فكلما وقع علي وجه الارض من الاعوجاج و خلاف الاستقامة و الكدورة و الخسران و خلاف المراد و عدم الصفا كل ذلك لاجل البكاء علي الحسين المظلوم عليه السلام و في القوس النزولي لما فقدت الاشياء الشعور و الادراك كان في ( الادراك في خ‌ل ) القوس الصعودي كلما تذكرت تجددت عليها المصايب و الاحزان فلاتستقيم ( فلايستقيم خ‌ل ) فالثمار اذا نضجت اخبرتها الملئكة بوقعة كربلا فتفسد و تيبس بعد ذلك فلو كان الاخبار قبل النضج مايمكن لاحد ان يتناول ثمرة و لاينتفع بشجرة و كذلك الرياح اذا اخبرت و تذكرت تغيرت و اضطربت احمرت او اصفرت او اسودت فالاحمرار ( فالحمراء خ‌ل ) لشدة غيظها و غضبها لما فعل بقرة عين الرسول صلي الله عليه و آله و لعنها علي يزيد و الاصفرار ( الصفراء خ‌ل ) [ص 26] لشدة الالتهاب و الاشتعال من هذه النايرة و السواد هو لباسها لهذه المصيبة العظمي و كذلك ( فكذلك خ‌ل ) البحار اذا تذكرت هذه الواقعة الهائلة تموجت و اضطربت و تغطمطت و تلاطمت فلو كانت ( كان خ‌ل ) هذه الاخبار و التذكار مستمرا دائما لفسدت الاشياء و ماتت الحيوانات بالرياح و تغرقت ( لغرقت خ‌ل ) السفن و المراكب في البحر و لماامكن لاحد المسافرة في البحر و القلم لما جري علي اللوح و وصل الي وقعة الحسين عليه السلام ارتعد و اضطرب و جري بلعن يزيد اربع مرات من غير ان يأذنه الله تعالي بالاذن الخاص و اللوح قطعة من زمردة خضراء سبعمأة الف ذراع في مثلها لما وصل اليه الخبر ارتعد و تغير لونه حتي اسود و الحجر الاسود مثاله و دليله و العرش لما سمع الخبر مرة ثانية ارتعدت قوائمه و اضطربت حتي كادت ان تنهدم ( تهدم خ‌ل ) فسكنه الله سبحانه باخذ ثاره في الرجعة ( سبحانه ببشارة الرجعة خ‌ل ) و ظهور الدولة و الكرسي كذلك بنجومها و كواكبها و افلاكها و كذلك ساير السماوات السبع و الارضين السبع قبل آدم ابينا ( ابينا آدم خ‌ل ) و هو قوله عليه السلام في دعاء يوم مولود الحسين عليه السلام بكت عليه ( بكته خ‌ل ) السماء و من عليها ( فيها خ‌ل ) و الارض و من عليها و لما يطأ لابتيها الدعاء .

و آدم عليه السلام لما نزل الي الارض فلم‌ير حوا صار يطوف الارض في طلبها فمر بكربلا فاغتم و ضاق صدره من غير السبب و عثر في الموضع الذي قتل فيه الحسين عليه السلام حتي سال الدم عن رجليه ( في رجله خ‌ل ) فرفع رأسه الي السماء و قال الهي هل حدث عني ذنب ( حدث ذنب خ‌ل ) آخر فعاقبتني به فاني طفت جميع الارض فمااصابني سوء مثل ما اصابني ( فمااصابني ما اصابني خ‌ل ) في هذه الارض فاوحي الله اليه يا آدم ماحدث منك ذنب و لكن يقتل في [ص 27] هذه الارض ولدك الحسين عليه السلام ظلما فسال دمك موافقا لدم الحسين عليه السلام فقال آدم يا رب ايكون الحسين نبيا قال لا و لكنه سبط النبي محمد صلي الله عليه و آله و سلم قال و من القاتل له قال تعالي قاتله يزيد لعين اهل السماوات و الارض فقال آدم اي شيء اصنع يا جبرئيل فقال العنه يا آدم فلعنه اربع مرات و مشي اربع خطوات الي جبل عرفات فوجد حوا هناك .

و نوح عليه السلام لما نجر السفينة اتي له جبرئيل من السماء بمأة الف و اربعة و عشرين الف ( و عشرين خ‌ل ) مسمار ليحكم بها السفينة و اتي له بخمسة اخر قال اجعل احدها علي صدر المركب و الآخر علي ظهره و الثالث علي مؤخره و الرابع علي جهة ( جهته خ‌ل ) اليمني و الخامس علي اليسري فلما ضرب المسامير و وصل الي الخامس فلما ضرب الخامس انكسرت ( الي الخامس انكسرت خ‌ل ) الخشبة و ظهرت منها ضجة و رنة و انة انكسر لها قلب نوح عليه السلام فتعجب من ذلك و سئل جبرئيل عنه فقال يا نوح ان هذه المسامير باسم الخمسة من اهل الكساء و المسمار الخامس باسم الحسين عليه السلام يصيبه ( تصيبه خ‌ل ) مصيبة تصغر عندها الرزايا و المصايب فذكر وقعة كربلا فبكي نوح و جبرئيل عليهما السلام بكاء شديدا و حزنا طويلا و لعنا يزيد و ساير من قتله ، و لما ركب في السفينة و طافت به جميع الدنيا فلما مرت السفينة بكربلا اخذته الي الارض و خاف نوح من الغرق فدعا ربه قال الهي طفت جميع الدنيا فمااصابني فزع مثل ما اصابني في هذه الارض فنزل اليه جبرئيل قال له يا نوح في هذا الموضع يقتل الحسين عليه السلام سبط محمد صلي الله عليه و آله خاتم الانبياء و ابن خاتم [ص 28] الاوصياء قال و من القاتل له يا جبرئيل قال قاتله يزيد لعين اهل السموات السبع و الارضين السبع فلعنه نوح عليه السلام اربع مرات فسارت السفينة حتي بلغت الجودي و استقرت عليه .

