رسالة في اثبات المناسبة بين الالفاظ و المعاني
من مصنفات السيد الاوحد الامجد
المرحوم الحاج سيد كاظم الرشتي اعلي الله مقامه
[ص 2] بسم اللّه الرحمن الرّحٖيم
الحمد للّه ربّ العالمٖين و صلي اللّه علي خير خلقه محمّد و آله الطاهرٖين و لعنة اللّه علي اعدائهم و مخالفٖيهم اَجْمعين الي يوم الدٖين و ابد الآبدين .
امّا بعد فيقول العَبْد الجاني الفاني كاظم بن قاسم الحسيني الرّشتي ان بعض اجلّاء الاصحاب بلغه الله اقصي مقاصده في المبدء و المآب قد كتب فٖيما كتب في الاصول في المبادي اللّغوية بعض الكلمات ردّا علي القول بالمناسبة الذاتية بين الالفاظ و المعاني احببت ان اورد علَيْها بعض الكلمات ليظهر الحق الصافي القراح و يتبين الرشد و الصّواب فجعلت كلامه سلمه اللّه متنا و كلامي كالشرح له و علي اللّه قَصْد السّبيل و لا حول و لا قوّة الّا باللّه العليّ العظٖيم .
قال سلّمه الله تعالي : المقام الثاني - انّ دلالة الالفاظ هل هي بالوضع و ما فٖي حكمه من القرٖينة ام لا ، اعلم ان العلماء اختلفوا في هذه المسئلة علي قولَيْن الاوّل انّها بالوضع او القرٖينة و هو المشهور الّذي عليه الجمهُور الثاني انّها بالذّات بمعني ان بين اللفظ و المعني مناسبة ذاتية بسببها نشأت دلالة اللفظ علي المعني و هو المحكي عن عبّاد بن سليمان الصيمري و علماء التكسٖير و من اهل الجفر و بعض المعتزلة و غيرهم تمسّكا باستحالة ترجيح بعض الالفاظ في التخصٖيص بمعناه من غَيْر مرجح .
اقول بيان منشأ هذا الاختلاف و علته يحتاج الي تنبٖيه و تفصٖيل في الجملة ليعلم كل اناس مشربهم و ينال كل احد مطلبهم اما الاوّل فَاعْلم انّ [ص 3] اللّه سبحانه و تعالي لما خلق الخلق خلقهم علي ما هم عليه من مقتضي كينوناتهم كما قال سبحانه بل اتيناهم بذكرهم و قال ايضا ربنا الذي اعطي كل شيء خلقه ثم هدي فلذا اختلفت مراتبها في الشدة و الضّعف و العلو و السّفل و التّقدم و التأخّر و التجرّد و المادية و غيرها فمااستقلت في اظهار ما يمكن في حقّها و استنطاق حقٖيقتها و ذاتها بما اقتضت و ما يراد منها مما يمكن فٖيها لاستكمالها بالبلوغ الي غاياتها المقرّرة لها و احتاجت في ذلك الي امور خارجية تتقوي بها لاظهار ما استجن في ذاتها من المقامات الامكانية و تلك الامور هي المسمّاة عندنا بمتمّمات القابليّة و مكملاتها كالشرايط و اللوازم و الاسباب و العلل الناقصة من المادية و الصوريّة و غيرهما و المعدّات و الصّفات و الاوضاع و الاضافات و القرانات و امثالها و لايستريب عاقل انّ بين الذّوات و متمّماتها من الامور المذكورة لا بدّ من نسبة و ارتباط يصحح اختصاص هذا بذاك دون غيره و الا لكان كل شيء شرطا لكل شيء و لازما لكل شيء و سببا لكل شيء و دالا علي كل شيء و مقترنا بكل شيء و هو في البطلان بمكان و لايشك فيه انسان و ذلك الارتباط و النسبة علي قسمين احدهما ما يستقل في ادراكها و معرفتها و الحكم بمقتضاها العقل في نفسه او في مقام العادة من غير توقف الي شيء آخر و ثانيهما ما لايستقل العقل في من لميشهده الله خلق السموات و الارض و خلق انفسهم و لميتخذهم اعضادا لخلقه من ساير المخلوقين في ادراكها و مواقع تحققها و مواضع وجودها ليتأتي له الحكم بل يحتاج الي توقيف الغير و لا ثالث للحصر [ص 4] العقلي فالاول يسمي بالاحكام العقلية و الثاني يسمي بالاحكام التوقيفية و هي علي قسمين قسم يتعلق بتوقيف الشارع و الآخر بتوقيف الواضع و هو في الالفاظ و في غيرها و تتمة الكلام يأتي الثاني اعلم انه قد اتفقت كلمة العقلاء علي ان بين الدال و المدلول لا بد من مناسبة و مرابطة يخص بها كل دال علي مدلوله و الوجه فيه بديهي و الامر هنا ضروري و الدلالة علي اقسام دلالة عقلية و دلالة عادية و دلالة شرعية و دلالة وضعية فالاول علي انحاء منها دلالة المتلازمين احدهما علي الآخر كطلوع الشمس و وجود النهار و منها دلالة اللزوم كالاربعة و الزوجية و منها دلالة المشروط علي الشرط و منها دلالة المؤثر علي الاثر كالسراج علي الاشعة او كتعفن الاخلاط علي وجود الحمي و منها دلالة الخاص علي العام كدلالة الانسان علي الحيوان و منها دلالة العام علي صلوح الخصوصيات علي التفصيل و وجودها علي الاجمال و منها دلالة التضاد كدلالة الوجود علي العدم المضاف ( المضاف الي خل ) المخلوق و النور علي الظلمة لا السواد علي البياض و لا العكس و منها دلالة الظاهر علي الباطن كدلالة الاجسام علي الارواح و منها دلالة السافل علي العالي كدلالة الاجساد علي الاجسام و الاجسام علي الاشباح و الاشباح علي الارواح و الارواح علي الانوار و الانوار علي الاسرار و الاسرار علي الحجب و ليس هذا من قبيل دلالة الاثر علي المؤثر الا بتأويل و منها دلالة احد المتضايفين علي الآخر و منها دلالة احد المتحاويين علي الآخر كالزمان علي الجسم و منها دلالة المقدمات علي النتايج من القطعيات و الظنيات و الشعريات [ص 5] و منها دلالة الكل علي الجزء و منها دلالة الصفة علي الموصوف و منها دلالة البرزخ علي الطرفين كالروح علي العقل و النفس و المثال علي النفس و الجسم و النخلة علي الحيوان و النبات و المرجان علي النبات