[ص 1]

رسالة في السلوك الي مقام القرب

من مصنفات السيد الاجل الامجد المرحوم

الحاج السيد كاظم بن السيد قاسم الحسيني الرشتي اعلي الله مقامه

[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم و به نستعين

الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي خير خلقه محمد و اله الطاهرين و لعنة الله علي اعدائهم اجمعين .

اما بعد فيقول العبد الجاني و الاسير الفاني كاظم بن قاسم الحسيني الرشتي ان جماعة من الاحباب و خالصي الاصحاب الذين ميزوا الماء من السراب قد طلبوا من الفقير الحقير ( الحقير الفقير خ‌ل ) ان اكتب كلمات في كيفية السلوك الي الله تعالي و طلب قربه و رضاه و ما ينبغي ان يكون السالك الطالب الراغب الي قربه و نجواه عليه في الاحوال و الاخلاق و الحركات و السكنات و سائر مجاري الحالات ليكون اعانة لهم للوصول الي مطلوبهم و تقر اعينهم بالنظر الي مشاهدة نور عظمة محبوبهم و كنت اسوف ذلك لما بي من تواتر افواج الهموم و تلاطم امواج الغموم الواردة علي في كل حين و اوان حتي اني :

عتبت علي الدنيا و قلت الي متي اكابد هما بؤسه ليس ينجلي

أكل شريف من علي جدوده حرام عليه العيش غير محلل

فقالت نعم يا بن الحسين رميتكم بسهم عنادي حين طلقني علي

الي ان راجع في الالتماس اعز الاخوان لدي و احب الخلان الي قرة العين بلا مين اعزه الله و اسعده و ايده الله و سدده فأجبت مسئوله و بادرت الي مأموله مع ما بي من كمال الضعف و الكلال و تبلبل البال راجيا من الله الاعانة و التوفيق و الهداية الي سواء الطريق و ان ينفع به عموم طلبة الحق و الله المستعان و عليه التكلان .

اعلم ان الله سبحانه هو الواحد الذي لا شريك له و الحي الذي لا موت فيه ( له خ‌ل ) و النور الذي لا ظلمة فيه و الغني الذي لا افتقار فيه و القادر الذي لا [ص 3] عجز فيه و الكريم الذي لا بخل فيه و الشاهد الذي لايغيب عنه شيء و العالم الذي لايجهل شيئا و العظيم الذي لايتعاظمه شيء و المتسلط الذي لايخيفه ( لايحيفه خ‌ل ) شيء و المتفرد الذي لايوازره شيء و القوي الذي لايعجزه شيء و الدائم الذي لايفنيه شيء و الموجود الذي ليس معه شيء و كلما سواه آثاره و شئونات افعاله تعالي نسبته اليه تعالي اي الي فيضه و ابداعه نسبة اثارك من قيامك و قعودك و حركتك و سكونك اليك انظر الي هذه الاثار هل لها غناء عنك في حال من الاحوال و وقت من الاوقات في امر من الامور فانت ( و انت خ‌ل ) و ذاتك و حقيقة كينونتك بالنسبة الي فعله تعالي مثل كلامك اي الهيئة المتقومة بالمادة الهوائية و تلك الهيئة لاتبقي و لاتستمر في الوجود الا بمدد جديد منك اليها فكذلك انت لاتستقل بشيء من احوالك و اطوارك و ذاتك و صفتك و فعلك و اثرك و توجهك و اقبالك بدونه تعالي و كلما سواه مثلك في الحاجة و الافتقار اليه تعالي فاذن سد باب نظرك و التفاتك و رفع حاجتك و رجائك و خوفك و طمعك الا اليه تعالي و هو قوله تعالي و لايلتفت منكم احد و امضوا حيث تؤمرون فان الالتفات و النظر و التوجه الي غيره تعالي سفاهة و ضلالة كما قال سيد الساجدين عليه السلام في دعاء الصحيفة اللهم اني اخلصت بانقطاعي اليك و اقبلت بكلي عليك ( اليك خ‌ل ) و صرفت وجهي عمن يحتاج الي رفدك و قلبت مسئلتي عمن لايستغني من فضلك و رأيت ان طلب المحتاج الي المحتاج سفه من رأيه و ضلة من عقله فكم قد رأيت يا الهي من اناس طلبوا العز بغيرك فذلوا و راموا الثروة من سواك فافتقروا و حاولوا الارتفاع فاتضعوا فانت يا مولاي دون كل مسئول موضع مسئلتي و دون كل مطلوب اليه ولي حاجتي انت [ص 4] المخصوص قبل كل مدعو بدعوتي لايشركك احد في رجائي و لايتفق احد معك في دعائي و لاينظمه و اياك ندائي و قال مولانا سيدالشهداء عليه السلم في دعاء عرفة ايكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتي يكون هو المظهر لك متي غبت حتي تحتاج الي دليل يدل عليك و متي بعدت حتي تكون الاثار هي التي توصل اليك عميت عين لاتراك و لاتزال عليها رقيبا و خسرت صفقة عبد لم‌تجعل له من حبك نصيبا و في الدعاء ايضا لايري فيه نور الا نورك و لايسمع ( لايسمع فيها خ‌ل ) صوت الا صوتك . فاذا كان كذلك فاين تذهبون ففروا الي الله بالخضوع و الخشوع و الذلة و المسكنة و فراغ القلب و اجتماع الحواس و الانقطاع عن الخلق و الاخلاص في طاعة الله و الشوق الي قربه و استشعار محبته و لما ان الخلق في عالم النزول اخذتهم برودة الادبار فانجمدت قرائحهم و انخمدت غرائزهم و استولت عليهم الهوي و استمكنت منهم الدنيا فانخمدت نار الشوق الي الله تعالي في مجمر قلوبهم او خفيت باستيلاء برودة اهوائهم و نفوسهم فلا بد من تهيج ( تهييج خ‌ل ) تلك النار و ازالة ذلك الغبار ليصفو له التوجه الي الجبار و يجلس مجلس الانس و المحبة مع المحبوب خاليا عن الاغيار و يشرب شراب المؤانسة صافيا عن الاكدار و ها انا اصف لك ما يهيج تلك النار اذا تأملت الي وصفي بنظر الاعتبار .

