و اما الامر السادس اي معني التعاكس علي خلاف مقتضي الكينونة فاعلم ان الولاية لله كما قال عز و جل هنالك الولاية لله الحق و لما كان ذات الله سبحانه لاتباشر الاشياء لتكرمها و قدوسيتها فيكون التعلقات انما هي بالظهورات الفعلية و كل من هو اقرب اليه سبحانه لكمال ( بكمال خ‌ل ) التوجه الكوني و الشرعي فهو اولي بهذه الولاية و كل من اشتد مقامه في القرب من التكويني و التشريعي يكون سر ظهور القدس ( القدوس خ‌ل ) و الجلال و التنزه و الوحدة و البساطة فيه اكثر و اشتد و ( اشد خ‌ل ) ذلك بعينه يستلزم تعاليه و تقدسه عن التعلق بالحوادث الكونية و المتأخرة عن هذه الرتبة لما ظهر فيه سر [ص 83] الكينونة مع تراكم اطوار التنزل النوري اي ( الي خ‌ل ) الانية النورانية التي هي حجاب الزبرجد في حديث المعراج استقرت فيه تلك الظهورات و تحققت به تلك النسمات انظر الي النار فان لها القيومية و التأثير بالنسبة الي آثارها فاذا تعلقت بالهواء لم‌يكن لها ظهور ابدا لكمال اتصال الهواء و تنزهها عن الكدورات فلم‌يستقر له الظهور لانه فرع الانية و هو قد شابهها فلا فرق بينه و بينها كما قال الشاعر :

رق الزجاج و رقت الخمر فتشاكلا و تشابه الامر

فكأنما خمر و لا قدح و كأنما قدح و لا خمر

و لما تعلقت هذه النار بالدهن الزيتوني علي الشجرة المباركة التي ليست شرقية و لا غربية يكاد زيتها يضيء و لو لم‌تمسسه نار مع كونها في الزجاجة التي كأنها كوكب دري ( كأنها الكواكب الدري خ‌ل ) و كون الزجاجة في المشكوة ظهر من تعلقها بالدهن الموصوف ضياء عظيم و اشعة قوية و شعلة مرئية و آثار عجيبة و ذلك الصفاء ( لذلك لصفاء خ‌ل ) قابلية الدهن و كثافتها بالنسبة الي الهواء و حفظها اثر النار و لا شك ان النار من دون توسط الهواء لاتتعلق بالدهن و لذا تري السراج ينطفي اذا تحبس ( انحبس خ‌ل ) الهواء فالنار مثال ولاية الله سبحانه و الهواء مثال الحقيقة المحمدية صلي الله عليه و آله و الدهن الصافي علي ما وصفه الله سبحانه في كتابه مثال الحقيقة العلوية و لما كانت الولاية الظاهرة في الحقيقة العلوية ظهرت آثارها فتلألأت انوارها كان اميرالمؤمنين عليه السلام بذلك حامل اللواء فجلال القدرة التي هي الولاية الحقيقية ( الحقيقة خ‌ل ) للنبي صلي الله عليه و آله لكنها قد ظهرت في اميرالمؤمنين [ص 84] عليه السلام كما ظهرت الكواكب المدبرات و البروج و المنازل و ساير المبادي في الكرسي دون العرش مع انه اعظم و اقوي فالكرسي حقيقة طائف حول جلال القدرة في عالم الظهور لان الفيوضات الواردة في العالم المنتشرة في اقطار الارض كلها من الكرسي و ان كان الكرسي لايستمد الا من العرش فمحمد صلي الله عليه و آله و علي عليه السلام نسبتهما في عالم الباطن نسبة العرش و الكرسي فالعرش كان طائفا حول جلال القدرة قبل خلق الكرسي اي حاملا لولاية الله فلما خلق الله الكرسي ظهرت له انية النورانية بظهور النفس القدسية المطمئنة فكانت ( فكان خ‌ل ) سببا لتفاصيل ظهور الولاية الاجمالية التي كانت للعرش فالولاية ظهرت في الكرسي و ثبتت الكرسي ( للكرسي خ‌ل ) و بقي العرش علي محض الوساطة و الترجمة المعبر عنهما ( عنها خ‌ل ) بالنبوة فافهم فالعرش صمت اي لم‌يسمع كلامه احد و الا فهو الناطق لا سويه بخلاف الكرسي فانه قد نطق و قد سمع كلامه كل احد و لذا تري الناس قد غلوا في علي عليه السلام بين قائل بانه هو الله و بين قائل بانه فوض اليه امر الله علي معني الاعتزال و بين قائل بانه اشرف من رسول الله صلي الله عليه و آله و ماغلوا في محمد صلي الله عليه و آله اذ لم‌يظهر منه صلي الله عليه و آله ما ظهر من علي عليه السلام من المعجزات و خوارق العادات و اظهار تلك الخطب التي تدهش عندها العقول مثل خطبة الافتخار و خطبة البيان و خطبة ( الخطبة خ‌ل ) الطتنجية و امثالها مع ان ما ظهر من اميرالمؤمنين عليه السلام انما كان من محمد صلي الله عليه و آله لانه حسنة من حسناته و لولا ان اميرالمؤمنين ما قال ( اميرالمؤمنين قال خ‌ل ) [ص 85] انا عبد من عبيد محمد صلي الله عليه و آله و لولا انه اظهر له الخضوع و الانكسار و التذلل و لولا ما قال اميرالمؤمنين عليه السلام انا من محمد كالضوء من الضوء لم‌يعرف الخلق محمدا صلي الله عليه و آله كما ان الكرسي فلك الثوابت و الافلاك ( افلاك خ‌ل ) الكواكب السيارة لو لم‌تتحرك بخلاف التوالي و لم‌تتبع العرش في حركاته و لم‌تظهر له الانكسار و الخضوع بمتابعتها اياه علي خلاف مجريها و اظهار عجزها عن الانفراد عنه لم‌يعرف احد ان الفلك الاعظم هو العرش و ان هنا فلكا محيطا بهذه الافلاك الثمانية يدبرها و يسخرها فظهر في جلال القدرة اميرالمؤمنين عليه السلام و حمل ولاية الله الظاهرة في الخلق بمحمد صلي الله عليه و آله فسمي عليا لانه اسم تلك المرتبة و لذا كان ذكر السجدة التي تحكي تلك الرتبة الظاهرة بذهاب الانية مطلقا سبحان ربي الاعلي و بحمده فباطنهما ( سبحان ربي الاعلي فباطنهما خ‌ل ) صلي الله عليهما كما مثلنا لك مثل العرش و الكرسي و ظاهرهما في عالم الظهور مثل الشمس و القمر فالشمس تستمد من الكرسي و لذا تريها لا عرض لها ( له خ‌ل ) لان فلكها الخارج المركز في سطح منطقة البروج و لم‌يفارقها ابدا و القمر تستمد من الشمس ( و القمر يستمد من العرش خ‌ل ) فالنبوة الظاهرة تستمد من الولاية الباطنة التي هي الظاهرة في الخلق كما ان الولاية الباطنة التي هي الظاهرة تستمد من النبوة الباطنة كما تستمد الحرارة التي في ( هي خ‌ل ) السراج من التي في الهواء و لكن النبي صلي الله عليه و آله ظهر بالنبوة الظاهرة و اميرالمؤمنين عليه السلام بالولاية الباطنة فامير المؤمنين عليه السلام في مقام الظهور جري عليه حكم البطون و محمد صلي الله عليه و آله [ص 86] جري عليه حكم الظهور و هو بطن ( ابطن خ‌ل ) البطون و غيب الغيوب و في هذا المقام كلمات غريبة و اسرار عجيبة لم‌تذكر في كتاب و لم‌تجر ذكرها في خطاب لقد ذكرت شرذمة مما يمكن اظهاره في هذا الباب في شرح الخطبة الطتنجية لمولانا اميرالمؤمنين عليه السلام فمن اراد الاستبصار فعليه بتهذيب تلك القواعد فانها منتهي المطلب و تذكرة و ارشاد لاهل التنقيح ( النضج خ‌ل ) و الاسترشاد .