و المعدن و امثال ذلك و غيرها من الدوال التي يستقل العقل في ادراك جهة الدلالة من غير توقيف و هذه المناسبات و امثالها علي انحاء منها ما هي جلية ظاهرة معلومة في بادي النظر كاشراق الشمس و احراق النار و تبريد الماء و امثالها و منها ما هي دقيقة خفية جدا بحيث لميطلع عليها الا اوحدي ( اوحد خل ) الزمان بعد التأمل التام كما يدركه اهل الافئدة بدليل الحكمة و لنعرض عن بيانها و الاقسام الاخر متوسطات منها ما يقرب الي الاول و منها ما يقرب الي الثاني و الظهور و الخفاء علي حسب مراتبه القريبة و البعيدة و القسم الثاني ما يدركه العقل في مقام العادة و هو يتنوع علي الانواع المذكورة و الغير المذكورة الا انها في مقام العادة و القسم الثالث هو ما ذكر في الشريعة من الانواع المذكورة حسب بيان الشارع و القسم الرابع علي قسمين وضعية غير لفظية و وضعية لفظية . فاذا عرفت هذا فاعلم انه لا خلاف لاحد من العقلاء كما ذكرنا في وجوب النسبة الذاتية و المرابطة الحقيقية بين هذه الدوال في الدلالة العقلية و العادية باقسامها ( في وجوب النسبة في الدلالة العقلية و العادية بين هذه الدوال الذاتية و المرابطة الحقيقية باقسامها خل ) و مدلولاتها و انما اختلفوا في الدلالة التوقيفية من الشرعية و الوضعية لتوقيفيتها في ان المرابطة المصححة لاختصاص بعضها ببعض هل هي نفس جعل الموقف كالشارع في الاحكام الشرعية و الواضع في الاحكام الوضعية بحيث لولاه لكانت بين هذه الامور [ص 6] و ما يخصها و يختص لها ( بها خل ) منافرة تامة و مباينة كلية بحيث لا تصادق بينهما الا بالاتفاق و يمكن التخصيص باضدادها و نقايضها من الوجه الذي عينه للضد الآخر ام لا بل المناسبة و المرابطة انما كانت موجودة ثابتة و واقعة في الايجاد الالهي الاولي او الثانوي و لما كانت معرفتها دقيقة المأخذ و خفية المسلك لكونها من العوالم الغيبية لايهتدي الي الكل بجميع جهاته الا من اشهده الله خلق السموات و الارض او الي بعضها و اقلها الا من نور بصيرته و كشف الغطاء عن سريرته و اراه الاشياء كما هي علي مقتضي مقامه و مرتبته و كانت دواعي الخلق متوفرة الي تلك الامور بحيث لاتمكن معيشتهم دونها فتبطل بذلك ثمرة ايجادهم و تكوينهم ابان الحق سبحانه اياها للمخلوقين المحتاجين بواسطة اناس اقوياء فالشارع و الواضع انما هما بمنزلة المبين و المنبه و الكاشف عما هو في الواقع بعد التركيب و الحكم الذي هو رتبة القضاء لحكم الامضاء و هو البيان مشروح العلل مبين الاسباب بحيث لو تنبه العقل بذلك السر لعرفه و يحكم بان هذا لا بد ان يختص بذاك بحيث لو اختص بغيره لنقصت حكمة الواضع او الشارع فعلي هذا يكون الواضع منبّها كالشارع لا جاعلا مخترعا و يكون الوضع عبارة عن التنبٖيه كما اذا قلت لك ان السقمونيا مسهل للصّفراء و زنجبٖيل لدفع البلغم و امثال ذلك ● [ص 7] فالحاجة الي الواضع و الشارع للتبٖيين فلو وصل الشخص الي ما وصل اليه الشارع و الواضع لمااحتاج اليهما كما اذا وقف علي طبايع العقاقير فانه لايحتاج الي الطبٖيب اصلاً في معرفتها فلا مدخليّة للوضع ● علي هذا القول في الحقيقة و ليست الدلالة من جهته بل للتعلٖيم و التنبٖيه او انّ الالفاظ لما كانت ذا جهات كثيرة فتناسب بكلّ جهة معني من المعاني فلاتدل علي واحد بعينه بل علي المجموع كالمشترك علي الظاهر و التقرٖيب فاحتٖيج الي الواضع للتّعٖيين بجهة من الجهات لقوة المناسبة علي حسب المذاق و ملائمة الطبايع كما يأتي انش فيوضع و يعيّن لاجل تلك المناسبة ● فذهبت الاشاعرة الي الاوّل اي بعدم المناسبة الواقعيّة في كل الامور التوقٖيفية و جعل كلّها امورا جعلية حيث لميطّلعُوا علي مأخذها و لميعثروا علي وجهها و علتها و عمموا الحكم حتي في الاحكام الشرعية و انّ الاشياۤء في الواقع لا اقتضاءات لها و انّ الواجب يجوز بجعل الشارع ان يكون حراماً و العكس و كك الالفاظ و معانٖيها و الكتابات و العقود و الخطوط و امثالها و ذهبت علماء علم الحروف من اهل الجفر و التكسٖير و اهل الاوفاق و الاعداد قاطبة و بعض المعتزلة و عباد بن سليمان الصيمري و السيّد الدّاماد علي ما حكي عنهم الي الثاني اي [ص 8] الي اثبات المناسبات الذاتية و المرابطات الحقٖيقيّة في كلّ الامور التوقيفية الّا انهم بين قايل بعدم الفرق بينها و بين الامور العقلية و العادية الّا في الظهور و الخفاء و تلك لظهُورها استقلّ العقل و تلك لخفائها احتاج الي منبّه و مبيّن او مقرب كما اذا كان الشيء بعٖيداً لميدركه الطرف لايعلمه الشخص بالعياني فاذا اخبره الآخر او يقرب له ذلك البعيد فيدرك كالاوّل و المخبر ليس جاعلا مخترعا و هكذا فيما نحن فيه حرفا بحرف فالشارع و الواضع عندهم كالمخبر و بين قائل بالفرق ● في التعيين للمناسبة و استحالة الوضع بدُونها و ذهبت طائفة كثٖيرة من الاصولٖيّين من الامامية و اكثر المعتزلة الي التّفْصٖيل فوافقوا اهل المناسبة في الاحكام الشرعية و حكموا بان الحسن و القبح عقليان و وافقوا الاشاعرة في الاحكام الوضعيّة فانكروا المناسبة اصلا و رأسا الا علي سبيل الاتفاق فزعموا انهم النمط الاوسط و خير الامور اوسطها و لكنهم قوم يفرقون .