و اعلم ان اول ذلك اي اول ما يجب للطالب السالك ان يستشعر عظمة الله سبحانه دائما في قلبه و امثل لك مثالا واحدا في هذا المقام لتتمكن ( لتمكن خ‌ل ) من معرفة نوع المسئلة و اعلم ان نسبة ظاهرك الي ظاهر هذا العالم هي نسبة باطنك الي باطنه فاذا عرفت احدهما فقس عليه الاخر لانهما بنهج واحد و لما كان الظاهر اقرب الي الناس فنقتصر عليه و نقول انك اذا نسبت نفسك الي جبل شامخ وجدتها بالنسبة اليه كالذرة و لذا اذا كنت علي قلة جبل تري الذي تحت الجبل [ص 5] صغيرا جدا و نسبة اعظم الجبال الي كل الارض كنسبة سبع عرض شعيرة الي كرة قطرها ذراع علي ما برهن في علم الهندسة و الارض اصغر من الشمس بمائة و ثمانين مرة فكيف من فلكها فانها مركوزة في جزء من اجزاء الفلك و هي قطعة من الفلك و نسبة هذه القطعة الي كل الفلك لاتقاس من الصغر و كل كوكب من الكواكب العظام التي في المكوكب اي فلك الكرسي بقدر الارض مائة مرة و اصغر الكواكب كالسها الذي لايدركه غير حديد البصر بقدر الارض خمسة‌عشر مرة و اذا كان حال الكوكب الذي هو للفلك بمنزلة النقطة فكيف يكون عظم كل الفلك و سعته و هذا الفلك بهذا العظم بالنسبة الي العرش كحلقة ملقاة في فلاة قي بل اقل و اقل لان العرش له سبعون‌الف طبقة و كل طبقة غلظها بقدر ما بين العرش الي تحت الثري و له ثلثمائة الف و ستين الف ركن و علي كل ركن ثلث‌مائة و ستين الف ملك اصغرهم لو امر بان يلتقم السموات و الارض و ما فيهما و ما بينهما كان الجميع في لهواته ( لهاته خ‌ل ) كرمل صغير في البرية ثم بقدر المجموع احدعشر مرة و بين كل قائمتين من قوائم العرش مسيرة الطير الخفيف المسرع الف عام و نسبة الجميع ( المجموع خ‌ل ) الي الملئكة الكروبيين كنسبة الكلمة من ( الي خ‌ل ) المتكلم انظر الان الي عظم الكروبيين و سعتهم و احاطة نورهم و شروق ظهورهم و هؤلاء الملئكة نسبتهم الي الملئكة العالين كنسبة الكلام الي المتكلم و نسبة الجميع الي ال‌محمد صلوات الله عليهم اجمعين كنسبة جزء من مائة الف الف الف الف الف الف الف الف جزء من رأس الشعير بالنسبة الي هذا العالم الاكبر ( الكبير خ‌ل ) و نسبة الكل و محمد و اله الطاهرين ( صلي الله عليهم اجمعين خ‌ل ) الي قدرة الله سبحانه كاللفظ الواحد الي اللافظ و لذا قال النبي صلي الله عليه و اله لما قال الاعرابي ما شاء الله و شاء محمد صلي الله عليه و اله ما شاء الله و شاء علي عليه [ص 6] السلم قال صلي الله عليه و اله لاتقل هكذا بل قل ما شاء الله ثم شاء محمد صلي الله عليه و اله فان مشية محمد صلي الله عليه و اله في مشية الله كمثل الذبابة في هذه الدنيا و ما شاء الله ثم شاء علي عليه السلم فان مشية علي عليه السلم ( ثم شاء علي عليه السلم و مشيته خ‌ل ) في مشية الله كمثل البعوضة في هذه الدنيا ، نقلت معني الحديث ، فانظر الان نسبة نفسك الي عظمة الله تعالي فانك كنت مضمحلا عند الجبل المضمحل عند الارض المضمحلة عند الشمس المضمحلة عند فلكها المضمحل عند الكرسي المضمحل عند طبقة من طبقات العرش المضمحل مع كل طبقاته عند الملئكة الكروبيين المضمحل كلهم اجمعون عند الملئكة العالين المضمحلين عند ال‌محمد صلوات الله عليهم اجمعين المضمحلون ( المضمحلين خ‌ل ) عند قدرة الله و سعة احاطة قيوميته و قهاريته و عند الذات كل شيء من الاعلي و الاسفل ممتنع محال فما اصغر قدرك و احقر مقامك ( احقر صفاتك خ‌ل ) بالنسبة الي ساير مخلوقاته تعالي الفانية الصغيرة الزائلة في جنب عظمته و قهاريته فانصف في نفسك هل هذه العظمة تنسي و هل لك قدرا معها يري حتي تعمد و تقصد الي مخالفة هذا العظيم الجبار القهار سبحانه و تعالي .

ثم تفكر ثانيا في حقارة نفسك و خساسة ذاتك و قبائح كينونيتك ( كينونتك خ‌ل ) مع صغر قدرك و تأمل في ان ارذل الاصناف من الناس هو الكناس و ارذل هذا الطايفة و اخسهم من يكنس البالوعة الممتلية من الفضلات من البول و الغايط و ساير القاذورات و يجمعها و يحملها و يخرجها من البيت و يرميها من المحل اللائق بها و تري نفسه ( نفسك خ‌ل ) لاتحب مجالستهم و لا معاشرتهم و لا مؤاكلتهم و لا مؤانستهم و لا ساير انحاء المعاشرات و انظر الان في نفسك انك و ان بلغت ما بلغت و ان ترقيت في الدنيا و صرت ملكا فلا بد من ان تباشر الغائط و البول و تنظفها ( تنظفهما خ‌ل ) عنك بيدك و صرت قرين ذلك الرجل الذي تريه ارذل الطوايف و الاصناف كل يوم ثلث مرات او اكثر او اقل ثم انظر في باطن جسدك [ص 7] و داخل جلدك هل تجد شيئا طاهرا طيبا فكلما يخرج منك اما نجس العين كالبول و الغايط و الدم و المني و اشباه ذلك من القطعة المبانة و غيرها او كثيف ردي خبيث يتكره الانسان يباشره ( يتكرم الانسان من ان يباشره خ‌ل ) او يتناوله كالصديد و النخامة و البصاق و امثال تلك ( ذلك خ‌ل ) من الامور الرذيلة و الاشياء الخسيسة الخبيثة و اذا تناولت الطعام الطيب اللذيذ حسن الرايحة اذا صار في فمك و مضغته انظر كيف يؤل امره و حاله اذا اخرجته من فمك يحرم عليك بعد ذلك تناوله لانه من الخبائث و كل ذلك لمجاورتك دقيقة واحدة و كلما يمتد مدة ( يمتد مداء خ‌ل ) المجاورة يشتد خباثته ( خبثه خ‌ل ) و نجاسته الي ان يكون دما او منيا او يخرج من المثانة بولا فانصف الان في نفسك انه هل يحسن مع ذلك التكبر و التبختر و طلب اللذات و الشهوات و الافتخار علي الغير .