و ابرهيم عليه السلام لما مر بارض ( عليه السلام مر في ارض خ‌ل ) كربلا و هو راكب فرسا فعثر الفرس و سقط ابرهيم عليه السلام و شج رأسه و سال دمه فاخذ في الاستغفار و قال يا رب اي شيء حدث مني فنزل جبرئيل عليه السلام و قال يا ابرهيم ماحدث منك ذنب و لكن هنا يقتل سبط خاتم الانبياء و ابن خاتم الاوصياء فسال دمك موافقة لدمه قال يا جبرئيل و من يكون قاتله قال قاتله يزيد لعين اهل السموات و الارضين و القلم جري علي اللوح بلعنه بغير اذن ربه فاوحي الله الي القلم انك استحققت الثناء بهذا اللعن فرفع ابرهيم يده و لعن يزيد لعنا كثيرا ( كبيرا خ‌ل ) و امن فرسه بلسان فصيح فقال ابرهيم عليه السلام لفرسه اي شيء عرفت حتي تؤمن علي دعائي قال يا ابراهيم انا افتخر بركوبك علي فلما عثرت و سقطت عن ( من خ‌ل ) ظهري عظمت خجلتي و كان سبب ذلك من يزيد لعنه الله تعالي و كان ابرهيم عليه السلام كثير البكاء و النوح علي الحسين عليه السلام كما اخبر الله سبحانه عنه في كتابه فنظر نظرة في النجوم فقال اني سقيم و النجوم هم آل‌محمد صلي الله عليهم قد ظهروا في كرسي الولاية فنظر فيهم لانه من شيعتهم و عبيدهم ( عبدهم خ‌ل ) و مرجع العبد الي سيده فلما اطلع علي وقعة الحسين عليه السلام فقال اني سقيم القلب لشدة الالم و الحزن و بقي علي هذا السقم و الالم و الحزن الي ان قبضه الله اليه او النجوم هي هذه الكواكب الظاهرة فلما نظر اليها و عرف اقتضاءاتها و تأثيراتها و فهم منها وقعة [ص 29] الطفوف فقال ما قال و للآية وجوه كثيرة اخر تركت ذكرها و بيانها لتهجم الامراض و الاعراض .

و اسماعيل عليه السلام كانت له اغنام ( كان له اغناما خ‌ل ) و هي ترعي بشاطئ ( بشط خ‌ل ) الفرات فاخبره الراعي انها لاتشرب الماء من هذه المشرعة منذ كذا يوما فسئل ربه عن سبب ذلك فنزل جبرئيل و قال يا اسماعيل اسئل غنمك فانها تجيبك عن سبب امتناعها من شرب الماء فقال لها لم لاتشربين من هذا الماء فقالت ( فقال خ‌ل ) بلسان فصيح قد بلغنا ان ولدك الحسين عليه السلام سبط محمد صلي الله عليه و آله و سلم يقتل ( ولدك الحسين عليه السلام يقتل خ‌ل ) هنا عطشانا فنحن لانشرب من هذه المشرعة حزنا عليه فسأل عن قاتله فقالت يقتله يزيد لعين اهل السماوات و الارضين و الخلايق اجمعين فقال اسمعيل عليه السلام اللهم العن قاتل الحسين عليه السلام .

و موسي (ع) كان ذات يوم سايرا و معه يوشع بن نون فلما جاء الي ارض كربلا انخرق نعله و انقطع شراكه و دخل ( انقطع و دخل خ‌ل ) الحسك في رجليه و سال دمه فقال الهي شيء حدث مني فاوحي الله اليه ان الحسين عليه السلام يقتل هنا و يسفك دمه فسال دمك موافقة لدمه فقال رب و من يكون الحسين فقيل هو سبط محمد المصطفي و ابن علي المرتضي عليهما و آلهما السلام فقال و من يكون قاتله فقيل هو لعين السمك في البحار و الوحوش في القفار و الطيور في الهواء فرفع موسي يديه و لعن ( فلعن خ‌ل ) يزيد و دعي عليه و امن يوشع بن نون علي دعائه و مضي لشأنه .

و روي كعب الاحبار اليهودي و قال ان في كتابنا ان رجلا من ولد رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم يقتل و لايجف عرق دواب اصحابه حتي يدخلون الجنة فيعانقون الحور العين فمر بنا الحسن عليه السلام فقلنا هو هذا قال لا [ص 30] فمر بنا الحسين عليه السلام فقلنا هو هذا قال نعم .

و سليمان عليه السلام كان يجلس علي بساطه و يسير في الهواء فمر ذات يوم و هو ساير في كربلا فدارت الريح بساطه ثلث دورات حتي خافوا السقوط فسكنت الريح و نزل البساط في ارض كربلا فقال سليمان يا ريح لم سكنت فقالت ان هنا يقتل الحسين عليه السلام فقال و من يكون الحسين قال ( قالت خ‌ل ) هو سبط احمد المختار ( سبط المختار خ‌ل ) و ابن علي الكرار قال و من قاتله قالت يقتله يزيد لعين اهل السماوات و الارض ( الارضين خ‌ل ) فرفع سليمان يده و لعن يزيد و امن علي دعائه الانس و الجن فهبت الريح و سار البساط .

و زكريا عليه السلام سئل ربه ان يعلمه اسماء الخمسة فاهبط عليه جبرائيل عليه السلام فعلمه اياها ثم ان زكريا عليه السلام اذا ذكر محمدا و عليا و فاطمة و الحسن عليهم السلام سري عنه همه و انجلي كربه و اذا ذكر اسم الحسين عليه السلام خنقته العبرة و وقعت عليه البهرة فقال ذات يوم الهي ما بالي اذا ذكرت اربعا منهم تسليت باسمائهم من همومي و اذا ذكرت الحسين عليه السلام تدمع عيني و تثور زفرتي فانبأه الله تبارك و تعالي عن قصته فقال كهيعص فالكاف اسم كربلا و الهاء هلاك العترة الطاهرة و الياء يزيد عليه اللعنة و هو ظالم الحسين عليه السلام و العين عطشه و الصاد صبره فلما سمع بذلك زكريا عليه السلام لم‌يفارق مسجده ثلثة ايام و منع فيهن الناس من الدخول عليه و اقبل علي البكاء و النحيب و كان يرثيه الهي اتفجع خير جميع خلقك بولده الهي اتنزل بلوي هذه الرزية بفنائه الهي اتلبس عليا و فاطمة عليهما السلام ثياب هذه المصيبة الهي اتحل كربة هذه [ص 31] المصيبة بساحتهما و كان يقول الهي ارزقني ولدا تقر به عيني علي الكبر فاذا رزقتنيه فافتني بحبه ثم افجعني به كما تفجع محمدا صلي الله عليه و آله و سلم حبيبك بولده فرزقه الله تعالي يحيي و فجعه به و كان حمل يحيي ستة اشهر و حمل الحسين عليه السلام كذلك .