و اما الامر السابع اي ثبوت هذا التفاوت بالنسبة الي غير محمد و علي عليهما السلام من ساير الائمة عليهم السلام فاعلم ان هذا التفاوت ثابت في كل من ثبت له الفضيلة منهم عليهم السلام بالنسبة الي غيره و هم سبعة اولهم محمد صلي الله عليه و آله لانه سيد الخلق ثم اميرالمؤمنين عليه السلام لانه خير الخلق بعد رسول الله صلي الله عليه و آله لقوله صلي الله عليه و آله الحسن و الحسين سيدا شباب اهل الجنة فاثبت لهما الفضيلة علي كل الخلق لان اهل الجنة خير من اهل النار و كلما في الجنة شباب اذ ليس فيها كهل فسيدهم خيرهم ثم استثني عليا فقال و ابوهما خير منهما ثم الحسن عليه السلام كما في الدعاء المنسوب الي اميرالمؤمنين عليه السلام المسمي بالعديلة الي ان قال عليه السلام ثم من بعده سيد اولاده الحسن بن علي ثم اخوه السبط التابع لمرضات الله الدعاء ، ثم الحسين عليه السلام لانه ( لانه سيد خ‌ل ) شباب اهل الجنة ثم القائم المنتظر عجل الله فرجه لقوله صلي الله عليه و آله قائمهم افضلهم اعلمهم ثم من بعده الائمة الثمانية صلي الله عليهم اذ لم‌يتبين لنا من الاخبار [ص 87] ما يدل علي افضلية بعضهم علي بعض و ليس لنا ذلك المقام حتي ندرك التفاضل بينهم بعقولنا و احلامنا فرجع ( فنرجع خ‌ل ) الي تساويهم في الرتبة و الا لبينوا لنا كما بينوا تفاوت من ذكرنا تفاوتهم و لولا بيانهم ماعرفنا و لاقدرنا علي التعبير ثم بعدهم الزهراء الصديقة صلي الله عليها و علي ابيها و بعلها و بنيها لان الرجال في كل مرتبة اشرف من النساء لقوله تعالي الرجال قوامون علي النساء بما فضل الله بعضهم علي بعض و بما انفقوا من اموالهم فوجب ان يكون هذا التفاوت حاصلا بينهم لان كل سافل عن عاليه منهم عليهم السلام كما علي عن محمد صلي الله عليهما و آلهما الا ان الذي اعرف من تلويحات الاخبار ان مقدار التفاوت ( التفاوت ليس كمقدار ما بين محمد صلي الله عليه و آله و علي عليه السلام بل الظاهر و الله اعلم ان مقدار التفاوت خ‌ل ) ستون‌الف سنة كما يشعر عليه دخول السين ( الستين خ‌ل ) الذي هو تكرار اللام في الحسن و الحسين عليهما السلام ،

و اياك و اسم العامرية انني اخاف عليها من فم المتكلم

و اما هؤلاء المعصومون من اولاد اميرالمؤمنين عليهم السلام فكلهم طائفون حول جلال القدرة كجدهم و سيدهم اميرالمؤمنين عليه السلام لانهم حكوا طويته و ظهروا علي شاكلته فالتفاوت بين كل سافل منهم مع عاليه كما ذكرناه و لكن الطواف لاينعكس الا ان جلال القدرة التي هي عبارة عن الولاية التي هم يطوفون عليها يعني حاملون لها و مظهرون آثارها هي ( و هي خ‌ل ) ظاهرة في غيبهم و سرهم الا ان كل مرتبة من هذه المراتب يطوف حول جلال القدرة الظاهرة في مقامه اي حول فلك ولايته المطلقة الخاصة به و [ص 88] المثال التقريبي هم الملئكة الذين علي ارجاء سماء الدنيا و يطوفون حولها و الملائكة الذين يطوفون حول السماء الثانية و الذين يطوفون حول السماء الثالثة و الملئكة الذين يطوفون حول العرش و الكل في مقامهم طائفون ( الطائفون خ‌ل ) و لباب الله طارقون و بنور العناية مستنيرون و من المدد الظاهر في مقامهم مستمدون و يمدون ما تحتهم علي حسب القوابل من احكام الاقبال و الادبار و هو قوله تعالي كلا نمد هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربك و ماكان عطاء ربك محظورا فافهم السر الحق و الكبريت الاحمر فقد اودعت لك في اصداف هذه الكلمات و الالفاظ و العبارات دررا من عجائب المعاني و الاسرار فان عثرت عليها فاعرف قدرها و اخزنها في محلها و ادفنها في ارض القلوب الطيبة و الصدور المستنيرة لولا ( و لولا خ‌ل ) ما قال مولينا الصادق عليه السلام ما كلما يعلم يقال و لا كلما يقال حان وقته و لا كلما حان وقته حضر اهله ، لاظهرت من المطالب اغربها و من المراتب اعجبها و من المعاني ارفعها و اسناها و من العلوم ( العلوم اشرفها و خ‌ل ) ابهاها و لكنه ما الحلية فان الناس قد قنعوا بالادني و ركنوا الي هذه الدنيا فاحتجبوا ( ما احتجبوا خ‌ل ) عن مشاهدة الانوار ( الابرار خ‌ل ) و جعلت قلوبهم في اكنة عن مشاهدة الاسرار فما عسي ان يقول قائل فوجب السكوت و الصمت كما وصف عن اميرالمؤمنين ( وصف اميرالمؤمنين خ‌ل ) عليه السلام العلماء الطاهرين ( الظاهرين خ‌ل ) بذلك كما روي في الكافي عنه عليه السلام الي ان قال المتبعون ( المتبوعون خ‌ل ) لقادة الدين الائمة الهادين الذين ينهجون منهجهم هجم بهم العلم علي حقيقة الايمان فباشروا روح اليقين فاستلانوا من احاديثهم ما استوعر علي غيرهم و انسوا بما استوحش منه [ص 89] المكذبون و اباه المسرفون اولئك اتباع العلماء حقا فعلماؤهم و اتباعهم خرس و صمت ( خرس صمت خ‌ل ) في دولة الباطل الحديث ، و انا اقول كما قال الشاعر :

و ان كنت ذا فهم تشاهد ما قلنا و ان لم‌يكن فهم فتأخذه عنا

و ما ثم الا ما ذكرناه فاعتمد عليه و كن في الحال فيه كما قلنا ( كنا خ‌ل ) .

قال سلمه الله تعالي : و منوا عليّ ثالثا بايضاح هذه الفقرة الشريفة من الدعاء المشهور بدعاء الصباح يا من دل علي ذاته بذاته مع مجهولية الذات ان كانت للغير و ان كانت الذات الظاهرة فبينوا معني الذات الظاهرة و شرح ( سر خ‌ل ) المطلب و منوا علي بالتفصيل التام .

