و قوله سلمه الله تعالي لعدم تصور اقتضاء ذات الشيء امرين متناقضين ( متنافيين خل ) ، غريب جدا الاتقول ان العدد اما زوج و اما فرد اتري ( زوج او فرد اتري ان خل ) اطلاق العدد عليهما بالاشتراك اللفظي و لايقول به عاقل و الاشتراك المعنوي ( المعنوي يقتضي خل ) وجود ذلك المعني في الفردين او الافراد فيكون جنسا لذلك او نوعا و الجنس و النوع لو لميكونا ( لميكن خل ) مناسبين للافراد يمتنع اتصافهما بها ففي حقيقة الجنس ذكر للفصل و ذاتي له و ان كان عرضيا بالنسبة الي الوجود العيني و كذلك الحيوان يتحصص في الانسان و الفرس و البقر و الكلب و الحمار و غيرها و هو شيء واحد في المجموع بزعمكم كيف جمع الاضداد و تقول ان الجسم ابيض و اسود كيف اقتضي الجسم السواد و البياض لذاته و هما ضدان نعم هذا الاقتضاء ليس اقتضاء اوليا بل فيه الذكر المحض و الوجود الخارجي بمتممات القابلية من الشرايط و الاسباب فالجسم يناسب السواد و البياض فاذا اجتمعت شرايط السواد اسود في الكون الخارجي و اذا اجتمعت شرايط البياض ابيض كذلك و كذلك الالفاظ ● فان هنا موادا ( مواد خل ) صالحة مقتضية لكل صورة من الاضداد و المتناقضات [ص 28] فاذا اراد الواضع معني من المعاني اخذ من تلك المادة و الفها علي الهيئة المطابقة لكل صورة اراد فالقرء هو شيء واحد يناسب الضدين بجهتين و كذلك الجون للسواد و البياض و لبيان وجه المناسبة مقام آخر فان ما ذكرنا هنا كلها الزاميات و ان اشتملت علي تحقيقات شريفة و قوله المتناقضين ان اراد به ما هو المعروف عند العقلاء فهما موجودان و ان اراد به ما يدعونه بدعواهم و يخالفونه في اعمالهم فهو باطل محال ليس في محال القول حجة و لا في المسئلة عنه جواب و قد شرحنا هذا المعني في كثير من مباحثاتنا و رسائلنا فافهم ان كنت تفهم .
و قوله سلمه الله تعالي مضافا الي بداهة ان الاعلام و نحوها الخ ، جوابه ان الاعلام قبل العلمية مواد ثانوية و هي الهيولي الثانية في عرف الحكماء و هي كالخشبة بالنسبة الي العناصر الاربعة و هي مادة لها و الخشبة مادة للسرير و الصنم و الصندوق و الباب و العمود و الضريح و امثال ذلك فاولا تحصل الخشبة مثلا ثم تؤلف تلك الخشبة من حيث هي و تصنع منها السرير و الصنم باضافة الصورة و هي في الاعلام الهيئة الاستعمالية و القراين الشخصية فقبل تلك الهيئات هي مادة صالحة للكل و لمتدل علي معين الا باضافة الصورة فاذا قلت زيد لميتعين لك تقول من زيد اقول لك ابن عمرو فاذا تعين اكتفيت و الا تسئل اقول لك الكوفي فان لميتعين اقول من اهل الكناسة و هكذا اضيف لك الصور و الحدود و الهيئات حتي تتعين و الدلالة من المادة و الهيئة الشخصية الاستعمالية فالمناسبة فيها نوعية و شخصية في الاستعمال و لذا تري اهل الجفر اذ ( اذا خل ) [ص 29] ارادوا السؤال يأخذون اسم السائل و المسئول عنه و السؤال و طالع المسئلة و اوتارها ( اوتادها خل ) و غير ذلك كل ذلك للتعيين حتي يتشخص فيأتي الجواب مطابقا للسؤال فلولا المناسبة من اين يأتي هذا الجواب هل مباين الشيء يصف ذلك الشيء و يأتي تتمة القول ان شاء الله تعالي ففي الاعلام مناسبات نوعية و من جهتها لاتتشخص و لاتتعين لكنها تذكر عندها بالصلوح فاذا قلت لك زيد تحضر عندك كلما يسمي بزيد من حيث الصلوح كما انك عند تعقل المداد تعقل الصورة ( الصور خل ) الحرفية من حيث الصلوح و التعين ( الصلوح و اما التعيين خل ) و التخصيص فانما هو باضافة الصورة الشخصية و تلك في الاعلام هي الهيئة الاستعمالية فدلت علي المعاني بمناسبة المادة و الصورة الشخصية كالسرير و الصنم فدعوي البداهة غريبة نعم هذا شأن الذي يستعجل و قد قال عليه السلم ان هذا الدين متين فاوغلوه برفق فان المسرع لا ظهرا ابقي و لا ارضا قطع ، و لولا خوف الاطالة لاطلقت عنان القلم في ميدان بيان هذه الاحوال علي اكمل بسط الا ان ما ذكرنا كفاية لمن طلب الهداية .
قال سلمه الله تعالي : و استحالة الترجيح بلا مرجح بمعني اختيار احد المتساويين من كل جهة لا بمعني جعل احدهما راجحا ممنوعة لعدم دليل عليها من العقل و النقل و لو سلمت فنقول يكفي الارادة المستندة الي ارادة الله بايقاعها علي وجه الاختيار في الاختيار فلا حاجة الي المناسبة و لو سلمت فهي انما تقتضي مرجحا ما من المناسبة يصح الاستناد اليه كالمناسبة المرعية في الاعلام لا المناسبة الذاتية فتكون الدلالة بالوضع [ص 30] بمعني انه سبب لها فبعد العلم به تحصل الدلالة من غير توقف علي ارادة المتكلم كما يشهد عليه الرجوع الي العرف لان العلم باحد المضاعفين ( المتضايفين خل ) يستلزم العلم بالآخر .