و عيسي عليه السلام كان سايحا ( سياحا خ‌ل ) في البراري و معه الحواريون فمر بارض كربلا فرأي اسدا كاشرا ( كاسرا خ‌ل ) قد اخذ الطريق فتقدم عيسي عليه السلام الي الاسد و قال له و لم جلست في هذا الطريق و لاتدعنا نمر فيه فقال ( نمر فقال خ‌ل ) الاسد بلسان فصيح اني لم‌ادع لكم الطريق حتي تلعنوا يزيد قاتل الحسين عليه السلام فقال عيسي عليه السلام و من يكون الحسين عليه السلام قال ( فقال خ‌ل ) هو سبط محمد المصطفي النبي الامي و ابن علي الولي صلي الله عليهم قال و من القاتل له قال قاتله لعين الوحوش و الذئاب و السباع اجمع خصوصا في يوم عاشورا فرفع عيسي عليه السلام يده و لعن يزيد و دعي عليه و امن الحواريون علي دعائه فتنحي الاسد عن طريقهم و مضوا لشأنهم .

و روي عن مشايخ لبني‌سليم قالوا غزونا بلاد الروم فدخلنا كنيسة من كنايسهم فوجدنا فيها مكتوبا هذا البيت :

ايرجوا معشر قتلوا حسينا ( ايرجو امة قتلت حسينا خ‌ل ) شفاعة جده يوم الحساب

قال فسئلناهم كم هذا في كنيستكم قالوا ( فقالوا خ‌ل ) قبل ان يبعث نبيكم بثلثمأة عام .

و كان النبي محمد رسول الله صلي الله عليه و آله في بيت ام‌سلمة رضي الله عنها فقال لها لايدخل علي احد فجاء الحسين عليه السلام و هو طفل فماملكت منعه ( فماملكت معه شيئا خ‌ل ) حتي دخل علي النبي صلي الله عليه و آله فدخلت ام‌سلمة علي اثره فاذا الحسين عليه السلام علي صدره و اذا النبي (ص) يبكي و في يده شيء يقلبه فقال النبي صلي [ص 32] الله عليه و آله يا ام‌سلمة ان هذا جبرئيل يخبرني ان هذا مقتول و هذه التربة التي يقتل فيها فضعيها ( فضعيه خ‌ل ) عندك فاذا صارت دما فقد قتل حبيبي فقالت ام‌سلمة يا رسول الله (ص) سل الله ان يدفع ذلك عنه قال قد فعلت فاوحي الله تعالي الي ان له درجة لاينالها احد من المخلوقين و ان له شيعة فيشفعون و ان المهدي عليه السلام من ولده فطوبي لمن كان من اولياء الحسين عليه السلام و شيعته و شيعة ابيه والله هم الفائزون .

و في اليوم الذي قبض فيه النبي (ص) دعي الحسين عليه السلام و ضمه في صدره و بكي بكاء كثيرا شديدا و كان يقول ما لي و ليزيد يا بني ان لي مقاما مع قاتلك عند الله .

و ان اميرالمؤمنين عليه السلام مر في خروجه الي الصفين بنينوي و هو شاطئ ( شط خ‌ل ) الفرات فقال باعلي صوته يا ابن‌عباس اتعرف هذا الموضع قلت ( قال خ‌ل ) له مااعرفه يا اميرالمؤمنين فقال عليه السلام لو عرفته كمعرفتي لم‌تكن تجوزه حتي تبكي كبكائي قال فبكي بكاء طويلا حتي اخضلت لحيته و سالت الدموع علي صدره و بكينا و هو يقول آه آه واها واها اوه اوه ما لي و لآل ابي‌سفيان ما لي و لآل حرب حزب الشيطان و اولياء الكفر و الطغيان صبرا يا اباعبدالله ( صبرا اباعبدالله خ‌ل ) فقد لقي ابوك منهم مثل الذي تلقي منهم ثم دعي بماء ( دعاء خ‌ل ) فتوضأ وضوء الصلوة فصلي ما شاء الله ثم ذكر نحو كلامه الاول فنعس عند انقضاء صلوته و كلامه ساعة ( بساعة خ‌ل ) ثم انتبه فقال يا ابن‌عباس فقلت ها انا ذا فقال عليه السلام الااحدثك بما رأيت في منامي آنفا عند رقدتي فقلت نامت عيناك و رأيت خيرا يا اميرالمؤمنين فقال عليه السلام رأيت كأني برجال قد نزلوا [ص 33] من السماء معهم اعلام بيض قد تقلدوا بسيوفهم و هي بيض تلمع و قد خطوا حول هذه الارض خطة ثم رأيت كأن هذه النخيل ( النخلة خ‌ل ) قد ضربت باغصانها الارض و صارت تضطرب بدم عبيط و كأني بالحسين سخلي و فرخي و مضغتي ( بضعتي خ‌ل ) و مخي قد غرق فيه يستغيث فلايغاث و كأن الرجال البيض قد نزلوا من السماء ينادونه و يقولون صبرا آل الرسول فانكم تقتلون علي ايدي شرار الناس و هذه الجنة يا اباعبدالله اليك مشتاقة ثم يعزونني و يقولون لي يا اباالحسن ابشر فقد اقر الله به عينك يوم يقوم الناس لرب العالمين .

و ان الحسن بن علي عليهما السلام دخل يوما اليه الحسين عليه السلام فنظر اليه فبكي فقال يا اخي كأني أراك مسموما قال الحسن عليه السلام يا اخي اما انا فاسقي سما فاموت به و اما انت يا اخي فلا يوم كيومك يهجم عليك ثلثون الفا يدعون انهم من امة جدنا ، ثم ساق الحديث و ذكر ( الي ذكر خ‌ل ) وقعة كربلا و بكي بكاء شديدا .

روي سالم بن ابي‌حفصة قال قال عمر بن سعد للحسين عليه السلام يا اباعبدالله ان قبلنا اناس سفهاء يزعمون اني اقتلك فقال له الحسين عليه السلام والله انهم ليسوا بسفهاء و لكنهم علماء حلماء اما انه يقر عيني انك لاتأكل بر العراق بعدي الا قليلا ه‍ ، قال و خرجنا من مكة مع الحسين عليه السلام فمانزلنا منزلا و لا ارتحلنا منه الا ذكر يحيي بن زكريا و قال يوما من الايام ان من هوان الدنيا علي الله عز و جل ان رأس يحيي بن زكريا اهدي الي بغي من بغايا بني‌اسرائيل ه‍ .

و هكذا كان الامر في جميع الانبياء و المرسلين و الملئكة المقربين و اهل الارض اجمعين لم‌يزالوا في البكاء و الحزن و الملال حتي [ص 34] وقعت هذه الداهية العظمي و الرزية الكبري .