ثم تفكر ثالثا انك لاتطهر و لاتنجب الا بطاعة الله سبحانه و الخضوع و الخشوع لديه و لذا تري المسلم لما اسلم بظاهر اقراره الجسدي طهر جسده و ظاهره بخلاف الكافر فانه من جهة عدم الاسلام و الخضوع للملك العلام بقي علي نجاسته الاصلية الحقيقية و المعصوم عليه السلم لما اسلم بظاهر جسده و باطنه و سره و علانيته طهر ظاهره و باطنه و لحمه و دمه و شعره و بشره و انت ايضا بقدر طاعتك و خضوعك و خشوعك لمعبودك تطهر فانظر الان ماذا ترضي لنفسك الطهارة ام النجاسة اي البقاء عليها و عند الموت يتبين لك رايحة النجاسات الظاهرية و الباطنية لك و لامثالك و في هذه الدنيا لكل مؤمن طاهر اذا شاهدك و انت قد اقترفت معصية يشم نتنها منك اخبث نتنا من الجيفة المنتنة و لايحب مجالستك الا كرها و يفر منك كما تفر من الجيفة المنتنة و يري سواد المعصية علي وجهك فضلا عن نجاستك في نفسك و يري اعوجاج صورتك و تغييرها بالمعصية و التكبر مع الله عز و جل بترك [ص 8] طاعته و مخالفته و يري محو اسمك من عليين كتاب الابرار و ثبتها في السجين كتاب الفجار و في الدعاء رب لاتغير اسمي و لاتبدل جسمي و لاتشوه خلقي بالنار ، الا ان تتوب عن صدق و يقين و تتوجه الي خالق السموات و الارضين فانظر الان في نفسك هل ترضي لنفسك ان تكون علي تلك الهيئة القبيحة نعوذ بالله و نستجير بالله و نعتصم بالله و لا حول و لا قوة الا بالله .

ثم تفكر ثالثا انك ( ثم تفكر انك خ‌ل ) بيت للادواء و المحن و الالام و الاسقام و الاوجاع و محل للطبايع الاربع الصفراء و السوداء و الدم و البلغم و ماتدري متي تهيج ( يهيج خ‌ل ) واحدة منها فيكون فيه هلاكك و لك جسد لا قوام له و لا امتناع به فالحر يذيبه و البرد يجمده و السموم يتخلله و الماء يغرقه و الشمس تحرقه و الهواء تتقسمه و السباع تفترسه و الطير تنقره و الحديد يقطعه و الصدم يحطمه ثم هو معجون بطينة من الوان الاسقام و الاوجاع و الامراض و انت مرتهن بها مترقب لها وجل منها طامع في السلامة منها و انت مقارن الافات السبع التي لايتخلص منها ذو جسد و هي الجوع و الظماء و الحر و البرد و الوجع و الخوف و الموت .

ثم تفكر رابعا في نعم الله سبحانه عليك و ترادف مننه و الائه عليك و هي لاتحتاج الي البيان غنية عن التذكار و التبيان كفاها قوله تعالي و ان تعدوا نعمة الله لاتحصوها و تفكر ان الله سبحانه هو الذي اخرجك من بحر الامكان الي ساحل الاكوان و اقامك في حجاب الذهب و غشك بالنور من غير نصب و لا تعب و اوقفك في الاظلة تحت الحجاب الاخضر و نجاك عن اجمة الطبيعة و رقاك بمعني انزلك الي عالم الشهود مشروح العلل مبين الاسباب ليبين لك اتماما للحجة و اكمالا للنعمة و الان انت بيده محفوظ المراتب في كل العوالم يرزقك من الدرة البيضاء و يحييك في الحجاب الاصفر و يخلقك و ما بك و لك و عليك و لديك و منك و اليك و فيك [ص 9] تحت الحجاب الاحمر و يصفيك لبقائك ابدا دائما سرمدا في الحجاب الاخضر و يحفظ حركاتك و سكناتك و خطواتك و لحظاتك و كلماتك و ما يكنه صدرك و يجنه ( يحبه خ‌ل ) قلبك و ينكشف لفؤادك بحيث لو خلاك و نفسك اقل من لمح البصر لفنيت و لعدمت لم‌يبق ( و لم‌يبق خ‌ل ) لك اثر و يعدم منك ذكر و خبر لاتعدم بره و لاتفقد احسانه فلاتجد الا خيره و مع ذلك كله ترضي ان تلتفت الي غيره و تحب ان تتوجه الي سواه فكيف يطلب محتاج محتاجا و اين يرغب معدم الي معدم فماربحت حينئذ تجارتك و خسرت صفقتك و ضاعت سلعتك و هل تقصد الي اللاشيء و تتوجه الي العدم و تميل الي الباطل و تركن الي الزايل مع انك في قصدك الي الغير فقير اليه مضطر الي كرمه ما اقبح فعلك و اشنع عملك .

ثم تفكر خامسا في نفسك تجدها لاتميل الي المعصية و الي مخالفة الله سبحانه عند واحد من افراد الناس و تكتم عنهم فكيف لاتنظر الي عظمة الله و قدرته و احاطة قيوميته و انه ناظر الي كل احوالك و حركاتك و سكناتك و لحظاتك و كلماتك و منك ( و كلماتك و ما منك خ‌ل ) و اليك و عنك و فيك و عندك كيف تستخفي من الناس و لاتستخفي من الله و تلاحظ عظمة المخلوق و لاتلاحظ عظمة الخالق و تعصيه بمرئي منه و مسمع ثم ان رسول الله صلي الله عليه و اله و الائمة الطاهرين سلام الله عليهم هم الشهداء علي الخلق و اعين الله الناظرة في عباده و هم ناظرون و مطلعون عليك في جميع حركاتك و سكناتك فكيف تستحقر نظرهم و اطلاعهم عليك و هم من قد عرفت و عظمتهم ما قد سمعت ثم ان الاركان و الاوتاد و الابدال و النقباء و النجباء ايضا ناظرون و مطلعون عليك و شاهدون لاعمالك فان الله عز و جل يقول قل اعملوا فسيري الله عملكم و رسوله و المؤمنون ثم ان الملئكة حملة العرش و الكرسي و ملائكة السموات و الارض ( الارضين خ‌ل ) و ملائكة الهواء و العناصر و الملائكة المدبرات [ص 10] و المعقبات و الموكلون علي اعضائك و جوارحك و قوائك ( قوتك خ‌ل ) و مشاعرك و كتبة اعمالك و اقوالك ناظرون اليك مطلعون شاهدون علي جميع اعمالك ثم ان مكانك و زمانك و يومك و ساعتك ينقش ( ينتقش خ‌ل ) فيها صورة عملك و في السموات و الارضين و الجبال و الهواء و الماء و كل شيء في الوجود ينقش ( ينتقش خ‌ل ) و يكتب عليه صورة اعمالك من الخير و الشر و يبقي في اللوح المحفوظ في الكتاب الحفيظ الي يوم القيمة انظر الان في نفسك ان عصيت ( عصيته خ‌ل ) تفتضح في كل العالم عند الاكابر و يكتب في كل لوح هذا شقي فيدعو عليك كل شيء و ان اطعت تمدح في كل تلك المقامات و مدار الطاعة و المعصية بالاقبال علي الله تعالي و الادبار عنه تعالي و في كل شيء تريد فيه وجه الله مخلصا هو الطاعة و كلما لاتريد به وجه الله فهو المعصية الا ان مراتب هاتين المرتبتين مختلفة في الشدة و الضعف فما ترضي لنفسك اختر لها و اختر لها الخير و الصلاح .

