اقول ما ذكره سلمه الله تعالي من الاحتمال هو قول السكاكي في المفتاح قال علي ما حكي عنه ان ما ذكره اهل المناسبة تنبيه علي ما عليه ائمة ( ائمة علمي خ‌ل ) الاشتقاق و التصريف من ان للحروف في انفسها خواص لها تختلف كالجهر و الهمس و الشدة و الرخاوة المتوسط بينهما و غير ذلك و تلك الخواص يقتضي ان يكون العالم بحالها اذا اخل في تعيين شيء مركب منهما ( منها خ‌ل ) لمعني لايهمل التناسب بينهما قضاء لحق الحكمة كالفصم بالفاء الذي حرف رخو ( رخوة خ‌ل ) لكسر الشيء من غير ان يبين و القصم بالقاف الذي هو الشديد لكسر الشيء حتي يبين و ان لهيئات تركيب الحروف ايضا خواص كالفعلان و الفعلي بالتحريك كالنزوان و الحيدي لما في مسماهما من الحركة و كذا باب فعل بضم العين مثل شرف و كرم للافعال الطبيعية اللازمة و قس علي هذا اقول هذا الذي ذكره السكاكي ان اراد في [ص 52] كل الالفاظ من الجامدة و المشتقة في كل لغة و يخص المناسبة بالذي ذكر من التناسب في بعض الصفات و الهيئات او يخص بالمشتقات في اللغة العربية فغلط فاحش و خبط واضح و هو يريد الحمل و الجمع فاقول انه صلح بدون رضي الخصمين لان اهل المناسبة لايخصون لفظا دون لفظ او مناسبة دون اخري بل يعممون الحكم في كل لفظ في كل لغة باي نوع من انواع المناسبات التي اشرنا الي بعضها فيما سبق و ان اراد جميع المناسبات في كل الالفاظ و اتي بما ذكر علي سبيل المثال و هو حق و ان اراد ان يتخذ له مذهبا فباطل لما مر و سيأتي ان شاء الله و اما اهل الوضع فلايعتبرون المناسبة لا ان يعتبروا عدمها فان اتفقت المناسبة فهو من باب الاتفاق و لا حكم للقضية الاتفاقية و الحاصل ان مراد اهل المناسبة هو الذي ذكرنا مرارا من اعتبار المناسبة حال الوضع و انها هي العلة المرجحة و الغاية الخاصة و الشرط التام و السبب القوي فالمناسبة هي من متممات قابلية الدلالة مع ملاحظة الواضع المؤلف و انحاء المناسبات كثيرة لا ( و لا خ‌ل ) حصر لها .

قوله سلمه الله قلت مع انه خلاف الظاهر ، ان اراد ما احتمله السكاكي من حكم الاختصاص فكذلك بل هو خلاف الواقع لانهم يعممون الحكم ان ( و ان خ‌ل ) اراد ان اهل المناسبة ينكرون الوضع مع المناسبة اصلا و رأسا فباطل بل مايريدون غيره .

و قوله خلاف الواقع في بعض الالفاظ سيما ما وضع للضدين ، اعادة لما قاله اولا و قد ظهر لك مشروحا مفصلا ان قوله خلاف الواقع خلاف الواقع بل الواقع ان الشيء الواحد يناسب الضدين كما انك تناسب الاضداد تناسب النار بالمرة الصفراء [ص 53] تناسب الماء بالرية مادة البلغم تناسب الهواء بالدم تناسب الارض بالطحال تناسب الملك بالعقل تناسب الشيطان بالنفس الامارة تناسب الرحمة بالطاعة و تناسب الغضب بالمعصية و هكذا الي ما لا نهاية له من الاضداد و الله سبحانه انما خلق العالم مجمعا للاضداد ليعلم ان لا ضد له .

و قوله سلمه الله و يقتضي ان يكون النزاع بلا ثمرة فان الوضع حينئذ سبب للدلالة ، باطل لان الوضع مع المناسبة سبب لها لا الوضع وحده و الثمرة في هذا النزاع كثيرة منها وضع الاسم لذات الحق سبحانه و تعالي فان القايل بالمناسبة يمنعه و ان كان الواضع هو الله تعالي و النافي لها يثبته و ان نفاه فانما هو من جهة اخري لكنه ماوجدنا من النافين من نفي وضع الاسم لذات الحق سبحانه و تعالي بل اتفقوا علي ان لفظ الجلالة اسم للذات تعالي ربي و تقدس و لاتتوهم ان النافي للاسم يريد بلفظ الجلالة غير الذات بل مايريد منه الا الذات لكن لا من حيث انها مدلولة لللفظ و انما هو مثل ما اذا قلت لك يا قائم و يا قاعد مااريد الا ذاتك مع ان مدلول اللفظ غيرها و تحقيق الكلام في غير هذا المقام و يظهر في هذا المقام ثمرات كثيرة شريفة و قد ظهرت ( ظهر خ‌ل ) لي بعون الله تعالي حال الكتابة فاطويها و اصونها قال و نعم ما قال :

اخاف عليك من غيري و مني و منك و من زمانك و المكان

فلو اني جعلتك في عيوني الي يوم القيمة ماكفاني

و منها وضع الاسم للممتنعات كشريك الباري و الاعدام الصرفة و اللاشيء البحت البات و الليس الساذج فان القائل بالمناسبة يمنعه لعدم تحققها [ص 54] بين الالفاظ الموجودة المتأصلة مع الاعدام الصرفة و تناسب التضاد لايتحقق لان الضدين امران وجوديان فحيث لا مناسبة لا اسم و هذه الاسماء للجهات الامكانية و التجويزات الوهمية و التحليلات الافكية قال تعالي و تخلقون افكا مثل تسميتك الرجل الموجود بالمعدوم و قد قال مولينا الصادق عليه السلم كلما ميزتموه باوهامكم في ادق معانيه فهو مخلوق مثلكم مردود اليكم ، و لتحقيق الكلام مقام آخر و اما النافي للمناسبة فلايلتفت الي هذه الامور و يثبت الاسم للكل لعدم اشتراط المناسبة و لو منعه و انما هو لامر آخر من كون المدلول المعني يجب ان يكون موجودا و منها ان اللفظ اذا استعمل في معنيين يقدر اهل المناسبة علي الحكم بان هذا الاستعمال حقيقي و الآخر مجازي او نقلي او اشتراك لفظي او معنوي و ذلك بقوة المناسبة و ضعفها و تعدد الاصقاع و وحدتها و هذا الحكم لايتأتي له الا اذا قطع كالشمس في رابعة النهار و لايقطع الا اذا كان فهمه في ذلك مستندا الي الكتاب و السنة و كأني بك تستهزئ و تقول ان هذا شيء لم‌يتفوه به احد من العلماء و اني اقول لك :