و لما كان يوم عاشورا و بقي الحسين عليه السلام وحيدا فريدا بلا ناصر و لا معين في ارض كربلا بعد ان قتل انصاره و اعوانه و بنو اخيه و بنو عمه و بنو ابيه و اولاده و لم‌يبق احد سوي العليل زين‌العابدين عليه السلام انما صار عليلا ( مريضا خ‌ل ) ليسقط عنه الجهاد و انما وجب سقوط الجهاد حفظا للعالم ان ينهدم و يبيد فماكان يجوز له الجهاد ليقتل فالحسين عليه السلام لما رأي وحدته و قتل جميع انصاره ودع عياله و اطفاله الصغار و خرج الي الميدان و بقي واقفا متحيرا متكيا علي رمحه مرة ينظر الي اخوته و اولاده و بني اخيه و بني عمه صرعي مقتولين مجدلين و مرة ينظر الي غربته و وحدته و انفراده و مرة ينظر الي النساء و غربتهن و وحدتهن و عطشهن و صيرورتهن اساري و مرة ينظر الي شماتة الاعداء و تصميمهم لقتل قرة عين العالم ثم نادي عليه السلام بصوت عال حزين اما من ناصر ينصرنا اما من مغيث يغيثنا هل من موحد يخاف الله فينا اما من ذاب يذب عن حرم رسول الله (ص) فلما نادي عليه السلام هذا النداء تزلزلت اركان العرش و قوائمه و بكت السموات و ضجت الملائكة و اضطربت الارض فقالوا باجمعهم يا ربنا هذا حبيبك و قرة عين حبيبك فأذن لنا لنصره و هو صلوات الله عليه و روحي له الفداء في هذه الحالة اذ وقعت صحيفة قد نزلت من السماء في يده الشريفة فلما فتحها رأي انها هي العهد المأخوذ عليه بالشهادة قبل خلق الخلق في هذه الدنيا فلما نظر عليه السلام الي ظهر تلك الصحيفة فاذا هو مكتوب فيه بخط واضح جلي يا حسين نحن [ص 35] ماحتمنا عليك الموت و ماانزلنا عليك الشهادة فلك الخيار و لاينقص حظك عندنا فان شئت ان نصرف عنك هذه البلية فاعلم انا قد جعلنا السماوات و الارضين و الملئكة و الجن كلهم في حكمك فأمر فيهم بما تريد من اهلاك هؤلاء الكفرة الفجرة لعنهم الله فاذن بالملئكة قد ملؤا ما بين ( ملؤا بين خ‌ل ) بين السماء و الارض و بايديهم حراب ( حربة خ‌ل ) من النار ينتظرون حكم الحسين عليه السلام و امره في ما يأمرهم به من اعدام هؤلاء الفسقة فلما عرف عليه السلام مضمون الكتاب و ما في تلك الصحيفة رفعها الي السماء و رمي بها اليها فقال يا رب وددت ان اقتل و احيي سبعين مرة و ( او خ‌ل ) سبعين الف مرة في طاعتك و محبتك و اني قد سئمت الحيوة بعد قتل الاحبة سيما اذا كان في قتلي نصرة دينك و احياء امرك و حفظ ناموس شرعك ثم اخذ عليه السلام رمحه و لم‌يأذن للملئكة بشيء و باشر الحرب بنفسه الشريفة و حمل علي اولئك الكفار و طحن جنود الفجار و اقتحم قسطل الغبار مجالدا بذي‌الفقار كأنه علي المختار فلما رأوه ثابت الجاش غير خايف و لا خاش نصبوا له غوائل مكرهم و قاتلوه بكيدهم و شرهم و امر اللعين ابن‌سعد جنوده فمنعوه من الماء وروده ( و ورده خ‌ل ) و ناجزوه القتال و عاجلوه النضال و رشقوه بالسهام و النبال و بسطوا اليه اكف الاصطلام و لم‌يرعوا له ذماما و لاراقبوا فيه اثاما في قتلهم اوليائه و هو مقدم في الهبوات و محتمل للاذيات قد عجبت من صبره ملئكة السموات و احدقوا به من كل الجهات و اثخنوه بالجراح و حالوا بينه و بين الرواح و لم‌يبق له ناصر و هو محتسب صابر يذب عن نسوته و اولاده حتي نكبوه [ص 36] عن جواده فهوي الي الارض جريحا صريعا ( طريحا خ‌ل ) تطؤه الخيول بحوافرها و تعلوه الطغاة ببواترها قد رشح للموت جبينه و اختلفت بالانقباض و الانبساط شماله و يمينه يدير طرفا خفيا الي رحله و بنيه و قد شغل بنفسه عن ولده و اهاليه و اسرع فرسه شاردا الي خيامه قاصدا محمحما باكيا فلما رأين النساء جواده مخزيا و نظرن الي سرجه عليه ملويا برزن من الخدور ناشرات الشعور علي الخدود لاطمات الوجوه سافرات و بالعويل داعيات و بعد العز مذللات و الي مصرعه مبادرات و الشمر لعنه الله جالس علي صدره مولغ سيفه في نحره ذابح له بمهنده قد سكنت حواسه و خفيت انفاسه و رفع علي القناة راسه و سبي اهله كالعبيد و صفدوا في الحديد فوق اقطاب المطيات تلفح وجوههم حر الهاجرات يساقون في البراري و الفلوات ايديهم مغلولة الي الاعناق يطاف بهم في الاسواق فالويل ثم الويل للعصاة و الفساق لقد قتلوا بقتله الاسلام و عطلوا الصلوة و الصيام و نقضوا السنن و الاحكام و هدموا قواعد الايمان و حرفوا آيات القرآن و هملجوا في البغي و العدوان فقام ناعيه عند قبر جده الرسول صلي الله عليه و آله و سلم فنعاه اليه بالدمع الهطول قايلا يا رسول الله (ص) قتل سبطك و فتاك و استبيح اهلك و حماك و سبيت بعدك ذراريك و وقع المحذور بعترتك و ذريتك فانزعج الرسول صلي الله عليه و آله و بكي قلبه المحول و عزاه به الملئكة المقربون و الانبياء و المرسلون ( الانبياء المرسلون خ‌ل ) و فجعت به امه الزهراء و اختلفت جنود الملئكة المقربين تعزي اباه اميرالمؤمنين عليه السلام و اقيمت له الماتم في [ص 37] عليين و لطمت عليه الحور العين و بكت السماء و سكانها و الجبال و خزانها و الهضاب و اقطارها و البحار و حيتانها و مكة و بنيانها و الجنان و ولدانها و البيت و المقام و المشعر الحرام و الحل و الاحرام و كل شيء دخل في الوجود و اقر بالمعبود و قد قال مولينا الصادق في زيارته له عليه السلام اشهد ان دمك سكن في الخلد و اقشعرت له اظلة العرش و بكي له جميع الخلايق و بكت له السموات السبع و الارضون السبع و ما فيهن و ما بينهن و من يتقلب في الجنة و النار من خلق ربنا و ما يري و ما لايري الزيارة .