و واظب علي التفكر طول نهارك و ليلك و قد قال اميرالمؤمنين عليه السلم نبه بالتفكر قلبك و جاف عن الليل جنبك و اتق الله ربك و قال ايضا عليه السلم التفكر يدعو الي البر و العمل به و قال النبي صلي الله عليه و آله التفكر حيوة للقلب البصير تمشي به كما يمشي ( التفكر حيوة قلب البصير كما يمشي خ‌ل ) المستنير في الظلمات بالنور و قال الصادق عليه السلم الفكر مرءات الحسنات و كفارة السيئات و ضياء القلوب ( القلب خ‌ل ) و فسحة للخلق و اصابة في صلاح المعاد و اطلاع علي العواقب و استزادة في العلم و هي خصلة لايعبد الله بمثلها قال النبي صلي الله عليه و اله فكر ( فكرة خ‌ل ) ساعة خير من عبادة سنة و لاينال منزلة التفكر الا من خصه الله بنور التوحيد و المعرفة و عنه صلي الله عليه و اله افضل العبادة ادمان التفكر في الله و في قدرته .

فاذا تفكرت في هذه الامور في نفسك و تقلب احوال الدنيا و اضمحلالها و عدم سكونها و ثبات و استقرار عزتها و ذلتها و فقرها و غناها [ص 11] و صحتها و سقمها و عدم وفاء الاخوان و نصيحة الخلان و عدم الانتفاع بالاولاد و البنين و امثال ذلك و داومت النظر و التفكر في ذلك و اشباهه فلا بد ان تستولي عليك عظمة الله سبحانه و يحصل لك الانزعاج عن ( من خ‌ل ) الدنيا و الرغبة في الاخرة و ينصرف ( يصرف خ‌ل ) ذهنك و عقلك الي الملأ الاعلا فترد عليك الافاضات الالهية و يصير قلبك محلا للانوار القدسية و العلوم الحقيقية بشرط ان تلاحظ مع التفكر الاستقامة في الاحوال و الاقوال و الحركات و السكنات و انحاء المعاشرات و هي الاستقامة المأمور بها في قوله عز و جل و استقم كما امرت و قد قال النبي صلي الله عليه و اله شيبتني هذه الاية علي المعنيين اما لصعوبة الامتثال و عظمته بحيث تنهد به القوي و الجوارح من خشية الله ( خشيته خ‌ل ) سبحانه و استشعار عظمته و اما لان الامتثال بها مورث للكمال المطلق الذي هو مقتضي مقام الشيبة .

اما الاستقامة في الاحوال :

اما في الاكل و الشرب فبان لاتأكل ما استطعت الا الطيب و جانب الشبهات ما قدرت سيما في اول الامر قبل استقرار النفس في الاطمينان فان الشبهات تورث ( تحدث خ‌ل ) القساوة في القلب و البلادة و الحمق و تحدث الظلمة في اقطار البدن في الظاهر و الباطن او كل كما قال العسكري عليه السلم كل بحيث لو كان حلالا لايزداد عليك طول الحساب يوم القيمة و لو كان حراما لماضرك اذا اخذت منه بقدر سد الرمق و ما يمسك به النفس لا ما زاد عليه الا ان ذلك درجة المقربين و مرتبة الصديقين الذين اكلهم ليس لللذة ( للذة خ‌ل ) و لا للقوة بل لحفظ بقاء البدن في هذه الدنيا مركبا للروح ليتزود بها منه الروح زادها ليوم معادها و اما الراجون و الخائفون فهم يأكلون للقوة و النشاط للعمل لما يرجون من مثوباته تعالي و يخافون من عذابه و عقابه و اما المؤمنون من سائر العوام فلربما يأكلون لللذة ( للذة خ‌ل ) ليكسر نفوسهم عن الميولات التي تحصل بها اللذة بغير الحلال الطيب و اما المتفكهون الهالكون [ص 12] فهم الذين يأكلون للتلذذ الجسداني و النشاط النفساني و لهم قال النبي صلي الله عليه و اله من كان همته ( همه خ‌ل ) ما يدخل في بطنه كان قدره ما يخرج من بطنه و ان كان لايسلم منه علي الحقيقة الا المقربون الصديقون و اما قدر الاكل و الشرب فانه ( فان خ‌ل ) لايمتلي البطن منهما و علامته الاكل بما دون الرغبة و شدة الاحتياج و كذلك الشرب فلاتأكل حتي تجوع فاذا اكلت فلاتشبع و علامة ذلك انك بعد ما فرغت من الطعام تشتهي النفس اياه و لاتزال الشهوة الي ساعة و بعدها ترتفع مع ان هذا المقدار من الاكل يقوي الروح و يصفي الباطن و يقوي الجسد و ينضج الطبيعة و يقوي الحرارة الغريزية كما ذكره الاطباء و ذلك معلوم واضح انشاء الله و لاتشرب حتي تعطش فاذا شربت فلاترو لان الشرب يجب ان يكون ثلثي الاكل و العطش في صحيح المزاج ينشئ ( ينبئ خ‌ل ) عن ذلك و سد العطش علامة الاكتفاء و الزيادة فضول تورث ( تحدث خ‌ل ) الكدورة و هي تناسب الشياطين و الجان الذين يسكنون في الماء فيتعلقون بها و يحدثون البلادة و الحماقة في النفس و يهيجون المواد الباردة و الرطبة و يتولد الصداع و اللقوة و الفالج و خللا في الرية و امثالها و علامة الاكل للتفكه و التلذذ هي ان اذا لم‌يجد الطعام اللذيذ الموافق للطبيعة و الماء البارد العذب يتألم و يتكدر خاطره او تتأثر نفسه او يتكلف في طلبه و امثالها من انحاء الاعتناء و اما المؤمن العارف فليس بصدد ذلك فيتساوي عنده اللذيذ و غيره فان وجد اللذيذ اكله و ان لم‌يجد لايتأثر له و يأكل غيره بطيب الخاطر و سعة النفس كأن يأكل ( كما يأكل خ‌ل ) اللذيذ و ان يشق عليه ( عليك خ‌ل ) هذا التساوي ينظر ( فانظر خ‌ل ) فيما يترتب عليهما فان الفائدة فيهما واحدة و مضار اللذيذ كثير ( كثيرة خ‌ل ) و نتن المدفوع منه ( عنه خ‌ل ) شديد قبيح و النتن من المعصية فلا بد ان يكون عند اكل غير اللذيذ اطيب خاطرا و اوسع نفسا و اقر عينا لا انه ترك ( يترك خ‌ل ) الطعام [ص 13] الطيب اللذيذ بالكلية و اللحوم و ساير ما احل الله من طيبات الرزق نعم يبالغ في تقليل الاكل لا بحيث تشغل النفس بطلبه عن التوجه اليه سبحانه و الاشتغال بطاعته بل يأكل و يشرب بحيث ينسي البطن بالكلية و هو الحد الجامع .