و هب اني اقول الصبح ليل ايعمي الناظرون عن الضياء

و قد قال تعالي و فيه تفصيل كل شيء و قال عليه السلم و ان من شيء الا و فيه كتاب او سنة و قالوا عليهم السلم نحن العلماء و شيعتنا المتعلمون و قال اميرالمؤمنين عليه السلم المتبعون لقادة الدين الائمة الهادين يهجم بهم العلم عن ( علي خ‌ل ) حقيقة الايمان فيستلينون من اخبارهم [ص 55] ما استوعر علي غيرهم ، اجمع بين هذه الاخبار لينتج لك المراد و اني تتبعت العلماء و رأيت لسان حالهم ناطقا بما اقول و يأبي عن ذلك لسان مقالهم و لو كان لي اقبال لشرحت لك حقيقة الحال و قد يحصل ذلك بالمشافهة فان المشافهة تطرد العصافير بقطع الشجرة لا بالتنفير و اما النافون فلايتأتي لهم ذلك فان هذه المناسبات عندهم غير مرعية و منها و هو اعظمها اعتبار اللطايف و الخصايص و الحقايق و الاسرار المطوية في الالفاظ القرآنية و الاسماء الحسني و اسماء الائمة عليهم السلم و اسماء اعدائهم المدلول عليها بالالفاظ من تقديم و تأخير و توسيط و ترقيق و تفخيم و جهر و همس و شدة و رخوة و حروف نارية و هوائية و ترابية و مائية و تكثيرها في بعض الكلمات و تقليلها و تعديلها و الاتيان بالحروف النورانية و الظلمانية و السعيدة و النحيسة و المتواخية و المتناكرة و المتوالفة و المتعادية و اليومية و الليلية و حروف المنازل و البروج و الافلاك و الحروف الجبروتي و الملكوتي ( الملكوتي و الملكي خ‌ل ) و من العدد و من الشكل و من الهيئة و من الصورة و من الصفة و غيرها من الامور المقررة عند اهلها التي وصلت اليهم من الانبياء عن الله سبحانه بواسطة الوحي و اجمعوا علي ذلك و يستخرجون منها مطالب كثيرة و اسرارا عجيبة من الامور المرموزة و المطوية كما استخرجوا الائمة سلام الله عليهم من قوله تعالي ان رحمة الله قريب من المحسنين و استخرجوهم سلام الله عليهم من آية التطهير و استخرجوا اسم محمد و علي من لفظ الجلالة و استخرجوا الايمان من اسم علي و [ص 56] الاسلام من اسم محمد صلي الله عليهما و آلهما و استخرجوا اسم علي عليه السلم من اليمين فعرفوا معني اصحاب اليمين و كذلك في الاعداء و استجماع الكمالين اي الكمال الشعوري و الظهوري للطاء في فاطمة عليها السلم و قد دلت اخبار ائمتنا سلام الله عليهم علي هذا المعني في مواضع لايحصي كما في التوحيد عن الباقر عليه السلم في تفسير قل هو الله احد قال عليه السلم ما معناه الهاء اشارة الي تثبيت الثابت و الواو اشارة الي الغائب عن درك الحواس و لمس الناس و في الصمد قال عليه السلم ان الالف و اللام المدغمان اشارة الي وجوده و غيبوبته ( غيبته خ‌ل ) و عن الصادق عليه السلم في قوله تعالي و ان كنتم في ريب مما نزلنا علي عبدنا قال عليه السلم العين علمه بالله و الباء بونه من الخلق و الدال دنوه من الخالق بلا كيف و لا اشارة و كما قال عليه السلم في تفسير البسملة الباء بهاء الله و السين سناء الله و الميم ملك الله و في رواية مجد الله و قال في الله الالف آلاء الله علي خلقه من النعيم بولايتنا و اللام الزام خلقه ولايتنا و الهاء هوان لمن خالف ولايتنا و حديث ابي‌لبيد المخزومي من المشهورات و قال مولينا الحسن العسكري عليه السلم في كلام له وجد بخطه الشريف قد صعدنا ذري الحقايق باقدام النبوة و الولاية الي ان قال عليه السلم و شيعتنا الفئة الناجية و سينفجر لهم ينابيع الحيوان بعد لظي النيران لتمام الم و طه و الطواسين و قال الحجة المنتظر عجل الله فرجه في كهيعص ان الكاف اشارة الي كربلا و ان الهاء اشارة الي هلاك العترة الطاهرة و الياء اشارة الي يزيد لعنه الله و [ص 57] العين اشارة الي العطش و الصاد اشارة الي صبرهم و الاخبار في هذا المعني لاتحصي و لاحصاء بعضها مقام آخر و بالجملة اهل المناسبة لايزالون غواصون ( غواصين خ‌ل ) في بحر العلوم و الحقايق و قد ظهر لهم ما قال امامهم صلي الله عليه ان حديثنا صعب مستصعب اجرد كريم ذكوان مقنع و فسروا عليهم السلم الذكوان بانه ذكاء المؤمن او بانه طري ابدا لاتفني عجائبه و لاتبيد غرائبه و لايستقصي ما فيه و انت ايها السامع لاتكذب بما لم‌تحط به علما و تدبر في قوله تعالي و مااوتيتم من العلم الا قليلا و في قوله تعالي و فوق كل ذي علم عليم و لاتكن كما قال تعالي و اذ لم‌يهتدوا بهذا فسيقولون هذا افك قديم و اما النافون فبمعزل عن هذه العلوم و لايلتفتون اليها ابدا كأنهم يزعمون ان الله سبحانه و تعالي او الائمة الهداة لما تكلموا بتلك الكلمات مااستشعروا بهذه اللطايف و غيرهم وجدوها من كلماتهم من باب الاتفاق كما يقولون في دليل الاشارة و يمثلون ذلك باقل مدة الحمل من قوله تعالي كما قالوا سيجزيهم وصفهم انه حكيم عليم .