اقول الي هنا انتهت الوجوه التي اتي بها لبطلان هذا القول و الآن شرع في ابطال ما تمسك به اصحاب المناسبة لكنه لما كانت الوجوه التي ذكرها كلها هي التي ذكرها الاصوليون في الكتب الاصولية و نقلها سلمه الله تعالي الي هذا الكتاب و بقي لهم وجه آخر ماذكره سلمه الله اما لانه ماعثر عليه او لانه مارآه دليلا كيف و هو اقوي من الادلة التي ذكرها بكثير و ان كان كلها يسقي بماء واحد وجب علينا ان نذكر ذلك الدليل ايضا و نبطله لئلايكون لمحتج حجة و يخلص الامر و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم .
فنقول انهم قالوا لو كانت المناسبة ذاتية لامتنع جعل اللفظ بواسطة القرينة بحيث يدل علي المعني المجازي دون الحقيقي لان ما بالذات لايزول بالغير و التالي باطل قطعا لوقوع ذلك و شيوعه فكذا المقدم و الملازمة ظاهرة جوابه ان الاشياء و المعاني لها جهات كثيرة و حيثيات و اعتبارات حقيقية و نفس الامرية و كذا الالفاظ لها جهات عديدة و حيثيات كثيرة و تختلف جهات المناسبة بينها و بين المعاني ففي بعضها اقوي و في بعضها اضعف و في بعضها اكثر و في بعضها اقل باعتبار الاعتبارات و اللفظ ( فاللفظ خل ) يناسب المعني الحقيقي من جهتين من جهة المعني الموجود فيه و الصفة الحالة فيه و من جهة المحل و لما كان اللفظ يناسبه بتلك الجهتين عين الواضع العارف بجهات [ص 31] المناسبة ذلك اللفظ لذلك المعني لاستحقاقه به دون غيره لرجحانه و الا يلزم اما عدم الوضع او ترجيح المرجوح و كلاهما باطلان فلذا وجب علي واضع اللغة ان يعين الالفاظ لمعانيها الحقيقية علي سبيل الشخصية و ان كان بالنوع لعلمه بالمناسبة التامة بينهما و لما اراد ان يوسع علينا الامر في الافادة و الاستفادة و الفصاحة و البلاغة اذن لنا و رخصنا ان نستعمل تلك الالفاظ الموضوعة للمعاني الحقيقية الاولية الاصلية باعتبار المناسبة الحقيقية بينهما فيما يناسب تلك المعاني فاذا وجدنا المناسبة بين معني و المعني الحقيقي فانما هي اضعف مما هو في المعني الحقيقي لكون المعني الحقيقي يعتبر منه ( فيه خل ) الامران المعني و المحل فاللفظ الموضوع له انما يناسبه من تلك الجهتين فاذا وجدنا المناسبة للمعني بجهة فانما هو يناسب اللفظ ايضا لان مناسب المناسب للشيء مناسب لذلك الشيء و لما كانت المناسبة بين اللفظ و معناه الحقيقي اكثر و اشد و اقوي لكونها بجهتين من مناسبته بالمعني المناسب للمعني الحقيقي لكونها فيه بجهة واحدة اقتضي ان يكون الاستعمال في الثاني ثانيا و الا لكان ترجيحا للمرجوح فكان استعماله فيما يناسب المعني الاول مجازا و ان كان المناسبة ( بالمناسبة خل ) لانها تدركه الخلق بما اصل لهم الواضع من القانون الكلي بحيث لاتكون الدلالة عبثا و هباء خاليا من المناسبة و المرابطة التي هي اقتضاء حكمة الحكيم ذلك تقدير العزيز العليم و لما كان الخلق جاهلين باسرار الوضع و ادراك حقايق المناسبات ليدركونها بشدة المناسبة و [ص 32] قوتها و كثرتها و ضعفها و قلتها و يفرقوا بين الاستعمال الاول و الثاني بذلك اوجب عليهم الواضع ان يجعلوا لهم علامة لئلايشتبه الامر و ذلك لنقصانهم و عجزهم و قصورهم و لو لميكونوا كذلك لساغ لهم الاستعمال من غير نصب قرينة فان نفس المناسبة هي القرينة الحقيقة ( الحقيقية خل ) الكاملة التامة و لما لميمكنهم تلك احتاجوا اليها و لكن لاتغفل عن الوجه الآخر في هذا المقام فانه اوفق فافهم .
و اما قولكم ما بالذات لايزول بالغير ، فليس بمحله في هذا المقام لانا ماادعينا زوال المناسبة الذاتية بالقرينة هل ( بل خل ) المناسبة موجودة في كلا الاستعمالين و ان كانت مختلفة في الشدة و الضعف المقتضيان للحقيقة و المجاز لتعدد جهات اللفظ و اعتباراته و كذا المعني و اما القرينة انما احتجنا اليها لما ذكرنا من احد الامرين للفرق بين الاستعمالين لعجز المستعمل و السامع و قصورهما عن ادراك المناسبة بدونها فلو تمكنا من ذلك لاستغنينا عن القرينة فافهم .