و اما اللباس فيقتصر علي ما يستر به عورته و الزايد يكون وجوده و عدمه عنده علي السوية لا انه يترك اللباس الحسن بالكلية الا اذا حصل للنفس عجب عند لبسه فح يجب تركه و لا انه يلبس اللباس الردي بحيث يمقت النفس و لاتميل الي الطاعة ابدا كل ذلك اذا حصل له من الحلال الطيب و الا فيترك وجوبا ان كان من الحرام و استحبابا ان كان يريد وجه الله و الدار الاخرة ان كان من الشبهة و وجوبا ان كان يريد الله سبحانه وحده كما في الدعاء انت لا غيرك مرادي و لك لا لسواك سهري و سهادي و لقاؤك قرة عيني و وصلك مني نفسي الدعاء ، و يتفكر عند لبس اللباس ان هذا اللباس يستر عورتي الجسماني و ذلك دليل اللباس المعنوي الذي هو ساتر العورات المعنوية فلا بد من تحصيله و الا يفتضح ( فيفتضح خ‌ل ) بكشف العورة فانها اقبح من العورة الجسدية و ذلك اللباس لباس التقوي ذلك خير و العورة هي المعاصي التي لاينفك عنها ممكن في كل مقام بحسبه .

و اما النوم فلاتنم ما لم‌يغلب عليك النوم و قلل النوم ما استطعت فان كثرة النوم يدع الرجل فقيرا يوم القيمة و لاتجعل همك النوم و لاتعين له وقتا فكلما استيقظت قم و اقعد و توضأ و اسجد لله قبل ان تقوم من مضجعك و قل : الحمد لله الذي احياني بعد ما اماتني و اليه البعث و النشور ، فاذا كان في الليل انظر الي افاق السماء و اقرء الايات و الادعية المأثورة و فكر في الكواكب و طلوعها و غروبها و الافلاك و حركتها و سرعتها و بطؤها و فكر ان ذلك بعث بعد موت و الليل مظلم و العيون هجع و الاصوات مخفية فاغتنم الفرصة و ناج مع محبوبك في الخلوة و اشك عنده ضرك [ص 14] و بلواك و اطلب منه ان يوصلك الي محبته و هواه و ان غلب عليك النوم مرة اخري فنم بقدر الضرورة ثم استيقظ و تطهر و اعمل ما قلنا لك و تهجد و اخضع و ابك و تأمل ان ذلك بعث النشور بعد الموت في البرزخ و خذ اهبتك و استعدادك لذلك اليوم فان الدنيا خلقها الله سبحانه بلاغا للاخرة و دليلا عليها و لاتزال تفعل كذلك الي الصباح و عليك بقلة النوم في الليل فان المؤمن هو الذي يكون نهاره ليلا و ليله نهارا يعني لاينام في الليل كالنهار و لايخرج من مسكنه و لايعاشر الناس في النهار كالليل و قد قال عز و جل ان ناشئة الليل هي اشد وطأ و اقوم قيلا و الناشئة هي النفوس التي تنشأ و تنبعث في الليل و تعبد لربها في ظلمة الليل عند سكون ( سكوت خ‌ل ) الاصوات و هجوع العيون فاذا سهرت في الليل فنم في النهار نوم القيلولة فان النوم في النهار علي خمسة اقسام كما عن النبي صلي الله عليه و اله نوم العيلولة بالعين المهملة و هو النوم بين الطلوعين و هو نوم اللعنة و ذلك النوم يورث المرض و العلة في البدن لزيادة برودة الليل الباقية الي الصباح و برودة الهواء و الارض و برودة النوم ثم ان بين الطلوعين هو محل الافاضات و ينبوع الخيرات و هي ساعة الجنة و فيها تقسم الارزاق و تقدر الاجال و ساير الصفات و الاحوال فاذا نام الشخص ينام عن حظه لان النائم ليس مقابلا لفوارة النور التي تنشأ عنها الحرارة و الرطوبة و انما هو مقابل لفوارة البرودة و اليبوسة التي عنها الموت و نوم الفيلولة بالفاء المعجمة اي الفتور و الضعف و هي النوم بعد طلوع الشمس في صدر النهار و انما يحدث الفتور لان حرارة الشمس تدارك البرودة الا ان البرودة ايضا غالبة من جهة عدم اشتداد الحرارة و برودة النوم فلايحصل النضج التام فيحصل الفتور و الضعف الناشيان عن عدم نضج البنية و زيادة المادة البلغمية و نوم القيلولة [ص 15] بالقاف و هي نوم قبل الزوال بساعة لقوة الحرارة في ذلك الوقت و اذا اعانته حرارة اليقظة تستلزم الضعف و النوم في ذلك الوقت مطلوب مرغوب فيه و القيلولة بمعني زيادة العقل كما عنه صلي الله عليه و اله و ذلك النوم يعين للقيام في اخر الليل لصلوة التهجد و الاستغفار فالمتهجد لا بد ان ينام في ذلك الوقت ليستريح بدنه و يسكن قلبه و يطيب ريحه و يتهيج و ينعش حرارة ( حرارته خ‌ل ) الغريزية و بيان وجوه هذه الامور يطول به الكلام و لست بصدده و نوم الحيلولة و هو النوم بعد الزوال او حين الزوال فانه يحول بينه و بين الصلوة و ظلمة تأخير الصلوة تعارض نفع النوم في ذلك الوقت فيكون مرجوحا و نوم الغيلولة بالغين المعجمة بمعني الهلاك و هو النوم في اخر النهار لانه يورث الامراض المهلكة في الظاهر و الباطن و وقت انبثاث الشيطان جنوده و تفصيل المقال في هذه الاحوال غير ما نحن فيه و لاينام بعد الغذاء في الفور بل يمهل ساعة حتي يستقر الغذاء في المعدة و ينام اول الليل ان كان لا بد له من النوم ليقوم بعد النصف من الليل فاذا اوي الي فراشه يذكر مقدمات الموت فاذا نام اضطجع اولا فيذكر حالة الاحتضار و انه كان يتمني ان يمهله ملك الموت و لو ساعة و دقيقة ثم ينام الي جنبه الايمن فيذكر حالة كونه علي السرير للغسل و تقلبه الي الجانب الايمن ثم ينام الي جنبه الايسر ملاحظا لتلك الحالة عند الغسل ثم يرد الي الجانب الايمن و رأسه الي المغرب و رجليه الي المشرق ليكون وجهه الي ناحية القبلة علي هيئة دخوله في القبر و يتذكر تلك الحالات و يراجع ( يرجع خ‌ل ) الاعتقادات و يشهد الشهادتين و يتعوذ من الشيطان ثم يجعل يده اليمني تحت رأسه اي وجنته اليمني و يقول : اللهم اني اشهدك انك افترضت علي طاعة اميرالمؤمنين علي بن ابيطالب و الحسن و الحسين و علي بن الحسين [ص 16] و محمد بن علي و جعفر بن محمد و موسي بن جعفر و علي بن موسي و محمد بن علي و علي بن محمد و الحسن بن علي و الحجة بن الحسن ، و يقرأ الادعية المأثورة عنهم عليهم السلم عند المنام و ليكن علي طهارة من الوضوء او الغسل او التيمم لا اقل و يذكر الله بالتفكر و التدبر حتي يأخذه النوم فيكون ح نفسه تسبيحا بشرط ان لايكون البطن ممتليا من الطعام و الشراب و يري المنامات الحسنة و المبشرات التي هي جزء من سبعين جزء من النبوة .