و قال شيخنا و مولانا و استادنا اطال الله بقاه و جعلني فداه في مرثية له عليه السلام في هذا الباب الي ان قال سلمه الله تعالي :

ما في الوجود معجم لم‌يكن الا اعترته حيرة في استوا

كل انكسار و خضوع به و كل صوت فهو نوح الهوا

اماتري النخلة في قبة ذات انفطار و انفراج فشي

ما سعفة فيها انتهت اخبرت الا لها حزن امامي شوي

اماتري الاثل و اهدابه عند الرياح ذا حنين علا

اماسمعت النحل ذا رنة في طيرانه شديد البكا

و السيف يفري نحره باكيا و الرمح ينعي قائما و انثني

تبكيه جرد جاريات علي جثمانه و ان تدق القرا

والله مارأيت شيئا بدا في الكون الا ذا بكاء علا

الي ان قال اطال الله بقاه و الحاصل يبكي علي الحسين عليه السلام كل شيء ( و الحاصل كل شيء يبكي علي الحسين عليه السلام خ‌ل ) تبكيه الرياح بهفيفها و النار بتلهبها ( بلهبها خ‌ل ) و الماء بجريانه و امواجه و جموده و الشمس و القمر و [ص 38] النجوم بتغيراتها من حمرة و صفرة و كسوف و خسوف و الجبال بارتفاعها و انحدارها و الجدران بتفطرها و انهدامها و النبات بتغيره و اصفراره و يبسه و الآفاق بتكدرها و اغبرارها و حمرتها و صفرتها آه ثم آه ثم آه ماادري ما اقول و تبكيه التجارة بخسارتها و بوارها و العيون بتكدرها و المعادن بفسادها و الاسعار بغلائها و الاشجار بموتها و قلة ثمرها و سقوط ورقها و يبس اغصانها و اصفرار ورقها اماسمعت بكاء الاواني حين تنكسر من الچيني و الخزف و من المعادن تبكي بانكسارها و بصوتها ( بصوته خ‌ل ) حين الكسر اماسمعت بكاء الاسفار بعدم امنية القفار اماسمعت هدير الاطيار في الاوكار و هفيف الرياح و امواج البحار و بكاء الاطفال الصغار اماسمعت الليل يبكيه بظلمته و النهار بالاسفار امارأيت تفتت الاحجار و غور الآبار و قلة الامطار و غلاء الاسعار و فساد الافكار و اختلاف الانظار و قصر الاعمار آه ثم آه ثم آه اجمل لك الامر بما اجمله العزيز الجبار في كتابه قال في هذا الشأن مصرحا بالبيان لمن لقلبه عينان و ان من شيء الا يسبح بحمده و لكن لاتفقهون تسبيحهم فقال عليه السلام في بيان ان المراد من الآية ما ذكرنا في الزيارة الجامعة الصغيرة المذكورة في آخر المصباح للشيخ رحمه الله قال عليه السلام يسبح الله باسمائه جميع خلقه يعني ان كل شيء يسبح الله بالبكاء علي سيدالشهداء عليه افضل الصلوة و السلام و الثناء و بذكر مصابه الجليل و نشر فضائله و ممادحه ، انتهي كلامه طول الله عمره .

و انما تأثرت الاشياء و تألمت و بكت و اضطربت و ظهر الفساد و الخلل في العالم العلوي و السفلي لاجل هذه المصيبة العظمي [ص 39] و الرزية الكبري لوجوه كثيرة منها ما ذكرنا سابقا فراجع و منها ما ذكر شيخنا و مولينا كما نقلنا عنه آنفا .