و قوله سلمه الله تعالي و استحالة الترجيح ، الي قوله : ممنوعة قال بعض السادة الاجلاء تغمده الله برحمته في شرحه علي الوافية بما لفظه : علي القول بان الواضع هو الله تعالي فالارادة و ان صلحت للترجيح لرجوعها الي العلم بالاصلح في حقه تعالي كما حقق في محله الا ان الاصلحية التي هي مناط تعلق الارادة انما تكون مع الاختلاف و اما مع التساوي كما هو المفروض فالاصلحية غير معقولة اصلا و بدون الرجوع الي العلم بالاصلح لايصلح الارادة للترجيح الا علي القول بجواز الترجيح من غير مرجح كما ذهب ( ذهبت خل ) اليه الاشاعرة و حينئذ كان الجواب منع بطلان التالي لا منع الملازمة كما [ص 33] توهمه المجيب و اما علي اصول الامامية و المعتزلة من امتناع الترجيح بلا مرجح فلايستقيم الجواب اصلا فان المراد من المرجح ما عدا الارادة او المرجح لها و اما الارادة فهي بنفسها لايستقل بالترجيح عندهم و علي القول بان الواضع هو البشر لايصح القول بان المرجح هو الخطور بالبال مطلقا اذ كثيرا ما يخطر الالفاظ الكثيرة ببال الانسان و مع ذلك فلايعين الا لفظا مخصوصا ، ثم قال (ره) : و الصواب ان يقال ان استحالة الترجيح بلا مرجح انما يقتضي استدعاء الوضع مرجحا يصلح للتعليل به مطلقا و لايلزم من ذلك تحقق المناسبة الذاتية بين اللفظ و المعني لجواز ان يكون المرجح امرا آخر كالمناسبة للرعية ( المرعية خل ) في وضع الاعلام و المناسبة الحاصلة في صفات الحروف و هيئاتها الحسية علي ما ذكر ائمة الاشتقاق و التصريف و لو سلم فوجود المناسبة الذاتية بين اللفظ و المعني مايقتضي دلالة اللفظ علي المعني كما هو المطلوب اذ ليس كل امر ثابت في الشيء ظاهرا فيه و لا كل مناسب له دالا عليه ، انتهي كلامه اعلي الله مقامه . اقول و قوله سلمه الله تعالي استحالة الترجيح الخ ، ان اراد به بطلان الملازمة علي خلاف الظاهر فجواب السيد واف شاف بنسبة ( بالنسبة الي خل ) مقامه في [ص 34] هذا المقام و ان اراد به بطلان التالي فمع انه خلاف اصول الامامية و التفصيل الذي ذكره لاينفعه نقول انه قد اتفقت كلمة العقلاۤء باجمعهم بان الامكان لايترجح من نحو ذاته بل يحتاج الي مرجّح ● و ليس ذلك الّا من جهة تساوي طرفي الامكان في الوجود و العدم و هذا لا اشكال فٖيه و عليه بنوا استدلالاتهم في التوحٖيد و غيره و ذلك المرجّح لمّا كان ليس لحيثية ذاته و الا لكان المرجح صفة ذاتية له لا فعليّة مع انه لا شكّ ان المرجح كالفاعل و الخالق لصحّة السلب صفة فعلية لا ذاتية و الصّفة الفعْليّة مؤخّرة فح ● اقول هل المرجح يرجح بالترجٖيح ام بغيره فان كان بغيره لميكن مرجحاً لانّ التّرجٖيح مأخوذ في ذاته لمكان المشتقّ و الا لكان كذبا فصح ان تقول للصادق انه كاذب و بالعكس فاذا صح الترجيح فهل هو لاقتضاء المترجّح ايّاه ام بغير اقتضاه ● فان كان الاوّل ثبت المطلوب فلميكن الترجيح من غير مرجح و ترجّح و ان كان الثّاني فلميكن مرجّحا لان نسبة الفاعل الي جميع مفعولاته متساوية فتعلق فعله بهذا دون هذا و العكس في حيّز الامكان فلايتعلّق الا بمرجح و ترجيح ● و الفاعل ليس اَمْره الا واحدة ● و لميكن علي هذا التّقدير حكٖيما بل كان عابثا لان الحكمة هي وضع الشيء في موضعه و [ص 35] الموضع لو لميكن له خصوصيّة لميكن موضعا و جَعْله موضعا ابتداء من غَيْر خصُوصيّة يوجب الاوّل و لكان للمخلوق حجة علي الخالق و لميَصْدق قوله تعالي الله اعلم حيث يجعل رسالته اذ لقائل ان يقول من قبل الكفار لو جعلت ذلك ايضا محلّا لصلح فلذا ادعوا حيث قالوا لننؤمن حتي نؤتي مثل ما اُوتي رُسُل اللّه و لاتقل ان الخصوصيّة قديمة فانا نتبرّء الي اللّه تعالي من القول بقدم الاعيان و قدم شيء سوي اللّه سبحانه فكيف يمكن الترجيح من غير مرجح ● .
و امّا قولكم انّ الارادة هي المرجّحة فنقول ما تعنون بالارادة هل هي كما يقوله ( يقول خل ) المتكلّمون من العلم بالاصلح و هذا مع انه فاسد من اَصْله يقتضي المرجّح غيرها لان الاصلحية لاتكون الّا من قبل الشيء او كما يقوله اهل العصمة و الطهارة سلام الله عليهم و انعقد اجماعهم علي ذلك منْ انّ الارادة انما هي الفعل و الاحداث قال مولينا الرّضا علي ما رواه الكليني في الكافي و الصدوق في التوحٖيد و العيون في الفرق بين ارادة المخلوق و ارادة الخالق قال انّ ارادة المخلوق هي الضمٖير و ما يبدو لهم بَعْد ذلك من الفعل و امّا ارادة اللّه فاحداثه لا غير لانه لايروّي و لايهمّ و لايفكّر و انّما يقول للشيء كن فيكون من غير لفظ و لا كيف لذلك كما انه [ص 36] لا كيف له و قال ايضا عليه السلم علي ما في التوحيد ان المشية و الارادة و الاختراع معناها واحد و اسماؤها ثلثة فاذا كانت الارادة هي الفعل اتجوز ان يكون فعل الحكيم عبثا و هباء او فعل العاقل او فعل الجاهل او المجنون فان المجنون لايفعل الا لترجيح عنده و ان كان ذلك باطلا عندك و الله سبحانه و تعالي يقول افحسبتم انما