و اما القيام و القعود ففي وقت التفكر و النظر و العبرة يقعد علي هيئة قعود النبي صلي الله عليه و اله و هو قعود الواثب و تلك الصورة هي صورة محمد صلي الله عليه و اله في الحروف المكتوبة و تلك جلسة الخدام لانها اقرب الجلسات الي القيام و هي اجمع للحواس و اوفر للعقل و تميل بالفهم الي المدارك العالية و في وقت الدعاء و المناجاة يجلس جلسة العبيد و هي صورة الجلوس للتشهد في الصلوة متوركا و هي علي هيئة لا اله الا الله في الصورة اللفظية و التربيع جلسة الكسلان يجلس للاستراحة و احدي رجليه علي الاخري جلسة المتكبر ( التكبر خ‌ل ) فليجتنب الجلسات غير الاوليين ( الاولتين خ‌ل ) فانهما هي المحمودة الممدوحة ، فاذا جلس الجلسة الاولي يذكر اني عبد مترصد مترقب لخدمة مولاي فيما يأمرني به منتظر لها فيشتغل بالمولي و بعظمته ( تعظيمه خ‌ل ) و كبريائه و جلاله و عزته و انحاء خلقه الي ان يأمره و يأتي اوان امتثاله و في الجلسة الثانية يجلس منتصبا ظهره غير مايل به الي التقويس يذكر اني عبد ذليل خاضع خاشع فقير محتاج باطل مضمحل عند جبروته و عظمته ادعوه و لاادعو غيره و يذكر في هذه الجلسة جلوسه في المحشر بين يدي الجبار للحساب و قرائة الكتاب و هو قوله تعالي و تري كل امة جاثية كل امة تدعي الي كتابها الاية ، و الجاثية ( و جاثية خ‌ل ) هي القاعد متوركا فاذا ( و اذا خ‌ل ) ذكر ان موقفه و مجلسه [ص 17] من ذلك الموقف و المجلس يشهد الشهادتين و يذكر الاعتقادات و يستعد للجواب في يوم الحساب و يجعل جلساته كلها منحصرة فيهما الا انه يلاحظ المناسبة في المقامات و عند القيام يقوم منتصبا بحيث يستقر جميع الاعضاء في المحل الذي خلقه الله سبحانه فيه و لايميل بها عن الاستقامة ( الاستقامات خ‌ل ) و المحاذاة كالالف و لايقوس ظهره فانه يفسد البنية سريعا فيما بعد فاذا قام يذكر انه عبد لله سبحانه قائم بخدمته و وجهه ناظر اليه و معتمد عليه ثم يشكر الله سبحانه حيث لم‌يجعله منكس الرأس و محدوب الظهر الذين هما من هياكل النفاق و الشرك و الكفر . فاذا وجد ظاهره علي هيكل التوحيد فليبذل جهده لان يجعل باطنه ايضا كذلك و علامة كون الباطن عليه ان لايغفل عن الله سبحانه ليكونه ( ليكون خ‌ل ) وجهه متوجها الي الاعلي و ان يذكر فقره و فاقته و عجزه ليكون رجليه الي الارض و ان لم‌يكن مشتغلا بذكر الله فوجهه متوجه الي الاسفل و يديه في الارض ( في الاسفل خ‌ل ) لان يأكل و يستمد من الاسفل لا الاعلي فيكون ح بهيمة من البهايم نستجير بالله من ذلك فقد صار موجودا بما هو حيوان دون ان يكون موجودا بما هو انسان كما قال اميرالمؤمنين عليه السلم و لايقوم الا لامر ( لايقوم لامر الا و خ‌ل ) فيه محبة الله سبحانه .