و منها ما ثبت ان الامام عليه السلام قطب العالم الاكبر و قلبه فاذا تكدر القلب و تألم و توجع توجع كل الاعضاء و الجوارح مما تحله الحيوة و القوة و كلما كانت الحيوة و القوة فيه اشد و اكثر ( فيه اكثر خ‌ل ) كان تألمه اكثر و كلما كانت فيه اقل كان تألمه اقل و الذي لاتحله الحيوة لايتألم بوجه و لما كانت الحيوة في العالم الاكبر انما هي بقوة العلم بالله عز و جل و معرفته كما قال سبحانه أومن كان ميتا فاحييناه و جعلنا له نورا يمشي به في الناس كان كل من علمه و طاعته و خضوعه لله اكثر كان حيوته اكثر فكان تألمه و توجعه للحسين عليه السلام و احتراق قلبه ( قلبه له خ‌ل ) اكثر و كلما كان مقامه في العمل و العلم اقل كانت حيوته اقل فكان تألمه و توجعه اقل و لذا كانت ( كان خ‌ل ) ماأثرت هذه المصيبة في احد من المخلوقين كما أثرت في محمد و علي و فاطمة و اولادهم الطيبين الطاهرين صلوات الله و سلامه عليهم اجمعين و كان النبي صلي الله عليه و آله اشد حزنا و اكثر توجعا عليه من غيره ثم الانبياء عليهم السلام ثم العارفون المخلصون المنقطعون ثم الملئكة المقربون ثم الجن ثم ساير المخلوقات فمن لم‌يرق قلبه له عليه السلام فليعلم انه ميت بعيد عن رحمة الله عز و جل نعوذ بالله و تصديق ذلك ما قال مولينا الصادق عليه السلام في الزيارة السلام عليك يا اباعبدالله انا لله و انا اليه راجعون ما اعظم مصيبتك عند جدك رسول الله صلي الله عليه و آله و ما اعظم مصيبتك عند من عرف الله عز و جل و اجل مصيبتك عند الملأ الاعلي و عند انبياء الله [ص 40] و عند رسول ( رسل خ‌ل ) الله و قال ايضا عليه السلام السلام عليك يا خيرة الله و ابن خيرته و لك فاضت عبرتي و عليك كان اسفي و نحيبي ( نحيبتي خ‌ل ) و صراخي و زفرتي و شهيقي و حق لي ان ابكيك و قد بكتك السموات و الارضون و الجبال و البحار فما عذري ان لم‌ابكك و قد بكاك حبيب ربي و بكتك الائمة صلوات الله عليهم و بكاك من دون سدرة المنتهي الي الثري جزعا عليك الزيارة . فثبت لك ان الجزع و البكاء ( ان البكاء خ‌ل ) علي الحسين عليه السلام دليل معرفة الله تعالي و الوصول الي قربه فبكاؤه اذا اعظم العبادات و الطاعات و القربات و دليل الايمان و لذا قال عليه السلام انا قتيل العبرة ماذكرت عند مؤمن الا و قد بكي و اغتم لمصابي . و لما ثبت ان كل من دخل في الوجود مؤمنا ( مؤمن خ‌ل ) تكوينيا كان ام تشريعيا او كلاهما او التكويني فقط فكل ( فكل احد خ‌ل ) بقدر ايمانه يجب ان يبكي عليه عليه السلام و يتوجع و يتألم لمصابه بالذات و سر الحقيقة و الفطرة و الطوية و ما ورد ان اهل الشام لم‌يبكوا علي الحسين عليه السلام فانما هو بالفطرة الثانية المعوجة المغيرة الميتة و اما بالفطرة الاولي حين الذهول عن الثانية فقد بكوا و ضجوا كيف لا و يزيد لعنه الله قد بكي بكاء كثيرا و خولي الاصبحي لعنه الله كان يسلب زينب عليها السلام و يبكي و هكذا امثالهما من المعاندين لعنهم الله و منها لاجل المحبة و المودة ( المروة خ‌ل ) حين امر الله سبحانه الخلق بمودة ذي القربي الذين هم الائمة عليهم السلام خصوصا الحسين سلام الله عليه و قد مر سابقا ما يدل علي ذلك قال عز و جل قل لااسئلكم عليه اجرا الا المودة في القربي و المخاطب هو كل امة محمد صلي الله عليه و آله عاما علي ما برهنا عليه من [ص 41] عموم الخطاب و قد ثبت بالادلة العقلية و النقلية ان الخلق كلهم امة محمد صلي الله عليه و آله كما قال (ص) كنت نبيا و آدم بين الماء و الطين فالانبياء كلهم من امته صلي الله عليه و آله و كذلك الحيوانات و النباتات و الجمادات و المعادن كما قال عز و جل و ما من دابة في الارض و لا طائر يطير بجناحيه الا امم امثالكم و بين ان الجمادات دابة لمن يعقل و يفهم بقوله تعالي و تري الجبال تحسبها جامدة و هي تمر مر السحاب و انها كلها ذات شعور و ادراك لقوله تعالي انا عرضنا الامانة علي السموات و الارض و الجبال فابين ان يحملنها و اشفقن منها و حملها الانسان و قال عز و جل ثم استوي الي السماء و هي دخان فقال لها و للارض ائتيا طوعا او كرها قالتا اتينا طائعين الآية ، و امثالها من الآيات الدالة علي شعور الجمادات و انها مكلفة و انها دابة متحركة و قال تعالي و ان من امة الا خلا فيها نذير و قال تعالي تبارك الذي نزل الفرقان علي عبده ليكون للعالمين نذيرا فظهر بتلويح الادلة ان الخلق ممن دخل دائرة الاكوان كلهم من امة محمد صلي الله عليه و آله و سلم و كلهم علي اختلاف مراتبهم و مقاماتهم مكلفون مأمورون بطاعة الائمة عليهم السلام لاجل مودتهم و محبتهم و الحب هو الامر المعنوي و السر الغيبي الذي ينزل من عالم الامر الي جهة ( حبة خ‌ل ) القلب فيملأ قلبه من ذكر المحبوب فيمنعه عن الالتفات و التوجه الي غير المحبوب ثم منه ينزل الي الصدر فيشغله عن التوجه و التصور بغير ( لغير خ‌ل ) صفة المحبوب او صورته او جهته ثم منه ينزل الي الاعضاء و الجوارح فيمنعها عن الخدمة [ص 42] لغير المحبوب و لذا كان لفظ الحب و الود من حيث العدد عشرة لبيان سرايته في المراتب العشرة التي خلق الشيء فيها فاذا كان المحب بكله و بجميع حواسه و قواه و مشاعره و اعضائه و جوارحه متوجها الي المحبوب فيمتنع عن كل ما سوي المحبوب و طالبا بكل ذلك رضاه و كماله و سروره و فرحه فاذا نال المحبوب مكروه او وصل اليه سوء يكاد يتصدع قلب المحب ( المحبوب خ‌ل ) و يكاد يقتل نفسه و يحب ان يفدي نفسه دونه فكيف اذا وجد المحب محبوبه مقتولا جديلا طريحا لايسعه نصرته فانظر حينئذ كيف تجد حال المحب في شدة وجده و بكائه و نحيبه و قتل نفسه اماسمعت ما اشتهر من فرهاد لما سمع موت شيرين كذبا و افتراء و كذا غيره من امثاله و قصتهم مشهورة معروفة فاذا اوجب الله علي كافة الخلق من الانبياء و المرسلين و الملئكة الكروبيين و المقربين و الملأ الاعلي اجمعين و الجن و الطير و الوحش و الانسان و ساير الآدميين و السموات و العناصر و الارضين محبة آل‌محمد الطيبين عليهم سلام الله ابد الآبدين و الحسين عليه السلام خاصة علي التعيين و الحب كما عرفت بعض حاله فكيف يملك الخلق نفسهم ( نفسه خ‌ل ) اذا سمعوا او شاهدوا ما يصيب محبوبهم من المحنة التي ماابتلي بها احد من الخلق من الاولين و الآخرين و لولا حفظ ( حفظه خ‌ل ) الله سبحانه لنفاذ حكمته لبطلت حركات الافلاك و لاضطربت الارض و فسدت الاملاك و لخرب العالم بالكلية لعظم هذه الرزية فاذا ماخرب فقد فسدت و بكت السموات دما و كذا الارض و الجبال و الحجار كما روي ان يوم عاشورا مارفعت حجرة علي وجه الارض الا و قد [ص 43] رأي تحتها دما عبيطا و الشمس كأنها قطعة دم و هكذا من الامور التي خرقت الاسماع و ملأت الاصقاع و بقي الجن و الانس و الطير و الوحوش ( الوحش خ‌ل ) في الحزن و البكاء و زيادة البكاء حيثما فدوا انفسهم دونه عليه السلام .