خلقناكم عبثا ، ● و بالجملة لاتكون الحكمة عامة و لايكون حكيم ( الحكيم خل ) علي الاطلاق الا اذا كان جميع افعاله علي مقتضي الحكمة و المصلحة و هذه الحكمة لو كانت راجعة الي ذاته العياذ بالله فيجب ان يكون ( لايكون خل ) بين الاشياء تقدم و تأخر و جوهرية و عرضية و توالد و تناسل و حركات و سعي و كلفة ( كلفة و طلب خل ) و مشقة و امثالها مما نراها عيانا و مشاهدة لان ذات الله سبحانه موجودة و الحكمة لاتنتسب الا الي الذات فما وجه التخلف لم كان ابونا آدم بعد هذا الخلق الكثير و بعد الجان و الملئكة و لم كان نبينا صلي الله عليه و آله بعد الانبياء مع انه موجود قبلهم و هو اصلهم و ذاتهم و شمسهم لولا الحكمة الراجعة الي المخلوق باقتضاء اكوانهم و اعيانهم و حيثياتهم و بالجملة فالقول بان فعل الله سبحانه يتعلق بالاشياء من غير حكمة و مصلحة و يكون ذلك عبثا قول زور و توهم كاسد و تخيل فاسد و لاتتوهم ( لاتتخيل خل ) ان الحكمة هي العلة الغائية بل هي و مواقع ظهوراتها الخاصة فيسئل حينئذ لم خلق النبات نباتا و الجماد جمادا و المعدن معدنا و لميخلق الكل انسانا [ص 37] ذوات شعور و ادراك و كمال و لميجعل الانسان غنيا غير محوج الي هذه المراتب فلو كانت الارادة هي المرجحة لكان للخلق علي ربهم حجة عظيمة تعالي ربي عن ذلك علوا كبيرا و العجب منهم حيث يقولون في مقام النقض ان الله سبحانه خص بعض الحوادث في زمان و مكان دون الآخر لمحض الارادة و هذا هو قول الاشاعرة فانهم لاينكرون ارادة الله بل ينسبون الاشياء كلها ( ينسبون كل الاشياء خل ) الي ارادته سبحانه من غير مرجح و بهذا ينفتح باب شرعية الحسن و القبح اذا كانت ارادة الله هي المرجحة ترجح هذا و تجعله حسنا من غير خصوصية و تجعل الآخر قبيحا كذلك كيف تنكر هذا و تقول ذلك مع ان المأخذ واحد و هل تظن ان الاشاعرة القائلين بهذا القول السخيف انما قالوا به من جهة انهم فهموا الامر كذلك و رجحوا ذلك بعقولهم ( بقولهم خل ) لا والله ماكان ذلك و انما ابتدع هذه الآراء الفاسدة علي بن اسمعيل ابن ابيبشر ( ابيبشير خل ) الاشعري القاضي بالبصرة عنادا لآلمحمد سلام الله عليهم حيث وجدهم مطبقين علي بطلان قدم المشية و بطلان الترجيح من غير مرجح و بطلان قدم الكلام و بطلان الجبر و امثال هذه الامور و هو كان قاضيا من قبل الحكام و وجد ميل سلاطين الجور الي اطفاء انوار ( نور خل ) آلمحمد سلام الله عليهم و اخماد ذكرهم و تفريق جمعهم و تشتيت شملهم غرته الدنيا و باع آخرته بالثمن الاوكس الادني صعد المنبر و قال : ايها الناس من عرفني فقد عرفني و من لميعرفني فاني اعرفه بنفسي انا علي بن اسمعيل ابن ابيبشر ( ابيبشير خل ) الاشعري كنت سابقا اقول بحدوث الكلام و حدوث المشية و ان [ص 38] الله لايفعل الا لغرض ( لايفعل لغرض خل ) و ان الشر ليس من الله و الآن تبرأت الي الله من هذا القول و اقول ان كلام الله قديم و مشيته قديمة و ان الله لايفعل لغرض و ان الخير و الشر من الله و ان الترجيح من غير مرجح صحيح و غيرها ، ثم نزل عن المنبر و صنف خمسين كتابا في هذا الباب . و لاتظن ان الذين تبعوه تبعوه عن بصيرة و معرفة او انهم جهلوا الامر و اشتبه عليهم لا والله ماكان ذلك انما كان بقوة السلطان و السيف اشتهر كتبه و كل من يخالفه يكون ( كان خل ) مبغوضا عند السلطان فاطاعوه و قبلوا منه كما اطاعوا الخلفاء و الآن لاتظن ان علماء العامة جاهلون بالامر لا والله بل اخذتهم العصبية و حمية الجاهلية و خوفا لفضاحة الاولين و تخريب امرهم في الآخرين الا ان كتبهم و مصنفاتهم لما اشتهرت و انتشرت و اختفت آثار آلمحمد سلام الله عليهم عند الذي يزعم ذلك و الا فهي اظهر شيء عند الذين تعلقوا بهم فالتجاء علمائنا في علومهم و معارفهم الي النظر الي كتب المخالفين و مصنفاتهم و زبرهم و ارادوا ان يأخذوا الحق منهم و ان تأولوا ذلك بحديث الحكمة ضالة المؤمن حيث ما وجدها طلبها فدخلت عليهم الشبهة و رسخ فيهم الخلط و اللطخ فقالوا و جوزوا الترجيح بلا مرجح مثلا و قدم المشية و امثالهما و قد انعقد اجماع ائمتنا عليهم السلم علي خلاف ذلك و نعم ما قال دعبل الخزاعي رحمه الله :
و لو قلدوا الموصي اليه امورهم لزمت بمأمون عن العثرات
