان المنسوب اليه و لذا خير المسافر في القصر و الاتمام في حايره المقدس تشريفا و تعظيما كما خير فيهما في المساجد الثلاثة و ليس هذا الحكم للنبي (ص) و ساير الائمة عليهم السلام ثم نسب ارض كربلا اليه عليه السلام و ليس في الوجود ارض اشرف منها و قد قال مولينا الصادق عليه السلام ان الله سبحانه خلق ارض كربلا قبل خلق الخلق ( قبل الخلق خل ) باربعة و عشرين الف عام و ان الكعبة افتخرت علي ارض كربلا فاوحي الله اليها ( اليه خل ) ان اسكني لولا ارض كربلا لماخلقتك الي ان قال عز و جل كوني خاضعة ذليلة لارض كربلا و نسب اليه ماء الفرات الذي افتخر زمزم عليه فاجري فيه عينا من الصبر عقوبة له و يجري ميزابان من الجنة في الفرات و ليس هذا الماء من مياه الدنيا ثم استحبت ( استحب خل ) السجدة علي ارض كربلا كرامة للحسين عليه السلام و اخذ ( اخذه خل ) السبحة من تلك التربة المقدسة المطهرة و جعلها مع الميت و ليس هذا لاحد من المخلوقين و لا لارض من الارضين ( الاراضي خل ) ثم جعل فيها الشفاء مع انه تعالي جعل الطين كله حراما الا التربة الحسينية (ع) فان اكلها شفاء من كل داء و حملها امان من كل خوف لانها ذكر الله و اسمه يا من اسمه دواء و ذكره شفاء و لمينل [ص 13] بهذه ( بهذا خل ) الفضايل غيره عليه السلام و هنا اسرار عجيبة غريبة يضيق صدري باظهارها و لايضيق بكتمانها .
ثم انه تعالي جعل جميع الايام التي ظهر فيه سر من اسرار ( الاسرار خل ) الربوبية و ( او خل ) ليلة كذلك منسوبة اليه عليه السلام لا غيره ( غير خل ) من الائمة و لذا استحب فيها زيارته عليه السلام كليالي القدر و ليلة النصف من شعبان و اول ليلة من شهر رمضان و آخره و ليالي العيد و ليلة عرفة و يومها و ايام العيد و يوم اول رجب و غيرها من الايام زايدا عن الايام المنسوبة اليه عليه السلام كيوم عاشورا و يوم اربعين و غيرها ( يوم الاربعين و غيرهما خل ) و في هذه الاوقات كلها يزار الحسين عليه السلام لبيان انها منه و اليه و الحاصل انه تعالي خصه بنفسه لتحمل هذه المصيبة العظمي و الداهية الكبري و جعل له ما جعل لنفسه و حتم علي نفسه اجابة الدعاء عند اللواذ به عليه السلام البتة و هو ما ( و ما خل ) ورد من ان الاجابة تحت قبته و هي قبة الخضوع و الخشوع و التذلل و الانكسار لله سبحانه فان اصله و ينبوعه الحسين عليه السلام فلايستجاب دعاء ابدا في شرق الارض و غربها الا تحت قبته الشريفة المقدسة و ان كان عند قبر النبي صلي الله عليه و آله و ساير الائمة عليهم السلام لان الخضوع التام الظاهر في الكاينات انما كان به (ع) خاصة و لذا كان عليه السلام صاحب الشفاعة الكبري يوم القيمة و قد سمعت حديثا ان الامة المرحومة يوم القيمة الف صف ( صف و خل ) تسعمأة و تسعة و تسعون صفا منهم يدخلون الجنة بشفاعة الحسين عليه السلام و صف واحد يدخلون الجنة بشفاعة سائر الائمة عليهم السلام لان شرط دخول الجنة العبودية المستلزمة للخضوع و الخشوع و ولاية اهل البيت [ص 14] عليهم السلام فاذا نقصوا ( انقصوا خل ) شيئا من احكام العبودية و اطوارها و احوالها البالغ الي الحد ( حد خل ) المذكور في الحديث كان الحسين عليه السلام متمما لها بفاضل خضوعه الظاهر المحيط بالكاينات كلها و اما في الولاية فيشتركون سلام الله عليهم فيها فافهم .