اقول قد دل العقل القاطع و الفهم الصائب بعد انعقاد الضرورة من جميع المسلمين بل و المليين ان ذات الله سبحانه لاتدرك و لاتعقل و لاتحس و لاتنال بالعقول و الافهام و لاتدركه المشاعر و الاحلام و انقطت ( انقطعت خ‌ل ) جميع الموجودات عن البلوغ اليها و انحسرت ابصار كل المخلوقات دون الدنو اليها كيف لا و قد انقطع الادراك عن بعض صفات ملكه و الاحساس عن بعض نعوت خلقه لقد قال سيد الساجدين عليه السلام في الصحيفة في الدعاء بعد صلوة الليل و استعلي ملكك علوا سقطت الاشياء دون بلوغ امده و لم‌يبلغ ادني ما استأثرت به من ذلك اقصي نعت الناعتين ضلت فيك الصفات و تفسخت دونك النعوت و حارت في كبريائك لطائف الاوهام ، فاذا كان هذه صفة ملكه الحادث الذي في جنب محدثه القديم مضمحل باطل لا ذكر له فيه و لا حقيقة له عنده فما ظنك بالذات البحت و ذات ساذج و المجهول النعت و المجهول المطلق قال [ص 90] اميرالمؤمنين عليه السلام في الخطبة المعروفة باليتيمية ( باليتمية خ‌ل ) الي ان قال عليه السلام ان قلت هو هو فالهاء و الواو كلامه صفة استدلال عليه لا صفة تكشف له ان قلت الهواء صفته فالهواء من صنعه رجع من الوصف الي الوصف و دام الملك في الملك و عمي القلب عن الفهم و الفهم عن الادراك و الادراك عن الاستنباط و هجم له الفحص علي العجز و البلاغ علي القصد ( و البلوغ علي الفقد نسخة ) و الجهد علي اليأس الطريق مسدود و الطلب مردود دليله آياته و وجوده اثباته و قال مولينا الصادق عليه السلام كلما ميزتموه باوهامكم في ادق معانيه فهو مخلوق مثلكم مردود اليكم ، و يكفيك في هذا المقام قول سيد الانام الذي هو اعرف الخلق بالله ماعرفناك حق معرفتك ففي الدعاء اللهم فت ابصار الخلائق و فهم خيرتك من خلقك و قال سيد الساجدين و لم‌تجعل للخلق طريقا الي معرفتك الا بالخلق ( بالعجز خ‌ل ) عن معرفتك ، و بالجملة هذا شيء معلوم غني عن تجشم الاستدلال فلاتصغ اذن الي قول بعض الجهال ان معرفة الذات سبحانه حظ الانبياء و المرسلين و العرفاء الكاملين الا ان يأول بتأويل و الا فعلي ظاهره فاسد باطل و مجتث زائل فاذا وجدت رواية او ( و خ‌ل ) آية تدل علي خلاف ما اقتضته ( قضته خ‌ل ) الضرورة و شهدت به الملة و اجمع عليه العقلاء فلاتحملها علي ظاهرها المعروف عند عوام اهل اللغة و العرف العام فاعمد الي بيانها و توجيهها علي ما يوافق المذهب و الدين و نطقت به شريعة سيد المرسلين و يطابق وجها او وجوها من السبعين التي ارادوها عليهم السلام من كلامهم ان قدرت و الا فارجعها الي اهلها و ذرها في سنبلها و لاتقل ما لاتعلم و [ص 91] لاتعتقد ما لايجوز لك اعتقاده و لاتنكر ما لايبلغ اليه فهمك و كن كما اريك ( ادبك خ‌ل ) الله سبحانه لقوله ( بقول خ‌ل ) الحق و لاتمش في الارض مرحا انك لن‌تخرق الارض و لن‌تبلغ الجبال طولا كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها يعني لاتسع و لاتسر في ارض العلوم و المعارف متبخترا مستقلا ظانا بان العلم هو الذي ادركته فانك لن‌تخرق ارض العلوم و لن‌تبلغ قعره و منتهاه و لن‌تبلغ الجبال اي آل‌محمد صلي الله عليه و آله لانهم اوتاد الارض طولا اي ارتفاعا و مكانة فخذ منهم و لاتكن مثل من عيرهم بقوله و اذ لم‌يهتدوا به فسيقولون هذا افك قديم ، بل كذبوا بما لم‌يحيطوا بعلمه و لمايأتهم تأويله و من جملة ( جهة خ‌ل ) تلك الروايات التي لايجوز ان تحمل علي ظواهرها ( ظاهرها خ‌ل ) المعروف عند عامة الناس هذه الفقرة الشريفة من الدعاء الشريف و هو قوله عليه السلام يا من دل علي ذاته بذاته و هو قوله ( و قوله خ‌ل ) عليه السلام في دعاء ( الدعاء خ‌ل ) السحر بك عرفتك و انت دللتني عليك و دعوتني اليك ، و امثال هذه الفقرات في الادعية و الروايات كثيرة جدا و بيان ذلك علي المعني المتعارف ان ( و ان خ‌ل ) الله سبحانه لما خلق الخلق لمعرفته كما قال في الحديث القدسي كنت كنزا مخفيا فاحببت ان اعرف فخلقت الخلق لكي اعرف ، و حيث عرفت ان معرفة الذات مما لايمكن ان تحصل و يستحيل الوصول اليها لان شرط الادراك احاطة المدرك بالمدرك او كون المدرك عين المدرك و كلا الامرين في الواجب و الامكان محال لان الواجب لاينزل الي الامكان حتي يعرفه الممكن و الممكن لايصعد الي الوجوب حتي يدرك الواجب و اما ادراك الواجب [ص 92] للممكن ( الممكن خ‌ل ) بالاحاطة و القيومية فلايمكن ذلك بالنسبة الي الممكن مع الواجب فانقطع طريق الممكن و سبيله عن معرفة الواجب و قد عرفت انه سبحانه انما خلق الخلق للمعرفة فوجب ان يعرفهم بنفسه و يدلهم علي نفسه و الا لبطلت غاية الايجاد ( الغاية للايجاد خ‌ل ) و هو علي الحكيم محال فوجب علي الله سبحانه و تعالي ان يعرف نفسه و ذاته لخلقه ليتم غاية ايجاده و هذا التعريف لايكون الا بالفعل و الوصف لا الذات و الحقيقة و هو قوله عليه السلام يا من دل علي ذاته بذاته يعني بوصفه ( لوصفه خ‌ل ) و تعريفه فان الذات لها اطلاقان اطلاق يراد بها ما يقابل الوصف و الفعل كما يقال ان الشيء له ذات و صفة و له ذات و فعل و كما قسم التوحيد الي توحيد ( التوحيد خ‌ل ) الذات و الصفات و الافعال و العبادة فالذات في هذه الاطلاقات يراد بها حقيقة الشيء من حيث هي هي مجردة عن ملاحظة الصفة و الفعل و جميع ما ينسب اليها و لها اطلاق آخر تطلق و يراد بها ما يقابل الغير فيدخل فيها الغير ( الفعل خ‌ل ) و الصفة و جميع ما ينسب الي الشيء كما يقال اتيته بنفسي ( بنفسه خ‌ل ) و كلمته بنفسي و قلت له بنفسي و بذاتي و لا ريب ان هذه الاشياء انما هي ( هو خ‌ل ) بفعله و اثره و احداثه لا بعين ذاته الحقيقة البسيطة فالمراد بالذات في هذه الفقرة الشريفة الاطلاق الثاني فدل علي ذاته علي حسب ( بحسب خ‌ل ) ما يمكن ان يصل اليه المخلوق من الظهور بآثار فعله بذاته يعني بنفسه لا بغيره فان الغير مايعرفه علي ما ينبغي علي ما هو عليه من الظهور في الخلق و مثل هذه الاطلاقات في الروايات كثيرة مثل قول علي بن الحسين سيد الساجدين عليه و علي آبائه و ابنائه السلام لما صعد الي المنبر في الشام بمحضر يزيد [ص 93] بن معاوية عليه اللعنة و الهاوية فقال ( و قال خ‌ل ) ايها الناس من عرفني فقد عرفني و من لم‌يعرفني فانا ( فاني خ‌ل ) اعرفه بنفسي انا علي بن الحسين بن علي بن ابي‌طالب الخطبة ، و مثل قول مولينا الجواد لما صعد به علي ( صعد علي خ‌ل ) المنبر في مسجد النبي صلي الله عليه و آله و هو ابن ستة اشهر مقمطا بالقماط فقال ايها الناس من عرفني فقد عرفني و من لم‌يعرفني فاني اعرفه بنفسي الي آخر الخطبة ، و امثالهما كثيرة ( كثير خ‌ل ) في الاخبار