و قوله سلمه الله تعالي مما نفاه بعض القائلين بالمناسبة صريحا ، و لست ادري من هذا القائل و نحن لم‌نجد اشارة و لا تلويحا من كلماتهم ( بكلماتهم خ‌ل ) يشعر بنفي الوضع فضلا عن التصريح و اما اهل الجفر فدائما يسئلون عن اسم السائل و لايعلمونها و دائما يتكلمون في اصول الالفاظ و هي الحروف الثمانية و العشرون و يقولون ان مدار كل الالفاظ و اللغات عليها و هل يمكن ان يتألف و يتصور لفظ من غير مؤلف و مصور و هل المؤلف و المصور الا الواضع و لاتقف ما ليس لك به [ص 58] علم ان السمع و البصر و الفؤاد كل اولئك كان عنه مسئولا و ليس تتبعه و نظره في كلمات اهل المناسبة اكثر من تتبعنا و نظرنا ان كان الامر كما تقولون هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين عصمنا الله و اياكم من الزلل بمحمد و آله الطاهرين .

قال سلمه الله تعالي : قال بعض افاضل العصر الاصح ما ذهب اليه اهل المناسبة تمسكا بان كثيرا من المعاني تظهر فيها المناسبة كالخضخضة و الطنطنة و كالغليان و النزوان و غير ذلك فتجد ( فنجد خ‌ل ) فيها صورة تشابه حركة مسماها بحيث لو سمعها من لم‌يكن عالما بالوضع و قيل له في مسمي الخضخضة ما اسم هذه اخضخضة ام مرجلة مثلا لقال الاولي ان تسمي خضخضة و لايناسب ان تسمي مرجلة و هذا شيء يعرف بالطبع و العقل و ليس لذلك دليل الا ما تدركه الفطنة من المناسبة .

اقول يريد بهذا البعض شيخنا و مولانا و ثقتنا و معتمدنا و محيي نفوسنا و منور قلوبنا عماد الاسلام و المسلمين المبطل لقوانين الاشراقيين المضيع لتمويهات الرواقيين المزيف لاوهام المشائين المخرب لمخترعات الصوفيين الناطق بالحق و الصواب في الفروع و اصول الدين لانه المتمسك في كل الاحوال و العلوم بحبل الله المتين و الآخذ اصوله و فروعه من مشكوة انوار الائمة الطاهرين سلام الله عليهم اجمعين و هو المحسن و لا سبيل علي المحسنين الشيخ الورع الصالح الزكي التقي النقي خاتم المجتهدين و قدوة المؤمنين الممتحنين مولانا و مقتدانا الشيخ احمد ابن المقدس المرحوم الشيخ [ص 59] زين‌الدين الاحسائي اطال الله بقاه و جعلني في كل مكروه و محذور فداه و بلغه الي ما يتمناه و اخذه هواه الي رضاه و جزاه عنا خير الجزاء و رفع درجاته في مقام القرب و الزلفي كما نور قلوبنا بمصباح الهداية و التقي فانه اطال الله بقاه قد قال بالمناسبة الذاتية لكنه علي ما فصلت لك يعني ان الواضع لما اراد ان يوضع لفظا بمعني الف له من الحروف ما يناسب ذلك المعني علي هيئة مادته و صورته بحيث اذا اطلع عليها السامع يقطع بان هذا اللفظ لايصلح الا لهذا المعني كما ان السرير بعد ما صنع و صيغ لايتناول الصنم و الصندوق فكل من يراه يعلم انه سرير و لكن قبل التأليف يصلح لهذا و لهذا الا ان انحاء المناسبات كما ذكرت لك مرارا مختلفة في الظهور و الخفاء و شدتها و ضعفها و قلة الظهور و كثرته ( كثرتها خ‌ل ) ففي بعض الكلمات ظاهرة واضحة بحيث اذا عرضت علي كل عاقل منصف متأمل يدرك وجه المناسبة و ذلك مثل خضخضة ( الخضخضة خ‌ل ) الموضوعة لمدلولها في الحديث لعن الله المخضخض و هو المستمني باليد او مطلق تحريك الماء علي الوجه المخصوص و لم‌يحضرني الآن الخصوصية لكن الطبع السليم و الفهم المستقيم يعرف ان المناسب لهذا المدلول هو الخضخضة لا الطنطنة و لا المرجلة اذ في ذات اللفظ مناسبة تعرفها الفطنة و العقل مع تلك الحركة المخصوصة ليست مع الطنطنة نعم فيها مناسبة مع النقمة ( النغمة خ‌ل ) و التغني و بالجملة مراده اطال الله بقاه اثبات وجود المناسبة و بيان ان بعد تأليف اللفظ و صوغه علي تلك الهيئة الخاصة في بعض الالفاظ التي ظهرت المناسبة فيها يمكن للسامع [ص 60] ادراكها و ادراك مدلولها و ان لم‌يعلم الوضع فان الفطنة بالفطرة تعرف ذلك مثال ذلك اذا كانت مرايا متعددة كلها تصلح لحكاية ظهور صورتك بالصلوح النوعي فقبل المقابلة لم‌تتعين مرآة خاصة و كلها في الصلوح و الامكان سواء فلما قابلت احدي تلك المرايا و خصصتها بالهيئة الشخصية التي هي المقابلة ظهرت صورتك فيها فلاتحكي تلك الصورة الا اياك فكل من نظر اليها عرفك و ان لم‌يرك و لم‌يخبره مخبر بمقابلتك اياها و كذلك الالفاظ قبل ان تتعين و تتشخص و تتألف كانت موادا ( مواد خ‌ل ) صالحة لكل المعاني فلما اراد الواضع معني هيأ له صورة خاصة مناسبة لذلك المعني المخصوص فاذا تألف اللفظ بالمناسبة فلا شك انه لاتدل الا علي ذلك المعني بالمناسبة و ان لم‌يعلم الوضع الا انها لما كانت خفية في اكثر الالفاظ و اغلبها قيل للناس ان اللفظ الفلاني موضوع للمعني الفلاني مثل ما يقول الحكيم ان الحرارة و اليبوسة تقتضي لون الحمرة فحين تعقل هذا المعني مايلتفت الا الي قول الحكيم و مايلتفت الي حقيقة المناسبة التي صارت علة فحينئذ لايقال انما صارت الحمرة من الحرارة و اليبوسة او من اجتماع البياض و الصفرة بقول الحكيم و اما في ان النار تحرق و الماء تبرد فلايحتاجون الي قول الحكيم و كذلك بعض الالفاظ تظهر فيها المناسبة بحيث يعرفها الفطن الزكي كما يعرف تبريد الماء و تسخين الشمس و ان لم‌يعلمه الحكيم و كذلك هناك يعرفها و ان لم‌يعلمه الواضع و في بعضها لم‌تظهر مثل ما ذكرنا فيحتاج الي الاعلام فلايقال حينئذ ان اشراق ( احراق خ‌ل ) الشمس و احراق النار و تبريد الماء لذاتها من [ص 61] غير جعل جاعل و تأليف مؤلف فكذلك في الالفاظ اذ دلت بالمناسبة لايقال انها استغنت عن الواضع بل ماصارت كذلك الا بالواضع فافهم فاني قد كشفت لك القناع و نزلت المعقول منزلة المحسوس فاذا عرفت هذا القدر من الكلام ظهر لك فساد غرضه من اتيان هذا الكلام نقلا عن ذلك العالي المقام لبيان انه اطال الله بقاه ينكر الوضع صريحا حاشا و كلا و انما هو يقر بالوضع صريحا و قد صنف في مسئلة الواضع رسالة و نقل فيها الاقوال و ادلتها و رجح القول بان الواضع هو الله سبحانه و استدل عليه و صحح كل الاستدلالات التي استدلوا بها لهذا المطلب من الآيات و العقل و ابطل جميع الشكوك و الشبهات الواردة عليها و قد صرح في هذه المسئلة في عدة مواضع بالواضع و ان الواضع يؤلف الفاظا مناسبة الي غير ذلك و هذه العبارة المنقولة ليست صريحة في نفي الوضع لو لم‌ندع الظهور في اثباته بقوله الاولي ان تسمي خضخضة ، بل الالفاظ المؤلفة المركبة علي هيئات و اوضاع و صور اقوي شاهد علي الواضع المؤلف المصور فكيف يمكن ان يقال مع هذا كله انه ينفي الوضع صريحا لاينبغي للعالم ان يكون له عجلة فيحكم و ينسب بادني شبهة فلو كان هذا حالهم في تنقيح كلام الاحياء مع كونه حيا و شيوع تصانيفه و اجوبة مسائله و كتبه و وجود تلاميذه العالمين بمراده و تمكنه منه و منهم في تحصيل مراده علي القطع و اليقين هكذا فكيف في تحقيق حال الاموات و تهذيب الرجال مع البعد العظيم و الوسايط الكثيرة و تنقيح الاخبار و تهذيبها علي وجه الاستبصار ليكون كافيا لارشاد قواعد شرايع الاسلام و [ص 62] وافيا لذكري مدارك نهاية الاحكام مع الاختلافات ( الاختلاف خ‌ل ) العظيمة و المعارضات الشديدة التي يدعونها و الله المعين و الموفق و لولاخفت الاطالة و ما في قلبي من الملل و الكسل لبينت لك دأب العلماء و كيفية الاجتهاد و القواعد التي يجب علي المجتهد ان يراعيها ليعد من الذين جاهدوا فينا و الله الهادي توغلوا في الامور و تأملوا مر الدهور و لاتستعجلوا في الجرح و التعديل و لاتستبدوا بالراي فان كل ذلك موانع اصابة الحق و السلام علي تابع الهدي و خشي عواقب الردي .