فقوله سلمه الله ان العلماء اختلفوا الخ ، بالاجمال صحيح لكن قوله في بيان القول الثاني بمعني ان بين اللفظ و المعني مناسبة ذاتية بسببها نشأت دلالة اللفظ علي المعني علي اطلاقه ليس بصحيح اذ الامر ليس منحصرا في الامرين و القول بالمناسبة ليس منحصرا فيما ذكر و [ص 9] ليس فيما نقل عن اهل المناسبة صراحة علي هذا الذي ذكر بل قد يظهر من الدليل الذي نقل عنهم خلاف ذلك و ان كان الي الاجمال اقرب فان كلامهم يحتمل ان يكون معناه ان بين الالفاظ و المعاني مناسبة ذاتية تنشأ منها الدلالة كما ذكر لكنه بعد محتاج الي الواضع للتبيين و الكشف و هذا كلام باطل لايتصور لان الالفاظ ماخلقت في اصل فطرتها علي هذه الهيئات المخصوصة بالضرورة و انما خلقت حروفا و هي الثمانية و العشرون او التسعة و العشرون او الثلثة و الثلثون و هي مواد لكل اللغات علي اختلافاتها و كثراتها و تباينها و كلها مصوغة منها فلايصح ان تكون بذاتها مناسبة لبعض المعاني بحيث تنشأ منها الدلالة عليها دون غيرها و لا احد ممن شم رائحة من العلم يدعي ذلك بل و لا المجنون نعم الدلالة انما تحصل بعد التأليف و التخصيص للمعني المناسب و هو قول مولينا الرضا عليه السلم علي ما رواه في التوحيد و العيون ما معناه ان الحروف ليس لها معاني غير انفسها فاذا اردت ذلك تؤلفه لمعني محدث لميكن قبل ذلك فاذا وجب المؤلف فالمؤلف علي زعم اهل المناسبة يؤلف الحروف المتناسبة ( المناسبة خل ) لذلك المعني بمادته بالمناسبة النوعية و بصورته بالشخصية فيؤلف و يعين ذلك اللفظ لذلك المعني فحصلت الدلالة بتأليف المؤلف بالمناسبة تلك الالفاظ للدلالة علي تلك المعاني فقبل التأليف لمتكن الدلالة و المؤلف هو الواضع اما هو الله سبحانه علي ما هو الحق او غيره و مثال ذلك في الاحساس السرير مثلا فانه قبل التأليف لميكن سريرا بوجه من الوجوه و انما كانت خشبة [ص 10] مادة مناسبة بالذات للسرير نوعا فاذا اردت ذلك اخذت من المادة المناسبة للسرير من الخشب او الحديد او الذهب او الفضة و امثالها لا مما لايناسبه كالماء و الدهن و العسل و النار و الهواء مثلا فتصور تلك المادة و تؤلفها علي هيئة السرير فوجد السرير و دل عليه بذاته و لميتحقق هذه الدلالة الا بمادته المناسبة و بصورته بتأليف النجار لا من دون التأليف فبعد التأليف ما يتناول الصنم او الباب و كذلك لفظة زيد فانها قبل التأليف ماكان شيئا الا مادة حرف تصلح لكل اسم كالخشبة مثلا و تلك الحروف ليست لها معاني الا انفسها فماكانت تدل علي معني زيد فاذا اراد الواضع ان يعين لذلك المعني لفظا اخذ مادة من الحروف المناسبة و الفها علي هيئة ما يريد فكانت تدل علي زيد فاذن ماتصلح لمعني آخر الا اذا صيغ صيغة اخري اما بكسرها و تأليفها مرة ثانية او جعلها مادة ثانية لتأليف آخر و بالجملة هذه الالفاظ قبل التأليف ليست شيئا فضلا عن ان تكون دالة و تحققها و دلالتها انما هو بعد التأليف و ذلك المؤلف هو الواضع و التأليف هو الوضع فاذن كيف ينفك اللفظ بما هو لفظ عن الوضع و الواضع هل يجوز عاقل ذلك فكيف ينسب هذا القول الي اهل الجفر قاطبة الذين هم اخذوا علمهم ذلك عن الانبياء الي ان ينتهوا ( انتهوا خل ) الي مولينا علي عليه السلم و جعفر الصادق عليه السلم اجماعا منهم و كذا السيد الداماد رحمه الله الذي يشق الشعر بغامض علومه نصفين كيف يتكلم بالذي لايرضي به الجاهل فضلا عن الفاضل فضلا عن الحكيم العارف و اذا اردت ذلك انظر كتب اهل الجفر و علماء التكسير [ص 11] كيف يصرحون بالذي قلت مع انه من البديهيات التي لايشك فيه احد فثبت ان ما نسبوا الي اهل المناسبة فرية بلا مرية بالضرورة فصح ان مراد اهل المناسبة هو الاحتمال الثاني و هو ان الحروف خلقها الله سبحانه مادة صالحة لجميع الالفاظ و اللغات كالتراب الذي خلقه الله سبحانه و جعله مادة لكل الانسان و الحيوان و النبات و الجماد فاذا اراد الواضع تعيين لفظ لمعني اخذ مادة من الحروف مناسبة لمادة ذلك المعني و يصورها بالصورة المناسبة من التقديم و التأخير و التوسيط و اخذ الحروف المجهورة او المهموسة او القلقلة او الاطباق او المستعلية او المستفلية او الحروف الحارة او الباردة او اليابسة او الرطبة او الفلكية او العنصرية و غيرها مما هو معلوم عندهم فيقولون الدلالة ارشاد اللفظ بمادته و صورته علي المعني بتأليف الواضع و تعيينه له كما ان الله سبحانه خلق الارواح ثم خلق الاجسام مناسبا لها فيناسب كل جسد روحه المتعلق به بجعل الله سبحانه و قد قال اميرالمؤمنين عليه السلم المعني في اللفظ كالروح في الجسد و كل من ترك العادات و اعرض عن التقليد يري الامر واضحا كالشمس في رابعة النهار .