فان قلت كيف كلف الله سبحانه الخلق بمحبة آل‌محمد صلي الله عليهم مع ان المحبة ليست من افعال الجوارح التي يقع عليها التكليف و الامر و النهي لانها من الوجدانيات و لذا قال عز و جل و لن‌تستطيعوا ان تعدلوا بين النساء اي في المحبة قلت محبة السافل من حيث هو منشأها ان يجد كمالا في المحبوب يكون فاقدا له و طالبا له و بذلك يكون منجذبا اليه و متوجها بكله اليه قاطعا نظره حال الالتفات الي تلك الجهة عن تلك الجهة علي تفصيل لايسعني الآن بيانه فاذا توجه السافل من حيث هو بكله الي العالي شمل عناية العالي بكلها حسب احاطة السافل اياه فاحبه به كما ان السافل احب العالي به و شرح حقيقة الحال يطلب في شرح الخطبة فتكليف الله سبحانه الخلق محبة آل‌محمد صلي الله عليه و آله دليل علي ان الله سبحانه جعل عندهم جميع الكمالات الحسنة مما يمكن ان يميل اليه كل فرد ( اليه فرد خ‌ل ) من افراد الخلق علي اختلاف ميولاتهم و ترجيحاتهم بحيث اذا نظر الي مقامهم كل احد بكل طور يجد ما ينجذب به اليهم صلي الله عليهم لانهم معدن الكمالات و ينبوع الخيرات فلايتوجه اليه احد علي الوجه المقرر الا و يحبهم روحي فداءهم فان المقتضي اذا وجد و ارتفع المانع وجب الحكم فلذا اوجب ( وجب خ‌ل ) المحبة لهم عليهم السلام لكل مذروء و مبروء لاسيما الحسين عليه السلام كما سمعت فانهدت حينئذ برزيته العظيمة [ص 44] بنية محبيهم لشدة المصيبة فبكوا و ضجوا و اقرحت قلوبهم انا لله و انا اليه راجعون يا ساداتي يا آل رسول الله انا لانملك الا ان نطوف حول مشاهدكم و نعزي فيها ارواحكم بهذه المصيبة النازلة بفنائكم الحالة بساحتكم التي اثبتت ( اورثت خ‌ل ) في قلوب شيعتكم القروح و ( و اورثت خ‌ل ) اكبادهم الجروح و كل الخلق في التكوين و الطيب من كل جنس في التشريع شيعتهم و محبيهم لقد اصيبوا مصيبة ما اعظمها و رزية ما اجلها جدير ( جديرا خ‌ل ) ان يبكوا دما و ( و قد خ‌ل ) قال الحجة عليه السلام في زيارة يوم عاشورا خطابا لجده سيدالشهداء عليهما سلام الله ما دامت الارض و السماء فلئن اخرتني الدهور و عاقني عن نصرك المقدور و لم‌اكن لمن حاربك محاربا و لمن نصب لك العداوة مناصبا فلاندبنك صباحا و مساء و لابكين عليك بدل الدموع دما حسرة عليك و تلهفا لما دهاك الزيارة .

و منها لاجل تشييد الدين و اظهار شريعة سيد المرسلين عليه و آله سلام الله ابد الآبدين و بيانه بالعبارة الظاهرة هو ان الله تعالي بعث محمدا صلي الله عليه و آله علي فترة من الرسل و طول هجعة من الامم و خفاء الحجة فلما اظهر صلي الله عليه و آله الاسلام بقي نحوا من احدي‌عشر سنة في مكة و لم‌يطع له امر و لم‌تصغ اليه اذن و لم‌يظهر امره و لم‌ينتشر خبره و في ذلك عدم وصول التكليف و عدم اعلاء ( و اعلاء خ‌ل ) كلمة الحق و هو مستحيل فامره الله سبحانه بمقتضي الاسباب بالمجادلة و الجهاد و المقاتلة مما لايلزم منه الالجاء و الجبر ففعل صلوات الله عليه و آله حتي صار يأخذ منهم الجزية و يقبل منهم الفدية و اذا شفع لهم احد يقبل شفاعته هذا كله لئلايلجاهم الي [ص 45] القبول حتي يقبلوا الايمان مكرهين اذ لا اكراه في الدين و مااراد صلي الله عليه و آله بسل سيفه و اقدامه علي الجهاد الا انتشار خبره و اشتهار الاثر في اطراف الارض و اقطار العالم و لما كان سل السيف فيه توهم الالجاء و كان الاغلب انما آمنوا لظهور السلطنة و طمع الرياسة لا لمحبة الله سبحانه امر صلي الله عليه و آله وصيه اميرالمؤمنين عليه السلام بعدم سل السيف مع ( و خ‌ل ) اظهار حقه و ادعاء الخلافة لنفسه حتي تستنطق الطبايع بما اسرت و الضماير بما استجنت و السراير بما انطوت فعمل علي عليه السلام بما امره الرسول صلي الله عليه و آله فظهر ما اراد الله سبحانه من اخراج ضغاين الصدور و امتياز الخبيث من الطيب فلما كاد الدين ان يذهب و الاسلام ان يفني و النور المحمدي صلي الله عليه و آله ان ينمحق و الظلمة الاولية ان تستولي قام بالسيف و نهض بالامر لاعلاء تلك الكلمة فحسب كما قال عليه السلام في الخطبة الشقشقية لولا حضور الحاضر و قيام الحجة بوجود الناصر و ما اخذ الله علي العلماء ان لايقاروا علي كظة ظالم و لا سغب مظلوم لالقيت حبلها علي غاربها و لسقيت آخرها بكأس اولها و لالفيتم دنياكم هذه ازهد عندي من عفطة عنز ، و لما كان في جهاده عليه السلام توهم ما كان في جهاد النبي صلي الله عليه و آله امر وصيه مولانا الحسن عليه السلام بما امر به النبي صلي الله عليه و آله اياه من السكوت و القعود عن الحرب حتي تظهر الضغاين و يتبين المنافق من المؤمن و اليه الاشارة بقوله تعالي الم‌تر الي الذين قيل لهم كفوا ايديكم عن القتال و هو الحسن بن علي عليهما السلام [ص 46] قد امره الله بالكف عن القتال و في زمانه عليه السلام ظهرت الفتن الملبسة و الظلمة المدلهمة و خفي الحق بالمرة و عبد الشيطان جهرة و شاعت المنكرات و عظمت البليات و دخل في القلوب الشكوك ( التشكيك خ‌ل ) و الشبهات و احاطت ظلمة الجهل و الباطل بالعالم و آن للدين ( و كاد الدين خ‌ل ) ان يندرس و للحق ان ينهدم و لذا كانت صلوة العشاء الآخرة منسوبة الي الحسن عليه السلام و كان في خفاء الحجة خراب العالم و ابطال النظام امر الحسين عليه السلام بالجهاد و عدم مبايعة اهل العناد و لما كان الامر كما ذكرنا من وجوب ايصال المكلف به و عدم الجائهم الي القبول وجب ان لايقاتلهم عليه السلام بقوته و قدرته و الا لافناهم او ( و خ‌ل ) الجأهم الي القبول و هو خلاف سر الحكمة فمابقي الا ان يقتل روحي فداه و لما كان ظهور سلطنة النبي صلي الله عليه و آله و اعلاء امره انما هو بقتله عليه السلام اذ لم‌يتهيأ لساير الائمة عليهم السلام ما قد تهيأ له من ظاهر الاسباب و كان الخلق في مبدء القوس الصعودي في مقام الانجماد لم‌يكن يتبين لهم من عظم قتله عليه السلام ليتنبهوا و يتعظموا الامر كما لم‌يتنبهوا بقتل ( لقتل خ‌ل ) الوصي اميرالمؤمنين و الحسن عليهما السلام مع انهما اعظم من الحسين عليه السلام وجب في مقام تربية العالم ان يجري عليه روحي فداه جميع الانواع من المكاره و الهموم و المصايب و المحن و البلايا التي يرق لها القلوب فان الناس لاختلاف ميولاتهم و اهوائهم لايجتمعون علي شيء واحد لا في الفرح و لا في الحزن فوجب ان يجري عليه عليه السلام من الآلام و المحن بحيث يرق له القلوب [ص 47] بجميع ميولاتها المختلفة و شهواتها المتشتتة حتي لايبقي لاحد العذر في البكاء و النحيب و الرقة عليه عليه السلام من القتل و النهب و العطش و سبي النساء و سلب الرؤس و شماتة الاعداء و الغربة و الاسر و امثالها من الامور التي كل واحد منها مستقل في اهلاك النفس من شدة الوجد و التألم فكل احد و كل شيء لا بد ان يرق له و يبكي عليه لان القلب و ان كان قاسيا لا بد ان يرق و يتأثر بجهة من الجهات و لم‌يبق جهة من الجهات مما يرق له القلب الا و قد جري عليه عليه السلام فصار ذلك امرا ( فصار تلك امر خ‌ل ) لاينسي و جرحا لايداوي مع ما ظهر من بكاء الشمس و النجوم و الافلاك بالكسوف و جريان الدم منها و ظهور الحمرة في الافق و نبع الدم تحت كل حجرة و مدرة و امثال ذلك من الامور العظام فتنبه الناس عن الغفلة و استبصروا و اعتقدوا حقيتهم فتبين النور في ذلك الليل الديجور و طلع الفجر و لذا كان سورة الفجر سورة الحسين عليه السلام قال تعالي ان قرآن الفجر كان مشهودا فرقت له قلوب الخلايق و جعل الناس و الجن يقيمون عزاءه في كل مجلس في كل سنة بل في كل شهر بل في كل اسبوع بل في كل يوم و اذا مروا علي غريب ذكروه او مروا علي شهيد او علي مظلوم او علي مريض او علي عطشان او علي فريد او علي مبتلي ذكروه و لايخلو العالم من شيء من ذلك في كل وقت و هو قوله عليه السلام علي ما روته سكينة انها سمعت منه يردد هذه الابيات :