يجده من جاس خلال تلك الديار و هذا التعريف لايكون الا بالفعل و هذه الدلالة لاتكون الا بالوصف فنسب الي ذاته لان هذه الدلالة و التعريف منسوب اليه لا الي غيره ( لا غيره خ‌ل ) و لذا قال (ع) دل علي ذاته بذاته يعني هذه المعرفة التي عندنا له سبحانه و تعالي انما هي به سبحانه و منه لا بغيره اذ لا احد يعرفه و لا احد يصفه كوصفه و تعريفه و لايلزم من ذلك ان يكون الدال و المدلول عليه هو الذات البحت الذي ( التي خ‌ل ) لايجوز تعلق الادراك به من كل احد من الموجودات بل المراد بالذات في مقابل الغير يعني هو سبحانه و تعالي عرفني كما تقول هو خلقني فاذا قلت لك اني عرفت ( عرفت نفسي خ‌ل ) فلانا نفسي و لم‌يكن يعرفني فمرادي اني عرفته اسمي و رسمي ( رسمي و اسمي خ‌ل ) و نسبي المعلوم برسمي و اسمي و وصفي لا حقيقة ذاتي فان منتهي تعريفي لنفسي اياه ان اقول له انا فلان بن فلان ( فلان بن فلان خ‌ل ) و هذا كلامي و اثري احدثته لا من شيء وصفته علي هيئة توصيفي فالقيته علي الذي لايعرفني فقد عرفته نفسي ما ( بما خ‌ل ) القيت عليه من صفة فعلي الظاهر بكلامي فماعرف مني الا ذلك الشيء الملقي اليه لا غير فاذا قلت انا فلان بن فلان ماعرف مني الا هذا [ص 94] الوجه و اذا سئلته عني هل هو عالم او جاهل هل هو كاتب او شاعر هل هو صائغ او نجار و غيرها من ساير الصفات لايعرف شيئا منها الا قدر ما ( الا ما خ‌ل ) القيته اليه لا غير فلو عرف ذاتي و حقيقتي ماخفي عليه شيء من تلك الصفات لان العارف بحقيقة الذات عارف بجميع مراتب الصفات فاذا سألته بعد ذلك فقلت له من عرفك بهذا فقال ( قال خ‌ل ) عرفني فلان نفسه و لايريد من هذا الاطلاق الا الذي ذكرت لك من معرفة رسمه و اسمه لا غير و كذا الحق سبحانه لما عجز الخلق عن معرفته عرفهم بنفسه و قد وصف لهم بعض ظهورات فعله لا غير و لذا قال في الدعاء بك عرفتك و انت دللتني عليك و دعوتني اليك و هذا شيء معلوم يشهد به الوجدان و العيان و اما كيفية التعريف و الدلالة فاعلم ان الله ( انه خ‌ل ) سبحانه حيث وجب ان يعرف نفسه لخلقه وجب ان يكون ذلك التعريف اجلي ما يكون حتي لايسع لاحد جهله و لان المنسوب اليه تعالي لا بد ان يكون اعلي و اشرف و اكمل مما يمكن ان يكون و لذا وجب ان يكون تعريفه اجلي التعاريف و بيانه اجلي البيانات و دلالته اوضح الدلالات و لما تأملنا في البيان وجدناه علي قسمين حالي و مقالي و لا ريب ان التعريف الحالي اجلي من التعريف المقالي فوجب ان يعرف نفسه لهم بالتعريف الحالي و معني التعريف الحالي ان يخلق لهم صفة معرفته حتي يعرفوه سبحانه بها علي اكمل ما يكون من المعرفة و لما كان الوصف و التعريف و البيان كلما قرب الي من وصف له و بين له اكمل و اعلي و ادحض للحجة و اكمل للنعمة وجب ان يجعل ذلك البيان الحالي و الوصف الشهودي قريبا الي المخلوقين [ص 95] الذين وصف نفسه لهم و دلهم عليه و لما كان ليس شيء اقرب الي الشيء من نفسه و فعله سبحانه وجب ان يكون علي اكمل ما يكون وجب ان يجعل حقايق الموجودات او ( و خ‌ل ) ذوات الممكنات وصفا حاليا له سبحانه فخلق و له الحمد و الشكر ذوات الموجودات و حقايق الكاينات علي هيكل معرفته و صفة توحيده بحيث من عرف نفسه فقد عرف ربه فتلك ( و تلك خ‌ل ) الصفة المودعة في حقايق الكاينات و حقايق الحوادث هو المسمي مرة بالآية و هو قوله تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق و مرة بالنفس من قوله عليه السلام من عرف نفسه فقد عرف ربه و مرة بالمثال في قوله عليه السلام فالقي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله و مرة بالتجلي في قول اميرالمؤمنين عليه السلام بل تجلي لها بها و بها امتنع منها ( عنها خ‌ل ) و مرة بالمقامات و العلامات في قوله عليه السلام في الدعاء و بمقاماتك ( مقاماتك خ‌ل ) و علاماتك التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرفك بها من عرفك لا فرق بينك و بينها الا انهم عبادك و خلقك و مرة بالاسم و هو قوله عليه السلام في الدعاء و باسمائك التي ملأت اركان كل شيء و مرة بالربوبية ( بالمربوبية خ‌ل ) و هو قوله عليه السلام العبودية جوهرة كنهها الربوبية فما فقد في الربوبية اصيب في العبودية ( فما فقد في العبودية وجد في الربوبية اصيب في العبودية خ‌ل ) و مرة بالجلال في قول اميرالمؤمنين عليه السلام كشف سبحات الجلال من غير اشارة و مرة بالمعلوم في قوله عليه السلام محو الموهوم و صحو المعلوم و مرة بالسر في قوله عليه السلام هتك الستر لغلبة السر و مرة بالاحدية كما في قوله عليه السلام جذب الاحدية لصفة [ص 96] التوحيد و مرة بالنور المشرق من صبح الازل في قوله عليه السلام نور اشرق من صبح الازل فيلوح علي هياكل التوحيد آثاره و مرة بالصبح الطالع في قوله عليه السلام اطفئ السراج فقد طلع الصبح و مرة بنور الله في قوله عليه السلام اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله و مرة بالوجه في قوله تعالي فاينما تولوا فثم وجه الله و قوله تعالي كل شيء هالك الا وجهه علي احد التفاسير و كل ذلك تعبيرات عن ذلك الوصف الالهي و الخطاب الشفاهي و النقش الفحواني ( الفهواني خ‌ل ) و الذات الظاهرة و تلك الصفة هي فطرة الله التي فطر الناس عليها و تلك الصفة التي هي صفة الاستدلال علي قسمين صفة تدل علي كماله و صفة تدل علي توحيده فخلق سبحانه الاشياء علي ثلاث مقامات مقام نقص و مقام كمال و مقام وحدة ففي المقام الاول ينزه المعبود الحق سبحانه عنه لان الذي خلقه لايجوز ان يكون ناقصا و نقصا ( ناقصا نقصا خ‌ل ) يعرفه السافل و في المقام الثاني يصفه سبحانه بالكمال لا علي الوجه الذي عنده مثلا خلق الله سبحانه في الخلق الحدود و القيود و التركيب لينزه مبدئه سبحانه عنها و خلق سبحانه فيه العلم و القدرة و الحيوة و السمع و البصر و المعرفة ليصف مبدئه سبحانه بالصفات الكمالية لا علي الوجه الذي في الامكان فيثبت له العلم و القدرة و السمع و البصر علي وجه الوحدة و البساطة بدون تعدد و اختلاف لا في الذات و لا في الصفات و لا في المفهوم و لا في المصداق و لا في الذهن و لا في الخارج و لا في ( و في خ‌ل ) المقام الثالث يصف معبوده و مبدئه بالوحدة و التوحيد و ذلك مقام وجدان نفسه بلا كيف و لا اشارة و بيانه انه قد علم بالضرورة من العلم ان المنسوب غير المنسوب اليه فاذن كل شيء تنسبه اليك وجب ان يكون غيرك مثلا تقول زماني و مكاني و جهتي و كيفي و كمي و عرضي و جوهري [ص 97] و عقلي و روحي و جسمي و مادتي و طبيعتي و ساير ما تنسب اليك فتكون انت شيئا ليس بجوهر و