و قوله سلمه الله تعالي و علماء التكسير من اهل الجفر ، لعله تسامح في المقام فان علم التكسير ليس هو علم الجفر بل الجفر في بعض الاحوال قسم منه و هو كتاب علي صلوات الله عليه باملاء رسول الله صلي الله عليه و آله علي جلد بقرة اسمها الجفر حين اتي بها جبرئيل عليه السلم من الجنة و كان رسول الله صلي الله عليه و آله مع علي عليهما السلم علي جبل [ص 12] فاران فذبحها علي عليه السلم و سلخ جلدها ( و سلخها خل ) و جعلها ثمانية و عشرين جزوا و كل جزو ثمانية و عشرون ورقة و كل ورقة صفحتان يمني و يسري و كل صفحة ثمانية و عشرون سطرا و كل سطر ثمانية و عشرون بيتا و كل بيت فيه اربعة حروف هكذا اااا و في البيت الثاني اااب و هكذا و علم التكسير غير هذا فقوله من اهل الجفر ان كان بيانا فليس بصحيح و ان كان قيدا فكذلك اذ كل علماء التكسير بجميع فنونهم يقولون بالمناسبة الذاتية .
و قوله تمسكا الخ ، لاتتوهم ان ادلتهم منحصرة في هذا الذي ذكر بل لهم ادلة كثيرة قاطعة من العقل و النقل و ما ذكر جزء منها و هو تام ( تمام خل ) التقريب كما يأتي ان شاء الله .
قال سلمه الله تعالي : و الحق هو الاول فان الدلالة لو لميكن بالوضع لكانت بالذات لعدم القول بالواسطة و ذلك باطل لاستلزامه فهم الكل كل اللغات و لا اقل من الغلبة لعدم تخلف ما بالذات و الا لزم وجود العلة بدون المعلول و اللازم باطل لعدم الدلالة عند عدم الوضع او عدم العلم به لا بالعقل و لا بغيره كما يشهد عليه الوجدان .
اقول الحق هو الثاني . قوله فان الدلالة لو لميكن بالوضع لكانت بالذات ، الظاهر انه يريد يستدل عليه من جهة الاجماع المركب و الا فليس هذا بدليل عقلي و تقريره ان الدلالة لو لميكن بالوضع لكانت بالذات و ان احتمل ان يكون بالوضع للمناسبة معا فالدليل هو الهيئة التأليفية من المادة المناسبة لمادة المعني و الصورة المناسبة الشخصية فماتمحضت الذاتية و لا الوضعية بل امر بين الامرين و عليه الاستقامة في النشأتين [ص 13] لكن هذا الاحتمال لاينقض الدليل للاجماع المركب فان النافي يقول بالوضع فحسب و المثبت بالذات فحسب فيكون هذا الاحتمال خرقا للاجماع ( خرق الاجماع خل ) المركب و هو باطل بالضرورة و لذا قال سلمه الله تعالي لعدم القول بالواسطة ففرع عليه مقتضاه كما ذكر و لايمكن ان يجعل دليلا عقليا لقيام الاحتمال في الشق الثالث فيبطل به الاستدلال و لكنك قد علمت ان القول الذي ادعاه علي النهج المذكور لميقل به احد من القائلين بالمناسبة فضلا عن الخلاف فبطل التالي اللازم من جهة الاجماع و ايضا عدم جواز احداث القول الثالث في الاجماع المركب انما يكون اذا حصل القطع الواقعي الثابت اوليا كان ام ثانويا بدخول قول الحجة عليه السلم في احد الطرفين فيكون حينئذ طرحا لقول الحجة عليه السلم و اما اذا لميحصل القطع فلا و ان لميجد مخالفا ( مخالفا و خل ) يكفيه الاحتمال حينئذ فيجوز له احداث القول الثالث كما وقع لكثير من فقهائنا رضوان الله عليهم كالسيد المرتضي (ره) في مسئلة ورود الماء علي النجاسة و ورود النجاسة علي الماء و قد صرح بانه لميجد لاصحابنا نصا في ذلك و قد فرق بينهما الشافعي ثم احتمله فقواه الي ان صار قولا له و امثلة ذلك كثيرة فاذا كان كذلك فلاتعم حجية هذا الاجماع بالنسبة الي القاطع فلايمكنه الاحتجاج به علي الغير كالاجماع المحصل الخاص و الامر هكذا فيما نحن فيه اذ لو سلمنا و قلنا هذا الذي ذكر هو مراد اهل المناسبة لكنا لانسلم له القطع بدخول الحجة في احدهما بل و لانظن و احتمل القول الثالث و عندي اماراته و القراين الدالة علي صحته و ليس هذا كالاجماع الضروري [ص 14] لئلايسعني العذر و تحقيق الامر فيه في الاصول فاذن لايتم تقريب الدليل اذ لو قيل لو لميكن بالوضع لكانت بالذات نقول لانسلم قد يكون بالامرين علي التفصيل الذي ذكرنا و قولك للاجماع ليس حجة علي مع ( حجة مع خل ) ما علمت ان هذا القول مما لميقل به احد ثم لو كان هذا التالي مما يعترف به الخصم اي اهل المناسبة فلا احتياج الي هذه الشرطية اذ ليس دأب العلماء عند الاحتجاج علي الخصم اثبات معترفات الخصم فانه طول لا طائل تحته و زائد لا نفع فيه فان لميكن مما يعترف به الخصم فهو باطل اذ ليست الملازمة عقلية و لا عادية و لا شرعية و لا لغوية مع ان الصور الحاصلة بين المناسبة و الوضع تزيد علي اربعة و ستين صورة و هذه صورة واحدة منها فكيف تصح الملازمة المدعاة فظهر لك بطلان الشرطية الاولي فلايتفرع عليها ما ذكره سلمه الله و لئن سلمنا الاولي فنقول ان الملازمة الثانية باطلة غير تامة لان اللازم لايلزم ان يكون بينا مطلقا بل قد يكون غير بين فاللازم الغير البين لايستلزم ادراك الكل اللزوم اولا عند تعقل الملزوم بل قد تكون جهة الملازمة خفية لايدركها الاكثر ابدا و لايلزم من عدم الادراك عدم اللزوم فان مناط ادراك اللازم و الملزوم ادراك الملازمة فعدم ادراكها لايستلزم عدم وجودها و قد قال الشاعر و نعم ما قال :