فلما اكرمه الله سبحانه بهذه الكرامات و ما لمنذكرها اراد ان يظهر امره عليه السلام للخلق و يوصيهم في حقه و يؤكد عليهم فرض طاعته و امتثال امره و نهيه و لزوم مودته و محبته ثانيا لئلايقولوا انا كنا عن هذا غافلين و يتم الحجة علي الاشقياء المعاندين و يكمل النعمة علي الاحباء المؤمنين فنقل سبحانه الخلق من ارض مكة التي هي ام القري الي ارض كربلا التي هي ابو القري و كل سافل في الصعود مقدم علي العالي و ان كان في النزول مؤخرا عنه ( عليه خل ) فنادي ( فنادي منادي خل ) الحق سبحانه فيهم و خاطبهم يا معشر الخلايق هذا الحسين بن علي عليهما السلام هو حبيبي و وليي و خيرتي و صفوتي و وديعتي فيكم احبوه و اعزوه و لاتخالفوه فلاتنكروا عليه و لاتكدروا خاطره و لاتنظروا اليه و الي كل من انتسب اليه بنظر السوء فاول من لبي لهذا النداء و صدق المنادي هو محمد رسول الله صلي الله عليه و آله ثم ابوه علي بن ابيطالب (ع) ثم اخوه ثم الائمة عليهم السلام ثم امه الطاهرة سلام الله عليها و كذلك الانبياء و الاوصياء و خلص عباد الله و ساير الحيوانات المطيعة المحللة و النبات ( النباتات خل ) الطيب و المعادن و ساير الجمادات و الاجنة و الملائكة و ساير الخلق من الذين آمنوا في النداء الاول بالائمة ( بائمة خل ) كلهم عليهم السلام فازدادوا له حبا و شعفا و لذا قال النبي صلي الله عليه و آله ان للحسين في قلوب المؤمنين محبة [ص 15] مكتومة و هي التي حصلت بالنداء الثاني و لذا تري قلوب المؤمنين تحن الي ارض كربلا و مجاورة سيدالشهداء روحي له الفداء ازيد و اكثر من ساير الاماكن المشرفة المقدسة و المراقد المطهرة و ان كان الكل نورا واحدا الا ان هناك زيادة اختصاص و زيادة اعتناء لما ذكرنا و اشرنا و هذا لايدل علي ان الحسين عليه السلام افضل من النبي (ص) و الولي و اخيه الطاهرين عليهم السلام فلما لبوا لهذا النداء اكرمهم الله تعالي و شرفهم و حباهم و فضلهم و زاد في نورهم و بهائهم و اجزل نواله و عطاءه عليهم ( عليه خل ) كرامة للسيد المظلوم روحي له الفداء .
ثم لما رأي المنافقون الذين اشرت اليهم سابقا ما اعطي الله سبحانه المؤمنين كرامة للحسين (ع) ازدادوا غيظا و حسدا و بغضا و عداوة و قالوا يا ربنا ان كنت تجبرنا علي طاعة الحسين عليه السلام و محبته و تضطرنا الي كف السوء عنه فلك الامر و لانقدر علي شيء و ان جعلت الامر الينا و اختيارنا فنخالفك في كل ما تأمر في الحسين عليه السلام فناديهم الله تعالي اني لاالجأ و لااضطر احدا الي الايمان فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر الا انكم لاتقتلوا النفس التي حرم الله الا بالحق و لاتجدون حقا عند الحسين عليه السلام فيستحق ( حتي يستحق خل ) القتل قالوا يا ربنا مانرضي بان يكون حاكما اميرا علينا فان اطاعنا و دخل في طاعتنا و بيعتنا و لاادعي الرياسة علينا ان شئنا كففنا عنه و ان شئنا قتلناه غيلة و الا قتلناه علانية و كل من يعينه و ان سلبت عنا القدرة فلانقدر علي شيء فلما قالوا هذا القول و سموا اسم القتل انهدت ( ارتعدت خل ) اركان العرش و تزلزل الكرسي و ظهر الفتور و