ثم العجب من التفصيل الذي فصل اطال الله بقاه و قال ان الترجيح بلا مرجح له معنيان احدهما ان يختار احد المتساويين من كل جهة و [ص 39] ثانيهما جعل احدهما راجحا و الآخر مرجوحا من غير امر زايد علي ذاتهما و الثاني باطل قطعا لاجماع الامامية علي بطلان الترجيح بلا مرجح و هو ينصرف الي هذا الوجه لا الوجه الاول اذ لميثبت دليل علي امتناعه و لست ادري ثبت دليل علي صحته او هي كفساده من غير دليل و هل عدم الدليل دليل علي العدم او حكمه مسكوت عنه و علي كل التقادير هذا تفصيل غريب و تحقيق عجيب كأنه فهم سلمه الله تعالي معني الترجيح من غير مرجح او معه جعله راجحا بمعني اي حسنا ممدوحا ( راجحا اي ممدوحا حسنا خل ) فمعني الترجيح بلا مرجح هو ان يجعله حسنا ممدوحا محمودا من غير رجحانه في نفسه و هو باطل لما ثبت من عقلية الحسن و القبح و اما اختيار احد المتساويين من كل جهة فلا و ماالتفت سلمه الله الي ان الامرين واحد و الفرق تحكم لان هذا الذي يختار احد المتساويين لملائمة بينه و بين المختار من استكمال او اكمال و ( او خل ) وصول و ( او خل ) ايصال و ( او خل ) بلاغ او تبليغ فيكون المختار احسن بالنسبة اليه و اولي و اليق بالنسبة الي غيره و لا اقل من اكتسائه حلية الوجود و بقاء الآخر في ظلمة عدم الامكان و اي حسن احسن من الوجود بالنسبة الي العدم لان قبل الاختيار كان اختيار احدهما دون الآخر في حيز الامكان متساوي الوجود و العدم فلما اختار احدهما و نسبه الي نفسه مستكملا او مكملا صار ذلك ارجح و اولي و اقدم لانتسابه اليه بخلاف الآخر فانه بقي في عالم الليس الا ان الراجح و المرجوح علي انحاء كثيرة في القوة و الضعف و الكثرة و القلة و العموم و الخصوص و تختلف الراجحية و المرجوحية بحسب [ص 40] الاصقاع و الازمان و الاشخاص و غير ذلك فاذن صار في القسمين واحدا فمن ينكر هذا فليسئل الله ان يصلح وجدانه مع ان الذي اشتهر عندهم و صار معركة للآراء ليس الا اختيار احد المتساويين من كل جهة و معني اختيار احد المتساويين هو جعل احدهما راجحا و الآخر مرجوحا فاذا تساوت النسبة بين الصلوة و الزنا فجعل احدهما مقوما و الآخر مفنيا او احدهما مقوما و الآخر مسكوتا عنه كالرغيفين مثلا كما يزعمون فجعل احدهما مقوما للبدن و سادا للجوع و مقويا للحرارة الغريزية من دون الآخر لا شك في قبحه و انه لايصدر من الحكيم و مآل الامرين الي الواحد فان قلت فعلي هذا يلزم ان الله سبحانه لما خلق الكفار في جميع مراتبهم ان يجعلهم راجحين ممدوحين قلت ان الله سبحانه و تعالي لميخلق الكافر كافرا تعالي ربي عن ذلك علوا كبيرا بل خلق اعيانهم اولا و لا شك ( لا شك ان خل ) ذلك حسن و جميل ثم خلق الكفر فيهم بطلبهم اياه بانكارهم و هذا واجب و حسن و راجح و تركه قبيح فتبعيدك القاذورات عن مجلسك حسن و ادخالها فيه قبيح و الله لميفعل ( لايفعل خل ) الا الحسن الجميل فلو ان الكافر حين انكر و كفر حكم عليه بالايمان لكان فاعلا للقبيح ( للقبح خل ) تعالي ربي عن ذلك و ليس هذا المقام محل تحقيق هذه المسئلة و مجمل الكلام ان اختيار احد المتساويين لايكون الا بان يجعل احدهما ارجح من الآخر و هذا لا شك فيه و لا ريب يعتريه .
و قوله سلمه الله لعدم دليل عليها من العقل و النقل ، باطل لقيام الدليل عليها من العقل و النقل اما العقل فقد سبق و ازيدك اتماما للحجة و اكمالا [ص 41] للنعمة و اقول انه لا ريب ان نسبة الفاعل الي جميع مفعولاته علي السوي اي قدرته عليها و علمه بها علي حد واحد ليس علي بعضها اقدر منه بالنسبة الي الآخر فلو تفاوتت لميكن لها فاعلا مستقلا بل هناك جزء علة هف فاذا صح ذلك فلو كان الفاعل في ايجاد مفعولاته في عالم الكون و الوجود و الشهود و ان اجتمعت كلها عنده في عالم الامكان و الصلوح لمينتظر مرجحا لوجودها من الشرايط و الاسباب و اللوازم و المعدات من المتممات و المكملات لوجب ان يوجد كلها دفعة واحدة لوجود المقتضي و هو القدرة و العلم و ارادة الايجاد و رفع الموانع من فقد الشرايط و الاسباب و المعدات و غيرها و هذه القاعدة اي وجوب الايجاد عند وجود المقتضي و رفع الموانع من الامور المسلمة التي لايشك فيها احد من العقلاء و الا يلزم الظلم و ترجيح المرجوح و ان لايكون حكيما و ان يكون ظالما بخيلا و البديهة تشهد ان الفاعل لمتوجد مفعولاته كلها دفعة بل توجد متدرجة عند اتمام قابلياتها من شرايطها و اسباب تكوينها من العلل المادية و الصورية و غيرها فثبت ان الفاعل ينتظر مرجحات وجود المفعولات لا لنقص فيه بل لنقص في المفعولات و منشأ تحقق المرجحات و اختلاف المفعولات و تفاوت الاستعدادات و تحقق القابليات لايمكن بيانها لانها من اسرار القدر نعم بالمواجهة ربما يتيسر شيء من ذلك و الله الموفق فان قلت ما ذكرت يدل علي الاثبات و لايدل علي الاستحالة كما هو المفروض قلت بلي يدل علي ذلك لان تخلف المقتضي عن المقتضي ممتنع من غير المانع و لا شك ان [ص 42] المفعول من مقتضيات فعل الفاعل فاذ لميكن مانع لميتخلف و لو ان الارادة هي المرجحة لميتخلف شيء عن الكون و الوجود و الضرورة تشهد بخلافه و اما النقل ففي الكتاب و السنة كثير لايحصي و منه قوله تعالي الذي اعطي كل شيء خلقه ثم هدي و منه قوله تعالي الذي احسن كل شيء خلقه و قوله تعالي بل اتيناهم بذكرهم و قوله تعالي بل طبع الله عليها بكفرهم ، يهديهم ربهم بايمانهم و قوله تعالي كان الناس امة واحدة فاختلفوا و قوله تعالي و يؤت كل ذي فضل فضله و قوله تعالي ان الله لايغير ما بقوم حتي يغيروا ما بانفسهم و قوله تعالي اذا اردنا ان نهلك قرية امرنا مترفيها ففسقوا فيها و هذه و امثالها كلها واضح الدلالة علي ان الله سبحانه لايفعل الا بالاسباب و المرجحات الخارجة عن الارادة المتسمع قوله تعالي ليس بامانيكم و لا اماني اهل الكتاب من يعمل سوء يجز به المتتأمل في قوله تعالي انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون و الضمير الفاعل في فيكون لايرجع الا الي المكون لا الي الفاعل فيكون المفعول هو فاعل فعل الفاعل فافهم ان كنت تفهم و الا فاسلم تسلم ،