علي نحت القوافي من مواقعها و ما علي اذا لميفهم البقر
المتسمع قول مولينا اميرالمؤمنين عليه السلم ما معناه علمني رسول الله صلي الله عليه و آله الف حرف من العلم ينفتح من كل حرف الف باب و [ص 15] من كل باب الف باب و منه آية في كتاب الله تعالي يقرؤنها و لايعرفونها و هو قوله تعالي و اذا وقع القول عليهم اخرجنا لهم دابة من الارض تكلمهم ان الناس كانوا بآياتنا لايوقنون و لا شك ان المناسبة و الملازمة بين هذه الآية و تلك المعاني موجودة متحققة لكن الناس لايدركونها فلما دل عليها الدليل القطعي قلنا بها و ان لمنعلم وجه المناسبة و ايضا علي هذا يجب ان ينسد باب علم الطب و يبطل تدوين خواص العقاقير و الادوية اذ لا شك ان بين تلك الخواص و الآثار و تلك الادوية مناسبة ذاتية و مرابطة حقيقية مع ان اغلب الناس بل كلهم يجهلون جميع الخواص و الآثار المترتبة ( المرتبة خل ) عليها سوي من اشهده الله خلق السموات و الارض و انما عرفوا الناس بعض تلك الآثار لقوام نظام معاشهم و بنيتهم عليها فبينوا لهم ما احتاجوا اليه و اخفوا عنهم ما لميحتاجوا اليه و لعل الالفاظ من هذا القبيل كل ذلك لاسرار الهية و مناسبات حقيقية يدق مأخذها و يصعب مسلكها و لايترتب نظام الخلق في معاشهم و تحققهم الي معرفة ذلك فاخفوا عنهم ارادة لليسر و لجريان عادة الحق سبحانه علي ( عن خل ) الكف عما لايحتاج اليه الخلق كما في حديث حدوث الاسماء الي ان قال عليه السلم فجعله اربعة اجزاء معا ليس احد منها قبل الآخر فاظهر ثلثة منها لفاقة الخلق اليها و حجب واحدا منها و هو المكنون المخزون فلعل عدم فهم الكل و الغالب لدقة المناسبة و خفائها لا لعدمها و عدم الفهم مسبب عن الامرين و لا دليل علي الحصر لو لمندع الدليل علي حصر الامر الآخر و بطلان هذا الذي [ص 16] ادعي و لو وجدت اقبالا فيما بعد لبينت لك الامر واضحا ظاهرا ان شاء الله فيكون قولك الكرم مثلا اسم لهذه الصفة كقولك العسل مع الاملة لدفع البواسير و في المقامين تجهل المناسبة و العلة فكيف تنكر بعضا و تقر الآخر مع اشتراكهما فيما ادعيت و القول بان خواص العقاقير يعرفها الطبيب بخلاف المناسبات اللفظية باطل لما قلنا من ان الطبيب لايعرف كل الخواص و انما هو قليل من كثير لحفظ النوع و لايترتب هذا المعني علي معرفة المناسبات اللفظية مع انا نقول ان خواص المؤمنين الممتحنين يعرفون ذلك بتعليم الله سبحانه و لعمري ان هذا الكلام من جنابه لعجب .
و اعجب منه قوله و لا اقل من الغلبة لعدم تخلف ما بالذات ، فان هذه العلة ان كانت تامة و القاعدة كلية فكيف جوز التخلف في غير الاغلب فاذا جاز التخلف و بطلت كلية القاعدة فاي اختصاص له بالاغلب حتي يكون اقل ما يتخلف اذ علي تقدير التخلف لا فرق بين البعض و الكل و القليل و الكثير و الاقل و الاكثر بل و العدم المطلق مع انا نقول ان القاعدة كلية و التخلف محال و الدلالة ثابتة الا ان الادراك عليل و المدرك قليل فاذا كان الرجل اعمي لايدرك نور الشمس لايقال ان النور قد تخلف عنها حاشا و كلا و كذا المناسبة فانها حقيقة ثابتة و الدلالة علي مدلولها متحققة الا ان القوة ضعيفة و بصر القلب غير منيرة فيحتاج الي البيان كما تقول للاعمي قد طلعت الشمس .
قوله سلمه الله لعدم تخلف ما بالذات و الا لزم وجود العلة بدون المعلول جوابه ( جوابه انه خل ) ان اراد بالعلة العلة التامة البالغة مقام الامضاء فتحققها في المقام ممنوع و ان [ص 17] اريد بها العلة المقتضية بالذات فاستلزامها عدم تخلف ظهور المعلول اي المقتضي ممنوع لان شرط ظهور المعلول المقتضي اسم المفعول عدم المانع و ان لمنقل انه من تتمة المقتضي و المانع في المقام موجود كما قلنا ثم ان دليله و الا اه اخص من المدعي و تمام الدليل ان يكون مساويا للمدعي و وجه الاخصية ان الذاتية كما تتحقق من جهة العلة الظاهرة في ذات المعلول كذلك تتحقق من جهة ذات الشيء و صفاته الذاتية الحقيقية و لتحقيق هذا البحث مقام آخر و الامر فيه سهل و ان كان هذا النوع من الاستدلال خارجا عن دأب العلماء الراسخين و المؤمنين الممتحنين الذين عرفوا الحيث و الكيف و الكم و عرفوا المفصول و الموصول و ما يؤل اليه الامور و جواب باقي كلامه ظاهر مما قلنا .
و قوله سلمه الله كما يشهد عليه الوجدان ، فيه ان الوجدان ان كان حجة فدليل اهل المناسبة هو الوجدان لكنه علي غير الوجه الذي عناه من الوجدان و اما عدم الدلالة فلتعدد جهات الشيء و تكثر وجوه المناسبة فيحتاج الي التعين كالمشترك بالنسبة الي جميع معانيه حرفا بحرف فافهم .