الضعف في كل اركان الوجود و ضجت الملئكة [ص 16] بالبكاء و النحيب و انزعج الرسول و بكي قلبه المهول و غشي علي الصديقة الطاهرة و هو قوله تعالي لقد جئتم شيئا ادا تكاد السموات يتفطرن منه و تنشق الارض و تخر الجبال هدا فظهر الضعف و الخلل في كل الوجود ففسد بذلك العالم و نقصت الاعمار و فسدت الثمار و دخل الهم و الغم في القلوب و ضاقت به الصدور و جرت الدموع و فسدت العيون و تغير طعم المياه و تكدرت الرياح و غلت الاسعار و خسر التجار و بكت السموات و الارضون فظهر الخلل في عالم كن فيكون لكون الخلق كلهم قد امروا بمحبة الحسين عليه السلام و كل من اطاع الله سبحانه احبه و المحب لايقدر ان يسمع ما اسمعه ( اسمعهم خل ) اولئك الاخباث عليهم الف آلاف لعنة و لما ان الاول و الثاني انما اجترءا ( اجترؤا خل ) هذه الجرئة العظيمة باعانة بنيامية لعنهم الله تعالي ( تعالي و خل ) انزل في حقهم و الشجرة الملعونة في القرآن و نخوفهم فمايزيدهم الا طغيانا كبيرا و هو يزيد بنيامية لعنه الله الذي تصدي لهذا الامر العظيم الذي احرق به قلوب الخلايق و استوجب بذلك غضب الخالق قال عز و جل و لقد صرفنا في هذا القرآن و هو الحسين عليه السلام لانه كتاب الله الذي لايأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيل من حكيم حميد و ما يزيدهم لعنه الله الا نفورا عن الحق و عن طاعة الحسين عليه السلام لما امره الله بذلك ثم لما قال اولئك المنافقون هذا القول و اضطربت بذلك اركان العالم و ضجت الملئكة يسئلون الله سبحانه دفع [ص 17] هذه البلية عنه عليه السلام .
و لما كان امر الدين ماكان يستقيم الا بعدم الالجاء فلا بد لاهل الباطل من دولة و هم لايرضون لعنهم الله الا قتل الحسين عليه السلام خاطب الله سبحانه حسينا عليه السلام بانك هل ترضي بالقتل و السبي و هتك حرمتك ( حرمك خل ) و ذريتك و هل تصبر علي هذه الداهية العظمي و الرزية الكبري و الا دفعنا عنك ذلك و ارحناك من ( عن خل ) شدة هذه البلية و لاينقص من ( عن خل ) مقامك عندنا شيء قال الحسين عليه السلام يا رب رضاك اوثر علي رضاي و القتل في محبتك احب الي من البقاء في الدنيا فداك نفسي و مالي و عيالي ( عيالي و مالي خل ) و اولادي ارضي بكل ما يرد علي اذ كان ذلك في طاعتك و محبتك و الخضوع و الاحتقار بين يديك ظاهرا و باطنا حقيقة و مجازا اولي و احب عندي من غيره راحتي في طاعتك و افدي ( فداء خل ) نفسي في سبيل محبتك .
ثم ان الله اوحي اليه ان هذا الامر لايتم الا برضاء جدك و والدك و امك و اخيك و الابرار من ولدك ثم ان الله عز و جل امر القلم الاول ان يكتب في اللوح عهدا بهذا المضمون كما اخبر الحق سبحانه عنه في كتابه ان الله اشتري من المؤمنين انفسهم و اموالهم بان لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون و يقتلون وعدا عليه حقا في التورية و الانجيل و القرآن و من اوفي بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به و ذلك هو الفوز العظيم التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف و الناهون عن المنكر و الحافظون لحدود الله و بشر المؤمنين .