فان كنت ذا فهم تشاهد ما قلنا و ان لميكن فهم فتأخذه عنا
و ما ثم الا ما ذكرناه فاعتمد عليه و كن في الحال فيه كما كنا
و قد قال الله تعالي ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و ما خلقكم و لا بعثكم الا كنفس واحدة ، و ما امرنا الا واحدة فاذا ثبت امر في شيء يثبت في الكل و التغيير لاختلاف ( التغيير في خل ) الموضوعات فافهم و اما السنة فكثيرة منها [ص 43] قوله عليه السلم ابي الله ان يجري الاشياء الا بالاسباب و لا شك انها غير الارادة و قوله عليه السلم في قوله تعالي الرحمن علي العرش استوي ما معناه استوي فليس شيء اقرب اليه من شيء فاعطي كل ذي حق حقه و ساق الي كل مخلوق رزقه و قوله عليه السلم ما معناه ليس بين الله و بين خلقه قرابة و نسبة و انما تتفاضلون بالاعمال انتهي ، و هذا يعم الحكم التشريعي و التكويني و الا لتحققت النسبة و القرابة هناك و هو خلاف المفروض و امثالها من الاحاديث كثيرة و انا الآن ليس لي قلب اتفتش الاخبار و اذكرها الا انك اذا فتشت وجدت فلو ان الترجيح من غير مرجح و اختيار احد المتساويين صحيح جايز و لايجوز شيء علي الله الا و قد وجب اذ ليس هنا امكان و فقر لماصح ملاحظة الاسباب الخارجة عن الارادة و لماصح قوله عليه السلم حكاية عن الله اني جعلت معصية آدم سببا لعمارة العالم و امثالها و كأني بكم تقولون ان هذه اخبار آحاد لاتفيد علما و لا عملا و انا اقل ما اقول لكم اولا انك اذا تتبعت الاخبار وجدت هذا المعني متواترا معنويا يلزمكم العمل عليه و ثانيا ان الاخبار اذا طابقت الاعتبار و شهد لها كلام الله القادر ( الخالق خل ) الجبار وجب العمل عليها في الاعلان و الاسرار نعم ربما يبقي لكم الكلام في دلالة هذه الآيات و الروايات علي المدعي فوالله لولا خوف الاطالة و تبلبل البال و اغتشاش الاحوال بتواتر الاعراض و توارد الامراض لبينت ذلك و اوردت جميع الشبهات التي لكم في مقام التدقيقات اللفظية و اريتكم اينا اضعف ناصرا و اقل عددا . اعلم انهم قد يتمسكون في دعوي اختيار احد [ص 44] المتساويين من كل جهة و الترجيح بلا مرجح بطريقي الهارب و رغيفي الجايع و قدحي العطشان و جوابه انه في الاغلب يوجد المرجح للمختار في الاختيار من انواع الميولات و انحاء الاقتضاءات الوضعية سيما في هذه الامثلة و لو فرض اعدامه في نظره في عالم الشهادة فاين انت من عالم الغيب من المرجحات الكونية و المناسبات الوجودية و لو لميشعر لنقصانه في العلم من جهة احتجابه بغواشي حجب الطبيعة و الاعمال و نسيانه ما مضي عليه من الاحوال اتمه له جابر الكسير و معطي الفقير ليتم له ما اختاره و هو اختياره قال الله سبحانه له معقبات من بين يديه و من خلفه يحفظونه من امر الله و قال ( و هو قوله خل ) عليه السلم لو كشف لكم الغطايا ( الغطاء خل ) لمااخترتم الا الواقع و قال النبي صلي الله عليه و آله اعملوا فكل ميسر لما خلق له و كل عامل بعمله فافهم .
قوله سلمه الله تعالي و لو سلمت فنقول يكفي الارادة المستندة ، الي قوله : فلا حاجة الي المناسبة ، اول ما فيه انه فهم ان اهل المناسبة يقولون ان الواضع هو البشر خاصة لانه الظاهر من قوله يكفي الارادة المستندة الي ارادة الله ، اذ لايجوز ان يكون الارادة المستندة عين الارادة المستندة اليها ليكون المنسوب عين المنسوب اليه فحيث جعل المنسوب اليه هو ارادة الله سبحانه فيكون المنسوب هو ارادة العبد مع ان اهل المناسبة لايحصرون الواضع في الخلق بل مااظن ان احدا من القائلين بالمناسبة نسب الوضع الي البشر فلا معني لهذا الشق في مقام الالزام الا ان يقال هذا الكلام علي فرض ادعائهم ذلك و هو كما تري و نوجه كلامه سلمه الله بان اهل [ص 45] المناسبة يريدون باستحالة الترجيح بلا مرجح نفي الوضع بان الدلالة لو كانت بالوضع وحده للزم الترجيح بلا مرجح عند التعيين و التخصيص و بطلان التالي يستلزم بطلان المقدم فاذن يتوجه ما قال سلمه الله لكنك لو فتحت عينك لعلمت بان كلامهم اعم مما الزموا عليهم و ادعوا فيهم فان بطلان التالي يستلزم بطلان المقدم خاصة لا مطلقا و المأخوذ في المقدم الوضع وحده و هو يبطل ببطلان التالي لكن بطلان الوضع وحده لايستلزم عدم الوضع مطلقا لعله يكون من الامرين اذ يبقي حينئذ احتمالان بل ما ذكرنا سابقا من الصور الكثيرة التي تزيد علي الستين فكيف يجعلون ( تجعلون خل ) لازم كلامهم هذا الشق دون الآخر لعلهم ارادوا ذلك و قد قلنا لك انهم ماارادوا غيره .