لا عرض و لا ذات و لا صفة و لا جسم و لا طبيعة و لا مادة و لا مثال و لا عرش و لا كرسي و لا فلك و لا عنصر ( عنصري خ‌ل ) و لا كرة و لا دائرة و لا استقامة و لا اعوجاج و لا نفس و لا عقل و لا روح و لا قلب و لا فؤاد و لا ذكر و لا ذاكر و لا مذكور و لا حد و لا محدود و لا النهاية و لا اللانهاية و لا النور و لا الظلمة و لا المناسبة و المباينة و لا المخالفة و لا المعاكسة و لا المضادة و كلما تدركه مشاعرك و قواك مما تنسبه اليك فذلك الواحد بلا كيف و هو دليل الواحد الاحد الحق سبحانه قد خلق هذه الحقيقة في الخلق ليستدل ( لنستدل خ‌ل ) بها علي توحيده فلولا خلقه سبحانه اياها لاعرفنا توحيده علي حسب ما عندنا من المقام فدل علي ذاته بذاته فبه سبحانه عرفناه و لولاه ماعرفناه و معني انه تعالي دل علي ذاته بذاته انه سبحانه خلق فينا صفة تستدل ( نستدل خ‌ل ) بها عليه تعالي و هي ( فهي خ‌ل ) صفة استدلال عليه لا صفة تكشف له و بيان آخر لوجود هذه الصفة فينا هو ان الله سبحانه لم‌يكلفنا بمعرفة ذاته التي هي في مقابلة الصفات الفعلية و الافعال الخلقية و ذلك لعدم مشعر فينا يدركها و لكنه سبحانه كلفنا بمعرفته علي انه سبحانه لا كيف له و لا كم و لا اشارة و لا جهة و لا رتبة و غيرها من صفات الامكان و احوال الاكوان ( و الاكوان خ‌ل ) و الاعيان مما ذكرنا ( ذكر خ‌ل ) بعضها و ما لم‌يذكر و انه سبحانه قد سبق القبل و قبل القبل و البعد و بعد البعد و النهاية فلو لم‌يكن فينا مشعر بهذه الصفة لايمكن ان ندرك هذه الوجوه و كان التكليف بمعرفتنا ( بمعرفتها خ‌ل ) محالا و ( او خ‌ل ) كان التكليف بمعرفة الذات واجبا و اللازمان [ص 98] بديهي البطلان و نحن قد برهنا في كثير من مباحثاتنا و اجوبتنا للمسائل ان بين المدرك و المدرك يجب ان تكون مناسبة بل لايقع الادراك الا في مقام المدرك و هو قول مولينا اميرالمؤمنين عليه السلام انما تحد الادوات انفسها و تشير الآلات الي نظائرها فاذا وجب ان نعرف الله سبحانه منزها عن صفات الامكان و مبرء عن حدود الكون و المكان و مقدسا عن اطوار الاعيان و الاكوان فوجب ان يخلق فينا مشعرا مدركا يدرك ( مشعرا يدرك خ‌ل ) ذلك و لايدرك تلك الجهات الا ما كان منزها عنها و ذلك المشعر هو الاسم المخلوق الذي ذكره مولينا الصادق عليه السلام كما تقدم ذكره انه بالحروف غير مصوت و باللفظ غير منطق و بالشخص غير مجسد و بالتشبيه غير موصوف و باللون غير مصبوغ بريء عن الامكنة و الحدود مبعد عنه الاقطار محجوب عنه حس كل متوهم مستتر غير مستور ، و هذا هو المخلوق و هذا هو الاسم و صفة الاستدلال و هذا هو المثال قد خلقه سبحانه و جعله فينا لنستدل به علي احديته و واحديته و اسمائه و صفاته و سائر اضافات احواله و هو صفة الاستدلال لا صفة كاشفة و هو القول الفصل و هو كلمة التوحيد التكوينية و هو البسملة الحقيقية ( الحقيقة خ‌ل ) الاولية الالهية فمن عرف نفسه بهذا الرسم شاهد الاسم فينبأ ( فينبئه خ‌ل ) عن المسمي قال اميرالمؤمنين عليه السلام الاسم ما انبأ عن المسمي ، و هذا الانباء لايكون الا بظهور هذا الاسم و ظهور هذا الاسم لايكون الا بعد قطع النظر عما يدرك ( يدركه خ‌ل ) الحواس الخمس الظاهرة و عما يدركه بنطاسيا الحس المشترك المدرك للصور البرزخية و عما يدركه القوة الفكرية و القوة الخيالية و [ص 99] القوة الفهمية ( الوهمية خ‌ل ) و القوة العلمية و القوة العاقلة بالعقل المنخفض و القوة العاقلة بالعقل المستوي و القوة العاقلة بالعقل المرتفع فاذا قطع النظر عن هذه المدارك و المشاعر و مدركاتها و ما يدرك بها ظهر له سر ذلك الاسم الاعظم و النور الاقدم و هي السراج التي يمشي بها في ظلمات البدن و في ظلمات عالم الحدود و يجب ان يطفئها حتي يطلع الفجر الطالع و الصبح الصادق الذي هو اثر شمس الازل فهنالك يتجلي له الجبار بقدر سم الابرة من نور عظمته فيسبح في لجة بحر الاحدية و طمطام يم الوحدانية و تظهر المحبة ثم يفقد ( تفقد خ‌ل ) عند ظهور ذلك الاسم فيتصل بالرسم و هذا هو الصفة و بها تكون الدلالة و علي هذا النحو دل ذاته سبحانه علي ذاته فاذا عرفت هذا القدر من الكلام فاعلم ان التعريف الحالي و ان كان اجلي و التوصيف به و ان كان اظهر و اكشف و اعلي الا ان قران الوصف الحالي بالوصف المقالي و قران تعريف التكويني بالتعريف اللفظي و النقشي التدويني اكمل و اولي و لما كان فعله سبحانه لا بد ان يجري علي اكمل الوجوه و اشرف الاحوال في كل مقام فوجب قران الدلالة التكوينية الحالية بالدلالة اللفظية و النقشية و التدوينية ( النقشية التدوينية خ‌ل ) ففعل و له الحمد و الشكر و قرن الدلالتين و قارن بين الوصفين و جمع بين العالمين و بعث الانبياء و الرسل و جعل معهم الكتاب المنزل فاودع في الكتاب الوصف الذي جعله و اسره في الذوات حرفا بحرف و كل واحد منهما طبق الآخر ( للآخر خ‌ل ) و جعل عند النبي صلي الله عليه و آله جميع ما في الكتاب و جعل في الكتاب جميع ما يريد من [ص 100] الخلق من القشور و اللباب و جعل في الانسان و كل ذرة من الاكوان جميع ما اودعه في الرسل و الكتب و الانبياء و كانت العوالم و الحقايق و الاكوان شارحة و جامعة جميع ما في الصحف و الكتب و الانبياء و الرسل بحيث لو نظر الي حقيقة ذاته لوجدها كما قلنا ( قلت خ‌ل ) سابقا :

كل الذي تهويه عندك كامن من كل ما في عالم الامكان

و كذلك ما عند الانبياء و الرسل جميع ما في الحقايق و الذوات و سراير الوجودات و الرسل و الانبياء ايضا عندهم جميع ما في الكتب و الذوات و الحقايق و كل واحد منها بيان مستقل و شرح مجمل و مفصل لما في الآخر و بما يريد الله سبحانه و تعالي كل واحد يغني عن الآخر و هو قوله تعالي لقد من الله علي المؤمنين اذ بعث فيهم رسولا لان ما تحصل به المنة غير واجب و لا لازم مع ان الفرقة المحقة بدلالة العقل القاطع متفقة علي ان بعث الرسل و انزال الكتب لطف واجب علي الله سبحانه و تعالي و ذلك ليس الا لان الله سبحانه و تعالي جعل عندهم في حقايقهم و ذواتهم جميع ما يريد منهم من تكاليفهم فلو لم‌يكن باعثا للرسل كان ما عندهم كافيا لمعرفة ما يراد منهم من الاصول و الفروع و لكنه و له المنة من عليهم اذ بعث فيهم رسولا ( رسولا منهم خ‌ل ) يتلو عليهم آياته و بالجملة تبين لك ان الله سبحانه هو الذي دل علي ذاته بذاته و وصف نفسه و بين رسمه حيث لم‌يكن للخلق ان يعرفوه لا بالحقيقة و لا بالرسم فعرفهم نفسه و قال لهم اني انا الله لا اله الا انا فاعبدني و اقم الصلوة لذكري ان الساعة آتية اكاد اخفيها لتجزي كل نفس بما تسعي و هذا