ثم ابان الله سبحانه عن عدد هؤلاء المؤمنين الذين فدوا انفسهم ابتغاء مرضات و باعوا الله ( لله خل ) انفسهم و اموالهم [ص 18] من غير ثمن و الله سبحانه وعدهم ( عوضهم خل ) الجنة تفضلا لا لانهم ارادوها و باعوا انفسهم بها و قال عز و جل بسم الله الرحمن الرحيم و هو الواحد لان عدد حروفها تسعةعشر و هو عدد حروف واحد و ذلك الواحد هو الحسين عليه السلام لانه ( لان خل ) اسم الله الرحمن الرحيم و هو المتفرد في الرتبة عن كل ما عداه من اصحابه فلايجمعهم معه رتبة واحدة و لايذكرون في صقعه و لذا افرده سبحانه و ابان عن كونه واحدا لا ثاني معه و انه اسم الله الدال عليه تعالي بشهادته و انه الذي اظهر آثار الربوبية و نشر اعلام الهداية و قد ذكره عليه السلام بعد الحمد فاتحة الكتاب لان ذلك في بيان البيعة الاولي و النداء الاول و الخطاب الاول و الائمة كلهم مجتمعون في حكم تلك السورة ( و الخطاب الاول يجتمع في حكم تلك السورة كل الائمة عليهم السلام خل ) و اما الثانية فانها ( و اما السورة الثانية خل ) شرح و بيان و تفصيل للنداء الثاني و الخطاب الثاني في ارض كربلا يوم الجمعة يوم عاشورا و لذا كانت سورة البقرة التي ذبحت لاحياء الميت ( الميت و البقرة خل ) و خلقت من زعفران الجنة و هي حاملة احد اركان العرش فافهم فكم من امور طويتها خوفا من فرعون و ملأه ( ملائهم خل ) .
الم ذلك الكتاب و الحروف المقطعة اشارة الي عدد اصحاب الحسين المستشهدين بين يديه في يوم عاشورا فانهم التائبون عن ولاية الاول و الثاني بالذكر و العمل و الحال ( الخيال خل ) العابدون لله تعالي بولاية الائمة عليهم السلام و الشهادة بين يدي الحسين عليه السلام روحي له الفداء الحامدون لله تعالي حيث جعلهم الله تعالي انصاره و ممن هدي الخلق و انقذهم عن النار و عن الهلاك بشهادتهم و قتلهم و جعل لهم الجنة و حرم عليهم النار و امتحن قلوبهم للايمان و [ص 19] هم الذين يقولون الحمد لله الذي صدقنا وعده و اورثنا الارض نتبوء من الجنة حيث نشاء السائحون الصائمون الذين كفوا انفسهم عن كل ما يخالف محبة الله او انهم ساحوا مع الحسين عليه السلام من مكة الي الكوفة الراكعون الساجدون المواظبون علي الصلوات الخمس بحدود ولاية آلمحمد عليهم السلام فركعوا حيث تركوا الاوطان و بعدوا عن الاهالي و البلدان و سجدوا حيث فدوا انفسهم و وقعوا ميتا علي الارض جزاهم الله عن الاسلام و اهله خيرا الآمرون بالمعروف المعروف هو الحسين عليه السلام و هو المعروف عند الله و عند رسوله و عند اوليائه عليهم السلام بالخير و السيادة و البركة بالشهادة و الناهون عن المنكر اي عن ولاية الثاني لتطابق عدد اسمه مع المنكر و الحافظون لحدود الله و حدود الله هم الائمة الاثنيعشر عليهم السلام بشهادة لفظ الحد عليه لانهم حدود التوحيد و اركان العرش المجيد و حفظوا بكل المعاني بشهادة الحسين عليه السلام و لايسعني الآن ذكر تفصيل المعاني الا ان ذلك العالي الجناب يعرف الاشارة غير مقتصر علي العبارة و اشار سبحانه الي عددهم بقوله الحق الم فالالف واحد و اللام ثلثون و الميم اربعون و ذلك واحد و سبعون فيكون معه عليه السلام اثنين و سبعين و هو عدد الاسماء العظام التي ( عدد الاسم الاعظم الذي خل ) عند الائمة عليهم السلام و كل واحد من هؤلاء الاكابر يحكون اسما من تلك الاسماء و الحسين عليه السلام هو اعظم الاسماء العظام و لذا عبر عنه بالبسملة و قد قال الرضا عليه السلام ان البسملة اقرب الي الاسم الاعظم من سواد العين الي بياضه فافهم .