فان قلت ان العلماء هكذا نقلوا عنهم و هم ثقات و شهادتهم حجة قلت لمنجد احدا ممن قال بالمناسبة قال ذلك و لا في كلماتهم ما يشير اليه و الناقلون لايستندون في نقلهم الي السماع عنهم و انما يستندون الي اجتهادهم من دليلهم و استعجالا بالامر و لذا نقول ان الحق ان التوثيق و التضعيف و الجرح و التعديل في الرجال كلها من باب الظنون الاجتهادية ليست من الشهادة و لا من الرواية مع ان بين المقامين فرق ( فرقا خل ) فان وجدتم استنادهم اليهم معنعنا هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين فظهر لك ان ما ذكره سلمه الله انما يتم اذا انكروا الوضع اصلا او نسبوا الوضع الي البشر و كلاهما في محل المنع فلميتم التقريب .
و قوله الارادة المستندة الي ارادة الله سبحانه ، انما يشير الي قوله تعالي و ماتشاؤن الا ان يشاء الله ( و قوله تعالي خل ) و مارميت اذ رميت و [ص 46] لكن الله رمي ، و قوله تعالي خطابا لداود انت تريد و انا اريد ثم لايكون الا ما اريد الحديث ، و قوله عليه السلم لايكون شيء في الارض و ( و لا في خل ) السماء الا بسبعة بمشية و ارادة و قدر و قضاء و اذن و اجل و كتاب فمن زعم انه يقدر علي نقص واحدة منها فقد كفر و في رواية اخري فقد اشرك ، و هذا كلام صحيح لا اشكال فيه لكن قوله يكفي ، لايخفي انه مايكفي اذ لا شك ان العابث و السفيه و امثالهما ليسا مستقلين او انما هما بالله سبحانه و ارادتهما منسوبة الي ارادة الله سبحانه اذ لايمكنك ان تمنع ذلك و مايمكنك تمنع بطلانهما و لا شيء يقع في الارض و لا في السماء من الخير و الشر و الحق و الباطل الا بمشية الله سبحانه و ارادته و علي هذا يجب ان يقبل كل شيء و لاينكر المنكر لان المنكر و المعاند و المبطل و العاصي و المخطي و غيرهم في ارادتهم منسوبون الي الله سبحانه ايكفي هذا الاستناد في صحة افعالهم و اعمالهم حاشا و كلا و هذا بعينه قول الصوفية المباحية و ما يضاهيهم من القائلين بوحدة الوجود و قد قال ابنعربي مميتالدين عندنا و محييالدين عند غيرنا في فتوحاته التي هي الحتوفات عندنا ان كل شيء حق و يؤل الي الحق و لاينبغي ان يكره ( ينكره خل ) شيء و كل شيء علي الحق و علي صراط مستقيم و استدل بقوله تعالي و ما من دابة الا هو آخذ بناصيتها ان ربي علي صراط مستقيم قال فاذا كان ناصية كل شيء بيد الله و الله علي الصراط المستقيم فيكون كل شيء علي الصراط المستقيم و قوله سلمه الله اشبه الاشياء بقوله بل هو عين قوله نعوذ بالله من طغيان الاقلام و زلل [ص 47] الاقدام و لئن اغمضنا عن كل ما ذكرنا و سلمنا ما قال نقول ان مراده بالارادة المستندة هو ان ارادة العبد تابعة لارادة الله لا بحيث يلزم الجبر فحينئذ هل ارادة الله تعلقت بالوضع من غير ترجيح بل من باب اختيار احد المتساويين من كل جهة من دون مرجح غير ارادته ام لا بل من جهة الترجيح الخارجي الذي هو المناسبة فان قلت بالاول نقول قد سبق ما دل علي بطلانه من العقل و النقل مع ان هذا هو قولك الاول فلا معني لهذا الكلام و لايحتاج ايضا الي هذا الاستناد ان انت لمتنف الاختيار فلو نسبت الي العبد ايضا لادي هذا المؤدي و ان قلت بالثاني بطل قولك فلا حاجة الي المناسبة لان الترجيح للتعيين غير الارادة لايكون غيرها فماذا تقولون و اين تذهبون .
قوله سلمه الله و لو سلمت فهي انما تقتضي مرجحا ما من المناسبة يصح الاستناد اليه اقول و ليت شعري ماذا يريدون من المناسبة الذاتية و اظنهم يتوهمون فيما اذا قالوا ان الواضع هو الله ان الله سبحانه و تعالي خلق اولا الالفاظ و صورها بهذه الصور هكذا اتفاقا ثم وضع كل لفظ لمعني من غير نسبة و ارتباط و اذا قالوا بالمناسبة الذاتية يعنون ان هذه الالفاظ التي صورها الله سبحانه و الفها اتفق ان من الهيئة الاجتماعية حصلت نسبة و رابطة تقتضي معني مخصوصا لاتقتضي غيرها ابدا و يعرفها كل من يراها و اذا قالوا ان الواضع هو البشر يعنون ان الله سبحانه صور هذه الالفاظ من غير ملاحظة معني من المعاني او ان البشر صور لفظا ثم جعله [ص 48] لمعني آخر فلو لمنحمل كلامهم علي هذا لميتصور لكلامهم معني محصل و كل اعتراضاتهم و تدقيقاتهم علي اهل المناسبة كلها تتوجه علي الذي ذكرت و لو لميقولوا هذا بلسان مقالهم فان لسان حالهم تشهد بذلك و تنادي بما هنالك و انت قد عرفت ما ( مما خل ) حققنا لك سابقا ان هذه كلها اقوال باطلة و ظنون فاسدة و الله سبحانه اجل من ان يجعل شيئا و لايقصده و يكون ذلك منه علي سبيل الاتفاق و لعمري ان ذلك ( هذا خل ) مذهب ذيمقراطيس الذي يقول ان العالم كان بالاتفاق و حكم البعض هو حكم الكل لايتفاوت بين من يقول باتفاقية الكل او البعض لان حكم الله علي الكل علي طور واحد ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و