القول علي قسمين تكويني و تدويني و نحو البيان للجميع واحد لا اختلاف فيه [ص 101] كما ان قولك لا اله الا الله كلمة تدل علي التوحيد دلالة رسم و لايلزم من ذلك اتحاد حقيقة و لا الكشف عن الذات فنقول ان الله سبحانه وصف نفسه لخلقه و عرفهم ذاته بقوله الحق قل هو الله احد الله الصمد لم‌يلد و لم‌يولد و لم‌يكن له كفوا احد و هذا القول رسم و وسم ما يدل ( وسم يدل خ‌ل ) علي ما يمكن للخلق معرفته و قد عرف نفسه للخلق فكذلك الذوات و الحقايق فانها كلمات و اقوال تدل علي ذاته سبحانه و هذه الذات هي المقابلة للغير و المراد به الرسم و الصفة و الذات الظاهرة لا عين الذات و الحقيقة البحت البات فافهم هذا الكلام المكرر المردد بالفهم المسدد و اما الذات الظاهرة فاعلم انها هي الصفة و هي الرسم و هي التي تعتبر في المشتقات فاذا قلت زيد قائم فلايدلك علي القاعد و لا علي العالم و لا علي الصانع فلو كان الذات المعتبرة في المشتق هي عين الذات وجب ان تدل عليه لان الشخص اذا عرف عين ذات الشيء يعرف جميع عوارضه و مراتبه و مقاماته لان الذات هي السابقة عليها و لا ريب ان الاحاطة بالسابق العالي توجب الاحاطة بالمسبوق السافل و ذلك معلوم بديهي فلو كانت الذات المأخوذة في القائم هي عين ذات زيد لدلتك علي جميع الصفات و الاضافات و النسب و القرانات و سائر اطوار الحالات و بطلانه بديهي و عدم الدلالة ضروري فوجب ان تكون هذه الذات وجها و آية و دليلا علي الذات البحت و الا لماصح توصيفها بصفات متضادة و بصحة ( و لصحت خ‌ل ) الدلالة علي جميع الشؤنات الحقيقية و الاضافية الاتري النحاة جعلوا الصفة من التوابع و قالوا ان التابع كل ثان [ص 102] معرب باعراب سابقه و لا ريب ان الثاني غير الاول و ان التابع فرع المتبوع ( للمتبوع خ‌ل ) و لقد ذكروا بحيث ليس عندهم اختلاف في ان الاشتقاق اقتطاع فرع من اصل و قد جمعوا ( اجمعوا خ‌ل ) ان المشتقات فروع للمبادي و لو كانت مقدمة او كانت عين الذات لم‌تكن فرعا ضرورة ان الشيء لم‌يكن فرعا لنفسه و لا فرعا لما هو ادني منه فالضارب فرع للضرب فلو كانت ( كان خ‌ل ) الذات المعتبرة فيه عين ( عين ذات خ‌ل ) زيد مثلا لم‌يكن فرعا و انما كان اصلا ضرورة ان الذات اصل لحقيقة الصفات و قد اجمعوا ان المشتق الذي هو الضارب مثلا صفة لزيد لا الضرب فانه مباين له و مباين الشيء لايكون صفة له فاذا قلت جائني زيد القائم و قلت ان القائم صفة لزيد وجب ان يكون غير زيد لان اميرالمؤمنين عليه السلام صرح بذلك في قوله لشهادة كل صفة علي انها غير الموصوف و شهادة كل موصوف علي انه غير الصفة و شهادة الصفة و الموصوف بالاقتران و شهادة الاقتران بالحدث الممتنع من الازل الممتنع من الحدث ، فاذا ( فان خ‌ل ) كان القائم هو الصفة و زيد هو الموصوف فكانت ( و كانت خ‌ل ) الصفة غير الموصوف وجب ان يكون القائم علي ما هو عليه غير زيد الموصوف و وجب ان يكون الذات المعتبرة بالصفة غير ذات الموصوف و هذه الذات ( الصفات خ‌ل ) هي الذات الظاهرة التي نقولها و نتكلم عليها ( عنها خ‌ل ) فان مرادنا بها هي الصفة و هي الذات الظاهرة في المشتقات و بها تقع المعرفة بالاثر لان الاثر مايعرف الا ما ظهر فيه من اسم المؤثر لا غير ذلك و لذا تري ان الاثر لايدل علي جميع احوال المؤثر فاذا رأيت بناء يدلك علي ان له بانيا و اما ان ذلك الباني رجل او امرأة شاب او شائب [ص 103] جن او انس او ملك و هل هو عالم او جاهل او يعرف غير البناء من سائر الصنايع ام لا فلايدل علي شيء من ذلك و كذلك اذا رأيت خطا حسنا او رديا لايدل علي ( لايدلك خ‌ل ) حسن ذات الكاتب و ردائتها فلو كانت الذات عين ذات الكاتب لدل عليها و المفروض خلافه و ذلك معلوم واضح و قد شرحنا هذه المسئلة و اوضحناها و بيناها في عدة من رسائلنا و مصنفاتنا لاسيما في تفسيرنا علي آية الكرسي عند قوله تعالي الحي القيوم و في ما ذكرنا في هذا المختصر كفاية لمن له دراية اعلم ان لهذا الحديث الشريف وجوه ( وجوها خ‌ل ) اخر ذكرتها في جواب مسائل جناب الشيخ ضيف‌الله بن الشيخ احمد بن الشيخ صالح بن طوق القطيفي فان ما فيه غنية للطالب الراغب و الله سبحانه يقول الحق و هو يهدي السبيل .

قال سلمه الله تعالي : و منوا علي رابعا بجواب هذه المسئلة و هي ما حقيقة جبرئيل ( جبرائيل خ‌ل ) ● و ما معني وساطته مع ان النبي صلي الله عليه و آله واسطة في الكل فيلزم ( و يلزم خ‌ل ) من ذلك ان جبرئيل اشرف و افضل من النبي صلي الله عليه و آله و لو في آن واحد و لو في عالم الاجسام لاجل وساطته و عدم علم النبي صلي الله عليه و آله في هذا العالم قبل نزوله بما ينزل ان كان كذلك بجواب شاف بحق جدك صلي الله عليه و آله و سلم .

اقول اما جبرئيل فحقيقته ذات نورانية و حقيقة الهية ذات مراتب منها مجردة عقلانية روحانية و نفسانية و منها برزخية و منها مادية جسمانية لطيفة من سنخ ( سنخ عالم خ‌ل ) جسم العرش له ستمأة جناح بالوان مختلفة كالوان الطواويس حامل وجه من وجوه المشية طائف حول العرش متعلق [ص 104] بالركن الايسر الاسفل و هو النور الاحمر الذي منه احمرت الحمرة حامل اسم الله القابض ممد للكون من جهة الخلق فالدبور ملك من جنوده موكل علي تلك الناحية من الهواء و الكرة الاثيرية ( الاثرية خ‌ل ) اي كرة النار من ظهورات حاملية ( حامليه خ‌ل ) و هو الصاعد النازل من السماء الي الارض و من الارض الي السماء هو ( و هو خ‌ل ) الذي يحمي طبقات جهنم و هو الآخذ بزمامها و هو الرئيس علي زبانيتها و هو محدث الحرارة بامر الله سبحانه و تعالي في عالم الكون و الفساد و هو حامل النار التي نضج ثمار الجنة منها و يطلق عليه روح القدس و اعوانه الكلية تسعون و لكل من هؤلاء التسعين تحته ملئكة لايحصي عددهم الا الله و كل ملك حامل اسم من اسماء الله الذي هو وجه من وجوه اسم ( الاسم خ‌ل ) القابض الذي حمله جبرئيل و يدعو الله سبحانه و تعالي بذلك الاسم و يفيض علي الموجودات التي تحت مقامه من سر ذلك الاسم و باطن اسم القابض الخالق و الملئكة الموكلة بالخلق من خدامه منهم الملكان الخلاقان اللذان يقتحمان رحم المرأة من فمها و منهم الملك الذي فوض الله اليه امر سموات و ارضين فخلق سموات و ارضين و منهم ملئكة التدبير في القضاء بحكم التركيب من قوله تعالي في اي صورة ما شاء ركبك و من فعله امداد الشعلات المستجنات في زبد البحر الصاعدات الي السماء الظاهرات بصور النجوم الهاديات و من فعله امداد المركبات المقبولات الطيبات و من فعله امداد المركبات المسخوطات الخبيثات فهو المهلك بالنار و حامل الاسم الخالق بالنار به الخلق