و اما المشي فيمشي سويا الي صراط مستقيم و يمشي علي الاستقامة و الاعتدال يعني لايعوج الطريق بمشيه و لايميل ببعض اعضائه الي جهة غير الجهة التي تمشي ( يمشي خ‌ل ) اليها و الاعضاء الاخر متوجه الي الجهة التي يمشي اليها و يمشي مع السكينة و الوقار فانهما علامة ( فانها علامتا خ‌ل ) الايمان فلايلتفت الي اليمين و الشمال بل يكون التفاته بين رجليه و يمشي مستقهرا تحت عظمة الله و كبريائه و مضمحلا لدي قهاريته و بهائه خاضعا ذليلا و لايمشي الا الي الوجه الذي فيه رضي الله و محبته و لايمشي سريعا مفرطا و لا بطيئا كذلك بل متوسطا و يكون الي السرعة اقرب منه الي [ص 18] البطؤ و يذكر حال المشي حركته اليه تعالي بالاستدارة و استمداده منه و انه اذا لم‌يطلب لايصل اليه الفيض و النور و العمل هو الطلب و الحركة و العلم هو النور و هو قوله عليه السلم العلم يهتف بالعمل فان اجابه و الا ارتحل .

و اما ساير الاحوال فابك كثيرا ما استطعت من خشية الله تعالي و ذلتك و فقرك و في مصيبة الامام المظلوم سيد شباب اهل الجنة فان البكاء في مصيبته افضل الطاعات و الاعمال و القربات يجلب الرزق و يشرح الصدر و ينور القلب ( القلوب خ‌ل ) و يورث العزة و يذهب بالفقر ( الفقر خ‌ل ) و الفاقة و عليك بمجالسة من يذكر الحسين عليه السلام و الجلوس في المجلس الذي يذكر فيه الائمة عليهم السلم فان نور الله الاعظم ظاهر في ذلك المجلس فالجالس فيه مغمور بكله من ظاهره و باطنه في نور الله تعالي و سعة رحمته و التفات جميع الانبياء و الاولياء خصوصا اشرف الانبياء محمد و اله صلي الله عليه و اله فمن شملت ( شملته خ‌ل ) عنايتهم و التفاتهم فلايشقي ابدا و لاتضحك كثيرا فان الضحك الكثير يميت القلب و يذهب بالبهاء و الوقار و الطمأنينة اللازمة للمؤمن و هي علامة الايمان و تأمل في قوله تعالي فليضحكوا قليلا و ليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون و استشعر الحزن و جلبب الخوف و لاتكن عبوسا و لا ضحاكا بالقهقهة بل كن بشاشا واسع الخلق .

و اجعل لك وقتا في الخلوة في الليل و ( او خ‌ل ) النهار تنظر فيه الي اثار الصنع و تتفكر في العالم و كيفية التفكر ان تجمع قلبك و حواسك و كيفية اجتماع القلب ان تترك الهموم و الغموم الدنياوية فلاتهتم بشيء فاتك و اسئل الله ان يبلغك احسن مما فاتك فانه ذو الفضل العظيم و ان تستشعر عظمة الله سبحانه و قهاريته و سطوته و اضمحلال ما سواه عنده فيجتمع القلب ح اذ لايمكنه ح الا النظر الي نوره و بهائه و عظمته سبحانه فاذا اجتمع القلب فانظر في العالم بنظر العبرة ( الحيرة خ‌ل ) و الاعتبار و التعجب [ص 19] و في ( في خ‌ل ) كيفية خلق هذا الخلق العظيم علي اختلاف مقاماتهم و درجاتهم و مراتبهم و ما الذي اراد من الخلق في ايجادهم و ينظر الي اختلاف مراتب الجماد و النبات و الحيوان و اختلاف صفات كل جنس و نوع و شخص و في هيئة الانسان و احوالها و اوضاعها و امثالها من الاطوار و الاحوال و الحركات و السكنات و يتحير ( تتحير خ‌ل ) فيها فاذا استمر نظره ( نظرك خ‌ل ) هكذا مرة يجد ( مدة تجد خ‌ل ) امرا عجيبا غريبا و لايمل ( لاتمل خ‌ل ) من طول الفكر النظر اذا لم‌يعرف ( لم‌تعرف خ‌ل ) شيئا فانك حين النظر و الفكر متعلم عند الله تعالي فان اعطاك فله الحمد و ان منعك فله الحمد و كن في الحالين راضيا شاكرا و لاتترك الطلب و الفكر فان من قرع بابا و لج ولج و طلب و جد ( و من طلب شيئا و جد خ‌ل ) وجد . و وجه اخر للفكر هو ان تنظر ( ينظر خ‌ل ) الي العالم و الاشياء مع اجتماع القلب من غير ان تذهب بوهمك الي شيء فانظر رحمة الله كيف ما اراد يجعل و قلبك متوجها اليه و يعرفك السر المستودع فيه و اعلم يقينا ثابتا جازما انك لن‌تنال رتبة العلوم و لن‌تذوق حلاوة الحكم و الاسرار الا بطول التفكر و النظر لا محض العمل و كثرة العبادة فانها من غير التفكر لاتفتح ( لايفتح خ‌ل ) ابواب الحكمة و اسرار حقيقة المعرفة و التفكر بدون العبادة لاتوصل الي الحق بل يؤدي ( تؤدي خ‌ل ) الي مكائد الشيطان و دعوة النفس الامارة بالسوء فاذا ذهب وهمك حال التفكر الي امر اخر من امور الدنيا التفت الي عظمة الله سبحانه و لاتهتم ( لاتهم خ‌ل ) لما ذهب اليه وهمك فانه يزيد في تفرقة الحواس و وسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة و الناس و بالغ في التفكر كثيرا فاني اوصيك بذلك لتصل الي اعلي مقامات القرب و اقصي مدارج العلم .