قال سلمه الله تعالي : اقول فيه اولا مما يكذبه الوجدان سيما بالنسبة الي غير اهل هذا اللسان فانه لو قال له عند تحريك الماء و نحوه هذا كذا او ( و خ‌ل ) كذا يقول ماادري بالبديهة .

اقول ان اراد بوجدانه خاصة فهو اعلم و ان اراد بوجدان عامة الخلق الخالين عن الشكوك و الشبهات و الاوهام و العبارات و انحاء التقليدات فممنوع بل الذي هو المعروف و طابق عليه العقل و النقل و الوجدان و الاحساس ميل الشيء الي ما يناسبه و يوالفه و لا شك ان الشيء الي المناسب اميل منه الي المخالف المباين و هو قريب من الاوليات و انا اسئلك هل تجد مناسبة و موافقة بين تحريك الماء علي الوجه المخصوص و بين الخضخضة لاتجد بينه و بين المرجلة و بين الباب مثلا ام لايتفاوت عندك الحال و كذا بين الغاغ و صوت الغراب و الدق و معناه و الشيب و صوت شفتي الناقة حال الشرب فان قلت لم‌يتفاوت عندي الحال فليس لنا معك كلام لادائه الي السفسطة مع ان هذه الالفاظ ليست [ص 63] بادون من الفصم و القصم الذي اقررت بالمناسبة بينهما فان كان فيهما في حرفين و هنا ( فهنا خ‌ل ) في كل الحروف و كذلك الغليان و الفوران و النزوان و الجولان و امثالها للحركة الصعودية و لاينبغي التشكيك في المناسبة بينها و بين مدلولاتها و لا احد انكرها الا انهم اجابوا عن ذلك بانها مجرد الاتفاق و بالجملة فاذا صحت المناسبة و تحققت و لا ( فلا خ‌ل ) شك في ان الطبيعة تميل الي المناسب للمناسبة فاذا وجدت الطبيعة الساذجة و الجبلة الصافية شيئا يناسب الآخر فتحكم له به مطلقا ان وجدت المناسبة تامة و الا فبالنسبة الي المباين و هذا هو مقتضي الفطرة الالهية و الاستقامة الحقيقية و عدم الحكم لعدم وجدان المناسبة لا لوجود المناسبة و عدم اقتضاء الفطرة و العقل المستقيم يحكم ( الحكم خ‌ل ) الي المناسب و يميل ( الميل خ‌ل ) اليه و هذا واضح ان شاء الله تعالي فظهر لك ان الوجدان انما يشهد علي حكم المناسب للمناسب فقوله يكذبه الوجدان ، ان اراد المناسبة بين الخضخضة و مدلولها و كذا باقي الالفاظ و مدلولاتها فيكذبه الوجدان و ان اراد حكم العقل المناسب للمناسب فكذلك يكذبه الوجدان و وجداني الذي ادعيت مستند ( مستندا خ‌ل ) الي العقل و النقل و الحس و البداهة بخلاف ما ذكره ( ذكر خ‌ل ) .