ذلك الكتاب لا ريب فيه و هو كتاب العهد الذي كتبه قلم الاختراع [ص 20] علي لوح الابتداع فانه لا ريب فيه و لا شك يعتريه نازل من عند الله تعالي مكتوب بقضائه و قدره .
هدي للمتقين لولاية الاول و الثاني لانه ( لان خل ) بتلك الشهادة نشرت ( تشرف خل ) اعلام الهداية كما ذكرنا فراجع و نذكر ان شاء الله تعالي فترقب و انما خص المتقين لانه مايزيد الذين كفروا الا طغيانا كبيرا و هو قوله عز و جل و ليزيدن كثيرا منهم اي الذين كفروا ما انزل اليك من ربك طغيانا و كفرا .
الذين يؤمنون بالغيب و هو غيبة القائم المهدي عجل الله فرجه و يترقبون ظهوره عليه السلام لاخذ ثار الحسين عليه السلام كما قال عز و جل و من قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلايسرف في القتل انه كان منصورا و وليه ابنه الطاهر صاحب الزمان عليه السلام و النهي بمعني النفي يعني لايسرف في القتل و ان قتل اهل الارض كلهم اذ لايساوي ذلك شعرة من الحسين عليه السلام روحي فداه .
و يقيمون الصلوة في حال الغيبة يتمسكون بولاية اهل البيت عليهم السلام لان الصلوة ولايتهم كما ان الزكوة برائة اعدائهم كما دلت عليه الاخبار و شهد له صحيح الاعتبار .
و مما رزقناهم ينفقون اي مما علمناهم من فضايل آلمحمد صلي الله عليهم و لزوم وقوع المصايب عليهم و بيعهم انفسهم لله عز و جل ليربطوا بذلك علي قلوب ضعفاء الشيعة و يكفلوا به ايتام آلمحمد صلي الله عليهم لئلايتسلطوا عليهم اعداؤهم في زمان الغيبة و وقت الهدنة .
و الذين يؤمنون بما انزل اليك في علي و اولاده و وقوع محنة كربلا و شهادة سيدالشهداء عليه السلام بانها نازلة واردة و لا بد من ذلك لحفظ الشيعة و ضبط رقاب الرعية و نضج العالم و خضوعه عند الله [ص 21] ليبلغ بذلك اقصي الغايات و اسني النهايات .
و ما انزل من قبلك علي الانبياء من كيفية شهادة الحسين عليه السلام و وقوعها لا محالة .
و بالآخرة هم يوقنون و هي رجعة الحسين عليه السلام و استيلاؤه علي الارض و رجوعه مع اصحابه في اثنيعشرالف صديق يسكن دارا في كربلا المشرفة فيها سرير من ياقوتة حمراء و علي السرير قبة من ياقوتة حمراء كذلك و حولها تسعونالف قبة من زمردة ( زمرد خل ) خضراء يأتي ( يأتون خل ) اليه فيها زواره فيزورونه فيها و الله سبحانه يخاطبهم و يقول لهم سلوا عني حوائجكم في الدنيا و الآخرة فانها مقضية اللهم اني اشهدك اني مؤمن بالرجعة له عليه السلام فارني ذلك اليوم و وفقني لزيارته في تلك الدار انك علي كل شيء قدير و تطول دولته عليه السلام و تدوم سلطنته الي خمسين الف عام او خمسة و اربعين الف علي اختلاف الروايات .
اولئك علي هدي من ربهم و اولئك هم المفلحون و معناه ظاهر فلما كتب الكتاب ( الكتابة خل ) بالمضمون الذي ذكرنا امر الله سبحانه روح القدس ان يأتي بذلك الكتاب و العهد الي رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم ليجد كيف رأيه و رضاه في ذلك فلما اتي به الي النبي صلي الله عليه و آله و نظر الي ذلك المضمون تغير لونه و ظهرت آثار الحزن في وجهه و بكي بكاء شديدا فقال روحي له الفداء رضيت بما رضي الله لنا و اصبر علي هذه المصيبة العظمي التي هدت ركني و كسرت ظهري لان فيها هداية العامة و اثبات نبوتي المطلقة علي الخاصة و العامة فرضي بذلك و ختم الكتاب بخاتمه الشريف باكيا عيناه ( عينيه خل ) و جاريا دموعه ( دمعه خل ) علي خديه لانه مصيبة الحبيب و ليست بسهلة علي [ص 22] الحبيب و انما اظهر آثار الجزع و الحزن و البكاء لما وجد في ذلك من محبة الله سبحانه و الا لماكان يظهر ذلك اذ لايشاؤن الا ما يشاء الله و مارميت اذ رميت و لكن الله رمي و ليبلي المؤمنين ببلاء حسن فافهم .