و وظف اوقاتك و لاتضيعها بالبطالة و اصرفها فيما خلقت لاجله ،

فاذا اصبحت فصل النافلة اي نافلة الصبح في اول وقت طلوع الفجر الصادق ثم صل الفريضة في اول وقتها فان مراعات الاوقات و محافظتها من [ص 20] اعظم القربات لان الصلوة في اول الوقت جزور و في اخره ( في اخر الوقت خ‌ل ) عصفور و في اول الوقت رضوان الله و في اخر الوقت عفو الله و هو قوله تعالي حافظوا علي الصلوات و الصلوة الوسطي و قوموا لله قانتين و محافظة الصلوة ( الصلوات خ‌ل ) ادائها في اول وقتها فان ذلك يدل علي كمال اعتناء العبد بخدمة مولاه فاذا اصبحت و خرجت من ظلمة الليل اذكر حال خروجك من ظلمة العدم الامكاني الي مبدء الوجود الكوني و من ظلمة البطن الي طلوع صبح هذا العالم و كنت لاتدرك و لاتعلم و لاتعقل ( و لاتعقل و لاتعلم خ‌ل ) و لاتعرف شيئا فاخضع و اخشع و صل لمن رباك صغيرا في بطن الام و حفظك عن الالام و الاسقام المهلكة حتي اخرجك الي هذه الدنيا و كنت لاتستطيع لنفسك نفعا و لا ضرا و لا موتا و لا حيوة و لا نشورا و لاتقدر ان توصل اليك نفعا او تدفع عنك ضرا فاجلس ح جلسة العبد الخاضع الذليل الذي لايقدر علي شيء و هو كل علي مولاه اينما يوجهه لايأت بخير و هي كما ذكرنا جلسة المتورك في حال التشهد و اشتغل بذكر الله سبحانه و افضل الذكر بعد الصلوة تسبيح مولاتنا و سيدتنا الزهراء علي ابيها و بعلها و بنيها و عليها الاف التحية و الثناء ثم بعد ذلك اقرء دعاء الصباح و المساء المروي عن اميرالمؤمنين عليه السلم ليلة المبيت في الفراش و عن الصادق عليه السلام الا انه قال عليه السلم تجعل السبحة من طين قبر الحسين عليه السلم بيدك و تقرأ هذا الدعاء ثلثا ثم تقبل السبحة و تجعلها علي عينيك و تقول : اللهم اني اسئلك بحق هذه التربة المباركة و بحق صاحبها و بحق جده و بحق ابيه و بحق امه و بحق اخيه و بحق ولده الطاهرين اجعلها شفاء من كل داء و امانا من كل خوف و حفظا من كل سوء ، ثم يقول ( تقول خ‌ل ) هذه الكلمات عشرا فقد ورد عن النبي صلي الله عليه و اله من قال هذه الكلمات كل يوم عشرا غفر الله له اربعة‌الاف كبيرة و وقاه من شر [ص 21] الموت و ضغطة القبر و النشور و الحساب و الاهوال كلها و هي مائة‌الف هول اهونها الموت و وقي من شر ابليس و جنوده و قضي دينه و كشف همه و غمه و فرج كربه و هي هذه : اعددت لكل هول لا اله الا الله و لكل هم و غم ما شاء الله و لكل نعمة الحمد لله و لكل رخاء الشكر لله و لكل اعجوبة سبحان الله و لكل ذنب استغفر الله و لكل مصيبة انا لله و انا اليه راجعون و لكل ضيق حسبي الله و لكل قضاء و قدر توكلت علي الله و لكل عدو اعتصمت بالله و لكل طاعة و معصية لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم ، و هذا دعاء عظيم مفتاح الكنوز و فتاح الرموز مشتمل علي احدعشر فصلا كل فصل مبدء خير و مصدر نور فلو قرأته بعدد حرف كل فصل يكون فيه بلوغ ما تضمنه مثلا اذا دهتك داهية و اصابك هول تذكر لا اله الا الله بعدده الكبير او بتنزيل العشرات الي الاحاد لكن بشرط التوجه التام و الاقبال العظيم و اذا اصابك هم و غم فقل ما شاء الله بعدده و اذا انعم الله عليك نعمة دنيوية او اخروية فقل الحمد لله ليبقي لك اياها و يستمرها عليك ( و تستمر عليك خ‌ل ) و اذا اذنبت فقل استغفر الله بعدده مع الندم و ان اصابتك مصيبة في دنياك او في دينك العياذ بالله فقل انا لله و انا اليه راجعون بعدده ليقيك الله عن ( من خ‌ل ) شر كل مصيبة و يبدلها لك بنعمة كاملة شاملة باقية و اذا ضاقت عليك الامور و تعسرت عليك المهمات و اقبلت عليك الشدايد التي لا مهرب و لا مفر لك عنها فقل حسبي الله بعدده مع التوجه فان الله سبحانه يخلصك عن الضيق الذي انت عليه البتة انشاء الله تعالي و اذا توجه اليك قضاء السوء و شر القدر فالجأ الي حصن ذكر توكلت علي الله بعدده الكبير او غيره فان الله تعالي يكفيك و ( او خ‌ل ) يدفع عنك ذلك القضاء و القدر بكرمه و فضله و اذا قصدك عدو بسوء او خفت من احد فقل اعتصمت بالله بعدده فان الله تعالي يؤمنك [ص 22] و ينجيك من عدوك البتة انشاء الله تعالي و اذا عصيت او اطعت و خفت ان يدخلك عجب او لايقبل منك فقل لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم بعدده فان الله سبحانه يغفر لك ذنبك و يوفقك للطاعة المقبولة و كذلك اذا خفت ان تقع في المعصية او لاتوفق للطاعة فقل هذا القول ايضا بعدده فان الله سبحانه يقيك عن المعصية و يوفقك للطاعة و بالجملة ادع هذا الدعاء مجملا و مفصلا و واظب عليه في الحالات كلها فتري منه غرايب و عجايب و يقضي لك جميع مهمات الدنيا و الاخرة و هذا لا اختصاص له بوقت الصبح و انما ذكرت في تعقيب الصبح لان الحواس في هذا الوقت اجمع و ورود الافاضات و الخير فيه اكثر لما قلنا من انه ( انها خ‌ل ) ساعة من ساعات الجنة و فيه خلق فلك جوزهر القمر و فيه كان عقد الصديقة الطاهرة لعلي عليه السلم لانه قد وقع في الجنة و هذه الساعة ( الساعات خ‌ل ) منشأها و مظهرها و ينبوعها في الدنيا و لذا ورد ان الجلوس علي المصلي الي طلوع الشمس يوسع الرزق و يجلب المال و صل علي محمد و ال‌محمد كل يوم الف مرة و ان يصعب عليك صل كل يوم مائة مرة و يوم الجمعة الف مرة كما روي عنهم عليهم السلم و افضل اوقاتها اول الفجر و اول طلوع الشمس و اول الزوال و ان استطعت ان تلعن اعدائهم بعد العصر و عند ( العصر عند خ‌ل ) الغروب الف مرة او مائة مرة فافعل فانه تمام الخير و لاحظ في هذه الاحوال كلها نفسك و فقرها و حاجتها و ربك و غناه ( معناه خ‌ل ) و بابه فامح نفسك في وجدانك و التفت الي الواحد من غير اشارة و لا كيف .