و قوله سلمه الله سيما بالنسبة الي غير اهل هذا اللسان اه جوابه انه لايتفاوت الحال و كونه من اهل اللسان لا مدخلية له بل ربما يبعد الفهم لالتفاته الي جهة الانس و مراد الشيخ اطال الله بقاه هو الباقي علي الفطرة المستقيمة الغير المعوجة فان الفطرة اذا غيرت ربما في حال الغفلة تدرك ( يدرك خ‌ل ) الحق بالاستقامة فاذا التفت الي جهة المخالفة تنكره ( ينكره خ‌ل ) و امثلته [ص 64] كثيرة لانطول الكلام بذكرها فاذا كان الشخص خالي الذهن عن شبهة المناسبة و الوضع و الميل الي جهة تقليدا يدرك الذي ذكر بالبديهة و العجب من قوله يقول ماادري بالبديهة ، فان ذلك ابطال لحكم العقل و الفطرة المستقيمة و دعوي البديهة غريبة مع انه بالف نظر لايمكنه اثبات هذا المدعا الا عند الذين غيرت فطرتهم عن الاستقامة الاصلية و رسخت الشبهة في اذهانهم و الله المعين و هو حسبي و نعم الوكيل .

قال سلمه الله تعالي : و ثانيا ان الدلالة لا بد ان تكون من اللفظ فيجب ان يفهم من لفظ خضخضة ( الخضخضة خ‌ل ) تحريك الماء ( الماء مثلا خ‌ل ) لا العكس .

اقول ان مولانا جناب الشيخ اطال الله بقاه و امد ظلاله علي رؤس رعاياه يريد من هذا الكلام تأصيل اصل يكون بابا ينفتح منه الف باب و هو ان الالفاظ لما كانت اصولها موادا ( مواد خ‌ل ) صالحة و هي الحروف الثمانية و العشرون و ليست في هذه الحروف دلالة علي شيء مخصوص معين فاذا اراد معني يؤلف له حروفا علي وضع مخصوص و ترتيب معين فيدل بالمناسبة و لما كانت هذه الدلالة ذاتية و اذا اراد غير الواضع ان يعينها يجب عليه استحضار جميع الصور و الهيئات او اغلبها و اكثرها و الاول بالنسبة الي غير الامام عليه السلم و الثاني بالنسبة الي عامة الخلق متعذر و الثاني بالنسبة الي بعض الاوحديين متعسر فعلي الواضع ان يبين ذلك اللفظ احضارا له في فهم السامع و ذهنه و اعانة له علي ادراك المطلوب فاذا سمع ذلك اللفظ و وجد كمال التناسب بينه و بين المعني المدلول استراح و استقام و سكن فاذا اراد الواضع ان يظهر حكمته و ان [ص 65] فعله علي امر متقن محكم يقول اخضخضة مثلا اولي بان يكون دالا علي هذا المدلول ام غيرها مثل الشيب يقول السامع لا بل الخضخضة اولي و اليق و ذلك مثل قوله تعالي قل ءالله خير اما يشركون و قوله تعالي افمن يهدي الي الحق احق ان يتبع امن لايهدي الا ان يهدي فما لكم كيف تحكمون و ليس ان الحكم انما حصل بقوله تعالي الآن بل هذا الحكم كان ثابتا لكنهم ماكانوا ملتفتين اليه فنبههم علي ذلك و كذلك الالفاظ تدل علي معانيها بالذات بعد ما وضع الواضع فالدلالة انما هي بمناسبة مادته و صورته بمادة المعني و صورته و لكن الخلق لما كانوا غافلين اعلمهم الله سبحانه بالامر كما اعلمك بالشرايع مثلا فهم الخلق و ادراكهم لم‌يبلغ ان يعملوا عملا جامعا لمقتضي العبودية و الربوبية فاتي لهم الشارع بالصلوة فقال لهم هل الصلوة جامعة لمقتضي العبودية ام الزنا و اللواط مثلا يقولون لا بل الصلوة لما يجدون من المناسبة بينها و بين العبودية المحضة فالدلالة التي لنا من الالفاظ كلها تقليدية اعلامية و هي لاتحصل الا بعد الاعلام و التنبيه و البيان كما قالوا الصلوة واجبة و صوم اول ( اول شهر خ‌ل ) شوال محرم و آخر رمضان واجب مصلح ( مصلح كذلك خ‌ل ) و العلم اسم لتلك الصفة و الممكن لذات الخلق و انت لم‌تعرف الامرين الا بالاعلام و الدلالة التحقيقية ( الحقيقية خ‌ل ) هي التي تعرفها من حقيقة الشيء و اقتضاء كينوناته و هذه لايتيسر الا لآحاد الناس في بعض الالفاظ فافهم قال شيخنا اطال الله بقاه في تحقيق معني الدلالة قال و الحق ان الدلالة صفة اللفظ لا صفة السامع و لا صفة اللافظ كما قد يتوهم و ذلك لان الواضع الحكيم وضع [ص 66] الاسماء علامات علي المسميات و كمال العلامة ( العلامات خ‌ل ) ان تكون علي هيئة تدل علي ما وضعت له و حيث كان كل شيء زوجا تركيبيا وجب ان يكون لذلك الاسم هذا الحكم و المراد ان كل شيء له مادة و صورة و هذا وسم ( رسم خ‌ل ) جميع المخلوقات و كل اسم فله مادة مخصوصة بينهما ( بينها خ‌ل ) و بين ما يراد له مناسبة نوعية و له صورة مخصوصة بينها و بين ما يراد له مناسبة شخصية فاذا اراد وضع لفظ بازاء معني اخذ له من الحروف ما يناسبه و جعلها مادة لاسم ذلك المعني و ركب تلك الحروف علي هيئة من التركيب في الحركات و السكنات و التقديم و التأخير تناسب ذلك المعني كذلك و تلك الهيئة هي صورة ذلك الاسم فوضعه ( فوضع خ‌ل ) بازاء ذلك المعني فكان الاسم بتلك المادة المخصوصة و الهيئة المخصوصة دالا للسامع العالم بالوضع علي مسماه كما انك اذا اومأت بان يأتي اليك ( اذا اومأت اليك بان تأتي خ‌ل ) اومأت اليه بهيئة الاقبال بان تقبض اصابعك في الجملة مشيرا له بها اليك فيفهم بالمادة و هي حركة اليد و الصورة و هي الاشارة له بيدك كالجاذب له ارادة الاقبال و لو انك اردت انصرافه اومأت اليه بيدك بهيئة الدفع فيفهم بالحركة و الهيئة ارادة الانصراف لان هذه الهيئة في المادة المخصوصة تدل المشار اليه علي ما يراد منه فكذلك الاسم بالمادة و الهيئة المخصوصتين يدل السامع علي معناه فحقيقة الدلالة ارشاد اللفظ بمناسبة مادته و صورته لفهم المخاطب الي المعني الموضوع له كما مثلنا في الاشارة فان قلت لو كان كذلك لم‌يجهل احد شيئا من المعاني و الواقع خلافه قلت انما احتيج للعلم بالوضع لشدة خفاء المناسبة لانها [ص 67] مناسبات حرفية من عالم الغيب كما حقق في محله فان قلت اذا كانت مناسبات حرفية من عالم الغيب فما الفائدة في ملاحظتها و اعتبارها اذا لم‌يطلع عليها جميع المخاطبين قلت الفائدة شيئان احدهما اقتضاء حكمة الحكيم ان لايخصص شيئا بشيء بغير مناسبة تقتضي التخصيص مع قدرته و ثانيهما ان ذلك اسكن لقلب المخاطب لو تنبه في بعض الاحوال لبعض المناسبات انتهي كلامه رفع الله اعلامه ، انظر بعين بصرك و بصيرتك كيف صرح بالوضع و الواضع و ان الجاهل بالامر لايدركه الا بعد العلم بالوضع فظهر لك مما ذكرنا و ذكر سلمه الله جواب اعتراضه و ايراده و الله الموفق للصواب .