و التدبير و لوازم التقدير و به النور في عالم الظهور و به ترد علي القوابل النورانية الافاضات و به ينزل امر [ص 105] الله بين الارضين و السموات و به تنزل البركات و به ينزل الوحي من الله علي الانبياء و الرسل و به الهداية الي واضح السبيل و يسمي روح القدس و يسمي الروح الامين و هذه كلها انما حصلها بظهور ولاية الله لما طاف حول العرش الاعظم الاعلي و هو واحد يظهر لكله و ينزل بحقيقته علي محمد رسول الله صلي الله عليه و آله و ببعض ( يبعض خ‌ل ) وجوهه علي ساير الانبياء و هي مدبر ( مدمر خ‌ل ) قوم عاد به الصيحة في المعاد و هو المنادي في العباد و اصل شكله علي الصورة الانسانية و يظهر لكل شيء علي ما هو عليه فالمريخ منسوب اليه في ظهور صفته و الشمس منسوبة اليه في ظهور ذاته و حقيقته و هو شخص نوراني و وجه صمداني و وصف فهواني خلقه الله سبحانه من شعاع نور الولي فلما استشعر بنفسه و نزل الي رتبة انيته و احتجب بحجاب رتبته اراد سبحانه ان يصعد به الي مقام ذاته و حقيقته فسأله بلسان نفسه و سره من انا و من انت و ما اسمي و ما اسمك فلما احتجب عنه به و امتنع عنه من قوله عليه السلام بل تجلي لها بها و بها امتنع منها فنظر الي الوجه الاسفل و لم‌يشعر الاعلي فحكم علي ما هو فيه نسبة مقامه من حكم النبوية ( البينونة خ‌ل ) و ظهور الانية فقال انا انا و انت انت اسمك اسمك و اسمي اسمي منبئا عن الاحتجاب و شارحا لوضع النقاب فزاده بعدا علي بعد فاحترقت اجنحة جهات التوجهات و لم‌يزل في هذا الاحتجاب الي ان جاءه الولي الذي منه البدو و اليه الاياب فقرأ عليه الكتاب و رفع عن وجه بصره ( بصيرته خ‌ل ) النقاب و قال له ان جاءك الخطاب عنه و عنك و عن اسمه و اسمك فقل انا العبد الذليل و انت الرب الجليل [ص 106] و اسمك الجليل و اسمي جبرئيل فلما تعلم ارتفع عن حضيض الحجاب و انكشف عن وجه بصيرته النقاب و صعد الي عالم القدس و حبس ( جلس خ‌ل ) علي سرير الانس و حمل من انوار الركن الايسر الاسفل من العرش و اوصله الي المستحقين من السائلين الواقفين بباب الله و الفقراء اللائذين بجناب الله كما حملت البلورة الحرارة من الشمس عند مقابلتها اياها و اوصلت الي الاجسام السفلية و اظهرت آثارها من حملها اياها و ظن ( ظني خ‌ل ) ان هذا الحكم يجري مع جميع الملئكة لان الولي (ع) هو الهادي الموصل الي المطلوب و المعلم لكل شيء ما يريده الله سبحانه منه فهو معلم الملكوت و شارح الجبروت و سر اللاهوت و وجه الله الذي لايموت و اما مدة عمره و مكثه في الدنيا من اليوم الذي ظهر في الوجود و عرف العابد و المعبود و الشاهد و المشهود الي زمان ظهور النبي صلي الله عليه و آله الموعود و الخاتم الشاهد المشهود الذي هو تمام قوس الصعود اي مبدء التمام في عالم الشهود لا تمام التمام و ان ذلك لايتناهي و لايعد و لايحصي و هذه المدة هي مضروب الثلثين‌الف في نفسه و شرح ما ذكرنا و بيانه لايسعه هذا المختصر لان ذلك يحتاج الي بسط مقدمات و تفصيل قواعد كليات و شرح كلمات ابي الله سبحانه الا كتمانه في هذه الاوقات و بالجملة فجبرئيل خلق خلقه الله سبحانه و تعالي من اربعة اجزاء من النار و جزئين من الهواء و جزء واحد من الماء و التراب فبذلك نقص اختياره في جانب الشر و ثبت نقصانه و لا ريب ان قوي الاختيار اقوي من ضعيفه و نسبته في التأثير في العالم الاول نسبة تأثير الحروف الجارة و الناصبة في الاسم و الفعل فاختياره ضعيف و حقيقته ناقصة و الفعل الذي هو موكل عليه قوي و [ص 107] لذلك يسمي بالقوي الامين لضعف جهة المخالفة و قوة طريق الموافقة و هو قوله تعالي عليها ملائكة غلاظ شداد لايعصون الله ما امرهم و يفعلون ما يؤمرون لنقص قابليتهم للمعصية لا لقوتها كالانبياء و الرسل و ساير المعصومين فانهم اضعفوا جهة المعصية بقوة الاختيار و الملئكة ضعفت فيهم تلك القوة لضعف الاختيار فلذلك تفوقوا عليهم و ورد عن الصادق عليه السلام ان الخلق علي ثلاثة اقسام كامل لايحتمل النقصان و ناقص لايحتمل الكمال و مردد بين الكمال و النقصان فالكامل الذي لايحتمل النقصان وجه ذو الجلال و الاكرام و الناقص الذي لايحتمل الكمال ( الكمال هم خ‌ل ) الملائكة و المتردد بين الكمال و النقصان الانس و الجان نقلت الحديث بالمعني فجبرئيل موكل علي الوجه الذي ذكرنا لك علي نزول الوحي علي الانبياء و المرسلين هذا ما اردت من بيان حقيقة جبرئيل ، و اما معني وساطته مع ان النبي صلي الله عليه و آله واسطة في الكل فاعلم ان هذه المسئلة يحتاج شرحها و بيانها الي ذكر مقدمة و هي ان القلب هو الاصل في البدن و عليه تدور الاعضاء و الجوارح و لو لم‌يكن القلب لم‌يكن شيء من الاعضاء الرئيسة و المرؤسة و لا المدركة و لا الغير المدركة و لا الشاعرة و لا الغير الشاعرة و لا الذاتية و لا العرضية و لا الاصلية و لا الفصلية و لا الحقيقية و لا المجازية و لا الحواس الظاهرة و لا الباطنة كل هذه ( هذه الاعضاء و خ‌ل ) الاجزاء بجميع انحائها تستمد من القلب و تنتهي اليه فمراتب البدن و اجزائها كل ذلك تفاصيل و آلات للقلب ينظر الي الاشياء في مرتبتها بتلك الآلات فمن الاشياء ما ينظر اليها من غير توسط الآلات و [ص 108] الادوات كما اذا ادرك المعقولات و المجردات فانه ( فان خ‌ل ) في ادراكه لايحتاج الي استعمال شيء من الآلات الجسمانية و لا الجوارح الجسدانية لانها ليست من سنخ الاجساد و لا من نحوها و طورها و الادوات انما تحد انفسها ( نفسها خ‌ل ) و الآلات انما تشير الي نظائرها و منها ما يحتاج الي الآلات الجسدانية كما اذا اردت تناول جسم من الاجسام بنحو من الانحاء و بطور من الاطوار فان كان لاجل الادراك فيستعمل الحواس الظاهرة من السامعة و الباصرة و الشامة و الذايقة و اللامسة و ان كان من غير جهة الادراك كالحمل و الرفع و الوضع يحتاج الي غيرها من ساير الاعضاء و الجوارح كاليد و الرجل و الظهر و آلة التناسل فلو لم‌تكن هذه الآلات لايمكن تناول تلك الاشياء و ذلك ليس بعجز في القلب و قوة لهذه الاعضاء و الجوارح و لشرافة لها عليه بل لان تناول تلك الاجسام لايمكن الا بمباشرة هذه الآلة فالمدرك الفاعل هو القلب و هذه الآلات وسايط يحتاج اليه المتعلق لا القلب فادراك القلب للمبصرات من حيث الحس الجسمي لايمكن الا بواسطة البصر ( العين خ‌ل ) و ادراكه للمسموعات لايمكن ( لايكون خ‌ل ) الا بواسطة السمع و ادراكه للمشمومات لايدرك الا بقوة الشم و هكذا و ليس ذلك لعجز و ضعف في القلب بل لان تلك المدركات لايمكن ادراكها الا بهذه الآلات و الا لم‌يمكن ( لم‌يكن خ‌ل ) ذلك المدرك اياه بل غيره فاذا