قال سلمه الله تعالي : فان قلت لعل المخالف يدعي ان العلم بالمناسبة شرط في الدلالة كما ان العلم بالوضع شرط فيها علي القول الآخر فلعل التخلف لعدم الشعور بالمناسبة قلت لو كان بين اللفظ و المعني مناسبة ذاتية لزم الشعور بعد ملاحظتهما و ملاحظة النسبة بينهما و الانفهام و لا اقل من حصول العلم بالمعني عند تعقل المناسبة مع انه ليس كذلك كما [ص 18] لايخفي مضافا الي ما سيأتي من وجوه اخر لبطلان هذا القول و توهم اختفاء الذاتي كما في حسن الاشياء و قبحها فاسد لعدم وجود المانع هناك بخلاف ثمة و كون الادراك بالدليل و ثمة بنفسه .
اقول هذا اعتراض حسن و كلام جيد و يظهر تقريره و تحريره ( تحريره و تقريره خل ) مما سبق الا انا نشير اليه اتماما للحجة و ايضاحا للمحجة فنقول ان مراد المخالف ان النسبة هي التي تورث الارتباط بين الشيئين اما بالملازمة او بالتلازم او بالشرطية او بالاثرية او بالتضايف او بغيرها فمهما اطلعت علي جهة النسبة اطلعت علي الامرين و حكمت عليهما بما ظهر لك منها من اقسامها و لكن لايلزم ان تكون النسبة ظاهرة ليتأتي لكل احد الحكم علي المنتسبين علي ما هو عليه اذ من النسبة ما هي مخفية جدا لاتدرك الا بالتعليم الخاص و البيان الجزئي المخصوص كالنسبة بين الايجاد و الاختيار و ان كل موجود يلزمه الاختيار و ان الايجاد يقتضي بالذات ( الايجاد بالذات يقتضي خل ) الامر بين الامرين و لايتحقق الايجاد الا به و لذا قال مولينا الصادق عليه السلم لا جبر و لا قدر بل منزلة بينهما اوسع من السماء و الارض لايعلمها الا العالم او من علمه اياه العالم و قال مولينا اميرالمؤمنين عليه السلم ان القدر سر من سر الله و حرز من حرز الله مختوم بخاتم الله موضوع عن العباد علمه الي آخر كلامه عليه السلم من هذا القبيل علي ما رواه في التوحيد و لا شك ان القدر ليس الا نسبة فعل الخالق ( نسبة الخالق خل ) الي المخلوقين في تقدير ذواتهم و اعيانهم و احوالهم و افعالهم و معتقداتهم و غير ذلك و هذه النسبة ليست امرا جعليا بل هي موجودة [ص 19] و يدل الايجاد علي القدر دلالة ذاتية هو مقتضي الايجاد مع ان في ادراك هذه النسبة في حديث اميرالمؤمنين عليه السلم قد تفرد بالله وحده كما قال لاينبغي ان يطلع عليها الا الواحد الفرد فمن تطلع عليها فقد ضاد الله في ملكه و نازعه في سلطانه و باء بغضب من الله و مأويه جهنم و بئس المصير و في حديث مولينا الصادق عليه السلم قد تفرد به الامام عليه السلم و لا منافاة بينهما لقوله تعالي عالم الغيب فلايظهر علي غيبه احدا الا من ارتضي من رسول مع ان كل شيء خلقناه بقدر و ان لا جبر و لا قدر قد خرق الاسماع و ملأ الاصقاع و صار ذلك من المذهب الضروري للشيعة و المخالف ليس منهم مع انهم سلام الله عليهم صرحوا بان معرفتها خاصة بهم او من علموه اياها و هذا الوضوء له مناسبة ذاتية للصلوة بسببها كانت شرطا كما هو مذهب القائلين بالحسن و القبح مع انكم تقولون ان الوضوء شرط للصلوة فعند تعقل الوضوء و تعقل الصلوة و النسبة بينهما ماتظهر لكم النسبة الذاتية التي من اجلها كان شرطا لها و لاتصح الصلوة بدونه فدل العقل و النقل و الوجدان و الاحساس ان وجود النسبة اعم من ادراكها و ربما تقر بها تقليدا و لاتعرفها و حينئذ فلايلزم عند تعقل المتناسبين في الواقع تقليدا الشعور بالمناسبة الواقعية التحقيقية ( الحقيقية خل ) و علي مدعي ذلك البيان هذا تقرر كلام المخالف بزعمه فعلي هذا يكون جوابه عين المصادرة بالمطلوب لا شوبه لان المانع في مقام الاحتمال و المنع يمنع لزوم الشعور بالمناسبة و يسئل الدليل علي ذلك فيجب ان يقام له الدليل علي المدعي لا ان [ص 20] يجعل المدعي نفس الدليل فيقال قلت لو كان بين اللفظ و المعني مناسبة ذاتية لزم الشعور بعد ملاحظتها و ملاحظة النسبة ، مع ان المانع ينفي هذا الذي ذكر مضافا الي التهافت العجيب الذي في هذا الكلام من حيث العبارة و السياق فان قوله سلمه الله لزم الشعور ، يجب ان يكون متعلق الشعور اي المضاف اليه الذي اقيم الالف و اللام مقامه هو المناسبة كما هي المدعاة في الاعتراض فعلي هذا فما المراد بقوله ملاحظة النسبة ، فان كانت هي النسبة الاولية فيكون معني كلامه لزم الشعور بالنسبة عند ملاحظتهما و ملاحظة نفسها فيكون الدليل حينئذ عين المدلول و بطل انكاره و ثبت مراد الخصم فان النسبة المدعاة هي الذاتية مع انه في صدد بيان عدمها و بيان انها لو كانت لدلت هذه الملاحظات عليها مع انه يقر بوجودها و ان كانت هذه النسبة غيرها و ليست جزء منها و لا اخص منها اي ليست جنسها و لا فصلها و لا من العوارض اللازمة لها فكيف يستدل بها علي النسبة المدعاة و ماالتفت اطال الله بقاه ان هذه النسبة الحاصلة لنا بين اللفظ و المعني هي النسبة التقليدية كالنسبة التي تحصل لك عند ملاحظة قول الشارع صلي الله عليه و آله الوضوء شرط للصلوة و ليست هذه هي التحقيقية التي تنبئ عن العلة و عن سر هذا التعيين و وجهه و هي في زاوية الخفاء حتي يكشف الغطاء فاذا انكشف و صار بصرك اليوم حديدا عرفت النسبة و بدا لهم من الله ما لميكونوا يحتسبون .