قال سلمه الله تعالي : و ثالثا ان ذلك لايتم بالنسبة الي الضدين كما لايخفي و رابعا ان ذلك لايتم بالنسبة الي الاعلام كما لايخفي .

اقول قد تكرر في هذا الشرح ما يكون جوابا لهذا القول مع ان مولانا جناب الشيخ اطال الله بقاه ماادعي ذلك الظهور في كل لفظ و لاادعي لكل احد حتي يرد ذلك و هو اطال الله بقاه قد صرح في الكلام الذي نقلنا عنه ان ذلك مناسبات حرفية من عالم الغيب يصعب مسلكها و يدق مأخذها و لايدركها كل احد و الضدان تظهر المناسبة بينهما حال التعلق بكل واحد و الا فاللفظ مطلقا يدل علي الجهة الجامعة بالمناسبة الذاتية فاذا اضيفت اليها الهيئة الشخصية دلت كالحيوان المتساوي النسبة بين الذئب و الغنم مثلا او الانسان و الكلب علي زعمكم فلايتمايز الا حال التعين و التشخص فقوله اطال الله بقاه في المناسبة تام في الضدين علي [ص 68] التفصيل الذي ذكرنا و اما بالنسبة الي ظهورها لكل احد فماادعاه ذلك فافهم و تنبه .

و اما الاعلام فقد قلنا مرارا انها مواد ثانوية مبهمة غير متميزة فتدل بذاتها نوعا علي ما يصح الصدق عليه فيتميز بالهيئة الاستعمالية الا ان المناسبة هنا دقيقة ادراكها اماسمعت ان اهل التكسير في باب التكسير الصغير في باب طب الابدان يداوون الانسان بحروف اسمه و اجمعوا علي صحته و جربوا و لايخطي العمل اذا اتوا به علي وجهه قالوا اذا جاؤا اليك بمريض قد طالت علته و اعيي الاطباء فتنظر اليه و تسئله عن وجعه فان كان وجعه في رأسه فلايكون دواءه الا في الحروف النارية التي اولها الالف و آخرها الذال فمثال ذلك اذا قيل لك ان هذا الانسان رأسه يوجعه و فيه ضربان شديد و له مدة طويلة فتقول اسمه زيد و تكسره ثم تسئله ان كان في الصدغين فتأخذ حروف الرأس و تكسرها و تأخذ حروف الصدغين و تقول سكن الوجع ثم تأخذ الحروف و تمزجها ثم تجمعها بالرقم و تزنه بالميزان ثم تكتب الحرف علي طبع الوزن و تصرفه و صفة ذلك تكتب اولا ز ي د س ك ن و ج ع ر ا س ه م ن ا ل ص د غ ي ن ثم تمزج هذه الحروف و يأتي الغالب طبع الماء و يكتب المربع و يسقي و يحمل في رأسه فيطيب من ساعته انما كتبت هذا التفصيل لئلاتغتر و تقول اهل المناسبة يقولون بالدلالة الذاتية و يكتفون بها عن الوضع و هو يقول يسئل عن اسمه ثم كتبوا اسمه و اسم الوجع و اسم الرأس و اسم الصدغين فالفوا هذه الاسماء بحروفها فاثرت في الشخص فلو لم‌تكن في الاعلام مناسبة مع المسمي [ص 69] كيف يؤثر الاسم في المسمي و اللفظ في المعني و لايمكنك انكار هذه التأثيرات لوقوع الاجماع عليه و هؤلاء ليسوا باقل من اهل النحو و الصرف و اللغة الذين تعتبرون اجماعهم و تجعلونه كاشفا و ليس اهل اللغة عندهم الا كالشعرة الواحدة في البقرة و السيد السند تغمده الله برحمته في شرح الوافية ذكر ان التأثيرات الحرفية و خواصها و آثارها لايمكن انكارها و هو شيء معلوم ضروري ان شاء الله تعالي فثبت المناسبات في الاعلام باستلزام التأثير فيها التأثير في المعني الا انها خفية جدا استخراج مناسباتها شأن علماء الحروف بانواع البسط و التكسير و هناك يظهر تقدير الحكيم العليم الخبير لا اله الا الله ( الا هو خ‌ل ) وحده لا شريك له .

قال سلمه الله تعالي : و خامسا ان غاية ما ذكر حصول المناسبة و اما كونها سببا للوضع فلا و لو سلم فكونها سببا للدلالة مم مضافا الي ان المدعي دلالة جميع الالفاظ بالمناسبة فلايناسبه التصدير بالكثير فليتأمل .