ثم اتي بكتاب العهد الي ابيه الطاهر اميرالمؤمنين عليه السلام فلما نظر الي مضمونه اشتد وجده و بكاؤه و كثر غمه و عناءه و تغير وجهه و ضاق صدره و اهتم قلبه و كان يقول ما لي و لآل ابيسفيان ما لي و لآل حرب حزب الشيطان فلما رأي ان رسول الله صلي الله عليه و آله قد ختم الكتاب بخاتمه ختمه اميرالمؤمنين عليه السلام راضيا بما رضي الله و كارها عما يصنع بقرة عينه ابيعبدالله .
ثم اتي بالكتاب الي امه الطاهرة فاطمة الزهراء عليها السلام فلما رأت عليها السلام ان حتم القتل علي ابنه المظلوم بكت بكاء شديدا الي ان غشي عليها فلما افاقت علت صوتها بالبكاء و النحيب و نادت وا ولداه وا حسيناه وا قرة عيناه لكنها ( و لكنها خل ) لما وجدت عليها السلام في ذلك القتل راحة الامة و انتظام العالم و اظهار الدين الحق رضيت و ختمت ذلك الكتاب باكية حزينة كئيبة و هو قوله عز و جل و وصينا الانسان بوالديه احسانا الانسان هو رسول الله صلي الله عليه و آله و الوالدان ( والداه خل ) الحسن و الحسين عليهما السلام كما في تفسير القمي (ره) ثم عطف سبحانه القول علي الحسين عليه السلام وحده و قال حملته امه كرها و وضعته كرها كما ذكرنا لما اخبرت عليها السلام بشهادته و حمله و فصاله ثلاثون شهرا لان حمله عليه السلام كان ستة اشهر و فصاله في عامين و لميكن هكذا الا عيسي بن مريم و يحيي عليهما السلام لانهما ( لانهما كانا خل ) من [ص 23] المنتسبين الي الحسين عليه السلام .
ثم اتي بالكتاب الي مولينا الحسن عليه السلام فلما نظر الي مضمونه طال حزنه و بكاؤه و اشتد وجده ( غمه خل ) و عناؤه لكنه لايمكنه الا ان يرضي بما رضي الله و رسوله و اميرالمؤمنين عليه السلام و امه ( وليه خل ) فختم ذلك الكتاب بحزن طويل و قلب عليل .
ثم اتي بالكتاب الي سيدنا الحسين عليه السلام فقال لما نظر اليه حبا و كرامة و سرعة الي طاعة الله و رسوله و انقاذ خليقته من الهلاك و اعلان كلمته فختمه عليه السلام بخاتمه الشريف فقبضه الملك روح القدس بامر الله عز و جل و خزنه في الخزائن الغيبية و هي الخزانة الاولي ( الغيبية الاولي خل ) العليا مما قال الله تعالي و ان من شيء الا عندنا خزائنه و ماننزله الا بقدر معلوم فلقب الله حينئذ حسينا عليه السلام بسيدالشهداء و كناه بابيعبدالله .
اما اللقب فلميحظ مثله احد مع ان الائمة عليهم السلام كلهم قد استشهدوا و مالقب احد بذلك سواه مع ان جده و اباه و اخاه خير منه لانه عليه السلام هو الاصل في ذلك و ماتمني هذه الرتبة اولا و بالذات سواه و ماقبل الخضوع التام غيره و كل شهيد انما هو تابع له في الشهادة و هو اصل له فيها و كل شهيد مااستشهد الا في كربلا في يوم عاشورا من اول الوجود الي آخره و مانال احدا هم و غم من ( في خل ) كل الموجودات الا في يوم عاشورا و بيان هذه الكلمة يحتاج الي بسط في المقال ( المقام خل ) و انا في غاية ( غاية من خل ) المرض و اختلال البال فان رزق الله الملاقاة عسي ان يفتح الله لبيانه بابا فالحسين عليه السلام ابو الشهداء كلهم ممن دخل تحت دائرة الامكان و الاكوان .