قد اقمنا علي ما قلنا براهين سديدة مستنبطة من العترة الطاهرة في ساير ما كتبنا فكيف يقال ان الله سبحانه و تعالي خلق الالفاظ علي صور شتي و هيئات مختلفة و اوضاع متفاوتة كل ذلك من غير حكمة و قصد مصلحة فيجعل بعضها مفردة كهمزة الاستفهام و بعضها مركبة ثلاثية و رباعية و خماسية مجردة و مزيد ( مزيدا خل ) فيه مشتقة و جامدة منصرفة و غير منصرفة معتلة و صحيحة مهموزة و مدغمة و مضاعفة افعالا و اسماء و حروفا يكثر في بعضها من الحروف المجهورة او المهموسة و الشديدة او الرخوة و المستعلية او المستفلية و المطبقة او المفتحة و الحارة او الباردة و اليابسة او الرطبة و النورانية او الظلمانية و الفلكية او العنصرية و الشمسية او القمرية و المتواخية او المتعاوية ( المتعادية خل ) و يقللها في البعض الاخر اتجوز ان يكون كل ذلك علي سبيل الاتفاق و لايقصد من ذلك شيئا ( شيء خل ) مع ان [ص 49] العقل يقطع ببطلانه الطبيعة تنبو و تشمئز عند استماعه هذا كله نقص في حكمة الحكيم او نفي لقدرته او نقصان في علمه و انتم لاترضون نسبة هذا الي بعضكم فيما تعرفون و تعلمون انكم لتقولون قولا عظيما فظهر لك ان ما نسب المصنف الي اهل المناسبة تبعا لغيره و ما فهموه من دليلهم ليس مرادهم و انما هم يقولون كما قلنا مرارا ان الاصل في الاشياء هو الذوات و المعاني و لما ان المعاني حقايق عينية و ذوات غيبية احتيجت لاظهارها و ابرازها و ترتب الآثار و الاحكام عليها الي مظاهر و مرايا فخلق الله سبحانه هذه الالفاظ مرايا لتلك المعاني كما خلق الاجسام مرايا للارواح و العقول فالف لكل معني لفظا يناسب ( يناسبه خل ) ذلك المعني بصفاته من الجهر و الهمس و الحرارة و الرطوبة و البرودة و اليبوسة و التقديم و التأخير علي ترتيب محكم و نظام متقن بتمام الصيغة ( الصنعة خل ) و بديع الفطرة فاذا اطلع عليها العارف يقطع بان هذا فعل حكيم عالم كريم لكن و كأين من آية في السموات و الارض يمرون عليها و هم عنها معرضون و يضرب الله الامثال للناس و مايعقلها الا العالمون قل انظروا ماذا في السموات و الارض و ماتغني الآيات و النذر عن قوم لايؤمنون و من الآيات العظيمة خلق اللغات علي طور غريب و نظم عجيب و حكايتها للمعاني و توصيفها لها علي اكمل وجه و اعظم حال المتعلم ان اهل التكسير كيف يداوون الامراض المزمنة الغريبة العجيبة بحروفهم و اسمائهم و يتصرفون فيها و يسقونها اياهم فيداوونهم بها و لكنهم اذ لميهتدوا بهذا فسيقولون هذا افك قديم .
[ص 50] فقوله سلمه الله تعالي مرجحا ما من المناسبة ، هذه هي المناسبة الذاتية و ليست هذه الذات مقابلة للصفات بل يريدون بالمناسبة الذاتية مقابل الوضعية لا مقابل الصفاتية بل المناسبة لاتقع الا في الصفات و اما في الذوات فلا الا ان تكون حكاية لعاليها و هو غير ما نحن بصدده فالمناسب في الصفات من المناسبة الذاتية كما قالوا في الفصم و القصم و الاعلام ايضا منها الا انها اقلها دلالة لانها نوعية فتقوي المناسبة عند الشخصية و المقارنات الفلكية فتكون المناسبة الذاتية هي المرجحة .
قوله سلمه الله تعالي فتكون الدلالة بالوضع بمعني انه سبب لها ، و قد سبق لك من الكلام ما يبطل به هذه ( هذا خل ) المرام من ان الدلالة انما هي ارشاد اللفظ بمناسبة مادته و صورته بمادة المعني و صورته علي ما الفه الواضع و قرره فانت من جهة جهلك بالمناسبة تلتفت الي مطلق الوضع و التعيين تقليدا كما ورد ان اللبان و مواظبة اكله يزيد في الحفظ و يقوي البنية فاذا راوا اللبان يقولون انه يزيد في الحفظ و لكنهم لميدروا لم كان كذلك او ( و خل ) انه من جهة حرارته و يبوسته يقطع البلغم فيورث الحفظ و كذلك يقال لك ان اللفظ الفلاني اسم للمعني الفلاني لكنك لاتدري لم كان ذلك كذلك فانت حينئذ مقلد لا محقق و اما المحقق فيكفيه مجرد الاستعمال فانه يحكم علي ان هذا الاستعمال حقيقي او مجازي مشترك لفظي او معنوي منقول او مرتجل و لايحتاجون الي البيان من الواضع في كل واحد واحد علي حسب مراتبهم و بلوغهم في العلم ،
و لكل رأيت منهم مقاما شرحه في الكلام مما يطول [ص 51]
فظهر بما ( مما خل ) ذكرنا بطلان باقي كلامه .
قال سلمه الله تعالي : فان قلت لعل مراد اهل المناسبة انها سبب للوضع بمعني ان الواضع لايهمل في وضعه رعاية المناسبة بين اللفظ و المعني كوضع الفصم بالفاء التي هي من حروف الرخوة للكسر بسهولة و وضع القصم بالقاف التي هي من حروف الشدة للكسر بالشدة قلت هذا مع انه خلاف الظاهر و خلاف الواقع في بعض الالفاظ سيما ما وضع للضدين لعدم تصور المناسبة بهما معا و يقتضي ان يكون النزاع بلا ثمرة فان الوضع حينئذ سبب للدلالة لا المناسبة و ان كان الوضع للمناسبة مما نهاه ( نفاه خل ) بعض القائلين بالمناسبة صريحا .