اقول بعد ما سلم حصول المناسبة فلا مجال للمنع الا ان يختار مذهب الاشاعرة و يقول بالترجيح من غير مرجح كما ادعي و حينئذ فالكلام كما سبق مشروحا فحيث بطل الترجيح من غير مرجح فيكون المرجح هو المناسبة و هي علي انحاء كثيرة و ما ذكره الشيخ اطال الله بقاه نوع منها و قد يكون في اللفظ اكثر انواعها و قد يكون نوعا منها و لا ريب ان المناسبة المذكورة مما رعاها الواضع حال الوضع لكمال المطابقة و الموافقة بينهما لكنا لانحصر الامر فيها بل قد يكون مع امور اخر و ظهر لنا هذه [ص 70] للبيان و هذه كعلل الشرايع علي فرض انها اسباب كما هو المختار اذ قد يذكر جزء العلة من غير الاشارة الي انه جزء كما قالوا عليهم السلم في علة العدة انها لاستبراء الرحم و ليس هذه علة تامة لمكان التخلف فيكون العلة مركبة من امرين من استبراء الرحم و من احترام الزوج لانه قائم علي الزوجة و كذلك الاسباب الظاهرة في الالفاظ من المناسبات قد تكون جزء سبب و قد تكون هي العلة التامة و نحن لما لم‌نحصل ( نحن لم‌نحصل خ‌ل ) الدلالة من المناسبة لجهلنا و قصورنا و انما ندركها و نحصلها من الاعلام و التنبيه كالاحكام الشرعية فلايجب ان يظهر لنا كل الاسباب و العلل و المناسبات الموجبة للوضع فنكتفي بما ظهر لادراك العلوم و المعارف و الاسرار و نعرف بذلك ان الواضع حكيم فنعبده و لانشرك به شيئا و الشيخ اطال الله بقاه ماحصر الامر في المناسبة الظاهرة و هذا الايراد عليه عجيب بعد ما توهم من كلامه انكار الوضع فكيف يورد عليه انها لاتصير سببا للوضع و هو مايقول بالوضع علي زعمه فافهم .

قوله و لو سلم فكونها سببا للدلالة مم ، باطل لانه ان اراد بالدلالة الاولية فلا شك انها مسببة عن المناسبة لما قلنا من ان الواضع انما الف تلك الصورة علي هيئة ذلك المعني بمادته و صورته فذلك المعني هو نتيجة من الاب الذي هو المادة و الام الذي هو الصورة و لايمكن التخلف و هذه المناسبات المذكورة من تلك يقينا لما ذكرنا من شدة الموافقة و الملائمة و المطابقة و اما هي عين المناسبة التي هي العلة في الدلالة و الوضع فماادعاه احد و ان اراد بالدلالة التي ( التي هي خ‌ل ) عندنا فانما هي اعلامية تنبيهية مانلتفت في هذه [ص 71] الا الي بيان المبين الواضع كما اذا قال لك الشارع صل وجوبا فانك حين تعقل وجوب الصلوة لاتلتفت الا الي قول الشارع لا الي المناسبة التي صارت علة لوجوب الصلوة اليومية و استحباب غيرها مثلا .

قوله مضافا الي الخ ، جوابه من وجوه كثيرة ليس لي الآن قلب فارغ لكثرة الهموم و الاعراض حتي آتي بجميعها فاكتفي ببعضها فنقول لما دل الدليل العقلي و النقلي و الوجداني علي ان حكم الله سبحانه في الخلق علي طور واحد ليس في حكمه و لا في خلقه و لا امره اختلاف كما قال عز و جل لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا و قال تعالي ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و قال تعالي و ما خلقكم و لا بعثكم الا كنفس واحدة و قوله تعالي و ما امرنا الا واحدة الي غير ذلك من الآيات و الروايات فاذا وجدنا حكما الهيا في شيء من الاشياء و علمنا ان ذلك ليس لخصوصية المواد فتعمم ذلك الحكم في الكل فلما وجدنا في كثير من المعاني و الالفاظ مناسبة ذاتية و علمنا ان الواضع هو الله سبحانه فعلمنا ان هذا بناء الامر في كل الالفاظ لان حكم الله لايختلف لقوله تعالي و ما امرنا الا واحدة ثم لما وجدنا المناسبة في كثير من الالفاظ و المعاني و وجدنا و قطعنا ان الوضع بالمناسبة كما فعل احسن من الاتفاقيات و في الاول يظهر حكمة الحكيم و في الثاني تنقص و تبطل ( تبطل و تنقص خ‌ل ) و الله سبحانه هو الحكيم علي الاطلاق فوجب تعميم الحكم في كل الالفاظ لان الله سبحانه افتخر باللغات و خلقها و وضعها و لايكون ذلك الا لاظهار حكمة عظيمة و امر متقن محكم يدل علي عظمة الخالق و احكام صنعه و اتقان [ص 72] امره و اظهار حكمته و قدرته و اما اذا قلنا بالعدم فيسلك بنا سبيل العدم و يورث الظلم فيحدث به الظلم فما اكثر ما يعتري النافين من الندم و الله يقول الحق و هو يهدي الي سواء السبيل و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم .

ثم ذكر كلام مولينا الشّيخ اطال اللّه بقاه بطوله ابقيناه علي حاله و ماتعرّضنا لشرحه لانه اطال اللّه بقاه و جعلني في كل محذور فداه اجلّ من ان يتكلّم علي كلامه او يتصدّي لشرحه و بيانه امثالي من القاصرين و قد عجز عنه العلماء الفحُول من اهل المعقول و المنقول و اقرّوا بعجزهم و قصورهم و هو كك و لقد انصفوا لانه كلام ليس مما يعرفه الناس و لاذكر في كتاب و لاجري في خطاب نعم في تلويحات كلمات الائمة سلام الله عليهم اشارة الي ذلك بل صراحة لكنها من احادٖيثهم الصعبة المستصعبة التي لايَعْرفهٰا الا الاقسام الثلثة الّذين شربوا من حوض ولايتهم و رووا و ماالتجأوا الي النظر في كتاب احد سويهم فهجم بهم العلم علي حقٖيقة الاٖيمان فاستلانوا من احادٖيثهم ما استوعر علي غيرهم و صارُوا كما قال عليه السلم علي ما في معاني الاخْبار انتم افقه الناس ما عرفتم معني كلامنا و ان الكلمة منّا لتَنْصرف علي سَبْعٖينَ وجها و قال عليه السّلم انا لانعدّ الرّجل من شٖيعتنا فقٖيها حتي يلحن له و يعرف اللحن و قال ايضا عليه السلم انا لانعدّ الرّجل من شيعتنا فقٖيها حتي يكون محدّثا و المحدّث المفهّم و قال ايضا عليه السلم ان شيعتنا لايسئلون اعداءنا و ان ماتوا جوعا ، و السئوال في العلم اَيْضا منه فافهم و بالجملة فالافهام قاصرة عن فهم مقاصده و مراداته الّا [ص 73] بَعْد السّماع منه او ممن اخذ عنه و لذا سكت العلماۤء .