فعلي هذا يظهر لك سر الكنية بابيعبدالله ( ابوعبدالله خل ) فان العبودية هي [ص 24] حقيقة الخضوع و الذل و الانكسار للمعبود الحق عز و جل بكل المعاني ( المعاني كلها خل ) و قد عرفت ان اصل الخضوع و حقيقة هذه الحقيقة هو الحسين عليه السلام فكل خاضع تابع له في الخضوع و الخشوع و العالم اي ما سوي الله عبد واحد لله تعالي فهو عليه السلام اب لهذا ( لهذه خل ) العبد و اصل في قبوله العبودية او ان العبد ( العبودية و ان عبد خل ) اسم حقيقي للنبي صلي الله عليه و آله و لذا قدمه ( تقدمه خل ) في كل نعوته بمعني ان الله سبحانه انما وضع لفظ العبد اولا و بالذات له صلي الله عليه و آله و يصدق علي باقي الائمة صلوات الله عليهم من باب التشكيك و علي باقي الخلق من باب الحقيقة بعد الحقيقة لا الاشتراك اللفظي و لا المعنوي و لا الحقيقة و المجاز و لا النقل و لا الارتجال ( ارتجال خل ) و ليس الوضع ايضا من باب الوضع العام و الموضوع له العام و لا من باب الوضع ( وضع خل ) الخاص و الموضوع له الخاص ( خاص خل ) و لا من باب الوضع العام و الموضوع له الخاص و انما هو من ( من باب خل ) القسم الرابع اي الوضع الخاص و الموضوع له العام الذي ذهب الاصوليون و غيرهم الي بطلانه ، نعم مقام وقوفهم رتبة النفس و فهم هذا المعني نصيب اولي الافئدة و بين المقامين تفاوت فاحش و قد ذكرت سابقا في تفسير ( سابقا تفسير خل ) و وصينا الانسان بوالديه احسانا ان الانسان هو رسول الله صلي الله عليه و آله و الوالدان ( والدان خل ) الحسن و الحسين عليهما السلام فالحسين عليه السلام ابوعبدالله و ماكني بهذه الكنية احد من المخلوقين الا تبعا للحسين عليه السلام و ظهر سر ذلك في المقام الثاني في مولينا الصادق عليه السلام فكني بذلك فافهم التلويح بالتصريح بالنظر الصحيح .
ثم ان اسماعيل بن ابرهيم عليهما السلام تمني هذه الرتبة السامية و لما لميكن من اهلها و [ص 25] مااحب الله رد مأموله قبل منه ذلك و قال و فديناه بذبح عظيم ، و كذلك عبدالله بن ( كذلك ابن خل ) عبدالمطلب اب النبي صلي الله عليه و آله و لذا قال انا ابن الذبيحين ، و انما كان هذا الطلب لظهور النور ( نور خل ) الحسيني روحي له الفداء في صلبهما .
فلما كان اصل كل خضوع و خشوع و مشقة و بلاء و حزن و عناء وجب ان لايذكر عند احد الا اشتد وجده و بكاؤه و عظم حزنه و عناؤه و هو قوله عليه السلام ماذكرت عند مؤمن و مؤمنة الا ( عند مؤمن الا خل ) و قد بكي و اغتم لمصابي .
ثم ان الخلق في العالم الاعلي ( العالي خل ) لما انهدت بنيتهم ( بنيهم خل ) و ضعفت كينونتهم من هذه المصيبة العظمي و الرزية الكبري فلما نزلوا الي هذه الدنيا ماظهروا علي كمال الاستقامة و لذا لما نزل آدم الي الارض انشد ابياتا اولها :
تغيرت البلاد و من عليها فوجه الارض مغبر قبيح