شيعتي ما ان شربتم ماء عذب فاذكروني او مررتم بغريب او شهيد فاندبوني [ص 48] 

و انا السبط الذي من غير جرم قتلوني و بجرد الخيل بعد القتل عمدا سحقوني

ليتكم في يوم عاشورا جميعا تنظروني كيف استسقي لطفلي ثم هم لم‌يرحموني

فاقام الخلق عزاءه في كل البلدان ( في البلدان خ‌ل ) و اطراف الارض في كل الاوقات فصار انتشر الخبر شيئا فشيئا و ازدادت الشهرة في كل وقت و ساعة الي ان آل الامر الي ( الي ان خ‌ل ) الكفار و الفجار و الاشرار و الابرار في نواحي الهند و السند و الروم يقيمون له العزاء و الماتم و هو عليه السلام ابن بنت رسول الله صلي الله عليه و آله و ماقتلوه الا لانه ادعي حقه و انه احق بالامر و الخلافة و الوراثة من غيره فيبلغ الخبر الي من لم‌يسمع النبي و الاسلام و هكذا يشتهر الي يوم القيمة و يتم الحجة علي كل احد و يصل التكليف الي الخلق باجمعهم بذلك فلم‌يبق في الدنيا مكان لم‌يطلعوا علي هذه المصيبة الهايلة فظهر الاسلام و علت كلمة التوحيد و وصل التكليف الي كل احد و لم‌يلزم الجاء احد الي الايمان و بقي المنافق الظالم علي كفره و غيه و نفاقه و وصل صيت الاسلام الي كل احد و بلغ المؤمن المصدق بشدة ظهور اعلام الهداية الظاهرة من قتله عليه السلام الي اعلي مقامات الايمان فوجب لذلك رفع الصوت بالبكاء و النحيب و جهر القول في مرثيته و الشهيق عند ذكر مصيبته و بليته فعلي مثل الحسين عليه السلام روحي فداه فليبك الباكون و اياه فليندب النادبون و لمثله فلتذرف الدموع من العيون و يضج الضاجون و يعج العاجون و لعنة [ص 49] الله علي قاتليه و ظالميه و خاذليه ابد الآبدين و دهر الداهرين لعن الله يزيد بن معاوية لعن الله يزيد بن معاوية لعن الله يزيد بن معاوية لعن الله يزيد بن معاوية ، صلي الله عليك يا اباعبدالله صلي الله عليك يا اباعبدالله صلي الله عليك يا اباعبدالله صلي الله عليك يا اباعبدالله ، انا الي الله ممن قاتلك بريء انا الي الله ممن قاتلك بريء انا الي الله ممن قاتلك بريء انا الي الله ممن قاتلك بريء .

هذا ما سمح به خاطري الفاتر في هذا المقام مع تكثر الامراض و توفر الاعراض و اختلال البال بمعاناة الحل و الارتحال و لو كان لي قلب و مجال لارخيت عنان القلم في هذا الميدان و لاريتك من عجايب الاسرار و غرايب الانوار مما لايكاد ( لاتكاد خ‌ل ) يحتمله الجنان و بهذا القدر كفاية لاهل الدراية و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين و الحمد لله رب العالمين .

قد فرغ من تسويد هذه العجالة منشيها ليلة الخميس الرابع و العشرين من شهر جمادي الاولي سنة ١٢٣٦ حامدا مصليا مسلما مستغفرا .