و بالجملة قال بعد نقل كلام طويل عن الشيخ في اثبات المناسبات في الالفاظ الدالة علي النقٖيضين و الاستدلال علي وجود المناسبة و ابطال شبهات النافٖين قال سلمه اللّه تعالي : اقول لايخفي ما في ذلك الّذي ذكر بَعْد ملاحظة ما ذكرنا مع انّ المناسبة بين اللّفظ و الجهة الجامعة بين الضّدين كما افاده في بعض كلماته غير نافعة في الدّلالة علي الخصوصَين المتضادّتين بل اللّازم منها دلالته علي تلك الجهة الجامعة و لَيْس كك و انّ المناسبة الحاصلة بَعْد التّخصيص في نَحْو زيد مسبّب من الوضع لا سبب بل لو نظر بعَيْن البصٖيرة يعلم انّ ما ذكره مرجعه الي الوضع لمناسبة .

اقول كيف لايخفي مع انه ماظهر من ذلك شيء لا و الّذي نفسي بيده كلامه اصفي من الشهد الصّافي و الزلال الفايض الوافي لايناسب المزاج السقٖيم فان اراد ان يعرف يبيّن الّذي ادّعاه و يذكر الذي يَرد عليه حتي يتبيّن الامر ، قال المتنبّي شعرا :

و هب انّي اقول الصبح ليل ايعمي الناظرون عن الضّياۤء

قوله مع ان المناسبة بين اللفظ و المعني الخ ، قد تكرّر الكلام في ذلك و مولينا جناب الشيخ اثبت بما ذكر الجهة الجامعة و انّ مادة اللفظ كالقرء مثلا يناسبها و اذا ارادوا المخصّص يضيفون الي القرء الهيئة الاستعمالية فيتشخص بالاستعمال في الدّلالة فالقرء مادة ثانويّة كالخشبة للسّرير و الصّنم اذا اضٖيف اليه الهيئة الاستعمالية فالقرء مع تلك الهيئة يناسب الضّد المخصوص و يدلّ عليه بمادته و صورته و مع الهيئة الاخري يناسب [ص 74] الضد المخصُوص الآخر بمادته و صورته و القرء و الجون و عسعس و وراء و امثالها ماتدل الّا علي الجهة الجامعة فافهم لئلايشتبه الامر عليك .

قوله سلمه اللّه تعالي و ان المناسبة الحاصلة الخ ، هذا اقصي ما تمسك به السيّد السّند رحمه الله تعالي في شرح الوافية و قد ذكرنا مراراً كثٖيرة ما يدلّ علي بطلانه من انّ الّذي يعرفه الشخص لَيْس من جهة المناسبة الذاتية بل من جهة التّقلٖيد لجَهْله بالامر كما اذا قال لك الطبٖيب انّ القرنفل يقطع البلغم فانت حٖين تعقل هذا المعني لايلتفت الا الي قول الطبٖيب و لاتلتفت الي جهة المناسبة كما قلت لك و كك الالفاظ و هذه الدلالة دلالة ثانوية تقلٖيديّة و لَيْس الكلام في هذا و لَيْس هو محلّ النزاع فانّ القائل بالمناسبة يقول بالوضع و خفاء المناسبة بل الكلام في الدّلالة الاوّلية و الوضع الاوّلي و هذا لا شكّ انها مسبّبة عن المناسبة بالوضع و لَيْس الوضع هو السّبب بل السّبب المناسبة و الوضع انما جري علي طبقها و المراد بالوضع هو التأليف و التركيب بَعْد ما كانت الحروف موادّا صالحة للكلّ في كلّ اللّغات فالّفها المؤلف علي تألٖيف و تركٖيب و هيئة تدل علي المعني و ان لم‌تعلم الوضع لكن ادراك هذا المعني خاص لمن اشهده اللّه خلق السّموات و الارض و اتخذه اعضاداً لخلقه و لايدّعيه علي الاطلاق سواهم الا كاذب و ما نسب الي السّيد الدّاماد فهو كذب محض و زور صرف .

قوله ان ما ذكر مرجعه الخ ، هو صحيح لكن علي التّفصيل الذي ذكرت مجملاً مفصّلا فراجع .

قال سلمه اللّه تعالي : فلَيْس هذا الا كالاكل من القفا فلاتكن مقلّداً عميانا عن [ص 75] الضّياۤء .

اقول هذا الكلام ليس له عندنا جواب و نحن لانقابله بالّذي قال

فحسبكُمُ هذا التّفاوت بيننا و كل اناء بالّذي فٖيه ينضح

و العجب منه سلمه اللّه تعالي كيف يعظ غيره و لايتّعظ و ماوجدنا في كلامه تحقٖيقا ابداً و كلما ذكر في هذه الكلمات كلّه قد اخذ مما ذكره الاصوليون من العامة و الخاصة و هم قد اخذ بعضهم عن بعض عيون يفرغ بعضها في بعض و ليس عنده شيء جدٖيد و تحقيق لطٖيف مع انه لو اخذه عن التحقٖيق لم‌يَحْصل هذا التّدافع الكثٖير في كلامه سلمه اللّه تعالي و ماابرئُ نفسي ان النفس لامّارة بالسّوء الا ما رحم الله و لا حول و لا قوة الا باللّه العلي العظٖيم و صلي اللّه علي محمد و آله الطاهرين .

و كتب منشٖيها ابن محمدقاسم محمدكاظم الحسيني الرشتي يوم السبت التاسع و العشرون من شهر شوال المكرم في سنة ١٢٣٤ عن الهجرة النبوية علي مهاجرها آلاف الثناء و التحية حامدا مصليا مستغفرا .