قوله سلمه الله تعالي مضافا الي ما سيأتي من وجوه اخر لبطلان هذا القول ، و قد علمت بطلان الوجه الذي ذكر باكمل بيان و اوضح [ص 21] تبيان ان اعاذنا ( تبيان اعاذنا خل ) الله و اياكم من شر الشيطان و لا حول و لا قوة الا بالله .
و قوله سلمه الله تعالي و توهم اختفاء الذاتي الخ ، هذا جواب عما اوتي به تقوية للمنع المتقدم كأنه قيل ما يمنع ان تكون الالفاظ بالنسبة الي مناسباتها الذاتية كالاشياء بالنسبة الي حسنها و قبحها و تحكم فيها بالمناسبة الذاتية مع انك ماتعلم منها الا قليلا من كثير فاجاب سلمه الله تعالي بان هذا قياس مع الفارق فان المانع في الحسن و القبح موجود و هو انه يجب ان تدرك الشيء بذاته و حقيقته فتعرف انه حسن او قبيح و معرفة الشيء بذاته علي ما هو عليه امر صعب بعيد المنال لايمكن لاحد الا لآحاد الناس حتي قيل انه محال و عليه حملوا قوله عليه السلم من عرف نفسه فقد عرف ربه و قالوا انه تعليق علي المحال و لغموضها و خفائها طلب رسول الله صلي الله عليه و آله ذلك فقال اللهم ارني الاشياء كما هي ، و هذا هو المانع عن ادراك الحسن و القبح لانهما متفرعان علي معرفة الشيء لذاته بنفسه بخلاف المعاني فانها لاتعرف بذاتها و انما هي بالدليل و هو الالفاظ فالنسبة بينهما يجب ان تكون ظاهرة لكمال التعدد و المغايرة و الظهور و الوضوح بخلاف حسن الاشياء و قبحها هذا الذي فهمت من كلامه فان اخطأت مراده فلااخطأ ان شاء الله تعالي بحوله ( بحول الله خل ) و قوته الواقع ● فاني المجاهد في الله علي وجهه [ص 22] و طريقه و الله سبحانه وعد و لايخلف الميعاد و علي الله قصد السبيل و منها جائر فنقول اعلم ان الشيء اما ان يكون مصلحا بوجوده و مفسدا بعدمه فيجب اخذه او يكون مصلحا بوجوده و لايكون مفسدا بعدمه فالاولي و الاليق فعله و اخذه او يكون مفسدا بذاته و وجوده و مصلحا بعدمه فيجب الاجتناب عنه او يكون مفسدا في الجملة بوجوده و لايكون مصلحا بعدمه فالاولي و الاليق تركه و لايخلو شيء عن احد هذه الاربعة او قل الامرين اصلاح و افساد فالاول حسن و الثاني قبيح و الحسن ينقسم الي ما قلنا كالقبيح هذا هو المقتضي اسم المفعول للاشياء كلها قد تحققته كلية فاذا نظرت الي الاشياء فان وجدتها من القسم الاول تقول انه حسن و واجب و ان وجدتها من القسم الثاني تقول انه حسن و مندوب و ان وجدتها من القسم الثالث تقول انه قبيح و حرام و ان وجدتها من القسم الرابع تقول انه قبيح و مكروه فحصلت المقتضي اولا كليا فاذا وجدت المقتضي حكمت علي مقتضاه هذا بالنسبة الي الاشياء و حسنها و قبحها و اما بالنسبة الي الالفاظ و المعاني فالامر اعظم و اعظم لانك يجب ان تدرك اولا حقايق مواد الالفاظ و طبايعها و صفاتها و خواصها و احكامها و ما يقابلها و ما يضادها و ما يوافقها و ما يخالفها و ما يناسبها و ما يباينها و احكام القرانات الحاصلة لبعضها مع بعض و تحضر عندك جميع الصور و الهيئات الغير المتناهية و مقتضياتها و عوارضها و احكامها و سعيدها و نحيسها ( سعدها و نحسها خل ) و مجردها و ماديها و علويها و سفليها و قويها و ضعيفها فاذا استحضرت هذا المجموع و غيرها ثم تلتفت الي [ص 23] المعاني فتنظر كنظرك عند معرفة حسن الاشياء و قبحها ثم تلاحظ المجموع في محشر واحد فتنسب كل صورة لفظ بمادتها الي المعني المناسب لها بمادتها و صورتها فانت في معرفة حسن الاشياء و قبحها تحتاج الي ملاحظة جهة واحدة و في الالفاظ و المعاني تحتاج الي ملاحظة كل تلك الامور في الجهتين بل عند الاقتران ايضا فاعتبروا يا اولي الابصار و انصفوا ايهما ابعد غورا و اشد دقة و اعظم خطرا هل معرفة حسن الاشياء و قبحها او النسبة الذاتية بين الالفاظ و المعاني فان كلما تحتاج في معرفة الحسن و القبح من الامور التي استعظموها و عجزوا عنها و بعث الانبياء و الرسل لعجزهم عن ادراك ذلك مستقلا تحتاج اليها في معرفة الالفاظ و المعاني ضعف ذلك مرتين بل ثلث مرات مع ان معرفة حقايق الاشياء الخارجية الذاتية و معرفة طبايعها و خواصها لكون اكثرها قريبا الي الحس و الوجدان اسهل بكثير عن ( من خل ) معرفة الالفاظ و طبايعها و خواصها و احوالها و عوارضها و لبعد غورها انكرها طائفة و توقف آخرون و لايمكن الاحاطة بتلك النسب و الاضافات علي ما هي عليه الا الله ( لله خل ) سبحانه و لمن ارتضي من رسول بل ربما يكون المانع للمعرفة و للاظهار في حسن الاشياء و قبحها اقل بالنسبة الي المانع لمعرفة المناسبات الوضعية فان الشريعة لما وجبت عليها الاقبال و الحضور و لا شك اذا عرفها النفس يحصل لها اطمينان و سكون اشد مما اذا لميعرفها و قلدت فيها و لذا ابان الحق سبحانه عن عللها و اسبابها علي جهة الكلية علي السنة الحكماء و الاطباء و الطبيعيين بخلاف [ص 24] الالفاظ اذ لايتفرع شيء من معاشهم و قوام دينهم و دنياهم علي معرفة ذلك نعم ربما يوجد بعض الطرق و السبل الي معرفتها في كلام اهل العصمة و الطهارة عليهم سلام الله لخواص شيعتهم من المؤمنين الممتحنين الذين اشار اليهم اميرالمؤمنين عليه السلم بقوله المتبعون لقادة الدين الائمة المهتدين الذين يتأدبون بآدابهم و ينهجون منهجهم يهجم بهم العلم علي حقيقة الايمان فيستلينون من احاديثهم ما استوعره غيرهم الخ ، و قولي يوجد يعني يظهر و الا فما من شيء الا و فيه كتاب او سنة فظهر لك ان معرفة المناسبة الذاتية اللفظية ابعد غورا من معرفة الحسن و القبح فاذا عجز الخلق عن معرفة حسن الاشياء و قبحها فعجزهم عن معرفة ذلك اولي و احري و اليق و قد بينا في بعض رسائلنا سر الوضع و مبدء الالفاظ و اللغات و نشوها و اختلافها و لم لميبعث نبي لبيانها كالشرايع فلانطول الكلام بذكرها هنا و لا فائدة فيها ايضا في هذا المقام فافهم ما القي عليك من السر الحق و الكبريت الاحمر .