ادركنا المحسوسات بالحس البصر بقوة الخيال ماادركنا المحسوس بل ادركنا المعقول و ذلك خلاف المفروض مع ان قوام هذه الحواس و الآلات كلها بالقلب و تنسب الادراك الي القلب فتقول انا رأيت و انا سمعت و انا شممت و انا لمست و انا فعلت و انا قلت [ص 109] و لاتقول لساني قال و لا يدي فعلت الا بضرب من التجوز و لايلزم من ذلك ان تكون تلك الآلات اشرف من الاصل و الذات كما انك اذا رأيت مسئلة في كتاب ( كتاب و خ‌ل ) عرفتها منه لايقال ان الكتاب اشرف منك و هو الذي علمك و قد تعلمت منه فيكون اشرف منك فان الكتاب آلة و وصلة لتناول ( لتناولك خ‌ل ) تلك المعاني في العالم الجسماني فانت العالم و المعلم هو الله سبحانه و الكتاب آلة التعليم لعجزك و قصورك لا لعدم قدرة الله تعالي و هكذا القول في جميع الاشياء التي يجريها الله سبحانه بالاسباب كما قال تعالي جعل لكم الارض ذلولا فامشوا في مناكبها و كلوا من رزقه فرزق الله سبحانه انما يأتي اليك بالسعي و المشي في مناكب الارض و لايلزم من ذلك ان مناكب الارض اشرف منك و هكذا امثال ما ذكرناه كثيرة جدا فاذا عرفت هذه المقدمة الشريفة و اتقنتها و علمت المقصود منها علمت وساطة جبرائيل و ساير الملئكة في نزول الوحي فان اولئك الملئكة بمنزلة الآلات الجسمانية في حصول تلك العلوم و الاطوار عند النبي صلي الله عليه و آله في عالم التفصيل كالحواس الظاهرة الناقلة الي القلب احكام الاجسام الشهودية و تلك الحواس علي كل حال ادني و اسفل من القلب و هي تستمد منه و تمده و مثالها كمن يغرف من موضع من البحر و يصب في موضع آخر علي طور آخر و هكذا كان ( كان حال خ‌ل ) جبرئيل مع النبي صلي الله عليه و آله و ساير الملئكة فان في عالم التفصيل لا بد من وجود ( وجوه خ‌ل ) هذه الاسباب و الآلات و ذلك ليس مخصوصا بالملئكة فمنها اللوح و منها القلم و منها الكتاب التكويني و ما يظهر من الآيات في الواح الارضين [ص 110] و السموات و منها سماع الاصوات بقران الاجسام و اتصال بعضها مع بعض و حصول الصوت الدال علي معني من المعاني الغيبية و علي حقيقة من الحقايق الكونية و منها صوت كوقع السلسلة في الطست الدال علي اختلاف جهات الاشياء في روابط احوالها و اطوارها و ذواتها و منها نكت في القلب بغير توسط شيء من الآلات الجسمانية و الروحانية و ذلك اذا نظر الي القلم الاعلي بنور انا انزلناه فلايحتاج هناك الي جبرئيل و لا ( و لا الي خ‌ل ) غيره و منها بمشاهدة الآيات في الانفس و الآفاق و منها مشاهدة احوال الكلام و قرانها و روابطها و اضافاتها و نسبها و من حيث حامليتها لقدر الله و قضائه و منها الملئكة المدبرات و منها الملئكة المقدرات و منها الملئكة المقسمات و منها المعقبات و غير ذلك من متعلقات الاسماء و الصفات و كلها صحف و كتب مملوة علما بقلم القدرة ينظر اليه الولي و النبي فيعرف ما فيها و يحيط العلم بها و ان كانت تلك الاشياء به تحققت و بوجوده تأصلت و له ( لم خ‌ل ) تذوتت لان مقامه في سببيته غير مقامه في استفادته بل اقول بعد امعان النظر و تدقيق الفكر ان هذا المقام هو عين ذلك المقام بلا فرق لقول اميرالمؤمنين عليه السلام انما تحد الادوات انفسها و تشير الآلات الي نظائرها الاتري كثرة الكواكب و ترتيبها ( ترتبها خ‌ل ) بالبروج و المنازل فانها بالعرش و عنه و منه فاذا اراد العرش ان يري تلك التفاصيل و الاحوال لايريها في ذاته و انما يريها في الكرسي و ليس ان ( لان خ‌ل ) الكرسي افضل و اشرف من العرش بل لانه موضع هذه النقوش و محل تلك الكثرات فاذا قابلها في غير موضعها لم‌يجدها ابدا بل يجد غيرها كما اذا طلبت الرأس [ص 111] في مقام الرجل و الرجل في موضع الرأس فلم‌تجده ابدا بحال من الاحوال و كذلك الكرسي اذا اراد ان ينظر الي تفصيل الافلاك السبعة و العناصر الاربعة و الافلاك ( الافلاك اذا اردت خ‌ل ) ان تنظر الي تفاصيل احكام المتولدات تنظر في محالها و مواقعها لا في ( مواقعها في خ‌ل ) ذاتها لانها آلات ادراكها لا غيرها و بالجملة كل شيء يطلب في ( من خ‌ل ) مظانه و مواقعه فاذا طلبته في غير مظانه و مواقعه ماوجدته ( ماوجدته ابدا خ‌ل ) بحال من الاحوال فالنبي صلي الله عليه و آله لو اراد ان ينظر الي ما اودع في حقيقة جبرئيل من المعاني و الصور و الحقايق و يطلب تلك من حقيقة اسرافيل فلايجده ابدا كما انك اذا اردت ان تنظر الي مسئلة المبتدا و الخبر في بحث الفاعل و ( او خ‌ل ) تنظر الي احكام الفاعل ( العامل خ‌ل ) في بحث النائب للفاعل و ( او خ‌ل ) ساير المفعولات فلن‌تجده ابدا و كذلك اذا اراد النبي صلي الله عليه و آله ان ينظر الي ما اودع في حقيقة الملئكة فيجدها في الآيات الآفاقية و الانفسية غير الملئكة علي الوجه المستودع فيها فلن‌يجده ابدا و هذا شيء معلوم و انما كثرت لك الامثال و رددت شرح الاحوال ليزول عنك الاستغراب فان كثيرا من الناس يستشكلون في ذلك غاية الاشكال ( الاستشكال خ‌ل ) و يستغربونه غاية الاستغراب و يتخيلون ان ذلك دليل الافضلية و الاشرفية و اني قد ذكرت لك الامثال حتي تعلم ان هذا النوع من الوساطة لايدل علي شيء من الفضل و الشرافة بل انما يدل علي السفل و الدنائة فان السافل لايزال يظهر ( مظهر خ‌ل ) تفاصيل العالي و العالي اذا اراد التفصيل ينظر في مقام السافل و بالسافل و ذلك معلوم واضح لمن له عينان و لسان و شفتان و القي السمع و هو شهيد و [ص 112] من هذا القبيل تعليم ( تعلم خ‌ل ) موسي من الخضر فانه كتاب قد نظر فيه و استنبط ذلك العلم فلايدل علي افضليته الا اذا كانت الاستفادة في قوس النزول فان تلك الاستفادة و الاستمداد و الوساطة تدل علي الافضلية و اما الاستمداد و التوسط في قوس الصعود فيدل ( يدل خ‌ل ) علي اسفلية المتقدم و الواسطة الا في مقام لايكون الترتيب صعوديا و لا نزوليا فبالجملة فالاصل في التوسط في قوس الصعود ان تكون الواسطة اسفل و في قوس النزول ان تكون اعلي الاتري النطفة فانها واسطة موصلة الي العلقة و هي اشرف منها و العلقة واسطة موصلة الي المضغة و هي اشرف منها و هكذا كل مرتبة سفلي واسطة لظهور المرتبة العليا و هي دونها و اما حكم القوس النزولي فبالعكس ( و اما الحكم في القوس النزولي بالعكس خ‌ل ) فلا منافاة بين كون النبي صلي الله عليه و آله آخذا عن جبرئيل و كون جبرئيل واسطة للنبي صلي الله عليه و آله و كون النبي صلي الله عليه و آله افضل و اشرف بل لا نسبة لانه خادم من خدامه و اذا حضر ( حضر عنده خ‌ل ) يجلس عنده جلسة العبد ( العبيد خ‌ل ) الذليل بين يدي المولي ( مولي خ‌ل ) الجليل فافهم و كم من خبايا في زوايا ،