قال سلمه الله تعالي : و ايضا لزم عدم اختلاف اللغات و ايضا ذاتية الدلالة منافية للدلالة علي الضدين في بعض الالفاظ كالقرء للحيض و الطهر و الجون للابيض و الاسود لعدم تصور اقتضاء ذات الشيء امرين متناقضين ( متنافيين خل ) مضافا الي بداهة ان الاعلام و نحوها لمتكن قبل حدوث الوضع دالة علي ما يفهم منها بعده .
اقول قوله سلمه الله و ايضا يلزم ( لزم خل ) عدم اختلاف اللغات جوابه اعلم [ص 25] ان الله سبحانه قد استوي برحمانيته علي العرش فاعطي كل ذي حق حقه و ساق الي كل مخلوق رزقه و قد قال سبحانه و تعالي و ما امرنا الا واحدة ثم شرح هذا المعني في الآية الاخري و قال ان الله لايغير ما بقوم حتي يغيروا ما بانفسهم فخلق سبحانه و تعالي اولا بلطيف صنعه مادة الالفاظ و حقيقتها و اصلها و هي هذه الحروف الثمانية و العشرون و هي تناسب كل لغة لكل طائفة كالتراب الذي خلقه سبحانه مادة صالحة لكل جماد و نبات و حيوان و انسان ثم صور تلك المادة علي الهيئات و الاوضاع و الهياكل التي توافق مقتضي كينونات كل طائفة و كل قبيلة بالنوع كاللغة العربية و العجمية و التركية و الهندية و العبرانية و امثالها ثم صور ذلك النوع علي هيئات الاشخاص الجزئية كالتراب الذي جعل منه الانسان و منه الحيوان اي البهايم و جعل من الانسان زيدا و عمروا و بكرا و من البهايم فرسا و بقرا و غنما و غير ذلك و في كل ذلك مناسبة ذاتية نوعية و شخصية في الصورة ذلك حكم الله ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و قد قال سبحانه و تعالي و من آياته خلق السموات و الارض و اختلاف السنتكم و الوانكم فصح لك ان اختلاف اللغات من جهة الصور و الهيئات مع اتحاد المادة و تلك الهيئات تناسب صور الكينونات من المعاني من الذوات و الصفات و تناسب الكل مناسبة ذاتية فلاينافي المناسبة الذاتية اختلاف اللغات لتعدد الجهات و كثرة الاعتبارات فقيل ثمانية و قيل هشت و قيل ارط ذلك تقدير العزيز العليم .
و اما الجواب عن شبهة النقل فسيأتي .
[ص 26] و قوله سلمه الله و ايضا ذاتية الدلالة منافية للدلالة علي الضدين اه جوابه ان الله سبحانه اقتضت حكمته الكاملة و قدرته الشاملة و رحمته الواسعة ان يجمع بين المتضادين ليدل ان ( ليدل علي انه خل ) لا ضد له ( فجمع بين المتضادين ليدل علي ان لا ضد له ) ● فجمع بين النور و الظلمة و الخير و الشر و الحرارة و البرودة و اليبوسة و الرطوبة في الانسان الظاهر فيه المراتب متميزة الدرجات الاتري المتولدات فانها جامعة بين الكيفيات المتضادة بحيث يظهر فعل كل منها فيها فيناسب الشيء بذاته للمتضادات بجهات عديدة الاتري الهواء فانه يناسب النار بحرارته و الماء برطوبته و كلاهما عين ذاته فهو شيء واحد يناسب الضدين الماء و النار بذاته و كذا الماء شيء واحد يناسب الضدين الهواء و الارض و هكذا جري صنع الله سبحانه في كل شيء صنع الله الذي اتقن كل شيء و ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و كذلك حكم الالفاظ بالنسبة الي جهاتها المتحققة فيها المتخالفة بعضها مع بعض و المتضادة اظهارا لقدرته الكاملة و ابرازا لرحمته الواسعة فجمع بين المتضادات و المتعاديات و فرق بين المتوالفات و المتدانيات فاذا صح ذلك فالواضع عند وضعه لهذا المعني مثلا لاحظ اللفظ باعتبار مناسبة ( مناسبته خل ) بجهة من الجهات و عند وضعه لضده لاحظ باعتبار مناسبته ( مناسبة خل ) بالجهة الاخري و لا منافاة في ذلك بل فهذا هو الحكمة البالغة و لولا ذلك لمتظهر الحكمة و اذ لميهتدوا بهذا فسيقولون هذا افك قديم نعم ما اوردوا انما يصدق لو لمتكن للالفاظ جهات كثيرة و هو في محل المنع اذ المركب لايتركب الا من ضدين و هو وسم ( رسم خل ) المخلوقات قال تعالي و من كل [ص 27] شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون و البسيط ليس الا الله سبحانه ( سبحانه و الا خل ) فكل ممكن زوج تركيبي و كل ذلك مركب من الضدين فيناسب كل شيء الاضداد بالمناسبة الذاتية للعقل و النقل و الوجدان و الاحساس فافهم ان كنت تفهم .